← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فلما صلى على الجنازة، ودنا من جدار ليجلس أتيته، فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ، فقلت له: ألا تقضيني يا محمد حقي، فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، ونظرت إلى عمر وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله ما أسمع، وتصنع به ما أرى؟! فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، وتبسم، ثم قال: "يا عمر أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة … " الحديث (١).

стр. 457

وروي في قصة إسلام عمير بن وهب الجمحي (١) أنه قدم على النبي ﷺ وهو يريد قتله بعد أن تكفل له صفوان بن أمية (٢) بقضاء دينه، ونفقة عياله، فجهز عمير سيفه وشحذ له سماً، فانطلق حتى قدم المدينة، فبينا عمر بن الخطاب ﵁ في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحاً السيف (٣)، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا (٤) للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على

стр. 458

رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحاً سيفه، فقال رسول الله ﷺ : "فأدخله علي"، فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله ﷺ … الحديث (١). وكان عمر ﵁ يهاب النبي ﷺ ويجله ويوقره.

стр. 459

في الحديث أن النبي ﷺ صلى إحدى صلاتي العشي ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وكان في الناس أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه … الحديث (١). وحينما قدم وفد بني تميم على النبي ﷺ اختلف أبو بكر وعمر ﵄، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبي ﷺ فنزلت ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَظِيمٌ﴾ (٢).

стр. 460

فكان عمر بعد إذا حدث النبي ﷺ حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه (١). وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشق، حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم، فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله ﷺ حياً ولا ميتاً أو كلمة نحوها (٢).

стр. 461

المطلب الثاني: أهم أعمال عمر ﵁ ومشاركاته في حياة النبي ﷺ . لقد كان لعمر ﵁ دور هام، ومكانة متميزة في حياته مع النبي ﷺ وسأعرض لذكرها هنا إن شاء الله. أولاً: كان ﵁ مستشاراً للنبي ﷺ . قال ﵁: كان رسول الله ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين وأنا معهما (١). وقال ﷺ لأبي بكر وعمر: "لو اتفقتما لي ما شاورت غيركما" (٢).

стр. 462

وروي أن النبي ﷺ قال: "إن الله أمرني أن أتخذ عمر مشيراً" (١). ثانياً: كان عمر ﵁ من جباة الزكاة وعمال الصدقة للنبي ﷺ وممن يأتمنه النبيّ ﷺ على أمول المسلمين. استعمل ﵁ عبد الله بن السعدي (٢) على الصدقة، فلما فرغ من عمله أعطاه عطاءه، وعمالته، فقال: إنما عملت وأجري على الله، فقال عمر: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فَعَمَّلني (٣)،

стр. 463

فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ : "إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق" (١). ولم يبين عمر ﵁ العمل الذي استعمله عليه النبي ﷺ ، وثبت أن النبي ﷺ بعثه لجباية الصدقات (٢). ثالثاً: كتابته للوحي. فقد ذكر أهل السير أنه كان من كتاب الوحي للنبي ﷺ (٣). ومن المهام التي روي أن عمر ﵁ قام بها في حياة النبي ﷺ : - بعث النبي ﷺ له مبلغاً عنه. فقد روي أن النبي ﷺ لما قدم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إليهن عمر بن الخطاب ﵁، فقام عمر على الباب فسلم

стр. 464

عليهن، فرددن ﵇، فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن … الحديث (١). - قيامه بالفتوى والقضاء. فقد روي أن عمر ﵁ كان من أهل الفتوى في حياة النبي ﷺ وأنه كان من قضاة النبي ﷺ (٢).

стр. 465

- مشاركته في بناء مسجد قباء ومسجده ﷺ . روي أن عمر ﵁ كان يأتي مسجد قباء يوم الاثنين والخميس فجاء يوماً فلم يجد فيه أحداً من الناس، فقال: مالي لا أرى في هذا المسجد أحداً من الناس، والذي نفسي بيده لقد رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وأناساً من أصحابه ونحن ننقل حجارته على بطوننا وإن رسول الله ﷺ لهو أسسه بيده وجبريل يؤم له الكعبة (١).

стр. 466

- مشاركته ﵁ في الغزوات مع النبي ﷺ . لقد شارك عمر ﵁ النبي ﷺ ولازمه في جميع غزواته وكان له في تلك الغزوات مواقف خلدها القرآن الكريم والسنة المطهرة. فقد شارك ﵁ النبي ﷺ في غزوة بدر الكبرى (١) وهي الغزوة التي فرق الله بها بين الحق والباطل، ومن مواقفه المشهورة فيها موقفه من أسارى بدر من المشركين، فقد استشار النبي ﷺ فيهم أبا بكر وعمر ﵄، فقال: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله

стр. 467

صلى الله عليه وسلم: "ما ترى يابن الخطاب"؟ فقال عمر: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل (١) فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر ﵄، فلما كان من الغد جاء عمر ﵁ فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقال: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذ الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا﴾ (٢).

стр. 468

وكان ﵁ مع النبي ﷺ في غزوة أحد (١) ومن مواقفه الفاضلة فيها بعد أن أصاب المسلمين ما أصابهم من القرح واثخنت فيهم الجراح وكثر شهداؤهم وهدأ القتال قام أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر ﵁ نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسؤك (٢). وقاتل ﵁ المشركين يوم الخندق (٣) مع رسول الله ﷺ حتى شغلوا عن صلاة العصر، فجعل ﵁ يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس، فقال رسول الله ﷺ : "فوالله إن صليتها"، فنزلنا بطحان (٤)، فتوضأ

стр. 469

رسول الله ﷺ ، وتوضأنا، فصلى رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (١). وفي غزوة بني المصطلق (٢) كان لعمر ﵁ موقف حازم من زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، فقد حدث في هذه الغزوة أن رجلاً من المهاجرين كسع (٣) رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع بذلك رسول الله ﷺ فقال: "ما بال دعوا الجاهلية"؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: "دعوها فإنها منتنة"، فسمع بذلك

стр. 470

عبد الله بن أبي، فقال: فعلوها، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي ﷺ ، فقام عمر ﵁ فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : "دعه لا يتحدث الناس أن محمّداً يقتل أصحابه" (١). وكان ﵁ مع النبي ﷺ يوم الحديبية (٢) وهو اليوم الذي عقد فيه النبي ﷺ الصلح بين المسلمين وبين كفار قريش. قال جابر بن عبد الله ﵄: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعناه (أي النبي ﷺ وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري (٣) أختبأ تحت بطن بعيره (٤).

стр. 471

وموقفه ﵁ من صلح الحديبية مشهور، فقد أعطت بنود هذا الصلح قريشاً حقوقاً وصلاحيات حرم منها المسلمون، فكان من تلك البنود: أن من أتى النبي ﷺ مسلماً من قريش رده إليهم، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟! فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف (١) في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل (٢): هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ : "فأجزه لي"، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: "بلى فافعل"، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز (٣): بل قد أجزناه، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً

стр. 472

شديداً في الله (١)، فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذا؟! قال: "إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري"، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام"؟ قلت: لا، قال: "فإنك آتيه ومطوف به"، قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذاً؟!

стр. 473

قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه (١)، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به (٢). وروي أن النبي ﷺ دعا عمر ﵁ ليبعثه إلى مكة عام الحديبية، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، وأنه إنما جاء لزيارة البيت، وليس للحرب، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحداً يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان (٣).

стр. 474

وشارك عمر ﵁ النبي ﷺ في غزوة خيبر (١)، قال ﷺ يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه"، فقال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها (٢)، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها … الحديث (٣). وروي أن النبي ﷺ بعث أبا بكر الصديق برايته البيضاء إلى بعض حصون خيبر، فقاتل، فرجع ولم يك فتح، وقد جهد، ثم بعث الغد عمر

стр. 475

ابن الخطاب، فقاتل ثم رجع، ولم يك فتح، وقد جهد، فقال النبي ﷺ : "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، ليس بفرار" (١).

стр. 476

وروي أن النبي ﷺ بعث عمر ﵁ بعد غزوة خيبر في سرية من ثلاثين رجلاً إلى عجز هوازن بتربة (١)، وخرج معه دليل من بني

стр. 477

هلال، فكان عمر يسير بالليل ويكمن بالنهار، فأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر محالهم، فلم يلق منهم أحداً، فانصرف راجعاً إلى المدينة (١). وفي السنة الثامنة من الهجرة بعث النبي ﷺ عمرو بن العاص ﵁ إلى ذات السلاسل (٢)، وبعث تحت إمرته عدداً من أجلة الصحابة رضوان الله عليهم فيهم أبو بكر وعمر ﵄ (٣).

стр. 478

وروي أن عمر ﵁ شارك في سرية الخبط، والتي كانت بإمرة أبي عبيدة بن الجراح في السنة الثامنة من الهجرة (١).

стр. 479

ومن مواقفه ﵁ قبل غزوة الفتح، موقفه من حاطب بن أبي بلتعة لما أعلم قريشاً بمسير النبي ﷺ إليهم، فحين أراد النبي ﷺ التجهز للمسير إلى مكة عمَّى الأخبار عن قريش حتى لا تعلم بمسيره إليهم، فيتجهزون لقتاله بل أراد ﷺ مباغتتهم وأخذهم على غرة، وحدث أن أخبر حاطب (١) بن أبي بلتعة قريشاً بمسير النبي ﷺ ونزل الوحي على النبي ﷺ مخبراً له بفعل حاطب، فدعا النبي ﷺ حاطباً فسأله عن ذلك، فاعتذر وقبل عذره، فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال ﷺ : "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٢).

стр. 480

وشارك ﵁ النبي ﷺ في مسيره لفتح مكة (١)، ومن مواقفه في هذه الغزوة الدالة على شدته على الكفار وأعداء الدين موقفه من أبي سفيان ﵁، فقد خرج النبي بعشرة آلاف من المسلمين حتى نزل بمر الظهران (٢)، وأوقد الجيش النيران، وقد عمت الأخبار على قريش ولا يدرون ما هو فاعله، فخرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام (٣)، وبديل بن ورقاء الخزاعي (٤)، يتحسسون الأخبار، فرأى العباس ابن عبد المطلب أبا سفيان، فأركبه على دابته، وكان يركب بغلة النبي ﷺ

стр. 481

البيضاء، فقدم به إلى النبي ﷺ ، وكان في طريقه يمر بجيش المسلمين وهم قد أوقدوا النيران، وأبو سفيان ينظر إليهم، فلما مر بنار عمر ﵁، قال عمر: من هذا؟ وقام إلى العباس فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة عرفه، فقال: والله عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك، فخرج يشتد نحو رسول الله ﷺ حتى دخل عليه في مكانه الذي نزل فيه، واشتد العباس ومعه أبو سفيان حتى دخل على رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه في غير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، فقال العباس: قد أجرته يا رسول الله … فلما أكثر عمر، قال العباس: مهلاً يا عمر، فوالله لو كان رجلاً من بني عدي ما قلت هذا، ولكنه من بني عبد مناف، فقال عمر: مهلاً يا عباس، لا تقل هذا، فوالله لإسلامك حين أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب أبي لو أسلم، وذلك أني عرفت أن إسلامك أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب (١).

стр. 482

وكان عمر ﵁ أميراً على حرس النبي ﷺ يوم الفتح (١). وبعد فتح مكة أمر النبي ﷺ وهو بالبطحاء عمر ﵁ أن يأتي الكعبة فيمحوا كل صورة فيها، ولم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها (٢).

стр. 483

وشارك ﵁ النبي ﷺ والمسلمين في غزوة حنين (١)، وكان له موقف كريم في هذه الغزوة التي أعجبت المسلمين فيها كثرتهم فكادت أن تحل بهم الهزيمة، لولا لطف الله بهم ورحمته كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٢). فكان ﵁ ممن ثبت مع النبي ﷺ ونافح عنه في هذا الموقف العصيب (٣)، وذلك دليل على قوة إيمانه وصدق يقينه وشجاعته.

стр. 484

ومن مواقفه ﵁ في هذه الغزوة موقفه من ذي الخويصرة (١) التميمي فبعد أن فرغ النبي ﷺ من القتال في حنين والطائف نزل بالجعرانة (٢)، وفيها قسم غنائم حنين، فأتاه ذو الخويصرة فقال: يا رسول الله إعدل، فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل"، فقال عمر ﵁: ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: "دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم … " (٣) الحديث.

стр. 485

وكان عمر ﵁ مع المسلمين في غزوة تبوك (١)، سئل ﵁ فقيل له: حدثنا من شأن العسرة، فقال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله قد عودك الله في الدعاء خيراً، فادع لنا، فقال: "أتحب ذلك"؟ قال: نعم، فرفع يديه ﷺ فلم يرجعهما حتى أطلت سحابة، فسكبت، فملؤا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٢).

стр. 486

وروي أن عمر ﵁ كان ممن انتدبه النبي ﷺ للخروج في جيش أسامة بن زيد (١) ﵁ لقتال الروم في أطراف الشام حينما جهز ذلك الجيش قبل وفاته ﷺ (٢).

стр. 487

هذا ما أردت الإشارة إليه من حياة عمر ﵁ مع النبي ﷺ وقد ظهر مما تقدم ما كان عليه عمر ﵁ من توقير وإجلال للنبي ﷺ ومن تفانيه في خدمته والدفاع عنه ﷺ وملازمته له في حربه وسلمه، وما كان لعمر ﵁ من منزلة ومكانة عالية ورفيعة عند النبي ﷺ .

стр. 488

المبحث الثاني: حياة عمر ﵁ مع أبي بكر الصديق ﵁ وفيه مطلبان المطلب الأول: توقير عمر ﵁ لأبي بكر ﵁ ومعرفته لفضله. المطلب الثاني: مواقفه ومشاركاته في خلافة أبي بكر ﵁ -

стр. 489

المبحث الثاني: حياة عمر ﵁ مع أبي بكر الصديق ﵁ وفيه مطلبان المطلب الأول: في معرفة عمر ﵁ لفضل أبي بكر وتوقيره له. إن فضل أبي بكر ﵁، وعظم منزلته جاءت به نصوص الكتاب والسنة، وعرف الصحابة رضوان الله عليهم لأبي بكر منزلته الرفيعة من الإسلام وأهله، ومن أفضل من عرف لأبي بكر هذه المنزلة عمر بن الخطاب ﵁، ومن أقواله في ذلك قوله ﵁: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا - يعني بلالاً (١). وقال ﵁: لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتقدم قوماً فيهم أبو بكر (٢). وقدم عليه ﵁ وفد عبد القيس (٣)، فأذن لهم، فدخلوا عليه، فقضى بينهم، وقضى من حوائجهم، فبينا هم كذلك، غلبته عينه،

стр. 490

فقال رجل منهم: ما رأيت امرأً قط خيراً من هذا، فاستيقظ عمر ﵁ فقال: أكنت رأيت أبا بكر الصديق ﵁؟ قال: لا، فقال: أما والله لو كنت رأيته لنكلت بك (١). وقال ﵁: لا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته جلد المفتري (٢). وقال ﵁: يوم من أبي بكر خير من آل عمر (٣).

стр. 491

وذكر ﵁ أبا بكر يوماً وهو يخطب على المنبر، فقال: إن أبا بكر كان سابقاً مبرزاً (١). وروي أن نفراً أثنوا على عمر ﵁ فقالوا: أنت خير الناس بعد رسول الله ﷺ فقال: لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي (٢).

стр. 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 493

المطلب الثاني: مواقفه ومشاركاته في خلافة أبي بكر ﵁، وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: موقفه ﵁ من استخلاف أبي بكر ﵁. لقد كان لعمر ﵁ موقف جليل ومقام محمود من بيعة أبي بكر ﵁، فقد كان له الفضل الأكبر بعد فضله في إخماد نار الفتنة وإزالة أسباب الشقاق والفرقة التي كادت أن تعصف بصحابة رسول الله ﷺ بعد وفاته، فقد اختلفوا فيمن له الحق في تولي إمرة المسلمين بعده ﷺ ، فاجتمع الأنصار ﵃ في سقيفة بني ساعدة (١)، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، وتخلف عنهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، فقال المهاجرون لأبي بكر: انطلق بنا إلى

стр. 494

إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقوا يريدونهم، وكان معهم عمر بن الخطاب، قال ﵁: فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان (١)، فذكرا ما تمالى (٢) عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل (٣) بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة (٤)؟ فقلت: ماله؟ قالوا: يوعك (٥). فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فنحن أنصار الله، وكتيبة (٦) الإسلام، وأنتم معشر

стр. 495

المهاجرين رهط (١)، وقد دفت دافة (٢) من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا (٣) من أصلنا، وأن يحضنوننا (٤) من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت (٥) مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد (٦)، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو
следующие страницы →