← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الشام (١). وقيل: إنهم كانوا يرحلون في الشتاء إيضاً إلى الحبشة والعراق (٢). ولذلك فقد ظهر في قريش من يمتلك ثروات هائلة كالوليد (٣) بن المغيرة، وعبد الله (٤) بن أبي ربيعة، وعبد الله (٥) بن جدعان، وأبو (٦)

стр. 107

سفيان بن حرب، وهاشم (١) بن عبد مناف (٢). وقد عرف الثراء في عدد من الأسر القرشية قبل الإسلام وهم: بنو عبد شمس، وبنو نوفل، وبنو مخزوم (٣)، وكان هناك من الأسر القرشية من عرف بقله المال، ولم يعرف فيهم الثراء كبني المطلب أخو هاشم بن عبد مناف جدّ النبيّ ﷺ (٤)، وذكر أيضاً عن أبي طالب أنه لما قام بكفالة النبيّ ﷺ كان قليل المال كثير العيال (٥).

стр. 108

ولعل قيام النبيّ ﷺ بالرعي في شبابه مقابل أجر يأخذه كان فيه إعانة مالية لعمه أبي (١) طالب، وعمل ﷺ كذلك بالتجارة في الجاهلية. وخرج في تجارة لخديجة ﵂ إلى جرش (٢) كل سفرة بقلوص (٣). وكذلك عمل أبو بكر الصديق ﵁ في الجاهلية بالتجارة، وكان يتاجر بالثياب، وبلغ رأس ماله حين أسلم أربعين ألف درهم (٤). وأما عمر ﵁ فقد عاش في صغره حياة الفقر والعوز وشدة العيش وقسوته وهي حياة تجعل الفرد أكثر مقاومة للصعاب، وأشد تحملاً للمسؤولية، وأبعد عن حب الدعة والراحة والترف، يقول عمر ﵁ وهو يصف حياة الفقر والشدة التي كان يعيشها في الجاهلية وعمله

стр. 109

برعي الإبل: لقد رأيتني وأخية لنا، وإنا لنرعى على أبوينا ناضحاً (١) لهما، فنغدوا فتعطينا آمنا يَمِينَيها (٢) من الهبيد (٣)، وتلقى علينا نقبة (٤) لها، فإذا طلعت الشمس، ألقيت النقبة على أختي، وخرجت أتبعها عرياناً ثم نرجع إليها، وقد صنعت لنا لفيتة (٥) من ذلك الهبيد، فنتعشاها، فيا خصباه (٦).

стр. 110

ومر عمر ﵁ بشعب ضجنان (١)، ووقف، ووقف الناس، فقال: لقد رأيتني في هذا المكان، وأنا في إبل الخطاب، وكان فظاً غليظاً، أخبط عليها مرة وأحطب أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتي ليس فوقي منهم أحد، ثم تمثل هذا البيت: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد (٢)

стр. 111

واشتغل عمر ﵁ في الجاهلية بالتجارة فقد كان ﵁ عند هجرته يمتلك ثروة كبيرة، فقد قال ﵁ لعياش بن أبي ربيعة (١) حينما أراد الرجوع إلى مكة بعد هجرته: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما، أي مع أبي جهل والحارث بن هشام (٢).

стр. 112

والذي يظهر أن عمر ﵁ اكتسب هذا المال من عمله بالتجارة فقد وردت نصوص عديدة تفيد أن عمر ﵁ كان يعمل بالتجارة في الجاهلية من ذلك ما روي أن كعب بن عدي التنوخي (١) كان شريكاً لعمر في الجاهلية في تجارة البز (٢).

стр. 113

وروي أنه خرج في تجارة إلى الشام قبل إسلامه فاعتدى عليه أناس وأخذوا ماله. (١).

стр. 114

وروي كذلك أنه خرج في تجارة إلى الشام في الجاهلية ومعه ثلاثين من قريش فنسي قضاء حاجة له فعاد إلى مكّة وانطلق أصحابه ثم لحق بهم ثم عاد هو وأصحابه من الشام إلى الحجاز (١). وروي كذلك أنه خرج في الجاهلية في تجارة إلى العراق فاعتدى عليهم أناس وسرقوا أمتعتهم حتى ردّها عليهم ملك المدائن وابتاع منهم تجارتهم بربح (٢).

стр. 115

المسألة الثالثة: قيامه بالسفارة: روي أن عمر ﵁ كانت إليه السفارة في الجاهلية، وذلك أن قريشاً كانوا إذا وقع بينهم حرب، أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيراً، وإن نافرهم منافر (١) أو فاخرهم مفاخر رضوا به، وبعثوه منافراً ومفاخراً (٢). وهذا الخبر وإن ورد من طرق ضعيفة إلا أن احتمال تكليف

стр. 116

قريش عمر بهذه المهمة العظيمة والهامة أمر وارد وذلك لما له من مكانة عالية ومنزلة رفيعة في قريش، وما كان لأبيه وجدّه من مكانة تقدم ذكرها (١)، ولما تميز به ﵁ من صفات خَلقية قويّة وخُلقية حميدة وما اتصف به من رجاحة العقل وصواب الرأي.

стр. 117

المطلب الثالث: إسلامه وهجرته، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إسلامه: ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى إسلام عمر ﵁ بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة والتي كانت في شهر رجب من السنة الخامسة للبعثة (١). وروي أن إسلامه ﵁ كان في السنة السادسة من

стр. 118

البعثة (١). وثبت في الصحيح (٢) أن ابن عمر ﵄ شهد ما تعرض له عمر ﵁ من ضرب قريش له لما أسلم وعقل ذلك، وعبد الله بن عمر ﵄ ولد بعد البعثة بسنتين لأن عمره كان يوم غزوة أحد أربعة عشر عاماً (٣)، وكانت أحد بعد البعثة بستة عشر عاماً، فإذا كان إسلام عمر ﵁ في السنة الخامسة من البعثة يكون عمرُ ابن عمر ثلاث سنوات وهو سن لا يعقل فيه الطفل غالباً

стр. 119

والذي أرى أنه أقرب للصواب أن يكون إسلام عمر في السنة السادسة أو السابعة (١). أما تحديد اليوم والوقت الذي أسلم فيه، فروي أنه كان يوم الثلاثاء (٢). وقيل يوم الخميس (٣)، وقيل يوم الجمعة (٤)، وقيل إن إسلامه كان

стр. 120

بعد صلاة المغرب (١). أما كيفية إسلامه ﵁ فقد وردت فيها نصوص عديدة مختلفة من طرق ضعيفة وهي بمجموعها تفيد أن إسلام عمر ﵁ كان بسبب سماعه القرآن وتأثره به، وأما الروايات فهي: الرواية الأولى: روي عن عمر ﵁ أنه قال: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ: ﴿إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ

стр. 121

شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾، فقلت: كاهن، فقال: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١) إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع (٢). الرواية الثانية: قال عمر: كنت للإسلام مباعداً، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأسر بها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة (٣)

стр. 122

عند دور آل عمر بن عبد الله بن عمران المخزومي، قال: فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك، فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحداً، فقلت: لو أني جئت فلاناً الخمار وكان بمكة يبيع الخمر، لعلي أجد عنده خمراً فأشرب منها، فخرجت فجئته فلم أجده فقلت: لو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعاً أو سبعين، فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام (١)، وكان مصلاه بين الركنين: الركن الأسود، والركن اليماني، فقلت حين رأيته: والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، فقلت: لئن دنوت منه أستمع منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر،

стр. 123

فدخلت تحت ثيابها فجعلت أمشي رويداً، ورسول الله ﷺ قائم يصلي يقرأ القرآن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة (١)، فلما سمعت القرآن رق له قلبي، فبكيت، ودخلني الإسلام، فلم أزل قائماً في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته، ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن حسين، وكانت طريقه حتى يجزع (٢) المسعى ثم يسلك بين دار عباس بن عبد المطلب، وبين دار ابن أزهر بن عبد عوف الزهري (٣)، ثم على دار الأخنس بن شريق (٤) حتى يدخل بيته، وكان

стр. 124

مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيدي معاوية بن أبي سفيان، قال عمر: فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار أزهر أدركته، فلما سمع رسول الله ﷺ حسي عرفني، فظن رسول الله ﷺ أني إنما تتبعته لأوذيه، فنهمني (١)، ثم قال: "ما جاء بك يابن الخطاب هذه الساعة"؟ قلت: جئت لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله، فحمد الله رسول الله ﷺ ثم قال: "هداك الله يا عمر"، ثم مسح صدري، ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله ﷺ ودخل رسول الله ﷺ بيته (٢).

стр. 125

الرواية الثالثة: عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج عمر متقلداً السيف، فلقيه رجل من بني زهرة (١) قال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمّداً، قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة (٢) وقد قتلت محمداً؟ فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي أنت عليه، قال:

стр. 126

أفلا أدلك على العجب يا عمر؟ إن ختنك (١) وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر ذامراً حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب (٢)، فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت، فدخل عليهما، فقال: ما هذه الهينمة (٣) التي سمعتها عندكم؟ وكانوا يقرأون (طه) فقالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا قال: فلعلكما قد صبوتما، فقال له ختنة: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنة، فوطئه وطئاً شديداً، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها (٤) بيده نفحة، فدمي وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟! أتشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أن محمداً رسول الله؟ فلما يئس عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه قال: وكان عمر يقرأ

стр. 127

الكتب فقالت أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، قم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر ثم أخذ الكتاب، فقرأ (طه) حتى انتهى إلى قوله: ﴿إنّني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِم الصَّلوة لِذِكْرِي﴾ (١) فقال: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ ليلة الخميس: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام"، قال: ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا (٢). فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى باب الدار حمزة وطلحة، وأناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى حمزة وَجل القوم من عمر، قال: نعم فهذا عمر، فإن يرد الله بعمر خيراً يسلم، ويتبع النبي ﷺ ، وإن غير ذلك يكن قتله علينا هيناً، والنبي ﷺ داخل يومئ إليه، فخرج رسول الله ﷺ حين أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه، وحمائل

стр. 128

السيف (١) فقال: "أما أنت منتهياً يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة، اللهم هذا عمر ابن الخطاب، اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب"، فقال عمر: أشهد أنك رسول الله، فأسلم وقال: أخرج يا رسول الله (٢).

стр. 129

الرواية الرابعة: وهذه الرواية لا تختلف في مضمونها عن الرواية السابقة، إلا أن فيها أن عمر ﵁ لما ضرب أخته وقرأ الصحيفة التي معها فإذا فيها: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ حتى بلغ

стр. 130

﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولهِ وأنفقوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (١). (٢) الرواية الخامسة: وهي لا تختلف عن الروايتين السابقتين في كيفة الإسلام ولكن فيها أن عمر ﵁ لما دخل على أخته وضربها حتى ظن أنه قتلها ثم قام من السحر فسمع صوتها تقرأ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فقال: والله ما هذا بشعر … الخ (٣).

стр. 131

الرواية السادسة: وفيها أن قريشاً اجتمعوا فقالوا: من يدخل على هذا الصابئ، فيرده عما هو عليه فيقتله؟ فقال عمر بن الخطاب: أنا، فأتى العين رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن عمر يأتيك فكن منه على حذر، فلما أن صلى رسول الله ﷺ صلاة المغرب، قرع عمر الباب، وقال افتحي يا خديجة: فلما دنت قالت: من هذا، قال: عمر، قالت: يا نبي الله هذا عمر، فقال من عنده من المهاجرين وهم تسعة صيام وخديجة عاشرهم: ألا نشتفي يا رسول الله، فنضرب عنقه؟ قال: "لا"، ثم قال: "اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب"، فلما دخل قال: ما تقول يا محمد؟ قال: "أقول أتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وتؤمن بالجنة والنار، والبعث بعد الموت" فبايعه وقبل الإسلام، وصبوا عليه الماء حتى اغتسل، ثم تعشى مع رسول الله ﷺ وبات يصلي معه، فلما أصبح اشتمل على سيفه ورسول الله ﷺ يتلوه، والمهاجرين خلفه حتى وقف على قريش وقد اجتمعوا، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فتفرقت حينئذ قريش من مجالسها (١).

стр. 132

إيذاء قريش لعمر بعد إسلامه: وبعد دخول عمر ﵁ في الإسلام جهر بدينه على ملأ قريش (١) قال ابن عمر ﵄ لما أسلم أبي قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي فغدا عليه فغدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه، فقال له: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت، ودخلت دين محمّد؟ قال: فوالله ما رجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر، واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن عمر قد صبا (٢) وعمر خلفه يقول:

стр. 133

كذب، ولكني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وبعد إعلان عمر ﵁ إسلامه وعلم قريش بذلك قامت قريش إلى عمر فضربوه وضربهم وقاتلوه وقاتلهم حتى قامت الشمس على رؤسهم وتعب عمر ﵁ فكف عنهم وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فاحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا. ولقد كان في شيوخ قريش ورجالاتها من يتصف بصفات حميدة كإغاثة الملهوف وحماية المظلوم ورفع الظلم والوفاء بالعهود والمواثيق مع تمسكهم بوثنيتهم وشركهم، ولم يكن ذلك ديناً فيهم، وإنما كان في كثيرٍ من الأحيان حمية وعصبية، فقد مر بعمر ﵁ وهو يضرب شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى (١)، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر. فقال: فمه، رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبكم هكذا؟! خلوا عن الرجل، قال: فوالله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه، قال ابن عمر رضي

стр. 134

الله عنهما لأبيه بعد هجرتهما: يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت، وهم يقاتلونك؟ فقال: أي بني، العاص بن وائل السهمي (١). غير أن تذكير ذلك الشيخ قريشاً بمنزلة عمر وقبيلته وحثه قريشاً على ترك عمر وشأنه لم يمنع قريشاً من ملاحقة عمر ﵁ فيما بعد، وخوف عمر ﵁ على نفسه منهم، قال ابن عمر ﵁: بينما عمر ﵁ في الدار خائفاً، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو عليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم وهم حلفاؤنا في الجاهلية (٢)، فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك

стр. 135

أنهم سيقتلوني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك، وبعد أن قالها أمنت فخرج العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟. فقالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه، فكَّر الناس (١). وكان إسلام عمر ﵁ فيما روي بعد تسعة وثلاثين رجلاً (٢).

стр. 136

وقيل: إن إسلامه كان بعد أربعين رجلاً (١). وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلاً (٢).

стр. 137

وأمّا عدد النساء اللاتي سبقن عمر بالإسلام فقيل إنهن إحدى عشرة إمرأة (١). وقيل إحدى وعشرين (٢). وهذه الروايات لا تخلو من ضعف كما هو مبين في الهامش ولكنها متقاربة في تحديد العدد، فالرواية الأولى حددت عدد الرجال السابقين لعمر بالإسلام بتسعة وثلاثين والثانية حددتهم بأربعين والثالثة بخمسة وأربعين وهذا فارق غير معتبر إذ إنّ زيادة العدد أو نقصه بواحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أمر معتاد في الإحصاء حيث إن بعض المسلمين كان يخفي إسلامه فيعلم به البعض ويخفي على البعض. وعلى أيّ حال فإن إسلام عمر ﵁ كان في السنة السادسة أو السابعة كما تقدم ذلك (٣). إلاّ أن تحديد عدد من أسلم من الرجال بأربعين

стр. 138

أو نحوها والنساء بعشرة أو عشرين فيه نظر، فإن ابن إسحاق ﵀ ذكر أن عدد المهاجرين إلى الحبشة الهجرة الثانية كانوا ثلاثة وثمانين رجلاً (١). ونقل ابن حجر عن ابن جرير الطبري أن نساءهم وأبناءهم كانوا معهم، فقال: وقيل: إن عدة نسائهم ثمان عشرة امرأة (٢). وقد ذكر ابن إسحاق أن إسلام عمر ﵁ كان بعد الهجرة الثانية إلى الحبشة. لذلك قال ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر إسلام عمر كان بعد الهجرة الثانية للحبشة: "وهذا يرد قول من زعم أنه (أي: إسلام عمر) كان تمام أربعين من المسلمين، فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين، اللهم إلا أن يقال: إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين" (٣). ولعلّ مما يؤيّد كلام ابن كثير ﵀ قول ابن إسحق ﵀ بعد ذكره لأسماء المهاجرين إلى الحبشة وهم ثلاثة وثمانون رجلاً (٤). ثم ذكر إسلام عمر ﵁ فقال: "وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من

стр. 139

أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة" (١). وكان في إسلام عمر ﵁ عز ورفعة ومنعة للإسلام والمسلمين وذلك لمنزلته العالية وشخصيته المهيبة في أوساط المجتمع الجاهلي. قال عبد الله بن مسعود ﵁: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (٢). وروي عن صهيب بن سنان الرومي (٣) ﵁ أنه قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقاً، وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا (٤).

стр. 140

وروي كذلك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما أسلم عمر قال المشركون: اليوم انتصف القوم منا (١). وروي أن عمر ﵁ لما أسلم في دار الأرقم خرج المسلمون بعد إسلامه من الدار وطافوا بالبيت ظاهرين وهم يكبرون (٢). وجاء في رواية أخرى: أن عمر ﵁ قال لرسول الله ﷺ لما أسلم: يا رسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق، ويظهر دينهم

стр. 141

وهم على الباطل، فخرج عمر، فطاف بالبيت ثم مر بقريش وهي تنتظره، فقال أبو جهل: زعم فلان إنك صبوت، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فوثب المشركون إليه، فوثب على عتبة بن ربيعة، فبرك عليه، فجعل يضربه، وأدخل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فخرج رسول الله ﷺ وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلناً، ثم انصرف رسول الله ﷺ (١). وكانت تلك العزة بإسلام عمر استجابة من الله لدعوة نبيه ﷺ أن يعز الله دينه وينصره بأحب الرجلين إليه بأبي جهل أو عمر بن الخطاب ﵁ (٢).

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 145

وفي رواية أنه ﷺ دعا أن يعز الدين بعمر بن الخطاب خاصة (١).
следующие страницы →