وبعد توليه الخلافة وظهر به الإسلام وخفقت راياته في أرجاء المعمورة.
وقد اختلف فيمن لقّبه بهذا اللقب فقيل إن الذي لقّبه بذلك هم أهل الكتاب. قال الزهري ﵀: وكان المسلمون يؤثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أن رسول الله ﷺ ذكر من ذلك شيئاً (١).
وقيل: إن الذي لقّبه بذلك النبي ﷺ وأنه قال: "إن الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه وهو الفاروق فرق الله به بين الحقّ والباطل" (٢).
стр. 72
وكلتا الروايتين لم تثبتا، ولعل الصواب أن الذين لقّبه بذلك هم المسلمون، لأن الإسلام عز وظهر بإسلامه كما ثبت ذلك في الصحيح ولا مانع أن يكون أهل الكتاب لقبوه بذلك لما رأوا من عدالته وظهور الحقّ على يديه.
ومن ألقابه ﵁ بعد الخلافة (أمير المؤمنين) وهو أول من لقب بهذا اللقب وسبب ذلك أن عمر ﵁ كتب إلى عامله بالعراق: أن ابعث إليّ برجلين جلدين، نبيلين، أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه صاحب العراق بلبيد (١) بن ربيعة،
стр. 73
وعدي (١) بن حاتم، فقدما المدينة فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فوجدا عمرو بن العاص ﵁، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين عمر، فوثب عمرو، فدخل على عمر، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: ما بدا لك في هذا الاسم يا ابن العاص؟ لتخرجن مما قلت. قال: نعم، قدم لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم فقالا لي: استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقلت: أنتما والله أصبتما اسمه إنه الأمير ونحن المؤمنون. فجرى الكتاب من ذلك اليوم (٢).
стр. 74
وقيل: إنه لقب بذلك بعد اجتماع المسلمين وتشاورهم ثم اتفاقهم بعد ذلك على أن يدعوا عمر بأمير المؤمنين وذلك بعد أن كان يقال لأبي بكر خليفة رسول الله ﷺ فاستثقلوا أن يقولوا لعمر خليفة خليفة رسول الله ﷺ (١).
وقيل: إن عمر ﵁ هو الذي أشار بذلك على أصحابه وقال لهم: أنتم المؤمنون وأنا أميركم (٢).
стр. 75
وذكر أن أوّل من حيا عمر بن الخطاب (بأمير المؤمنين) هو المغيرة بن شعبة (١).
ولا مانع أن يكون المسلمون قد اجتمعوا واتفقوا على تلقيب عمر ﵁ بهذا اللقب، بعد أن لقبه به المغيرة بن شعبة ﵁، ثم قدم الرجلان من
стр. 76
أهل العراق ولقبا عمر أيضاً بهذا اللقب فأقرّ عمر هذا، وقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم.
ولقب عمر أمير المؤمنين مذكور في كتب أهل الكتاب، فقد جاء رجل من أهل الكتاب إلى عمر فقال: السلام عليك يا ملك العرب، فقال عمر ﵁: وعليك، كذلك تجده في كتابكم؟! أليس تجد نبياً، ثم خليفة ثم أمير المؤمنين، ثم الملوك. قال: بلى (١).
المسألة الرابعة: مولده:
تعددت الأخبار في تحديد العام الذي ولد فيه عمر بن الخطاب ﵁، فقيل إنه ولد بعد عام الفيل بثلاثة عشر عاماً (٢).
وعام الفيل هو العام الذي ولد فيه النبي ﷺ ، قال قيس (٣) بن
стр. 77
مخرمة ﵁: ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل (١).
فعلى هذا يكون النبي ﷺ أسن من عمر بثلاثة عشر عاماً وهذا يشهد له ما ثبت في الصحيح من أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ماتوا وهم أبناء ثلاث وستين (٢) حيث أن عمر ﵁ مكث بعد النبي ﷺ ثلاثة عشر عاماً فيكون عمره يوم وفاته مساوياً لعمر النبي ﷺ .
وقيل ولد قبل حرب الفِجار الأعظم بأربع سنين (٣).
стр. 78
وحرب الفجار وقعت في الجاهلية وكان عمر النبي ﷺ عشرين عاماً (١).
وقيل كان عمره ﷺ أربعة أو خمسة عشر عاماً (٢).
فعلى القول الأول يكون النبي ﷺ أكبر من عمر بستة عشر عاماً وعلى الثاني يكون أكبر منه بأحد عشر عاماً أو عشرة أعوام.
وفي رواية أنه ولد بعد الفجار بأربع سنوات (٣).
والقول الأول هو الراجح لموافقته ما في الصحيح كما تقدم والله أعلم.
стр. 79
وأما مكان مولده: فقد ذكر أنه ولد في دار والده الخطاب (١).
وكانت تلك الدار بالحثمة (٢)، قال عمرو بن العاص رضي الله
стр. 80
عنه: إنا بالحثمة، إذ سمعت صارخاً من دار الخطاب قال: فقلت: ما هذا؟ قالوا: ولد للخطاب مولود: يعني عمر بن الخطاب ﵁ (١).
стр. 81
المسألة الخامسة: صفاته الخَلقية:
لقد كانت صفات عمر بن الخطاب ﵁ الخَلقية صفاتٍ دالة على قوته وشدته وحزمه وصرامته وهيبته ووقاره ﵁.
فمن صفاته ﵁ أنه كان آدم اللون (١).
стр. 82
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: إنما جاءتني الأدمة من قِبل أخوالي (١).
وذكرت بعض الأخبار: أن عمر ﵁ كان أبيض اللون (٢) ولكن الأخبار التي في صفة الأدمة والسمرة وردت من طرق
стр. 83
ثابتة ووفق البعض بين ما ورد من صفة بياض لون عمر بن الخطاب وبين ما ورد من سمرة لونه بما ذكرته بعض الروايات من أن عمر كان أبيض اللون ولكن لونه تغير عام الرمادة فصار أسمر بسبب الجهد وقلة الطعام (١).
وأقول ليس هناك ما يمنع أن يكون عمر ﵁ في شبابه أبيض اللون لو ثبت ما ورد في صفة البياض له ثم تغير لونه لما كبر بسبب أعباء الخلافة وما كان يقوم به من تفقد لأحوال رعيته ومشيه في شدة الرمضاء وما كان يناله من التعب والجهد والمشقة إضافة إلى ما عرف عنه من زهد في الطعام والشراب وغيرهما من متع الحياة.
وكان جهوري الصوت (١).
وكان إذا غضب فتل شاربه ونفخ (٢).
стр. 88
وكان أعسر يسراً (١).
وكان ﵁ قوي الجسم والبنية (٢).
стр. 89
وهناك آثار تدل بمجموعها على قوة جسم عمر وبنيته، من ذلك:
ما روي أن عمر ﵁ خرج في الجاهلية مع عمارة (١) بن الوليد بن المغيرة إلى الشام، فشذت ناقة له، فلحقها عمر بعد طلب، فاعتقلها وطرحها لجنبها يسيراً، فحسده عمارة على ما رأى من قوته … الخ (٢).
ومن ذلك ما روي من أن عمر ﵁ كان يصارع في سوق عكاظ (٣).
стр. 90
وعكاظ لم تكن مجرد سوق تجارية بل كانت مناسبة سنوية للتسلية واللهو والتفريج عن النفس. وهذا الذي اجتذب الشعراء إليها (١).
وروي أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁: "يا عمر، إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر وتؤذي الضعيف … " الحديث (٢).
стр. 91
ومن ذلك ما روي من أن عمر ﵁ كان إذا ركب فرسه أخذ بأرنبة أنفه أو بأذنه ثم وثب وثوباً على متن فرسه (١).
وكان ﵁ ذا لحية عظيمة (٢).
ومما روي في صفات عمر الخَلقية أنه كان: يسرع في مشيته، وكان في رجليه روح (١).
وأنه كان كثير الشيب (٢)، وقال: أسرع إلى الشيب من قبل
стр. 94
أخوالي (١). وأنه كان رجلاً أهلب (٢)، فكان يحلق عنه الشعر (٣).
وأنه كان بفخذه شامة سوداء (٤).
стр. 95
المطلب الثاني: حياته في الجاهلية، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تمسكه بالوثنية ومقاومته دعوة التوحيد.
نشأ عمر ﵁ بمكة وتربى في ربوع بطاحها بين أهله وأبناء عشيرته بني عدي بن كعب وشب كغيره من فتيان قريش وساداتها يدين بدين الوثنية بل إنه كان ممن قاوم دعوة التوحيد التي جاء بها محمد ﷺ واضطهد من آمن بها، من بني عدي بن كعب، فكان ممن نالهم إيذاء عمر على الإسلام أقرب الناس إليه أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (١) وأم سعيد فاطمة بنت بعجة (٢).
стр. 96
وممن روى تعذيب عمر لهم، جارية بني المؤمل وهم حي من بني عدي بن كعب فكان عمر يضربها حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة … فابتاعها أبو بكر فأعتقها (١).
стр. 97
ومن الأخبار المروية في تعذيب عمر للمستضعفين ما روي عن أم عبد الله بنت أبي حثمة قالت: والله إنا لنرتحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر (١) في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه - قالت: وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا. قالت: فقال: إنه للانطلاق يا أم عبدالله. قالت: فقلت: نعم والله لنخرجن في أرض الله آذيتمونا، وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجاً. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أرها، ثم انصرف، وقد أحزنه - فيما أرى - خروجنا قالت: فجاء عامر بحاجته تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمر آنفاً، ورقته وحزنه علينا قال: أطمعت في إسلامه؟ قالت: قلت: نعم، قال: فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب، قالت: يأساً منه، لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام (٢).
стр. 98
وروي عن النبي ﷺ أنه قال لعمر ﵁: "قد كنت شديد الشغب علينا يا أبا حفص، فدعوت الله أن يعز بك الإسلام" (١).
فتبين من النصوص السابقة أن عمر ﵁ كان ممن يقوم في جاهليته بتعذيب المؤمنين برسالة النبي ﷺ من المستضعفين وخاصة من بني عدي وهم قومه والناظر في سيرة النبي وما تعرض له السابقون إلى الإسلام من التعذيب يجد أن هذا التعذيب إنما كان يقع من أشراف قريش وساداتها على من آمن من قومهم (٢).
стр. 99
وكذلك فإن صرامة عمر ﵁ وقوة جسمه وبأسه وشدته مع تمسكه بالوثنية كان لها دور في تعذيبه للمسلمين السابقين وذلك قبل أن يدرك بفضل الله ثمّ بما أوتي من رجاحة رأي وعقل صدق دعوة النبي ﷺ وبطلان ما هو عليه من الشرك، فأسلم وتحولت صرامته وقوته على أعداء الله (١).
وفي هذا دلالة على مكانة عمر بن الخطاب ﵁ في قريش وفي بني عدي بن كعب بالأخص.
ومن مساوئ الجاهلية التي ذكر أن عمر اتصف بها في جاهليته، تعاطي الخمور وشربها، فقد روي عنه قوله: وإني كنت لأشرب الناس لها في الجاهلية (٢).
стр. 100
ولا شكّ أنّ العرب في الجاهلية عرف عنهم حبّ الخمر والتلذّذ بشربها، وعدم مفارقتها لها في حضرهم أو سفرهم وفي نواديهم وحفلاتهم، ولا تكاد تخلو أشعارهم من التغني بها وذكر أوصافها، ومن ذلك قول عمرو (١) بن كلثوم.
ألا هي بصحنك فاصبحيناً … ولا تبقى خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحصَّ فيها … إذا ما الماء خالطها سخينا (٢).
стр. 101
ويقول حاتم الطائي:
أماوي إمامت فاسعي بنطفه … من الخمر رياً فانضحن بها قبري (١).
ومما يدلّ على تأصل حبّ الخمر وشربها في نفوس العرب أن الله لم يحرمها دفعة واحدة وإنما كان تحريمها بالتدرج حتى تعتاد النفوس ذلك. وكان عمر ﵁ بعد إسلامه من أبعد الناس عن شرب الخمر وأكثرهم كراهية لها. يدعو الله ويقول: "اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢).
فقال عمر ﵁: "انتهينا انتهينا" (٣).
стр. 102
ومنها وأد البنات (١)، وهي عادة عرف بها العرب، لتفضيلهم الذكور على الإناث فهم يعتمدون على الذكور في الصيد والغزو والحرب والتجارة وغيرها. أما الإناث فلم يكونوا يعتمدون عليهن في ذلك. وقد ذكر الله كراهيتهم للإناث في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٢).
وكان الرجل منهم يئد انته فيحفر لها الحفرة ثم يضعها فيها وهي حية ثم يهيل عليها التراب، وشاعت هذه العادة في تميم وقيس وهذيل، وكندة، وبكر وقريش، وكانوا يئدون البنات خشية العار إذا كبرت البنات ثم تعرضن للسبي. وكذلك خشية الفقر (٣).
وكانت بعض قبائل العرب تكره هذه العادة بل كان فيهم من يأخذ البنات من آبائهم ويعتني بهن، ويحميهن من الوأد كصعصعة بن ناجية بن عقال، وكان يعرف بالذي أحيا الموؤوادات فبعث الله نبيّه ﷺ
стр. 103
وعنده مائة جارية وأربع جوار أخذهن من آبائهن لئلا يوأدن، وفيه يقول الفرزدق:
جدي الذي منع الوائدات … وأحيا الوئيد فلم يوأد (١).
وأما عمر ﵁ فقد ذكر عنه أنه وأد ابنة له في الجاهلية.
ولم أجد من روى ذلك عن عمر فيما اطلعت عليه من المصادر ولكني وجدت الأستاذ عباس محمود العقاد أشار إليها في كتابه عبقرية عمر، فقال: وخلاصتها: أنه ﵁ كان جالساً مع بعض أصحابه إذ ضحك قليلاً، ثم بكى، فسأله من حضر؟ فقال: كنا في الجاهلية نصنع صنماً من العجوة (٢)، فنعبده، ثم نأكله، وهذا سبب ضحكي، أما بكائي، فلأنه كانت لي ابنة، فأردت وأدها، فأخذتها معي، وحفرت لها حفرة، فصارت تنفض التراب عن لحيتي، فدفنتها حية ....
وقد شكك العقاد في صحة هذه القصة لأن الوأد لم يكن عادة شائعة بين العرب وكذلك لم يشتهر في بني عدي ولا أسرة الخطاب التي عاشت منها فاطمة أخت عمر وحفصة أكبر بناته وهي التي كنى
стр. 104
أباحفص باسمها، وقد ولدت حفصة قبل البعثة بخمس سنوات فلم يئدها، فلماذا وأد الصغرى المزعومة .. ! لماذا انقطعت أخبارها فلم يذكرها أحد من إخوانها وأخواتها، ولا أحد من عمومتها وخالاتها (١).
وعلى الرغم من تمسك عمر ﵁ بالوثنية ومقاومة دعوة التوحيد وأتباعها وما روي من تعاطيه الخمر وغيرها من عادات الجاهلية السيئة إلا أنه كان ممن يعظم شعائر الله ويعرف لها فضلها وهذا مما بقي من ملة الخليل إبراهيم ﵇ على الرغم من تفاوته في النفوس، فقد كان القرشيون في الجاهلية يعظمون البيت الحرام، ويطوفون به ويحجون ويعتمرون ويقفون بعرفة والمزدلفة ويهدون الهدي (٢).
فقد سأل عمر ﵁ بعد إسلامه النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية وهو أنه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، فأمره النبي ﷺ أن يوفي بنذره (٣).
стр. 105
المسألة الثانية: عمله بالرعي والتجارة.
إن الاشتغال بالرعي والتجارة من المهن الفاضلة التي عرفت عند العرب في الجاهلية والإسلام، وكان أفضل الخلق نبيّنا محمّد ﷺ ممن عمل برعي الغنم. قال ﷺ : "كنت أرعاها على قراريط (١) لأهل مكة" (٢).
وأمّا التجارة فقد اشتهرت بها قريش وأصبحت من قبائل العرب التي امتازت على غيرها بالغنى والثراء الذي كان مصدره الثروة المالية من الذهب والفضة وغيرها من الأقمشة والعطور إضافة إلى الإبل والغنم والخيل (٣).
وامتن الله ﵎ على قريش بهذه النعمة وهي تجارتهم إلى بلاد الشام واليمن، قال تعالى: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٤).
فكانوا يقومون برحلة الشتاء إلى اليمن للتجارة ورحلة الصيف إلى
стр. 106
الشام (١).
وقيل: إنهم كانوا يرحلون في الشتاء إيضاً إلى الحبشة والعراق (٢).
ولذلك فقد ظهر في قريش من يمتلك ثروات هائلة كالوليد (٣) بن المغيرة، وعبد الله (٤) بن أبي ربيعة، وعبد الله (٥) بن جدعان، وأبو (٦)
стр. 107
سفيان بن حرب، وهاشم (١) بن عبد مناف (٢).
وقد عرف الثراء في عدد من الأسر القرشية قبل الإسلام وهم: بنو عبد شمس، وبنو نوفل، وبنو مخزوم (٣)، وكان هناك من الأسر القرشية من عرف بقله المال، ولم يعرف فيهم الثراء كبني المطلب أخو هاشم بن عبد مناف جدّ النبيّ ﷺ (٤)، وذكر أيضاً عن أبي طالب أنه لما قام بكفالة النبيّ ﷺ كان قليل المال كثير العيال (٥).
стр. 108
ولعل قيام النبيّ ﷺ بالرعي في شبابه مقابل أجر يأخذه كان فيه إعانة مالية لعمه أبي (١) طالب، وعمل ﷺ كذلك بالتجارة في الجاهلية. وخرج في تجارة لخديجة ﵂ إلى جرش (٢) كل سفرة بقلوص (٣).
وكذلك عمل أبو بكر الصديق ﵁ في الجاهلية بالتجارة، وكان يتاجر بالثياب، وبلغ رأس ماله حين أسلم أربعين ألف درهم (٤).
وأما عمر ﵁ فقد عاش في صغره حياة الفقر والعوز وشدة العيش وقسوته وهي حياة تجعل الفرد أكثر مقاومة للصعاب، وأشد تحملاً للمسؤولية، وأبعد عن حب الدعة والراحة والترف، يقول عمر ﵁ وهو يصف حياة الفقر والشدة التي كان يعيشها في الجاهلية وعمله
стр. 109
برعي الإبل: لقد رأيتني وأخية لنا، وإنا لنرعى على أبوينا ناضحاً (١) لهما، فنغدوا فتعطينا آمنا يَمِينَيها (٢) من الهبيد (٣)، وتلقى علينا نقبة (٤) لها، فإذا طلعت الشمس، ألقيت النقبة على أختي، وخرجت أتبعها عرياناً ثم نرجع إليها، وقد صنعت لنا لفيتة (٥) من ذلك الهبيد، فنتعشاها، فيا خصباه (٦).
стр. 110
ومر عمر ﵁ بشعب ضجنان (١)، ووقف، ووقف الناس، فقال: لقد رأيتني في هذا المكان، وأنا في إبل الخطاب، وكان فظاً غليظاً، أخبط عليها مرة وأحطب أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتي ليس فوقي منهم أحد، ثم تمثل هذا البيت:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد (٢)