وذكر ﵁ أبا بكر يوماً وهو يخطب على المنبر، فقال: إن أبا بكر كان سابقاً مبرزاً (١).
وروي أن نفراً أثنوا على عمر ﵁ فقالوا: أنت خير الناس بعد رسول الله ﷺ فقال: لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي (٢).
المطلب الثاني: مواقفه ومشاركاته في خلافة أبي بكر ﵁، وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: موقفه ﵁ من استخلاف أبي بكر ﵁.
لقد كان لعمر ﵁ موقف جليل ومقام محمود من بيعة أبي بكر ﵁، فقد كان له الفضل الأكبر بعد فضله في إخماد نار الفتنة وإزالة أسباب الشقاق والفرقة التي كادت أن تعصف بصحابة رسول الله ﷺ بعد وفاته، فقد اختلفوا فيمن له الحق في تولي إمرة المسلمين بعده ﷺ ، فاجتمع الأنصار ﵃ في سقيفة بني ساعدة (١)، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، وتخلف عنهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، فقال المهاجرون لأبي بكر: انطلق بنا إلى
стр. 494
إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقوا يريدونهم، وكان معهم عمر بن الخطاب، قال ﵁: فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان (١)، فذكرا ما تمالى (٢) عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل (٣) بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة (٤)؟ فقلت: ماله؟ قالوا: يوعك (٥).
فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فنحن أنصار الله، وكتيبة (٦) الإسلام، وأنتم معشر
стр. 495
المهاجرين رهط (١)، وقد دفت دافة (٢) من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا (٣) من أصلنا، وأن يحضنوننا (٤) من الأمر.
فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت (٥) مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد (٦)، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو
стр. 496
جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلى نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار (١): أنا جذيلها المحكك (٢)، وعذيقها المرجب (٣)، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار، ونزونا (٤) على سعد بن عبادة، فقال قائل
стр. 497
منهم: قتلتم سعد بن عبادة (١)، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرض، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا (٢).
стр. 498
وقد بين عمر ﵁ للأنصار أنه لا يمكن أن يكون للمسلمين خليفتان ويستحيل أن يفعل المسلمون ذلك، لأنه سبيل إلى الفرقة والخلاف، فقال ﵁: سيفان في غمد واحد لا يصطلحان (١).
وذلك عندما طلب الأنصار أن يكون منهم أمير، ومن المهاجرين أمير، وذكرهم ﵁ بفضل أبي بكر، وبأحقيته في الخلافة، فقال ﵁: ثم إن أبا بكر ﵀ صاحب رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين، وإنه أولى الناس بأموركم، فقوموا فبايعوه، قال أنس بن مالك
стр. 499
رضي الله عنه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر (١).
ومن الأمور التي ذكر بها عمر ﵁ الأنصار وهي من فضائل أبي بكر ﵁ قوله ﵁: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يصلي بالناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر (٢).
وبهذا أذعن الأنصار رضوان الله عليهم واستجابوا لبيعة الصديق ﵁.
وروي أن عمر ﵁ ذكر الأنصار بقول النبي ﷺ الذي بين فيه أحقية قريش بالخلافة، فقال: نشدتكم بالله يا معشر الأنصار ألم
стр. 500
تسمعوا أن رسول الله ﷺ ، أو من سمعه منكم وهو يقول: "الولاة من قريش ما أطاعوا الله، واستقاموا على أمره" (١).
وأما علي والزبير فإنهما كما ذكر عمر رضي الله في حديثه الذي تقدم في الصحيح تخلفا عن المهاجرين، وكانا يأتيان بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فيتشاوران معها في أمرهما، وفي بيعة أبي بكر ﵁، فعلم بذلك عمر ﵁، وخشي من تفرق كلمة المسلمين إذا رأوا اجتماع علي والزبير في بيت فاطمة، وذلك لمكانها من النبي ﷺ ولمنزلتها في قلوب المسلمين فذهب ﵁ إليها وقال: يا بنت رسول الله ﷺ ، والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد
стр. 501
أبيك منك، وأيم الله ما ذاك بما نعى إن اجتمع هؤلاء النفر عندك إن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت، فلما خرج عمر ﵁ جاؤوها، فقالت ﵂: تعلمون أن عمر قد جاءني وحلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم الله ليمضين لما حلف، وأمرتهم أن ينصرفوا عنها، ويتشاوروا في أمرهم بأنفسهم ولا يرجعوا إليها، فلم يرجعوا إليها بعد ذلك حتى تشاوروا في أمرهما، ثم بايعوا أبا بكر ﵁ (١).
стр. 502
وقد ثبت أن علياً والزبير بايعا أبا بكر ﵃ بالخلافة بعد أن وعظهما، وذكرهما بأن في تخلفهما عن البيعة شقاً لعصا المسلمين (١).
وبذلك يمكن القول بأن تخلف علي والزبير ﵄ واجتماعهما في بيت فاطمة ﵂، كان في بداية الأمر ثم بايعا بعد ذلك.
المسألة الثانية: موقف عمر ﵁ من قتال المرتدين.
كان لعمر ﵁ موقف معارض من قتال أبي بكر ﵁ لمانعي الزكاة من المرتدين الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ ، فقد قال ﵁ لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله"، حيث كان رأيه ﵁ في بداية الأمر عدم قتال من نطق
стр. 503
بالشهادتين ومنع الزكاة ولم يعارض في قتال من ارتد عن الإسلام بادعاء النبوة والرجوع إلى عبادة الأوثان لأن إباحة قتال هؤلاء لا مرية فيه (١).
ولكن أبا بكر ﵁ أصر على قتال من منع الزكاة سواءً كان جاحدًا لوجوبها أو مقراً، وبين ﵁ أن من حق المال الزكاة، فمن لم يؤد حقه لم يكن معصوماً من القتل، وقال ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً (٢) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها (٣).
وتبين لعمر ﵁ أن الصواب والحق فيما ذهب إليه أبو بكر، وعزم عليه من قتال مانعي الزكاة، فكان خير معين له في القضاء على فتنة الردة.
وفي موقف عمر ﵁ ذلك دليل على شدة تعظيمه ﵁ لحرمات الله، وحفاظه على حرمات المسلمين ودمائهم
стр. 504
وأموالهم، وعدم التعرض لها إلا بحق وشدة تحريه في ذلك، وفيه دليل على سرعة رجوعه للحق والصواب إذا ظهر له.
المسألة الثالثة: إشارته على أبي بكر ﵁ بجمع القرآن بعد موقعة اليمامة (١).
كانت موقعة اليمامة إحدى المواقع التي قاتل فيها المسلمون المرتدين بقيادة خالد بن الوليد ﵁ في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وكانت في أواخر السنة الحادية عشرة وأول الثانية عشرة، وقتل فيها مسيلمة الكذاب، وقتل فيها من المسلمين ستمائة وقيل سبعمائة، وكان فيهم عدد كبير من قراء القرآن رضوان الله عليهم (٢).
стр. 505
فخشى عمر من استمرار مقتل القراء واستشهادهم في حروب الردة، كما حدث في يوم اليمامة فيفضي ذلك لضياع القرآن الذي حفظه القراء في صدورهم وتلقوه من النبي ﷺ مباشرة غضاً كما نزل، وحيث إن القرآن الذي كتب لم يكن مجموعاً في مكان واحد، بل كان متفرقاً، فأشار ﵁ على أبي بكر بجمع القرآن، ثم شرح الله صدر أبي بكر لذلك، فأمر زيد بن ثابت بجمع القرآن.
قال زيد ﵁: أرسل إلى أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر (١) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟!
قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك رأي عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من ا لجبال ما كان أثقل
стр. 506
علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟! قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب (١) واللخاف (٢)، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري (٣) لم أجدها مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵁ (٤).
стр. 507
وكان جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ من حفظ الله لكتابه العزيز وحمايته من الضياع، والفضل بعد الله في ذلك لأبي بكر ولعمر ﵁ الذي أشار على أبي بكر ﵁ بذلك، وكان ذلك منه الرأي الصائب الذي وافقه عليه بقية الصحابة رضوان الله عليهم بعد جزمهم بصواب ذلك الرأي وأهميته البالغة (١).
المسألة الرابعة: ما ورد في معاونة عمر ﵁ لأبي بكر في إدارة شئون الرعية.
لا ريب أن عمر ﵁ كان من أهل مشورة أبي بكر ﵁ وكان ممن يعاونه ويعضده في إدارة شئون الرعية بقوله وفعله ومن الأخبار الدالة على ذلك ما جاء أن أبا بكر الصّديق ﵁ طلب من أسامة بن زيد ﵁ أن يأذن لعمر بن الخطاب ﵁ أن يجلس في المدينة ليعاونه على إدارة شؤون المسلمين ومواجهة ما قد يحدث من ردة الأعراب حول المدينة (٢).
стр. 508
ومن المهام التي روي أن أبا بكر ﵁ أسندها لعمر ﵁:
١ - القضاء:
فروي أنه ﵁ لما ولي الخلافة ولى عمر القضاء، وأبا عبيدة بيت المال، وقال: أعينوني، فمكث عمر سنة لا يأتيه اثنان، أو لا يقضي بين اثنين (١).
стр. 509
٢ - استخلافه لعمر عند خروجه من المدينة:
فقد روي أن أبا بكر ﵁ خرج معتمراً في العام الثاني عشر من الهجرة، واستخلف على المدينة عمر بن الخطاب ﵁ (١).
٣ - صلاته بالناس عند غياب الصديق ﵁:
روي أن عمر ﵁ كان يصلي بالناس عند غياب أبي بكر ومرضه ﵁ (٢).
стр. 510
٤ - حجه بالناس في خلافة أبي بكر ﵄:
روي أن أبا بكر ﵁ لما استخلف استعمل عمر ﵁ على الحج ثم حج هو من عام قابل (١).
وهذه المهام الأربعة الأخيرة، وإن لم ترد بسند ثابت إلاّ أن وقوعها أمر غير مستبعد ولا غرابة فيه. وكان الخلفاء الرّاشدون ومن بعدهم ينيبون من يرون فيه الكفاءة في مثل هذه الأمور ومن قبلهم كذلك النّبيّ ﷺ .
стр. 511
المسألة الخامسة: ما روي عن عمر ﵁ من مواقف من بعض قادة أبي بكر ﵁:
١ - موقفه من تولية أبي بكر ﵁ لخالد بن سعيد بن العاص (١) ﵁ لقيادة المسلمين بالشام.
روي أن خالد بن سعيد بن العاص ﵁ قدم من اليمن إلى المدينة بعد أن بويع لأبي بكر، فقال لعلي وعثمان ﵄: أرضيتم بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟! فنقلها عمر إلى أبي بكر، فلم يحملها أبو بكر على خالد، وأقام خالد ثلاثة أشهر لم يبايع أبا بكر، ثم بايعه، وكان رأي أبي بكر فيه حسناً، وكان معظماً له، فلما بعث الجنود على الشام عقد له على المسلمين، وجاء باللواء إلى بيته، فكلم عمر أبا بكر وقال: تولي خالداً، وهو القائل ما قال؟! فلم يزل به حتى أرسل أبا أروى الدوسي (٢)، فقال: إن خليفة رسول الله ﷺ يقول لك: أردد إلينا لواءنا، فأخرجه فدفعه إليه وقال: والله ما سرتنا ولايتكم،
стр. 512
ولا ساءنا عزلكم، وإن المُليم لغيرك، ثم دخل أبو بكر على خالد يعتذر إليه، ويطلب منه ألا يذكر عمر بحرف (١).
وروي أن عمر ﵁ قال لأبي بكر لما عقد اللواء لخالد ابن سعيد: إنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة والتعصب، فعزله أبو بكر (٢).
٢ - موقفه من خالد بن الوليد ﵁ بعد قتله مالك بن نويرة التميمي ومن معه من الأسرى في موقعة البطاح (٣).
стр. 513
روي أن خالداً ﵁ لما قاتل المرتدين يوم البطاح، بزعامة مالك بن نويرة وقع مالك في الأسر في نفر من قومه، فجيء بهم إلى خالد بن الوليد ﵁، واختلف في أمرهم، فقال بعض جند خالد وفيهم أبو قتادة (١): أن مالكاً ومن معه أذنوا، وأقاموا، وصلوا، وقال بعضهم: لم يفعلوا ذلك، فأمر خالد ﵁ بهم، فحبسوا حتى يستوثق من أمرهم، وكانت تلك الليلة شديدة البرد، فأمر خالد ﵁ بأن يدفأ الأسرى، وكانت كلمة أدفئوا في لغة أهل تلك الناحية بمعنى اقتلوا، فقتلوا جميع الأسرى، فقال أبو قتادة ﵁ لخالد بن الوليد ﵁: هذا عملك! فزبره خالد، فغضب ومضى إلى أبي بكر بالمدينة، فغضب عليه، وأمره أن يرجع إلى خالد ولا يعود إلا معه، وتزوج خالد من زوجة مالك بن نويرة، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره، فقال عمر لأبي بكر: إن في سيف خالد رهقاً (٢)، فإن لم يكن هذا حقاً حق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك، وكان أبو بكر لا يقيد من عماله، فقال: هيه يا عمر، تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد،
стр. 514
وودى مالكاً، وكتب إلى خالد أن يقدم إليه ففعل، فأخبره خبره، فعذره وقبل منه، وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب (١).
وروي أن أبا بكر قال لعمر لما أكثر عليه في شأن خالد ﵃: لم أكن لأشم سيفاً سله الله على الكافرين (٢).
وروي أن عمر ﵁ قال - لما بلغه مقتل مالك، وتزوج خالد لامرأته -: عدو الله عدا على امرئ مسلم، فقتله، ثم نزا على امرأته، وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتى دخل المسجد، وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجراً (٣) بعمامة له، قد غرز في عمامته أسهماً، فلما دخل المسجد قام إليه عمر، فانتزع الأسهم من رأسه، فحطمها ثم قال: أرئاء قتلت امرأً مسلماً ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك،
стр. 515
وخالد لا يكلمه، ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر، فأخبره الخبر، واعتذر إليه، فعذره أبو بكر (١).
والروايات الواردة في موقف عمر ﵁ من خالد بن الوليد ﵁ بعد قتله مالك بن نويرة لم تثبت وأيضاً فإن فيها أن السرية التي كانت مع خالد ﵁ اختلفت في أمر مالك وأصحابه هل عادوا إلى الدين وأذنوا وأقاموا أم تمسكوا بما هم فيه من الردة، ومنع الزكاة.
وقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وليس عندنا أخبار صحيحة ثابتة بأن الأمر جرى على وجه يوجب قتل خالد، وأما ما ذكر من تزوجه بامرأته ليلة قتله، فهذا مما لم يعرف ثبوته (٢).
стр. 516
هذه هي أهم مواقف عمر ﵁ ومشاركاته في حياته مع أبي بكر ﵁ وهي دالة على الدور العظيم والهام الذي قام به ﵁ في تثبيت قواعد الدولة الإسلامية الناشئة والمحافظة على سلامة الأمة ووحدتها وصيانة دينها وعقيدتها.
стр. 517
الباب الثاني: السياسة الإدارية للدولة في خلافة عمر ابن الخطاب
الفصل الأول: الجهاز الإداري للدولة - الخليفة - الولاة - القضاة
الفصل الثاني: التنظيمات الإدارية العامة في المجتمع
стр. 518
الفصل الأول: الجهاز الإداري للدولة - الخليفة - الولاة - القضاة
المبحث الأول: الخليفة
المطلب الأول: خلافته وما ورد فيها وكيفة استخلافه
المطلب الثاني: حقوق الخليفة على رعيته وواجباته نحوهم.
المبحث الثاني: الولاة
المطلب الأول: سياسة عمر ﵁ في تولية الولاة وعزلهم
المطلب الثاني: علاقة الخليفة بالولاة.
المطلب الثالث: حقوق الولاة على الرعية وواجباتهم نحوها.
المطلب الرابع: ولاة عمر ﵁ على الأمصار
المبحث الثالث: القضاة
المطلب الأول: قضاة عمر ﵁ في الأمصار
المطلب الثاني: توجيه عمر ﵁ لقضاته وإرشاده لهم في صفة
المطلب الثالث: شروط القاضي وصفاته.
стр. 519
المبحث الأول: الخليفة
المطلب الأول: خلافته وما ورد فيها وكيفة استخلافه
المطلب الثاني: حقوق الخليفة على رعيته وواجباته نحوهم.
стр. 520
المطلب الأول: خلافته وما ورد فيها وكيفة استخلافه، وفيه ثلاثة مسائل:
المسألة الأولى: ما ورد من أحاديث فيها إشارة لخلافته ﵁.
لقد وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ فيها إشارة إلى خلافة أبي بكر ﵁ من بعده ﷺ ، وخلافة عمر ﵁ من بعد أبي بكر ﵁، وأحقيتهما بالخلافة من بعده ﷺ ، ولكن هذه الأحاديث ليس فيها تصريح باستخلافه ﷺ لأبي بكر وعمر من بعده، بل إن عدم استخلافه ﷺ لخليفة من بعده أمر ثابت.
قال عمر ﵁: إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ (١).
стр. 521
أما تلك الأحاديث فهي:
١ - ما رواه ابن عباس ﵄ من أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف (١) السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون (٢) منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانطلق به ثم وصل، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي ﷺ : "أعبر"، قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن وحلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك، فيعلو به ثم يأخذه رجل آخر فيعلو به ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ﷺ : "أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً"، قال: فوالله لتحدثني بالذي أخطأت قال: لا تحلف (٣).
стр. 522
قال ابن حجر ﵀: قال القاضي عياض: والسبب في اللغة الحبل والميثاق، والذين أخذوا به بعد النبي ﷺ واحداً بعد واحد هم الخلفاء الثلاثة وعثمان هو الذي انقطع به ثم اتصل (١).
٢ - حديث أبي بكرة (٢) ﵁: أن النبي ﷺ قال ذات يوم: من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهة في وجه رسول الله ﷺ (٣).
стр. 523
قال أهل العلم: قوله في الحديث: فرأينا الكراهة في وجه رسول الله ﷺ ذلك لما علم ﷺ من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور، وظهور الفتن بعد خلافة عمر ﵁، ومعنى رجحان كل من الآخران الراجح أفضل من المرجوح (١).
стр. 524
وقد ذكر ابن العربي ﵀ هذا الأثر والذي قبله في الاستدلال على إشارة النبي ﷺ لخلافة أبي بكر وعمر ﵄ (١).
٣ - حديث أبي ذر ﵁ قال: إني لشاهد عند رسول الله ﷺ في حلقة، وفي يده حصى، فسبحن في يده، وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فسمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن النبي ﷺ إلى أبي بكر فسبحن مع أبي بكر، سمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن إلى النبي ﷺ فسبحن في يده، ثم دفعهن النبي ﷺ إلى عمر فسبحن في يده سمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن النبي ﷺ إلى عثمان بن عفان بن عفان فسبحن في يده، ثم دفعهن إلينا فلم يسبحن مع أحد منا (٢).
стр. 525
وقد استدل ابن أبي عاصم في السنة بهذا الأثر على خلافة الخلفاء الراشدين المهديين (١).
٤ - قوله ﷺ : "الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك" (٢). فالثلاثون سنة هي خلافة أبي بكر الصّدّيق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب والحسن بن عليّ ﵃.
قال ابن كثير ﵀: "وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن عليّ، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأوّل من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين من موت النبيّ ﷺ ، فإنه توفي ﷺ في ربيع الأوّل سنة أحدى عشرة من الهجرة. وهذا من دلائل النبوّة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليماً". (٣)
стр. 526
٥ - قوله ﷺ : "تدور رحى الإسلام على خمس وثلاثين أو ست وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن بقي لهم دينهم فسبعين عاماً"، قال عمر: يا رسول الله، بما بقي أو بما مضى؟ قال: "بما بقي" (١).
стр. 527
٦ - ما ثبت من قوله ﷺ : "لو كنت مستخلفاً لاستخلفت أبا بكر أو عمر" (١).
وقد رويت أحاديث عن النبي ﷺ فيها تصريح باستخلافه ﷺ أبا بكر من بعده وعمر من بعد أبي بكر، وهي غير ثابتة بل الثابت والصحيح أنه ﷺ لم يستخلف خليفة من بعده.
ومن تلك الأحاديث الضعيفة ما روي من أن النبي ﷺ لما أسس مسجد قباء جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه، وجاء عمر
стр. 528
بحجر فوضعه، وجاء عثمان بحجر فوضعه، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "هذا أمر الخلافة من بعدي" (١).
وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: بعثني بنو المصطلق (٢) إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سل لنا رسول الله ﷺ إلى من ندفع صدقاتنا بعدك؟ قال: فأتيته، فسألته، فقال: "إلى أبي بكر"، فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع إليه، فسله، فإن حدث بأبي بكر حدث فإلى من؟ فأتيته فسألته فقال: "إلى عمر"، فأتيتهم فأخبرتهم … الحديث (٣).
стр. 529
وروي أن النبي ﷺ اشترى من رجل من أهل البادية إبلاً، فلقيه علي بن أبي طالب، فقال له: ما أقدمك؟ قال: قدمت بإبل، فاشتراها رسول الله ﷺ ، قال: فنقدك؟ قال: لا، ولكن بعتها منه بتأخير، قال: ارجع فقل له يا رسول الله، إن حدث بك حدث من يقضيني؟ وانظر ما يقول لك، فارجع حتى تعلمني، فقال: يا رسول الله، إن حدث بك حدث من يقضيني مالي؟ قال: "أبو بكر"، فأعلم علياً، فقال له: ارجع اسأله إن حدث بأبي بكر حدث فمن يقضيني؟ فسأله فقال: "عمر"، فجاء فأعلم علياً، فقال له: ارجع فسله، إذا مات عمر فمن يقضيني؟ فجاء فسأله، فقال رسول الله ﷺ : "ويحك إذا مات عمر فإن استطعت أن تموت فمت" (١).
стр. 530
وروي أن النبي ﷺ قال لحفصة بنت عمر ﵁: "أبشرك ببشارة، فإن أباك يلي من بعد أبي بكر إذا أنا مت" (١).
ومن ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لم يقبض النبي ﷺ حتى أسر إلى أن الخليفة من بعده أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر، ومن بعد عمر عثمان … الحديث (٢).