← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وروي أيضاً أن ابن عمر ﵄ قال: ما رأيت عمر غضب قط، فَذُكِرَ الله عنده أو خُوّف، أو قرأ عنده إنسان آية من قرآن إلا وقف عما كان يريد (١). ورويت آثار تشير إلى كثرة ذكر عمر ﵁ للموت، فروي عنه أنه قال: ما ترك الموت لذي لب قرة عين (٢). ورُوي أنه كان يتمثل بهذا البيت: لا يغرنك عشاء ساكن … فقد توافى بالمنيات السحر (٣)

стр. 317

المسألة الخامسة: رقة قلبه وخشوعه. وكان عمر ﵁ خاشع القلب، رقيقه، كثير الدمع، سريع البكاء من خشية الله. قال عبد الله بن شداد بن الهاد (١) ﵁: سمعت نشيج (٢) عمر وأنا في آخر الصفوف، وهو يقرأ سورة يوسف حين بلغ ﴿قَالَ إنما أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).

стр. 318

ومن الآثار المروية في ذلك والدالة على اتصاف عمر ﵁ برقة القلب والخشوع، ما روي من أن عمر ﵁ كان يعس المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحداً إلا أخرجه، إلا رجلاً قائماً يصلي، فمر بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبي بن كعب، فقال عمر: من هؤلاء؟ قال أبي: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين، قال: ما خلفكم بعد الصلاة؟! قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: فجلس معهم، ثم قال لأدناهم إليه: خذ، قال: فدعا فاستقرأهم رجلاً رجلاً يدعون، حتى انتهى إلي وأنا إلى جنبه، فقال: هات، فحصرت (١) وأخذني من الرعدة أفكل (٢)، حتى جعل يجد حس ذلك مني، فقال: ولو أن تقول اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، قال: ثم أخذ عمر يدعو، فما كان في القوم أكثر دمعة، ولا أشد بكاء منه، ثم قال: إيهاً، الآن فتفرقوا (٣).

стр. 319

وروي أن عمر ﵁ كان يمر بالآية فتخنقه العبرة (١)، فيبكي حتى يسقط ثم يلزم بيته، حتى يعاد، يحسبونه مريضاً (٢). وروي أن عمر ﵁ كان في وجهه خطان أسودان من البكاء (٣). وروي أنه ﵁ خرج ليلة يعس بالمدينة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائماً يصلي، فوقف فسمع قراءته يقرأ ﴿وَالطُّورِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ (٤)، فقال: قَسَمٌ وربُ

стр. 320

الكعبة حقٌ، ونزل عن حماره واستند إلى حائط، فلبث ملياً، ثم رجع إلى منزله، فلبث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه (١). وروي أنه ﵁ مر بدير راهب فوقف، فنودي الراهب، فقيل له: هذا أمير المؤمنين، قال: فاطلع، فإذا إنسان من الضر، والاجتهاد، وترك الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال عمر: قد علمت، ولكن رحمته ذكرت قول الله: ﴿عَامِلَة نَاصِبَة تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ (٢)، فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار (٣).

стр. 321

ومن ذلك ما روي أن النبي ﷺ استقبل الحجر الأسود، فاستلمه ثم وضع شفتيه يبكي طويلاً، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: "يا عمر ههنا تسكب العبرات" (١). المسألة السادسة: ورعه. ومن صفات عمر ﵁ الدالة على كمال دينه وورعه وشدة تحرزه في دينه وتركه الشبهات استبراءاً لدينه وعرضه، ومن أخباره ﵁ الدالة على ذلك: أنه ﵁ كان له ناقة يحلبها ويشرب لبنها، فأتى له غلامه يوماً بلبن أنكره، فقال عمر ﵁: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها، فشربها، فحلبت لك ناقة من مال الله، فقال عمر ﵁: ويحك، تسقني ناراً (٢).

стр. 322

وروي أن عمر ﵁ شرب لبناً فأعجبه، فسأل الذي سقاه من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء قد سَماه، فإذا نعم من نعم الصدقة، وهم يسقون، فجعلوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي هذا، فأدخل عمر ﵁ إصبعه في فيه واستقاء (١).

стр. 323

وروي أن عوف بن مالك الأشجعي (١) ﵁ قال: كنت في الغزاة التي بعث فيها رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل (٢)، فصحبت أبا بكر وعمر، فمررت بقوم على جزور قد نحروها، وهم لا يقدورن على أن يعضوها (٣)، وكنت امرأً لبقاً (٤) جازراً، فقلت: أتعطوني منها عشيراً على أن أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم، فأخذت الشفرتين، فجزأتهما مكاني، وأخذت منها جزءاً، فحملته إلى أصحابي، فأطبخناه، فأكلناه، فقال لي أبو بكر وعمر ﵄: أنى لك هذا اللحم يا عوف؟ فأخبرتهما خبره، فقالا: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيآن ما في بطنيهما من ذلك (٥).

стр. 324

وروي أن عمر وعثمان ﵄ دعيا إلى طعام فلما خرجا، قال عمر لعثمان: لقد شهدت طعاماً، وددت أني لم أشهده، فقال عثمان: وما ذاك؟ قال عمر: خشيت أن يكون جعل مباهاة (١). وروي عن عمر ﵁ أنه قال: تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الحرام (٢).

стр. 325

وروي أن المسور بن مخرمة (١) ﵄ قال: كنا نلزم عمر نتعلم منه الورع (٢). ففي هذه الآثار دلالة على تخلق عمر ﵁ بهذه الصفة الجليلة ومما لا مراء فيه أن صحابة النبي ﷺ هم أكثر هذه الأمة ورعاً وتقوى لله، وبالأخص صاحبي النبي ﷺ أبي بكر وعمر ﵄.

стр. 326

المطلب الثاني: صفات عمر الخُلقية الدالة على عزمه وقوة إرادته وكمال شخصيته. وفيه خمسة مسائل: المسألة الأولى: زهده. ومن صفات عمر ﵁ الدالة على عزمه وقوة إرادته إضافة إلى قوة دينه وإيمانه الزهد في الدنيا وزينتها، والرغبة فيما عند الله، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك عند الكلام على طعام عمر ﵁ وشرابه ولباسه. ومن الآثار الدالة على زهده في الدنيا ما ذكره ﵁ عن نفسه قال: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال النبي ﷺ : "خذه فتموله (١)، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك" (٢).

стр. 327

ومن الآثار المروية عن عمر ﵁ والدالة بمجموعها على اتصاف عمر ﵁ بهذه الصفة ما روي من أن عمر ﵁ كان ذات يوم في إبل الصدقة، يمرن أخفافها (١)، فجاع، فاشتد عليه الجوع والحر، فدخل منزله، فقال: هل عندكم من شيء فآكله؟ قالوا: نعم، قباع (٢) من تمر، فأتوه به، فأكل منه، ثم شرب ماء، ومسح بطنه وقال: ويل لمن أدخله بطنه النار، إنما يكفي الرجل ما يسد جوعته (٣). وروي أن عبد الله بن عامر بن ربيعة (٤) قال: كنت أفطر مع عثمان بن عفان ﵁ في شهر رمضان، فكان يأتينا بطعام

стр. 328

هو ألين من طعام عمر ﵁ قد رأيت على مائدة عثمان الدرمك الجيد (١)، وصغار الضأن كل ليلة، وما رأيت عمر قط أكل من الدقيق منخولاً، ولا أكل من الغنم إلا مسانها، فقلت لعثمان في ذلك، فقال: يرحم الله عمراً، ومن يطيق ما كان يطيق عمر (٢). ومن ذلك ما روي في قصة قدوم عمر ﵁ الجابية (٣) على جمل أورق (٤) تلوح صلعته لا حقبة (٥) ولا خشبة تصطفق رجلاه، ليس له ركاب (٦)، وطاؤه فروة كبش ذات صوف، وهي فراشه إذا نزل،

стр. 329

وحقيبة نمرة (١) أو شملة (٢) محشوة ليفاً هي وسادته إذا نزل، وحقيبته إذا ركب (٣). وروي أن عمر ﵁ لما قدم الشام لقيه العجم من أهل الشام، فقالوا: أين أمير المؤمنين، فقالوا: قدامكم حتى جاوزوه، فسألوا: فقيل هذا أمير المؤمنين، فرجعوا فنظروا إليه في رجل أو اثنين، أو ما شاء الله، فقالوا: هذه والله الرهبانية لا رهبانيتكم (٤).

стр. 330

ومن ذلك ما روي من أن عمرو بن العاص كتب لعمر ﵄: إنا قد اختططنا لك داراً عند المسجد الجامع، فكتب إليه عمر ﵁: أنّى لرجل بالحجاز تكون له دارٌ بمصر؟! وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين (١). ومن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم في زهد عمر ﵁ ما روي من قول سعد بن أبي وقاص ﵁ فيه: والله ما كان بأقدمنا إسلاماً، ولكن قد عرفت بأي شيء فضلنا، كان أزهدنا في الدنيا (٢).

стр. 331

وروي أن ابن عمر ﵁ سمع رجلاً يقول: اين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة، فأخذه بيده، وأقامه على قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، وقال: عن هؤلاء تسأل (١). وروي عن عمرو بن العاص أنه قال وهو يذكر خلافة عمر ﵁: ثم ولي عمر فبعجت له الدنيا عن بطنها، وألقت إليه … كبدها، ففرص منها فرصاً وجانب غمرتها، ومشى في ضحضاحها، فخرج والله منها، وما بلت عقبه (٢).

стр. 332

ومما روي في زهده ﵁ أنه ﵁ حج فما ضرب فسطاطاً (١) يستظل به حتى رجع (٢). وروي أنه ﵁ أنفق في حجه ستة عشر ديناراً (٣) فاستكثرها (٤).

стр. 333

وقد رويت عنه ﵁ أقوال في الزهد منها: ما روي من قوله ﵁: نظرت في هذا الأمر، فجعلت إذا أردت الدنيا أضررت بالآخرة، وإذا أردت الآخرة أضررت بالدنيا، فإذا كان الأمر هكذا فأضروا بالفانية (١). وروي أنه قال: لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جنبي لله في التراب أو أجالس قوماً يلتقطون طيب الكلام كما يلتقطون طيب التمر، لأحببت أن أكون قد لحقت بالله (٢).

стр. 334

وروي أن عمر ﵁ خطب أم أبان بنت عتبة (١)، فردته، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن دخل دخل ببأس، وإن خرج خرج ببأس، قد أذهله أمر آخرته عن أمر دنياه، كأنه ينظر إلى ربه بعينيه (٢). المسألة الثانية: صبره. ومن صفات عمر ﵁ الصبر، والصبر من الصفات الحميدة التي حض الله ﵎ عليها في مواضع كثيرة من كتابه ورتب عليها الأجر والثواب العظيم، واتصاف عمر ﵁ بالصبر أمر ثابت وله شواهد أكثر من أن تحصر حيث إن اتصاف عمر ﵁ بالصفات السابقة الذكر كشدة الخشية لله والمراقبة له والورع، والزهد دليل على شدة صبره وعزمه لأن تلك الصفات تستلزم الصبر. وقد روي أن عمر ﵁ قال: وجدنا خير عيشنا بالصبر (٣).

стр. 335

المسألة الثالثة: هيبته. ومن صفات عمر ﵁ الدالة على قوة شخصيته الهيبة، فقد كان ﵁ ذا هيبة عظيمة، يهابه من حوله من صحابة النبي ﷺ فضلاً عن بقية رعيته. قال ابن عباس ﵄: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له (١). وقال عمرو بن ميمون (٢) رحمه الله تعالى: شهدت عمر يوم طعن، فما منعني أن أكون في الصف المتقدم إلا هيبته وكان رجلاً مهيباً، فكنت في الصف الذي يليه (٣).

стр. 336

المسألة الرابعة: كراهيته المدح والثناء. ومن صفات عمر ﵁ الدالة على قوة شخصيته وكمالها كراهيته المدح والثناء. دخلت عليه ابنته حفصة ﵄ لما طعن، فجعلت تثني عليه وتقول: يا صاحب رسول الله، ويا صهر رسول الله ﷺ ويا أمير المؤمنين وجعلت تثني عليه، فقال عمر ﵁ لابنه عبد الله: أجلسني، فلا صبر لي على ما أسمع، فأسنده إلى صدره، فقال عمر لحفصة ﵃: إني أحرج عليك بما لي عليك من الحق أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عينيك فلن أملكها (١).

стр. 337

وروي أن رجلاً أثنى على عمر ﵁، فقال له عمر ﵁: تهلكني وتهلك نفسك (١). وروي أن رجلاً قال لعمر ﵁: لو قدرت جعلت خدي نعلاً لك، فقال عمر: إذاً يهنك الله (٢). المسألة الخامسة: كرمه. ومن صفات عمر ﵁ الدالة على كمال شخصيته سماحته وكرمه.

стр. 338

فقد كان ﵁ سخياً كثير الإنفاق في سبيل الله، وفي وجوه الخير وإكرام رعيته ومواساتهم. وقد تقدم ذكر شيء من حبه للإنفاق في سبيل الله، حيث كان يتسابق مع الصديق ﵁ في الصدقة، وتصدق بأغلى وأحب مال عنده، وهو أرضه بخيبر (١). ومن كرمه لأضيافه ومواساته لرعيته ما تقدم ذكره في خبر قدوم عتبة بن فرقد على عمر ﵁ وفيه قال عمر ﵁: إنا ننحر كل يوم جزوراً، فأما ودكها وأطايبها، فلمن حضرنا من آفاق المسلمين (٢). وفي قصة قدوم رسول سلمة بن قيس الأشجعي بغنائم بعض فتوح فارس ذكر أنه قدم على عمر ﵁ وهو يطعم الناس، وهو متكئ على عصا ويعاونه مولاه يرفأ، وعمر يقول: ضع هنا يا يرفأ، ضعها هنا (٣).

стр. 339

وقال عبد الله بن عمر ﵄: ما رأيت أحداً قط بعد رسول الله ﷺ من حين قبض كان أجد ولا أجود من عمر ﵁ (١). المسألة السادسة: شجاعته. ومن صفات عمر ﵁ الدالة على قوة شخصيته، شجاعته فقد اتصف عمر ﵁ بصفات خلقية فيها كل معاني القوة والقارئ لسيرته ﵁ وحياته في الجاهلية والإسلام، ومواقفه مع النبي ﷺ وعدم تخلفه عنه في سلم أو حرب وجرأته على أعداء الله وانتقامه منهم، وما فتح الله على يديه من فتوحات في خلافته ما كانت تحقق لولا عون الله وما منحه الله لهذا الخليفة الراشد من صفات القوة والحزم والجلادة والصبر والشجاعة والإقدام.

стр. 340

المطلب الثالث: صفاته الخُلقية الدالة على سهولته ولين جانبه، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تواضعه. ومن صفات عمر ﵁ والتي فيها معنى السهولة واللطف ولين الجانب، تواضعه لربه وعدم تكبره على رعيته بالرغم مما كان يمتلكه من صفات القوة والهيبة، وما كان تحت ملكه وتصرفه من البلاد التي شملت الجزيرة العربية، وبلاد فارس من أقصاها إلى أدناها، وبلاد الشام ومصر فلم يزده الملك إلا تواضعاً لربه ﵎ وخوفاً وخشية منه. قدم الهرمزان المدينة وكان من ملوك فارس، فرأى عمر ﵁ مضطجعاً على الأرض في مسجد النبي ﷺ وهو أمير المؤمنين، وليس حوله خدم ولا حرس ولا حاجب قد أمن رعيته وأمنته، فرأى منظراً عجيباً ملأ قلبه هيبة وإجلالاً، فقال: هذا والله الملك الهني (١)، أي ليس

стр. 341

ملوك فارس الذين امتلأت قصورهم بالحرس والخدم وامتلأت قلوبهم خوفاً وقلقاً تخافهم رعيتهم ويخافونهم. ولما قدم عمر ﵁ بلاد الشام عرضت له في طريقه وهو راكب على بعيره مخاضة فنزل ﵁ عن بعيره، ونزع موقيه فأمسكهما بيده، فخاض الماء، ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة ﵁: قد صنعت اليوم صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فصك في صدره وقال: آوه لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأصغر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله (١). واستقبله ﵁ الناس بالشام، وهو على بعيره فقالوا له: يا أمير المؤمنين، لو ركبت برذوناً (٢) حتى يلقاك عظماء الناس ووجوهم،

стр. 342

فقال عمر: لا أراكم ها هنا إنما الأمر من ها هنا، وأشار بيده إلى السماء، ثم قال: خلوا سبيل جملي (١). ومن صور تواضعه ما رواه ربيعة بن الهدير أنه رأى عمر ﵁ يقرد بعيراً له وينظفه بالطين وهو محرم (٢). وقال مالك بن ابي عامر الأصبحي (٣) ﵀: رأيت عمر وعثمان إذا قدما من مكة ينزلان بالمعرص (٤)، فإذا ركبوا، ليدخلوا

стр. 343

المدينة، لم يبق منهم أحدٌ إلا أردف وراءه غلاماً فدخلا على ذلك، فقال له ابنه نافع: هل كانا يفعلان ذلك إرادة التواضع؟ فقال: نعم (١)، ثم ذكر ما أحدث الناس من أن يمشوا غلمانهم خلفهم وهم ركبان، ويعيب ذلك عليهم. وقد رويت أخبار في تواضع عمر ﵁ وفيها ضعف من ذلك: ما روي في قصة مجيء عمر ﵁ إلى زيد بن ثابت ﵁ ليستشيره في ميراث الجد، وفيها أن عمر ﵁ استأذن على زيد ورأسه في يد جارية له ترجله، فلما رأى عمر نزع رأسه، فقال له عمر: دعها ترجلك، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي جئتك، فقال عمر: إنما الحاجة لي (٢).

стр. 344

وروي أن عمر ﵁ خرج يوم الجمعة، فقطر عليه ميزاب العباس، وكان على طريق عمر إلى المسجد، فقلعه عمر ﵁، فقال له العباس ﵁: قلعت ميزابي، والله ما وضعه حيث كان إلا رسول الله ﷺ بيده، فقال عمر: لا جرم (١) أن يكون لك سُلم غيري، ولا يضعه إلا أنت بيدك، فحمل عمر العباس على عنقه، فوضع رجليه على منكبي عمر، ثم أعاد الميزاب حيث كان فوضعه موضعه (٢).

стр. 345

ومن ذلك ما روي من أن عمر ﵁ صعد المنبر بعد أن جمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس لقد رأيتني ومالي من آكال (١) يأكله الناس إلا أن لي خالات من بني مخزوم، فكنت أستعذب لهن الماء، فيقبضن لي القبضات من الزبيب، ثم نزل عن المنبر، فقيل له: ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إني وجدت من نفسي شيئاً، فأدرت أن أطأطئ منها (٢). وروي أن عمر ﵁ قال لسلمان الفارسي ﵁: يا سلمان ما أعلم من أمر الجاهلية شيئاً إلا وضعه الله عنا بالإسلام

стр. 346

إلا أنا لا ننكح إليكم، ولا ننكحكم، فهلم فلنزوجك ابنة الخطاب، أفر والله من الكبر (١). وروي أنه ﵁ كان يشتري اللحم لأهله ويعلقه في يده اليسرى ويحمل درته بيده اليمنى ويدور في الأسواق (٢). وروي أن الزبير بن العوام خرج بغلس يريد أرضاً له، فلما كان ببعض الطريق إذا هو بعمر ﵁ على عنقه قربة من ماء، فعرفه الزبير، فقال له: والله ما أعلم هذا يسعك، لقد أغناك الله عن هذا وأقناك بما خولك وأعطاك، فما يحملك على هذا؟ قال عمر: لما رأيت هؤلاء الوفد سامعين لأمري، مطيعين لي، وما كنا نرى أنه لا تنجح لنا بطاعة،

стр. 347

ولا تطيع لنا أمراً (١)، دخلتني لذلك نخوة، فأردت أن أكسرها، قال الزبير: فمال بالقربة إلى حجرة أرملة من الأنصار، فأفرغها في جرارها (٢). وروي أن عمر ﵁ خرج في يوم حار، واضعاً رداءه على رأسه، فمر به غلام على حمار، فقال: يا غلام، احملني معك، فوثب الغلام عن الحمار، وقال: اركب يا أمير المؤمنين، فقال عمر: لا، اركب وأركب خلفك تريد أن تحملني على المكان الوطئ، ولكن اركب أنت، وأكون أنا خلفك، فدخل المدينة وهو خليفة والناس ينظرون إليه (٣).

стр. 348

وروي كذلك أنه ﵁ فقد عمار بن ياسر ﵁، فجاءه في منزله، وهو يبني داره، فوجده ينقل طيناً ولبناً، فنقل عمر ﵁ معه بنفسه طيناً ولبناً (١). ومما لا شك فيه أن تواضع عمر ﵁ لم يكن تواضعاً فيه الضعف والخور والتماوت بل كان ﵁ مع تواضعه قوياً شديداً ذا وقار وهيبة، وسيرته ﵁ دالة على ذلك، وروي أن الشفاء بنت عبد الله (٢) رأت فتياناً يقصدون في المشي، ويتكلمون رويداً، فقالت: ما هؤلاء؟ قالوا: نساك، فقالت: كان والله عمر بن الخطاب إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو والله الناسك حقاً (٣).

стр. 349

وروي أن عمر ﵁ وابنه عبد الله كانا لا يعرف فيهما البر حتى يقولا أو يفعلا، فسئل الزهري عن المراد بذلك؟ فقال: لم يكونا مؤنثين ولا متماوتين (١). المسألة الثانية: مرحه: ومن صفات عمر ﵁ الدالة على سماحته ولين جانبه، مرحه ومداعبة أصحابه. قال ابن عباس ﵄: ربما قال لي عمر بن الخطاب ﵁: تعال أباقيك في الماء أينا أطول نفساً ونحن محرمون (٢).

стр. 350

فكان ﵁ يتنافس مع ابن عباس ﵄ بإدخال رأسيهما في الماء أيهما أطول نفساً يستطيع البقاء في الماء. وقال أبو رافع الصائغ (١): كان عمر يمازحني يقول: أكذب الناس الصائغ يقول اليوم غداً (٢). وروي عن أبي مسعود الأنصاري (٣) أنه قال: كنا جلوساً في نادينا، فأقبل رجل على فرس يركضه يجري حتى كاد يوطئنا، فارتعنا لذلك وقمنا، قال: فإذا عمر بن الخطاب، فقلنا: فمن بعدك يا أمير المؤمنين؟ قال: وما أنكرتم؟ وجدت نشاطاً، فأخذت فرساً فركضته (٤).

стр. 351

وروي عن خوات بن جبير ﵁ (١) أنه قال: خرجنا حجاجاً مع عمر بن الخطاب ﵁، فسرنا في ركب فيهم أبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف ﵄، فقال القوم: غننا ياخوات، فغناهم، فقالوا: غننا من شعر ضرار (٢)، فقال عمر ﵁: دعوا أبا عبد الله يتغنى من بنيات فؤاده، يعني من شعره، قال: فما زلت أغنيهم حتى إذا كان السحر قال عمر ﵁: ارفع لسانك يا خوات فقد أسحرنا (٣). وروي أن سعيد بن المسلم (٤) كان يقص شارب عمر ﵁ فبخ في وجهه يعني قال: بَخْ، ففزع سعيد فضرط، فقال: يا أمير المؤمنين أفزعتني، فقال عمر ﵁: ما أردت ذلك، سنعقل لك، فأعطاه أربعين درهماً (٥).

стр. 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 353

الفصل الثاني: فضائله المبحث الأول: شهادة النبي ﷺ له بالفضل المطلب الثاني: الأحاديث الدالة على كمال دينه وسعة علمه المطلب الأول: الأحاديث الدالة على علو منزلته ورفعة مكانته المبحث الثاني: شهادة الصحابة رضوان الله عليهم والتابعيين ومن بعدهم له بالفضل المطلب الأول: شهادة الصحابة ﵃ ﵁ بالفضل. المطلب الثاني: شهادة التابعين ومن بعدهم لعمر ﵁ بالفضل.

стр. 354

المبحث الأول: شهادة النبي ﷺ له بالفضل المطلب الثاني: الأحاديث الدالة على كمال دينه وسعة علمه المطلب الأول: الأحاديث الدالة على علو منزلته ورفعة مكانته

стр. 355

المبحث الأول: شهادة النبي ﷺ له بالفضل وفيه مطلبان المطلب الأول: الأحاديث الدالة على علو منزلته ورفعة مكانته، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: مكانته عندالله : إن مكانة عمر ﵁ ومنزلته عند ربه منزلة عالية ورفيعة يدل على ذلك أمور هي: ١ - نزول القرآن بموافقته: فقد نزلت آيات عديدة من القرآن الكريم موافقة لرأي عمر ﵁ وما يميل إليه، قال ابن عمر ﵄: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر (١).
следующие страницы →