← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

٢ - الاستبسال في الجهاد، فقد أثنى عمر ﵁ على من تحلى بذلك. قدم الرسول إلى عمر ﵁، بنعي النعمان بن مقرن المزني ﵁، فسأله عمر ﵁ عن الناس. فقال: أصيب فلان وفلان آخرون لا أعرفهم. فقال عمر: لكن الله يعرفهم، فقال: يا أمير المؤمنين، ورجل شرى نفسه، فقال مدرك بن عوف (١): ذلك والله خالي يا أمير المؤمنين، زعم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه ممن شرى الآخرة بالدنيا (٢). ٣ - التقوي على مجاهدة العدو. فقد حث ﵁ جنده على تقوية أبدانهم في أرض القتال

стр. 1052

حتى يتمكنوا من مقاومة العدو، ومن ذلك أمره ﵁ لجنده بالإفطار في رمضان، وكانوا يحاصرون حصناً للعدو (١). ومن التوجيهات الهامة التي وجه إليها عمر ﵁ قادة جيشه، عدم المغامرة وتعريض قوات المسلمين للمخاطر والمهالك، والعمل على الإقلال من الخسائر البشرية بقدر المستطاع. ومن ذلك إعلامه ﵁ بجنده وقادتهم أن تراجعهم عن مواجهة العدو في أرض المعركة وانسحابهم إلى ديار المسلمين عند إحساسهم بعدم تكافء كفة القتال، وشعورهم بالخطر المحقق، أن ذلك

стр. 1053

لا يعد فراراً من الزحف، وإنما هو من الرجوع إلى فئة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). فلما بلغ عمر ﵁ مقتل أبي عبيد الثقفي (٢) ﵁ قائد موقعة الجسر (٣)، وهزيمة جيشه، قال: إن كنت له فئة لو انحاز إلي (٤). ولما رجع بعض جيشه إلى المدينة قال لهم عمر ﵁: أنا فئتكم (٥).

стр. 1054

وأمر عمر ﵁ قادة جيشه بعدم المغامرة بأنفسهم، وحذرهم من نزول الأماكن التي يمكن أن يكمن لهم فيها عدوهم، ويفرق جمعهم، وذلك كالغابات الكثيفة الشجر، والمستنقعات المائية، ونحوها، قال ﵁ وهو يوصي قادة جيشه بجند المسلمين: ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم (١). ومما روي عن عمر ﵁ في عدم الإقدام على المهالك، أنه قال: لا تستعملوا البراء بن مالك (٢) على جيش من جيوش المسلمين، فإنه مهلكة من الهَلك يقدم بهم (٣). ومن المبادئ التي روي عن ﵁ توجيه قادته للتحلي بها هو التريث والتعقل والتؤدة في إدارة العمليات العسكرية، ولا شك أن هذا المبدأ مبدأ في غاية الأهمية، وما ثبت عن عمر ﵁ من أخذه

стр. 1055

بمبدأ الشورى (١) في القتال يدل عليه. فالقائد الذي يشاور أصحابه، وأهل الرأي منهم، يبعد عنه التعجل والتهور، واتخاذ القرارات الفردية، ويكون أقرب إلى الصواب والحق. روي عنه ﵁ أنه لما بعث أبا عبيد إلى العراق، بعث معه سليط بن عمرو الأنصاري (٢) ﵁، وقال له: لولا عجلة فيك لوليتك، ولكن الحرب زبون (٣) لا يصلح لها إلا الرجل المكيث (٤). وقد أمر عمر ﵁ قادته وجنده وأوصاهم ببعض الآداب التي ينبغي أن يتحلوا بها في تعاملهم مع عدوهم في أرض المعركة. وهي آداب أمر بها الله في كتابه العزيز، وعمل بها رسوله ﷺ .

стр. 1056

ومن تلك الآداب دعوة العدو من أهل الكتاب ومن يلحق بهم إلى الإسلام قبل القتال فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالقتال. قال ﵁ وهو يوصي سلمة بن قيس الأشجعي (١) ﵁ أحد قادته لقتال الفرس: وإذا انتهيت إلى القوم فادعهم إلى الإسلام والجهاد، فإن قبلوا فهم منكم، فلهم مالكم، وعليهم ما عليكم، وإن أبوا فادعهم إلى الإسلام بلا جهاد، فإن قبلوا فاقبل منهم، وأعلمهم أنه لا نصيب لهم في الفيء، فإن أبوا فادعهم إلى الجزية، فإن قبلوا فضع عنهم بقدر طاقتهم، وضع فيهم جيشاً يقاتل من روائهم، وخلهم وما وضعت عليهم، فإن أبوا فقاتلهم (٢). ومن آداب القتال التي حث عمر رضي الله جنده على التخلق بها أثناء القتال، عدم الغدر بالعدو بعد إعطائه الأمان، قال ﵁ لجنده: ولا تغدروا (٣). وقد أوضح ﵁ لجنده وقادتهم أن إعطاء الأمان يكون أماناً باللفظ الدال عليه سواء كان بالعربية أم بغيرها. قال ﵁: إذا قال الرجل للرجل: لا تخف فقد أمنه، وإذا

стр. 1057

قال: مطرس، فقد أمنه، وإذا قال: لا تدحل (١) فقد أمنه، فإن الله يعلم الألسنة (٢). وأجاز عمر ﵁ أمان العبد، وبين ﵁ أنه لا فرق بين أن يؤمن العدو حر أو عبد من المسلمين، وإليك هذه القصة الدالة على ذلك، وفيها دلالة أيضاً على شدة تحري عمر ﵁ العدل وترك الظلم حتى مع أعداء الإسلام، وفيها دلالة واضحة على الهدف السامي، والغاية النبيلة من الفتح الإسلامي، وهي نشر الدين وليس نهب خيرات البلاد المفتوحة، وسبي ذراريها ونسائها. قال فضيل بن زيد الرقاشي ﵁ (٣)، وكان غزا على عهد عمر ﵁ سبع غزوات: بعث عمر جيشاً، فكنت في ذلك الجيش،

стр. 1058

فحاصرنا أهل سيراف (١)، فلما رأينا أنا سنفتحها من يومنا ذلك، قلنا: نرجع فنقيل ثم نخرج فنفتحها، فلما رجعنا تخلف عبد من عبيد المسلمين فراطنوه فراطنهم، فكتب لهم كتاباً في صحيفة ثم شده في سهم، فرمى به إليهم، فخرجوا، فلما رجعنا من العشي وجدناهم قد خرجوا، قلنا لهم ما لكم؟ قالوا: أمنتمونا، قلنا: ما فعلنا، إنما الذي أمنكم عبد لا يقدر على شيء، فارجعوا حتى نكتب إلى عمر بن الخطاب، فقالوا: ما نعرف عبد كم من حركم، ما نحن براجعين، إن شئتم فاقتلونا، وإن شئتم قفوا لنا. قال: فكتبنا إلى عمر فكتب إلينا: إن عبد المسلمين من المسلمين ذمته ذمتهم، فأجاز عمر أمانه (٢).

стр. 1059

ومن تلك الآداب عدم التمثيل بالقتلى، والنهي عن قتل الصبيان والنساء والشيوخ. قال ﵁: ولا تمثلوا، ولا تقتلوا امرأة، ولا صبياً، ولا شيخاً هِمًّا (١). ومن الآداب التي حث عمر ﵁ جنده بعد فراغهم من القتال ونصرهم على عدوهم عدم الغلول من الغنيمة والأخذ منها قبل قسمتها، وأخذ كل مقاتل سهمه الذي قرره كتاب الله وسنة نبيه (٢) ﷺ لما في ذلك من العدوان على حق الله ورسوله في الفيء أولاً، وعلى حقوق جند المسلمين ثانياً. هذا ما أردت كتابته فيما يتعلق بالنواحي الجهادية، وأشير هنا إلى أني لم أتطرق لمسألة قادة عمر ﵁ العسكريين، وذلك لأن كبار قادة عمر ﵁ الذين أوكل إليهم مهمة قيادة جيوش المسلمين الفاتحة، كانوا هم ولاة عمر ﵁ في البلاد المفتوحة، كولاة العراق، والشام، ومصر أو ولاة المناطق القريبة من مناطق الفتح كعمان والبحرين، وقد تقدم ذكرهم في مبحث الولاة.

стр. 1060

وفاة عمر ﵁ واستشهاده. إن الاستشهاد في سبيل الله مطلب نبيل، وغاية سامية يتطلع إليها كل مؤمن صادق الإيمان، موقن بما أعده الله للشهداء في سبيله من عظيم الكرامات، ورفيع الدرجات في دار رضوانه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١). ولقد كان عمر ﵁ يسأل الله الشهادة في سبيله، وأن يجعل موته في بلد رسوله ﷺ . قال ﵁: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك (٢). وفي رواية أنه قال: اللهم ارزقني قتلاً في سبيلك، ووفاة في بلد نبيك، فقالت حفصة ﵂: وأنى ذلك؟! فقال ﵁: إن الله يأتي بأمره أنى شاء (٣).

стр. 1061

وكان ﵁ يدعو بذلك مع بشارة النبي ﷺ له بحيازة هذه المرتبة العظيمة، والمنزلة الرفيعة، وذلك لحرصه الشديد على الشهادة ﵁. قال أنس بن مالك ﵁: صعد النبي ﷺ إلى أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فرجف بهم، فضربه برجله، وقال: اثبت أحد، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان (١). ومكن الله لعمر ﵁ في الأرض، وفتح على يديه الفتوحات العظيمة، وانتشرت رعيته، وكبرت سنه ﵁، فأحس بدنو أجله وانقضاء أيامه، قال ﵁ لما قفل من آخر حجة حجها بعد أن أناخ بالأبطح، وكوم كومة من البطحاء ثم طرح عليها رداءه، واستلقى عليها، ومد يديه إلى السماء: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، فاقبضني إليك غير مفرط ولا مضيع (٢). وكان يدعو فيقول: اللهم توفني مع الأبرار، ولا تخلفني في الأشرار، وألحقني بالأخيار (٣).

стр. 1062

ولما دنا أجله ﵁ رأى رؤيا زادت من يقينه بدنو أجله. خطب ﵁ يوم الجمعة، فذكر النبي ﷺ ، وأبا بكر ثم قال: إني رأيت كأن ديكاً نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي (١). ورأى أبو موسى الأشعري ﵁ رؤيا أحزنته، وأولها بوفاة عمر ﵁. قال ﵁: رأيت كأني أخذت جواداً كثيرة، فاضمحلت حتى بقيت جادة واحدة، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل، فإذا رسول الله ﷺ فوقه، وإلى جنبه أبو بكر، وإذا هو يومئ إلى عمر أن تعال، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله أمير المؤمنين. قال أنس بن مالك ﵁ لأبي موسى: ألا تكتب بهذا إلى عمر؟ فقال: ما كنت لأنعي له نفسه (٢).

стр. 1063

ودنت ساعة القدر المحتوم التي أصيب فيها الصحابي الجليل، والخليفة العظيم، وهو يصلي صلاة الفجر في مسجد رسول الله ﷺ ، حيث تقدم ﵁ ليؤم الناس، فجعل ﵁ يسوي الصفوف، ويقول: استووا، حتى اطمئن إلى عدم وجود الخلل، تقدم، فكبر ﵁، ودخل في الصلاة، فباغته أبو لؤلؤة المجوسي لعنه الله بيده الغادرة، وقد امتلأ صدره حقداً وغيظاً عليه ﵁ فطعنه بسكين ذي طرفين، فسمعه مَن خلفه يقول: قتلني أو أكلني الكلب، وطعن أبو لؤلؤة لعنه الله وهو يحاول الهرب ثلاثة عشر رجلاً من المسلمين، فمات منهم سبعة، ثم نحر نفسه بعد أن ألقى عليه أحد المسلمين برنساً (١)، وظن أنه قد أخذ، فأخذ عمر ﵁ بيد عبد الرحمن بن عوف ﵁، فقدمه، فصلى بهم صلاة خفيفة، فلما انصرف الناس من الصلاة، قال عمر ﵁ لعبد الله بن عباس ﵁: انظر من قتلني، فجال في الناس ساعة، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة (٢). قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفاً (٣)، ثم قال عمر: الحمد الله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم

стр. 1064

احتمل ﵁ إلى بيته وأصاب الناس من الحزن والغم وكأنهم لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ. فقائل يقول: لا بأس، وقال يقول: أخاف عليه، فأتى ﵁ بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتى بلبن فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت (١). وفي رواية أن عمر ﵁ قال بعد أن علم بقاتله: الحمد الله الذي لم يبتلني بأحد يحاجني بقول لا إله إلا اله، أما نهيتكم أن تجلبوا

стр. 1065

إلينا من العلوج أحداً فغصبتموني (١). ولم يمنع عمر ﵁ توكله على ربه ، وإيمانه المطلق بقضائه، وقدره وغلبة ظنه بحضور أجله، لم يمنعه ذلك من أن يعرض نفسه على الأطباء لعل أن يكون عندهم دواءٌ شافٍ. فبعد أن طعن ﵁ قال: أرسلوا إلي طبيباً ينظر إلى جرحي هذا، فأرسلوا إلى طبيب من العرب، فسقى عمر نبيذاً فشبه النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التي تحت السرة، فدعوا طبيباً آخر من الأنصار من بني معاوية، فسقاه لبناً، فخرج اللبن من الطعنة صلداً أبيض، فقال له الطبيب: يا أمير المؤمنين اعهد، فقال عمر: صدقني أخو بني معاوية، ولو قلت غير ذلك كَذَّبتُك (٢). ولم يتمالك أهل عمر ﵁ وأصحابه أنفسهم، وهم ينظرون عظم مصابه، وعظم المصاب به، فجاشت أعينهم بالدمع، وارتفعت أصواتهم بالبكاء عليه فنهاهم عمر ﵁ عن ذلك، ولم يمنعه ما هو فيه من البلاء والمحنة، ومعاينة الموت من إرشادهم للصواب وبيان الحق الثابت عن النبي ﷺ .

стр. 1066

قال أنس بن مالك ﵁: لما طعن عمر ﵁ عولت (١) عليه حفصة، فقال: يا حفصة، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المعول عليه يعذب". وعول صهيب (٢)، فقال عمر: يا صهيب، أما علمت أن المعول عليه يعذب (٣). وقبل وفاته ﵁ طلب صحابة النبي ﷺ منه أن يستخلف عليهم خليفة، فقالوا: ألا تستخلف؟ فقال ﵁: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك، فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ (٤). ثم قال ﵁: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيءٌ كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمارة سعداً فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة (٥).

стр. 1067

وقال ابن عمر ﵄: "دخل الرهط على عمر قبيل أن ينزل به عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعليّ والزبير وسعد، فنظر إليهم فقال: إني قد نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقاً إلا أن يكون فيكم، فإن كان شقاق فهو فيكم، وإنما الأمر إلى ستة: إلى عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعليّ والزبير وطلحة وسعد، وكان طلحة غائباً في أمواله بالسراة. ثم إن قومكم إنما يؤمرون أحدكم أيها الثلاثة لعبد الرحمن وعثمان وعليّ، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحمل ذوي قرابتك على رقاب الناس، وإن كنت يا عثمان على شيء من أمر الناس فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت على شيء من أمر الناس يا عليّ فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس. ثم قال: قوموا فتشاورا فأمروا أحدكم. قال عبد الله بن عمر: فقاموا يتشاورن فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر، ولا والله ما أحب أني كنت فيه، علماً أنه سيكون في أمرهم ما قال أبي، والله لقل ما رأيته يحرك شفتيه بشيء قط إلا كان حقاً. فلما أكثر عثمان عليّ قلت له: ألا تعقلون؟ أتؤمرون وأمير المؤمنين حي؟! فوالله لكأنما أيقظت عمر من مرقد فقال عمر: أمهلوا فإن

стр. 1068

حدث بيَ حدث فليصل لكم صهيب ثلاثاً، ثم أجمعوا أمركم، فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه (١). وروي أن عمر ﵁ بعد أن رشح الستة: عثمان وعليّ وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد، أوصاهم واحداً واحداً بتقوى الله إن هم ولوا الخلافة، ثم دعا صهيباً فقال: "صل بالناس ثلاثاً، ليخل هؤلاء القوم في بيت فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه" (٢).

стр. 1069

وروي أن عمر ﵁ قال للستة من أهل الشورى: "بايعوا لمن بايع له عبد الرحمن بن عوف، فإذا بايعتم لمن بايع له عبد الرحمن فمن أبى فاضربوا عنقه" (١). وروي أنه ﵁ قال للأنصار بعد أن رشح الستة نفر من أهل الشورى: "أدخلوهم بيتاً ثلاثة أيام، فإن استقاموا وإلا فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم" (٢).

стр. 1070

والذي يستنتتج من الروايات في خبر أصحاب الشورى الستة وهي رواية الصحيح الأولى أن عمر ﵁ رشح للمسلمين بعده ستة نفر يختارون أحدهم خليفة.

стр. 1071

وفي الرواية الثانية الصحيحة زيادة تفصيل وهو أن عمر ﵁ أوصى الستة الذين رشحهم للخلافة بعده أن يتقي الله كل منهم إن اختاره المسلمون خليفة لهم ولا يحملون قرابته على رقاب الناس، وحذّرهم من الانشقاق، وأمرهم بضرب عنق من يريد أن يشقّ عصا المسلمين ويبايع بالخلافة من لم يبايعوه، أو من يتأمر من غير مشورة منهم كائناً من كان هذا الخارج والمنشق. وهذا هو الذي تدلّ عليه الرواية الثالثة. أما الروايتان الأخيرتان، فإنهما لم تثبتا، ويبعد أن يأمر عمر ﵁ الستة بمبايعة من بايعه عبد الرحمن بن عوف وهو قد جعل الأمر للمسلمين يختارون أحد الستة. وكذلك يستحيل أن يأمر عمر ﵁ الأنصار بإمهال هؤلاء النفر الستة وهم من خيرة صحابة النبي ﷺ ثلاثة أيام ليختاروا أحدهم، فإن فعلوا وإلا ضربوا أعناقهم، وكيف يكون حال المسلمين بعد ضرب أعناق جميع من هم أهل للخلافة من التفرق والخلاف والشقاق والفتنة. والله أعلم. ثم أوصى عمر ﵁ ابنه عبد الله بسداد دينه، فقال: يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه، ستة وثمانين ألفاً أو نحوه (١)، فقال عمر ﵁: إن وفى مال آل عمر فأده من

стр. 1072

أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال (١). وأمر ﵁ ابنه عبد الله أن يستأذن عائشة ﵂ في أن يدفن في بيتها بجوار صاحبيه، النبي ﷺ وأبي بكر ﵁. قال ﵁: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنّ به اليوم على نفسي. فلما أقبل عبد الله، قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، فقال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال الذي تحب يا أمير المؤمنين، أَذِنَت، قال: الحمدلله، ما كان من شيء أهم إلي من ذلك،

стр. 1073

فإذا أنا قضيت، فاحملوني ثم سلم، فقل يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي، فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين (١). ووافت المنية عمر ﵁ وانتقل إلى جوار ربه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد رويت عدة أقوال في تاريخ وفاته ﵁، روي أنه أصيب يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة (٢). وروي أنه طعن لثلاث بقين من ذي الحجة، فعاش ثلاثة أيام، وقيل سبعة (٣). وروي أنه طعن يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، ودفن يوم الأحد، صبيحة هلال المحرم، فكانت خلافته عشر سنوات، وخمسة أشهر، وإحدى وعشرين ليلة (٤).

стр. 1074

وقيل إنه دفن يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة (١). وقيل إنه توفي ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة (٢). وهذه الأقوال متفقة على أنه طعن وتوفي في الأيام الأخيرة من شهر ذي الحجة، من السنة الثالثة والعشرين. ثم غسل ﵁ وكفن (٣). وروي أنه غسل ثلاثاً بماء وسدر (٤). وروي أن عبد الله بن عمر ﵄ هو الذي ولي غسل عمر وكفنه في خمسة أثواب (٥).

стр. 1075

وروي أنه أوصى أن لا يغسل بمسك (١). وروي كذلك أنه كفن في ثلاثة أثواب (٢). وروي أنه كفن في قميص وحلة (٣).

стр. 1076

وصلى عليه صهيب الرومي (١) ﵁ في مسجد النبي ﷺ (٢). وروي أنه صُلى عليه وهو على سريره (٣). وروي أن الذي صلى عليه الزبير بن العوام ﵁، ولا يثبت ذلك (٤).

стр. 1077

ثم أدخل ﵁ حجرة عائشة ﵂، ودفن إلى جنب صاحبيه رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁، قالت عائشة ﵂: كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي، فأضع ثوبي، فأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياءً من عمر (١). وروي أن قبره لحد (٢) له ﵁ (٣). وروي أنه ﵁ جعل رأسه في قبره عند حقوي (٤) النبي ﷺ (٥).

стр. 1078

وروي أن القاسم بن محمد (١) ﵀ قال لعائشة ﵂: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطئة (٢) مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، فرأيت رسول الله ﷺ مقدماً، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ (٣).

стр. 1079

وروي أن عثمان بن عفان وسعيد بن زيد (١) ﵄ نزلا في قبر عمر ﵁ لما دفن (٢). وكان عمره ﵁ حين توفي ثلاثة وستين عاماً (٣). ورويت أقوال أخرى في مقدار عمره ﵁ وما تقدم هو الثابت. فروي أنه توفي وعمره واحد وخمسون (٤)، وقيل اثنان وخمسون (٥). وقيل أربعة وخمسون (٦)، وقيل خمسة

стр. 1080

وخمسون (١)، وقيل سبعة وخمسون (٢)، وقيل تسعة وخمسون (٣)، وقيل إحدى وستون (٤). وقيل وهو ابن ستة وستين (٥)، وقيل توفي وهو ابن ثلاثة وسبعين (٦).

стр. 1081

ولعل سبب الاختلاف في مقدار سن عمر ﵁، راجع للاختلاف في سنة ولادته ﵁ الذي تقدم ذكره (١). ولقد خيمت على مدينة رسول الله ﷺ سحابة من الحزن والغم والكرب الشديد لفقد هذا الخليفة والقائد المظفر البار الراشد ﵁ وأرضاه. قال ابن مسعود ﵁، وهو يخطب في أهل الكوفة: أما بعد، فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مات، فلم نر يوماً أكثر نشيجاً من يومئذ (٢). وسعى عبيد الله بن عمر (٣) ﵁ للثأر من قاتل أبيه، فقام بقتل الهرمزان (٤)، وجفينة النصراني، وابنة لأبي لؤلؤة المجوسي صغيرة، وذلك بعد أن سمع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (٥) ﵄

стр. 1082

يقول: انتهيت إلى الهرمزان وجفينة النصراني (١) وأبي لؤلؤة، وهم نجي (٢)، فبغتُّهم، فثاروا، وسقط من بينهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فقال عبد الرحمن: فانظروا، فوجدوه خنجراً على النعت الذي نعت عبد الرحمن، فخرج عبيد الله مشتملاً على السيف حتى أتى الهرمزان، فقال: اصحبني حتى تنظر إلى فرس لي، وكان الهرمزان بصيراً بالخيل، فخرج يمشي بين يديه، فعلاه عبيد الله بالسيف، فلما وجد حر السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله، ثم أتى جفينة، وكان نصرانياً، فدعاه، فلما أشرف له علاه بالسيف، فصلب بين عينيه (٣)، ثم أتى ابنة أبي لؤلؤة جارية صغيرة، تدعي الإسلام، فقتلها، فأظلمت المدينة يومئذ على أهلها، ثم أقبل عبيد الله بالسيف صلتاً في يده، وهو يقول: والله لا أترك في المدينة سبياً إلا قتلته، فجعلوا يقولون له: الق السيف، ويأبى، ويهابونه أن يقربوا منه، حتى أتاه عمرو بن العاص، فقال: أعطني السيف يابن أخي،

стр. 1083

فأعطاه إياه، ثم ثار إليه عثمان، فأخذ برأسه فتناصيا (١) حتى حجز الناس بينهما، فلما ولي عثمان قال: أشيروا علي في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام فتقاً، يعني عبيد الله ابن عمر، فأشار عليه المهاجرون أن يقتله، وقال جماعة من الناس: أيُقتل عمر أمس، وتريدون أن تتبعوه ابنه اليوم؟ أَبْعَدَ الله الهرمزان وجفينة، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، أعفاك الله أن يكون هذا الأمر ولك على الناس من سلطان، إنما كان هذا الأمر، ولا سلطان لك على الناس، فاصفح عنه يا أمير المؤمنين. فتفرق الناس على خطبة عمرو، وودى عثمان ﵁ الرجلين والجارية (٢). والأثر السابق استدل به على مشاركة الهرمزان وجفينة النصراني في التآمر على قتل عمر ﵁. وقد أضاف إليهم البعض (٣) كعب الأخبار (٤) لإخباره عمر ﵁ بيوم وفاته.

стр. 1084

فقد ورد أنّ عمر ﵁ دعا أم كلثوم (١) بنت عليّ بن أبي طالب وكانت تحته فوجدها تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: يا أمير المؤمنين هذا اليهودي (٢) - تعني كعب الأخبار - يقول: إنّك على باب من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء، والله إنّي لأرجوا أن يكون ربّي خلقني سعيداً ثم أرسل إلى كعب فدعاه، فلما جاءه كعب، قال: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ، والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجّة حتى تدخل الجنة، فقال عمر: أي شيء هذا، مرّة في الجنة ومرة في النّار؟ فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع النّاس أن يقعوا فيها فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة (٣).

стр. 1085

وفي أثر آخر أنّ كعب الأخبار قال: يا أمير المؤمنين: اعهد فإنّك ميّت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله التّوراه. قال عمر: آلله إنّك لتجد عمر بن الخطاب في التّوراة؟ قال اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، وأنّه قد فنى أجلك. وعمر لا يحسّ وجعاً ولا ألماً فلما كان من الغد جاءه كعب فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يوم وبقي يومان، ثم جاءه من غد الغد، فقال: ذهب يومان وبقي يوم وليلة، وهي تلك إلى صحبيحتها فلما طعن عمر دخل عليه كعب، فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول:

стр. 1086

فأوعدني كعب ثلاثاً أعدّها … ولا شكّ أنّ القول ما قال لي كعب وما بي حذر الموت إنّي لميّت … ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب (١). ففي هذه الرّواية أخبر كعب عمر أنّه يجد في التّوراة صفته وأنّ أجله قد فني. وأخبار كعب ﵀ عمر ﵁ بقرب وفاته لا يدل على مشاركته في التآمر لقتل عمر ﵁، فلعله وجد ذلك في التّوراة أو فهمه من نصوصها، أو سمعه من أهل الكتاب وإقسام كعب لعمر بذلك كما في الرّواية الأولى يدل على أنّه أخذ ذلك من علم صحيح، ولو كان إخباره له بذلك لاشتراكه في مؤامرة لقتله لما جزم بذلك، فقد تفشل المؤامرة، وتحل

стр. 1087

الدائرة على المتآمرين، وينجو عمر، وأيضاً لو كان الأمر كذلك لكتم كعب ذلك عن عمر حتّى لا يثير الشّبهات حوله، وعلى أية حالٍ فإنّ عمر ﵁ وهو صاحب الحدس الصادق والمعرفة التامة بالرّجال لم يفهم من كلام كعب تهديداً له بل لقد كان كعب من جلساء عمر ﵁ وأصحابه وكان يطلب منه أن يخونه ويذكره حتّى يرق قلبه (١). والله أعلم. وكذلك لم يثبت اشتراك عيينة (٢) بن حصن في التآمر لقتل عمر ﵁ كما فهمه البعض من الرواية التي فيها أنّ عيينة قال لعمر: إنّ الله جعلك فتنة على أمة محمّد، فقال: كذّب. إنّ رّبي ليعلم أنّي لم أضمر لها غير العدل والإحسان. وقال عيينة: لم أذهب هناك، ولكن يفقدون سيرتك، فيضرب بعضهم رقاب بعض، فقال: ما أنا لذلك بآمر. فقال: يا أمير المؤمنين، احترس من الأعاجم وأخرجهم من المدينة فإنّي لا آمنهم عليك (٣).

стр. 1088

بعض الأخبار المتعلّقة بعمر ﵁ بعد وفاته: ١ - نعي الجنّ له ﵁: عن عائشة ﵂ قالت: أذن عمر ﵁ لأزواج النبيّ ﷺ فحججن في آخر حجة حجّها عمر ﵁، قالت: فلما ارتحل عمر ﵁ من الحصبة (١) من آخر اللّيل أقبل رجل متلثم وقال وأنا أسمع: أين كان أمير

стр. 1089

المؤمنين نزل؟ فقال له قائل وأنا أسمع: هذا كان منزله فأناخ في منزل عمر، ثم رفع عقبرته (١) ينغني: عليك السّلام من أمير وباركت … يد الله في ذاك الأديم الممزق فمن يجر أو يركب جناحي نعامة … ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق قضيت أموراً ثم غادرت بعدها … نوائح في أكمامها لم تفتق قالت عائشة ﵂: فقلت لهم: اعلموا لي علم هذا الرجل فذهبوا فلم يروا في مناخه أحداً، فكانت عائشة ﵂ تقول: إنّي لا أحسبه من الجن (٢).

стр. 1090

وفي رواية ابن سعد: فكنا نتحدث أنّه من الجن. وفي الأثر السّابق دلالة على أنّ الجن تنبئت بوفاة عمر ﵁ وذلك في آخر حجة حجها ﵁، ونعته الجن بالأبيات السابقة، وهذا ليس من علمهم الغيب، فقد أخبر المولى العظيم أنّ الجنّ لا يعلمون الغيب. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (١). ولكن هذا مما يسترقه الجنّ من السّمع كما أخبر النبيّ ﷺ قالت عائشة ﵂: سأل أناس النبيّ ﷺ عن الكهان، فال: "إنّهم ليسوا بشيء". فقالوا: يا رسول الله فإنّهم يحدّثون بالشّيء يكون حقّاً، فقال النبيّ ﷺ : "تلك الكلمة من الحقّ يخطفها الجنّيّ فَيُقَرقِرها في أذن وليه تقرقرة الدّجاجة، فيخلطون فيه أكثر من مائة كذبة" (٢).
следующие страницы →