ولبس ﵁ الإزار (١) وربما انخرق فرقعه.
قال عبيد بن عمير ﵁ (٢): رأيت عمر بن الخطاب يرمي الجمار عليه إزار مرقع عند مقعدته (٣).
وقال أبو عثمان النهدي ﵁ (٤): رأيت عمر بن الخطاب يطوف بالبيت عليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة إحداهن بأديم أحمر (٥).
стр. 282
وروي أنه لبس إزاراً فيه ثلاثة عشر رقعة (١)، وقيل إن إزاره كان فيه أربعة عشر رقعة (٢)، وقيل كان فيه إحدى وعشرين رقعة (٣).
стр. 283
وكان عمر ﵁ يلبس الثوب، ولعل ذلك كان في الجمع والأعياد غالباً، قال زر بن حبيش ﵀ (١): خرج عمر بن الخطاب في يوم فطر أو في أضحى في ثوب قطن متلبباً (٢) به يمشي (٣).
وفي رواية أن عمر ﵁ أبطأ على الناس يوم الجمعة، ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه، وقال: إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يغسل ولم يكن لي ثوب غيره (٤).
стр. 284
ولبس عمر ﵁ ثوب القطن كما تقدم في الأثر السابق ولم يلبس ﵁ ثياب الخز (١) تورعاً منه وزهداً، قال عامر بن عبيدة الباهلي (٢): سألت أنساً (٣) عن الخز، فقال: وددت أن الله لم يخلقه وما أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وقد لبسه ما خلا عمر وابن عمر (٤).
стр. 285
وروي أن عمر ﵁ كان يلبس العمامة ويرخي طرفها خلفه (١).
وروي عنه ﵁ أنه كان يلبس النعل، وكان لنعله قبالان (٢).
وكلم بعض أصحاب عمر عمر أن يلبس ثياباً لينة رقيقة تتناسب مع منزلته وكونه خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، ولكنه أبى ذلك، ولامهم على كلامهم ذلك.
стр. 286
فقد قدم الربيع بن زياد الحارثي (١) على عمر ﵁، فأعجبت عمر هيئة الربيع وشكا عمر ﵁ طعاماً غليظاً أكله، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بطعام لين، ومركب لين، وملبس لين لأنت، فرفع عمر جريدة معه، فضرب بها رأسه وقال: أما والله ما أراك أردت بها الله، وما أردت إلا مقاربتي إن كنت لأحسب أن فيك (٢).
وروي أن حفصة أم المؤمنين ﵂ قالت لعمر ﵄: لو لبست ألين من ثوبك هذا، وأكلت أطيب من طعامك هذا، قد فتح الله عليك، وأوسع عليك الرزق، قال: أخاصمك إلى نفسك، أما تعلمين ما كان يلقى رسول الله ﷺ من شدة العيش، وجعل يذكرها شيئاً مما كا يلقى رسول الله ﷺ حتى أبكاها، ثم قال: إنه كان
стр. 287
لي صاحبان سلكا طريقاً، فإني إن سلكت غير طريقهما، سُلك بي غير طريقهما، فإني والله لأشاركهما في مثل عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرضي (١).
٥ - تجمله وتنظفه
لقد كان عمر ﵁ زاهداً في طعامه وشرابه ولباسه ولكنه ﵁ كان يتنظف ويتطهر ويتجمل بالذي أباح الله ، فكان ﵁ يغتسل ويستحم ويسخن له الماء للاستحمام في قمقم (٢) له (٣).
وروي أنه ﵁ كان يكره الحمام (٤) ولعل ذلك لما قد
стр. 288
يحصل فيه من التكشف وزيادة التنعم والإسراف في ذلك (١).
ومن تجمله ﵁ أنه كان يخضب رأسه ولحيته بالحناء (٢)، وربما خضب بالحناء والكتم (٣).
وجاء في رواية أنه ﵁ كان لا يغير شيبه (٤)، ولعل
стр. 289
ذلك كان في أولاً ثم خضب ﵁.
وروي عن عمر ﵁ أنه خضب بالزعفران (١)، ولم
стр. 290
يثبت ذلك عنه، ومن تجمله ﵁ تختمه، فقد لبس خاتم النبي ﷺ وكان من فضة نقشه محمد رسول الله ﷺ (١).
وروي أن عمر ﵁ كان له خاتم نقشه كفى بالموت واعظاً (٢)، وأنه كان يتختم في يساره (٣).
وجاء في رواية أن عمر ﵁ لم يتختم حتى لقي الله (٤).
стр. 291
ومن التجمل الذي روي أن عمر ﵁ كان يتجمل به أنه كان يزيل شعر جسده ويحلقه، ولا يتنور (١) زهداً منه وتركاً للتنعم (٢).
стр. 292
٦ - نومه ﵁.
جاء عن عمر ﵁ أنه كان إذا صلى العشاء أمر أهله، فوضعوا إناء فيه ماء، ثم ينام، فإذا استيقظ من الليل وضع يده في الإناء، ومسح به وجهه (١).
وكان ﵁ يقيل قائله الظهر، فكان يصلي الظهر ثم ينام حتى العصر (٢).
стр. 293
٧ - مراكبه.
كان عمر ﵁ يركب البعير وهي الدابة التي كانت تركب في ذلك العهد، فقد قدم ﵁ الشام على بعير، فعرضت له مخاضة (١)، فنزل عن بعيره، ونزع موقيه (٢)، فأمسكها بيده، فخاض في الماء ومع بعيره (٣).
وكان قدومه الشام في سنة ست عشرة من الهجرة عند ما قدم لعقد صلح بيت المقدس، فقدم من المدينة إلى الجابية (٤)، وكتب إلى أمراء
стр. 294
الأجناد أن يوافوه بها، وكتب صلح بيت المقدس وهو بالجابية ثم سار إلى بيت المقدس (١).
وكان لون بعيره أورق (٢) كما جاء ذلك في رواية (٣)، وروي أنه كان أحمر اللون (٤).
وكان ﵁ يعتني بدابته، وينظفها، قال ربيعة بن عبد الله ابن الهدير (٥):
стр. 295
رأيت عمر بن الخطاب يقرد (١) بعيراً له في طين بالسقيا (٢) وهو محرم (٣).
وروي أنه ﵁ ركب الحمار (٤).
ولما قدم ﵁ الشام قدم إليه
стр. 296
برذوناً (١) ليركبه، فركبه ﵁ فهزه وتمايل به، فنزل ﵁ وقال: قبح الله من علمك ما أرى (٢).
٨ - سلاحه ﵁
كان لعمر ﵁ سيف محلى، وكان ابنه عبد الله ﵁ يحمله بعد مقتل أبيه (٣).
وروي أن النجاشي (٤) أهدى للنبي ﷺ حربات، فوهب منها
المبحث الثاني: صفاته الخلقية
المطلب الأول: صفاته الخُلقية الدالة على كمال دينه وإيمانه وفيه خمسة مسائل.
المطلب الثاني: صفات عمر الخُلقية الدالة على عزمه وقوة إرادته وكمال شخصيته.
المطلب الثالث: صفاته الخلقية الدالة على سماحته ولين جانبه
стр. 299
المبحث الثاني: صفاته الخلقية
وفيه ثلاث مطالب
المطلب الأول: صفاته الخُلقية الدالة على كمال دينه وإيمانه وفيه خمسة مسائل.
المسألة الأولى: شدته في الدين وغيرته على محارم الله.
من صفات عمر ﵁ التي اشتهر بها الشدة في الدين، والصرامة في الحق، وشدة الغيرة على محارم الله ، ومواقفه الدالة على ذلك في عهد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وفي خلافته كثيرة، وسيأتي إن شاء الله ذكر الكثير منها وأشير هنا إلى بعض تلك المواقف.
فمن ذلك أن عمر ﵁ أتى مسجد النبي ﷺ والحبشة يلعبون فيه بحرابهم (١)، فأهوى ﵁ إلى الحصى، فحصبهم به، فقال النبي ﷺ لعمر: "دعهم يا عمر"، وكانت عائشة ﵂ تنظر إليهم والنبي ﷺ يسترها (٢).
стр. 300
وكان ﷺ في جنازة ومعه عمر ﵁، فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال له رسول الله ﷺ : "دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب" (١).
стр. 301
وقال الأسود (١) بن سريع ﵁: كنت أنشده يعني النبي ﷺ ، ولا أعرف أصحابه، حتى جاء رجل بعيد ما بين المناكب، أصلع، فقيل لي: اسكت، فقلت: واثكلاه من هذا الذي أسكت له عند النبي ﷺ ؟!
فقيل: إنه عمر بن الخطاب، فعرفت والله بعد أنه كان يهون عليه لو سمعني أن لا يكلمني حتى يأخذ برجلي، فيسحبني إلى البقيع (٢).
وجاء عنه ﷺ أنه قال: "إن مثل عمر مثل نوح ﵇، كان أشد في الله من الحجر" (٣).
стр. 302
ومن النصوص التي فيها دلالة على شدة غيرة عمر ﵁ على محارم الله قوله ﷺ : "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته، فوليت مدبراً"، فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله (١)؟!
وروي أنه ﷺ قال: "عمر غيور وأنا أغير منه، والله أغير منا" (٢).
стр. 303
وروي عن عمر ﵁ قوله: لقد لان قلبي في الله حتى لهو ألين من الزبد ولقد اشتد قلبي في الله حتى لهو أشد من الحجر (١).
المسألة الثانية: قبول عمر ﵁ للحق وسرعة رجوعه إليه.
ومن صفاته ﵁ الخُلقية والدالة على كمال دينه وإيمانه رجوعه للحق إذا تبين له، وإذا ذكر بالله على الرغم من شدته ﵁ وصلابته حيث إن تلك الشدة لم تكن إصراراً على الخطأ وتعصباً للرأي، وإنما كانت شدة وصلابة في التمسك بالحق والدفاع عنه.
ومن أمثلة ذلك موقفه ﵁ من عيينة بن حصن الفزاري (٢) حينما قدم عليه ونزل على ابن أخيه الحر بن قيس (٣)، وكان الحر من النفر
стр. 304
الذين يدنيهم عمر وكان القراء أصحاب مجالس عمر ﵁ ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه الحر: يابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه، فأذن له عمر، فلما دخل عيينة على عمر قال: هي يابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١). وإن هذا من الجاهلين، قال ابن عباس ﵁: فوالله ما جاوزهما عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله (٢).
وفي الأثر السابق دلالة أيضاً على تحلي عمر رضي الله بصفة الحلم.
ومن المواقف الدالة على قبول عمر ﵁ الحق ورجوعه إليه، موقفه مع جرير (٣) بن عبد الله البجلي ﵁، فقد كان عمر ﵁ ومعه نفر من أصحابه فيهم جرير بن عبد الله ﵃ في بيت، فوجد عمر ﵁ ريحاً، فقال: عزمت على صاحب هذه
стр. 305
الريح لما قام فتوضأ، فقال جرير: يا أمير المؤمنين أويتوضأ القوم جميعاً، فقال عمر: رحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام (١).
وروي أن عمر ذكر بني تميم (٢) فذمهم، فقام الأحنف (٣) فقال: يا أمير المؤمنين إئذن لي فأتكلم، قال: تكلم، قال: إنك ذكرت بني تميم
стр. 306
فعممتهم بالذم، وإنما هم من الناس، فمنهم الصالح والطالح، فقال عمر: صدقت، فعفا بقول حسن (١).
المسألة الثالثة: حبه للذكر وسماع الموعظة.
ومن صفاته ﵁ الدالة على كمال دينه، حبه لذكر الله وسماعه لموعظة الواعظين، فإن ذلك يرقق القلب، ويزيد اليقين، فكان ﵁ يجمع أصحابه ويقول لأبي موسى الأشعري ﵁: شوقنا إلى ربنا، فيقرأ أبو موسى ﵁ من القرآن ما شاء الله (٢).
стр. 307
وكان ﵁ يقول لكعب الأحبار (١): خوفنا يا كعب، فيقول كعب: يا أمير المؤمنين، أليس فيكم كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، والحكمة؟!
فيقول عمر: بلى، ولكن خوفنا، فيجعل كعب يذكر عمر أهوال القيامة، وعذاب النار، ويصغي له عمر ﵁، وهو مطرقٌ رأسه متأملٌ ما يقوله كعب، ثم يقول: زدنا (٢).
وروي أن عمر ﵁ كان يأخذ بيد الرجل أو الرجلين من أصحابه فيقول: قم بنا نزداد إيماناً (١).
المسألة الرابعة: خشيته لله .
كان عمر ﵁ شديد الخشية لله دائم الخوف والوجل من لقائه شديد المحاسبة لنفسه، قال أنس بن مالك ﵁: خرجت مع عمر بن الخطاب حتى دخل حائطاً (٢)، فسمعته يقول وبيني وبينه الجدار، وهو في جوف الحائط: أعمر أمير المؤمنين بخٍ بخٍ (٣)، والله يا بُنَيَّ الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك (٤).
стр. 310
وقال عبد الله بن عمر لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري (١) ﵃: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: لا، قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك إسلامنا مع رسول الله ﷺ ، وهجرتنا معه وجهادنا معه، وعملنا كله معه بَرَد (٢) لنا، وان كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافاً (٣) رأساً برأس؟ قال: لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله ﷺ ، وصلينا وصمنا، وعملنا خيراً كثيراً، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنا لنرجوا ذلك، قال عبد الله: فقال أبي: لكني أنا والذي نفسي بيده، لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعد نجونا منه كفافاً رأساً برأس.
стр. 311
قال أبو بردة: قلت: إن أباك والله خير من أبي (١).
ولما حضرت الوفاة عمر ﵁ أثنى عليه الناس في إمارته وخلافته، فقال: بالإمارة تغبطوني؟! فوالله لوددت أني أنجو كفافاً لا علي ولا لي (٢).
ودخل عليه ابن عباس ﵄ لما طعن، فقال: يا أمير المؤمنين، أبشر بالجنة، أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، وقبض رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقتلت شهيداً، فقال عمر ﵁: أعد علي، فأعاد عليه، فقال عمر: والذي لا إله غيره، لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطَّلع (٣).
стр. 312
وقال ﵁ لابنه عبد الله، وكان رأسه في حجره لما طعن: ضع خدي بالأرض، فقال عبد الله: فخذي والأرض سواء، فقال: ضع خدي على الأرض لا أم لك (١) في الثانية والثالثة، ثم شبك بين رجليه، وقال: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي (٢).
стр. 313
وروي أن عمر ﵁ أخذ تبنة من الأرض، وقال: يا ليتني هذه التبنة (١).
وروي أنه قال: يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديداً، ثم أكلوني، فأخرجوني عذرة، ولم أك بشراً (٢).
ومن خشية عمر ﵁ حرصه الشديد على أداء فرائض الله ، والوقوف عند حدوده.
стр. 314
قال المسور (١) بن مخرمة ﵁: دخلت أنا وابن عباس على عمر بعدما طعن، وقد أغمي عليه، فقلنا: لا يتنبه لشيء أفزع له من الصلاة، فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين، فانتبه، وقال: لا حظ في الإسلام لامرئ ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دماً (٢).
وروي أن عمر ﵁ تأخر يوماً عن صلاة المغرب حتى طلع نجمان، فلما فرغ من صلاته تلك أعتق رقبتين (٣).
стр. 315
ومن خشية عمر ﵁ أنه كان إذا غضب ثم ذكر الله عنده هدأ عنه الغضب وذهب كما مر ذلك في قصة دخول عيينة بن حصن عليه (١).
وروي أن أسلم مولى عمر ﵁ قال: صاح عمر يوماً، وعلاني بالدرة، فقلت: أذكرك الله فطرحها (٢).
وروي كذلك أن بلال بن رباح ﵁ قال لأسلم: يا أسلم، كيف تجدون عمر؟ فقال: خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب، قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه.
стр. 316
وروي أيضاً أن ابن عمر ﵄ قال: ما رأيت عمر غضب قط، فَذُكِرَ الله عنده أو خُوّف، أو قرأ عنده إنسان آية من قرآن إلا وقف عما كان يريد (١).
ورويت آثار تشير إلى كثرة ذكر عمر ﵁ للموت، فروي عنه أنه قال: ما ترك الموت لذي لب قرة عين (٢).
ورُوي أنه كان يتمثل بهذا البيت:
لا يغرنك عشاء ساكن … فقد توافى بالمنيات السحر (٣)
стр. 317
المسألة الخامسة: رقة قلبه وخشوعه.
وكان عمر ﵁ خاشع القلب، رقيقه، كثير الدمع، سريع البكاء من خشية الله.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد (١) ﵁: سمعت نشيج (٢) عمر وأنا في آخر الصفوف، وهو يقرأ سورة يوسف حين بلغ ﴿قَالَ إنما أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
стр. 318
ومن الآثار المروية في ذلك والدالة على اتصاف عمر ﵁ برقة القلب والخشوع، ما روي من أن عمر ﵁ كان يعس المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحداً إلا أخرجه، إلا رجلاً قائماً يصلي، فمر بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبي بن كعب، فقال عمر: من هؤلاء؟ قال أبي: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين، قال: ما خلفكم بعد الصلاة؟! قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: فجلس معهم، ثم قال لأدناهم إليه: خذ، قال: فدعا فاستقرأهم رجلاً رجلاً يدعون، حتى انتهى إلي وأنا إلى جنبه، فقال: هات، فحصرت (١) وأخذني من الرعدة أفكل (٢)، حتى جعل يجد حس ذلك مني، فقال: ولو أن تقول اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، قال: ثم أخذ عمر يدعو، فما كان في القوم أكثر دمعة، ولا أشد بكاء منه، ثم قال: إيهاً، الآن فتفرقوا (٣).
стр. 319
وروي أن عمر ﵁ كان يمر بالآية فتخنقه العبرة (١)، فيبكي حتى يسقط ثم يلزم بيته، حتى يعاد، يحسبونه مريضاً (٢).
وروي أن عمر ﵁ كان في وجهه خطان أسودان من البكاء (٣).
وروي أنه ﵁ خرج ليلة يعس بالمدينة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائماً يصلي، فوقف فسمع قراءته يقرأ ﴿وَالطُّورِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ (٤)، فقال: قَسَمٌ وربُ
стр. 320
الكعبة حقٌ، ونزل عن حماره واستند إلى حائط، فلبث ملياً، ثم رجع إلى منزله، فلبث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه (١).
وروي أنه ﵁ مر بدير راهب فوقف، فنودي الراهب، فقيل له: هذا أمير المؤمنين، قال: فاطلع، فإذا إنسان من الضر، والاجتهاد، وترك الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال عمر: قد علمت، ولكن رحمته ذكرت قول الله: ﴿عَامِلَة نَاصِبَة تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ (٢)، فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار (٣).