٥ - قوله ﷺ : "تدور رحى الإسلام على خمس وثلاثين أو ست وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن بقي لهم دينهم فسبعين عاماً"، قال عمر: يا رسول الله، بما بقي أو بما مضى؟ قال: "بما بقي" (١).
стр. 527
٦ - ما ثبت من قوله ﷺ : "لو كنت مستخلفاً لاستخلفت أبا بكر أو عمر" (١).
وقد رويت أحاديث عن النبي ﷺ فيها تصريح باستخلافه ﷺ أبا بكر من بعده وعمر من بعد أبي بكر، وهي غير ثابتة بل الثابت والصحيح أنه ﷺ لم يستخلف خليفة من بعده.
ومن تلك الأحاديث الضعيفة ما روي من أن النبي ﷺ لما أسس مسجد قباء جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه، وجاء عمر
стр. 528
بحجر فوضعه، وجاء عثمان بحجر فوضعه، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "هذا أمر الخلافة من بعدي" (١).
وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: بعثني بنو المصطلق (٢) إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سل لنا رسول الله ﷺ إلى من ندفع صدقاتنا بعدك؟ قال: فأتيته، فسألته، فقال: "إلى أبي بكر"، فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع إليه، فسله، فإن حدث بأبي بكر حدث فإلى من؟ فأتيته فسألته فقال: "إلى عمر"، فأتيتهم فأخبرتهم … الحديث (٣).
стр. 529
وروي أن النبي ﷺ اشترى من رجل من أهل البادية إبلاً، فلقيه علي بن أبي طالب، فقال له: ما أقدمك؟ قال: قدمت بإبل، فاشتراها رسول الله ﷺ ، قال: فنقدك؟ قال: لا، ولكن بعتها منه بتأخير، قال: ارجع فقل له يا رسول الله، إن حدث بك حدث من يقضيني؟ وانظر ما يقول لك، فارجع حتى تعلمني، فقال: يا رسول الله، إن حدث بك حدث من يقضيني مالي؟ قال: "أبو بكر"، فأعلم علياً، فقال له: ارجع اسأله إن حدث بأبي بكر حدث فمن يقضيني؟ فسأله فقال: "عمر"، فجاء فأعلم علياً، فقال له: ارجع فسله، إذا مات عمر فمن يقضيني؟ فجاء فسأله، فقال رسول الله ﷺ : "ويحك إذا مات عمر فإن استطعت أن تموت فمت" (١).
стр. 530
وروي أن النبي ﷺ قال لحفصة بنت عمر ﵁: "أبشرك ببشارة، فإن أباك يلي من بعد أبي بكر إذا أنا مت" (١).
ومن ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لم يقبض النبي ﷺ حتى أسر إلى أن الخليفة من بعده أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر، ومن بعد عمر عثمان … الحديث (٢).
стр. 531
وروي أن الزبير بن العوام قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخليفة فيكم بعدي أبو بكر ثم عمر" (١)
стр. 532
المسألة الثانية: ما ورد في فضل خلافته.
تعتبر خلافة عمر ﵁ رمزاً لأمن واستقرار الدولة الإسلامية واتساعها، وعزة الأمة الإسلامية، وقد أخبر النبي ﷺ عن ذلك وهذا من معجزاته ﷺ ، وشهد بذلك صحابة النبي ﷺ .
قال عمر ﵁ لأصحابه: "أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ " قال حذيفة بن اليمان (١) ﵁: أنا أحفظ كما قال، قال: هات، إنك لجريء، قال حذيفة: قال رسول الله ﷺ : "فتنة الرجل في أهله، وماله، وجاره تكفرها الصلاة والصدقة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، قال عمر: ليست هذه، ولكن التي تموج كموج البحر، قال: يا أمير المؤمنين، لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها باباً مغلقاً، قال يفتح الباب أو يكسر؟ قال: لا، بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق، قال الصحابة رضوان الله عليهم: قلنا علم عمر الباب؟ قال حذيفة: نعم، كما أن دون غداً الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط (٢).
стр. 533
ففي هذا الحديث إخبار بعدم وقوع الفتن في عهد عمر ﵁. فقد مثل حياة عمر بباب لحائط الفتنة وراءه ومثل موته ﵁ بكسر هذا الباب وأنه إذا مات فإن الباب سوف لن يغلق، لأنه كسر كسراً ولم يفتح. وهو إشارة إلى أن الفتن سوف تظهر بعد موته ولن يكون لها مانع أو راد. وقد بدأت الفتنة بعد خلافته قبل مقتل عثمان ﵁ ثم تتابعت الفتن، وظهرت الأهواء والبدع في الأمة الإسلامية (١).
وقال ﷺ : "رأيت الناس مجتمعين في صعيد واحد، فقام أبو بكر، فنزع ذنوباً (٢) أو ذنوبين، وفي بعض نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم أخذها عمر، فاستحالت بيده غرباً (٣)، فلم أر عبقرياً (٤) في الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن" (٥).
стр. 534
وقد ذكر أهل العلم أن تأويل رؤياه ﷺ إخبار عن خلافة عمر ﵁، وما سوف تكون عليه من طول زمانها، وكثرة الفتوحات فيها، واتساع أمر الإسلام، واستقرار قواعده، وما يصيب المسلمين فيه من الخير والنعم الكثيرة (١).
ومن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم في فضل خلافة عمر ﵁: قول عبد الله بن مسعود ﵁: إن عمر كان للإسلام حصناً حصيناً يدخل فيه الإسلام ولا يخرج منه، فلما قتل عمر انثلم (٢) الحصن، فالإسلام يخرج منه، ولا يدخل فيه (٣).
وقال ﵁: إن إسلام عمر كان نصراً، وإن إمرته كانت فتحاً (٤).
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: ما كان الإسلام في زمان عمر إلا كالرجل المقبل ما يزداد إلا قرباً، فلما قتل عمر كان كالرجل المدبر ما يزداد إلا بعداً (٥).
стр. 535
وقالت أم أيمن (١) ﵂ لما مات عمر ﵁: اليوم وهى الإسلام (٢).
المسألة الثالثة: استخلافه ﵁.
انتقلت الخلافة إلى عمر ﵁ عن طريق الاستخلاف، فقد استخلف أبو بكر ﵁ عمر قبل وفاته، قال عمر ﵁: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ (٣).
ولما علم صحابة النبي ﷺ باستخلاف أبي بكر لعمر ﵄ دخل عليه رجل من المهاجرين وهو يشتكي، فقال له: استخلفت علينا عمر وقد عتا علينا ولا سلطان له؟! فكيف لو ملكنا كان أعتا وأعتا، فكيف تقول لله إذا لقيته؟ فقال أبو بكر ﵁: أجلسوني فأجلسوه فقال: أبالله تفرقوني؟! أقول إذا لقيته: استخفلت عليهم خير أهلك (٤).
стр. 536
وروي أن أبا بكر استشار كبار المهاجرين والأنصار في استخلاف عمر ﵄ قبل استخلافه، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب، فقال: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، ثم قال: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان، فسأله عن عمر، فقال: اللهم إن علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: ولو تركته ما عدوتك، وشاور معهما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (١)، وأسيد بن حضير (٢)، وغيرهما من
стр. 537
المهاجرين والأنصار، وقال أسيد: لن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه (١).
وروي أن أبا بكر ﵁ أشرف على الناس من كنيفة (٢)، وأسماء بنت عميس (٣) ﵂ ممسكته، موشومة اليدين، وهو يقول: أترضون بمن استخلف عليكم؟ وإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا (٤).
وهذان الأثران ضعيفان ولكن ذلك لا يمنع أن يكون أبو بكر قد استشار كبار الصحابة رضوان الله عليهم في استخلافه عمر رضي الله
стр. 538
عنه فوافقوه على ذلك، وعارض البعض تخوفاً من شدة عمر ﵁ كما تقدم في الأثر، فبين لهم أبو بكر ﵁ فضل عمر وأحقيته بالخلافة.
ثم أمر أبو بكر ﵁ عثمان بن عفان ﵁ بكتابة وصية وعهد الخلافة لمن بعده، فأغمي على أبي بكر، فتعجل عثمان ﵁ وكتب اسم عمر، فلما أفاق أبو بكر ﵁ قال لعثمان ﵁: من كتبت؟ قال: عمر بن الخطاب، قال: كتبت الذي أردت أن آمرك به، ولو كتبت نفسك كنت لها أهلاً (١).
وبعد ذلك خرج عمر ﵁ ومعه مولى أبي بكر شديد، وبيده الصحيفة التي فيها استخلاف عمر، وعمر ﵁ بيده عسيب نخل (٢)، يقول: اسمعوا لقول خليفة رسول الله ﷺ ، وجعل شديد يقرأ ما في الصحيفة، فقال: يقول أبو بكر: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه
стр. 539
الصحيفة، فوالله ما آلوتكم (١)، قال قيس بن أبي حازم (٢) رحمه لله وهو راوي الخبر: فرأيت عمر بعد ذلك على المنبر (٣).
وروي أن أبا بكر ﵁ أوصى عمر ﵁ حين عهد إليه بالخلافة فقال: إني أدعوك إلى أمر متعب لمن وليه، فاتق الله يا عمر بطاعته وأطعه بتقواه، فإن المتقي آمن محفوظ، ثم إن الأمر معروض، لا يستوجبه إلا من عمل به، فمن أمر بالحق وعمل بالباطل، وأمر بالمعروف وعمل المنكر يوشك أن تنقطع أمنيته، وأن يحبط عمله، فإن أنت وليت عليهم أمرهم فإن استطعت أن تجف يدك من دمائهم، وأن تضمر بطنك من أموالهم، وأن يجف لسانك عن أعراضهم فافعل، ولا قوة إلا بالله (٤).
стр. 540
وروي أن أبا بكر ﵁ أوصى عمر ﵁ أيضاً عند وفاته فقال: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع في الباطل غداً أن يكون خفيفاً، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأخاف ألا ألحق بهم، وإن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوء أعمالهم، ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء فيكون العبد راغباً راهباً لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمته ، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك، وإن أنت ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت ولست بمعجزة (١).
стр. 541
وتوفي أبو بكر ﵁ في ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من السنة الثانية عشر للهجرة، فتولى عمر ﵁ خلافة المسلمين صبيحة يوم الثلاثاء لاثنين وعشرين يوماً خلت من شهر جمادى الآخرة من السنة الثالثة عشرة للهجرة (١).
стр. 542
المطلب الثاني: حقوق الخليفة على رعيته وواجباته نحوهم.
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: حقوق الخليفة على رعيته.
إن من أعظم حقوق الخليفة على رعيته بعد مبايعتهم له طاعتهم إياه، وقد كان عمر ﵁ يبايع رعيته على السمع والطاعة فيما استطاعوا (١).
стр. 543
وقد بين عمر ﵁ لرعيته أن من بايع أميره فقد بايعه، ولا يلزم من البيعة لقاء الخليفة بشخصه.
قال عمر ﵁ لبشر بن قحيف: إذا بايعت أميري فقد بايعتني (١).
وكان عمر ﵁ يحذر رعيته من شق عصا الطاعة على الخليفة، ويأمرهم بلزوم طاعته وإن كان عبداً حبشياً، ولا شك أن تلك الطاعة مقيدة بما ليس فيه معصية لله ورسوله ﷺ فإذا أمر بالمعصية فلا سمع ولا طاعة كما قال ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، مالم يؤمر بمعصيته، فإذا أمر بمعصيته فلا سمع ولا طاعة (٢).
стр. 544
قال عمر ﵁ لسويد بن غفلة (١) ﵀: يا أبا أمية، إني لا أدري لعلي لا ألقاك بعد عامي هذا، فإن أمر عليك عبد حبشي مجدع (٢) فاسمع له وأطع، وإن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر (٣).
وروي أن عمرو بن عطية قال: أتيت عمر وأنا غلام، فبايعته على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ هي لنا وهي علينا، فضحك وبايعني (٤).
стр. 545
وقد بين عمر ﵁ أن صلاح الوالي أو الحاكم وامتثاله أوامر الله سبب في صلاح رعيته وامتثالهم طاعة الله ومن ثم طاعته والانقياد له.
قال عمر ﵁: إن الناس لم يزالوا بخير ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم (١).
ومن حقوق الخليفة على رعيته التي نبه عليها عمر ﵁ النصيحة له من رعيته.
قال رجل لعمر ﵁: لا أخاف في الله لومة لائم خير لي، أم أقبل على نفسي؟ فقال عمر: أما من ولي من أمر المسلمين شيئاً فلا يخاف في الله لومة لائم، ومن كان خلواً، فليقبل على نفسه، ولينصح لولي أمره (٢).
стр. 546
وقد رويت عن عمر ﵁ آثار تدل مجتمعة على حبه ﵁ نصيحة رعيته له وحثه لهم على ذلك.
روي أن رجلاً وعظ عمر ﵁ فقال: إنك وليت أمر هذه الأمة، فاتق الله فيما وليت من أمر هذه الأمة في رعيتك، وفي نفسك خاصة، فإنك محاسب ومسؤول عما استرعيت، وإنما أنت أمين، وعليك أن تؤدي ما عليك من الأمانة فتعطى أجرك على قدر عملك، فقال عمر: ما صدقني رجل منذ استخلفت غيرك (١).
وروي أن حذيفة بن اليمان ﵁ دخل على عمر ﵁ وهو قاعد على جذع في داره، وهو يحدث نفسه فدنا منه فقال: ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟
فقال: هكذا بيده، وأشار بها، قال حذيفة: قلت: الذي يهمك، والله لو رأينا منك أمراً ننكره قومناك، قال عمر: آلله الذي لا إله إلا هو لو رأيتم أمراً تنكرونه لقومتوه؟ فقلت: آلله الذي لا إله إلا هو لو رأينا منك أمراً ننكره لقومناك.
стр. 547
قال: ففرح بذلك فرحاً شديداً، وقال: الحمدلله الذي جعل فيكم أصحاب محمد ﷺ من الذي إذا رأى مني أمراً ينكره قومني (١).
وروي أن عمر ﵁ قال: أيها الرعية، إن لنا عليكم حقاً النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير (٢).
وروي أن عمر ﵁ رد على أبي بن كعب قراءة آية، فقال أبي ﵁: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ ، وأنت يلهيك الصفق بالأسواق بالبقيع، فقال عمر: صدقت، إنما أردت أن أجربكم هل فيكم من يقول الحق، فلا خير في أمير لا يقال عنده الحق ولا يقوله (٣).
стр. 548
وروي أن عمر ﵁ خرج من المسجد ومعه الجارود العبدي (١) ﵁، فإذا امرأة برزة (٢) على ظهر الطريق، فسلم عليها، فردت ﵇، فقال: هيها يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميراً تصارع الصبيان في سوق عكاظ (٣)، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت، فبكى عمر ﵁، فقال الجارود: هيه فقد اجترأت على أمير المؤمنين وأبكيته، فقال عمر ﵁: أما تعرف هذه؟ هذه خولة بنت حكيم امرأة عبادة بن الصامت التي سمع الله قولها من فوق سمواته، فعمر أحرى أن يسمع لها (٤).
стр. 549
وروي أن عمر ﵁ قال: أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي (١).
وروي أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل كتبا إلى عمر ﵁ يعظانه: سلام عليك أما بعد، فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم، وأصبحت قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر، فإنا نحذرك يوماً تعنو فيه الوجوه، وتحف (٢) فيه القلوب، وتقطع فيه الحجج، يملك قهرهم بجبروته، والخلق داخرون له،
стр. 550
يرجون رحمته، ويخافون عقابه وإنا كنا نحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع إلى آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، وإنا نعوذ بالله أن يترك كتابنا إليك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، فإنا كتبنا به نصيحة لك، والسلام عليك.
فكتب إليهما: من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل سلام عليكما، أما بعد، فإنكما كتبتما إلي تذكران أنكما عهدتماني وأمر نفسي لي مهم وإني قد أصحبت قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يدي الشريف والوضيع، والعدو والصديق ولكل حقه من ذلك، وكتبتما فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر، وأنه لا حول ولا قوة عند ذلك لعمر إلا بالله، وكتبتما تحذراني ما حذرت به الأمم قبلنا، وقديماً كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقربان كل بعيد ويبليان كل جديد ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار، وكتبتما تحدثان أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بأولئك، ليس هذا بزمان ذلك، وأن ذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة بعض الناس إلى بعض لصلاح دنياهم، ورهبة بعض الناس من بعض، كتبتما به نصيحة تعظاني بالله أن أنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما، وإنكما
стр. 551
كتبتما به وقد صدقتكما، فلا تدعا الكتاب إلي، فإنه لا غنى بي عنكما، والسلام عليكما (١).
стр. 552
المسألة الثانية: واجبات الخليفة نحو رعيته.
كان عمر ﵁ شديد الخشية والمراقبة لله في جميع أحواله، ولقد كان في تعامله مع رعيته أشد خشية لله وخوفاً من أن يضيع ما استرعاه الله .
قدم معاوية بن حديج (١) ﵁ على عمر ﵁ بفتح الاسكندرية، وأناخ راحلته، فخرجت جارية لعمر ﵁ فرأته وعليه أثر السفر، فأدخلته، فقربت إليه خبزاً وزيتاً وتمراً، فأكل، فقال عمر لمعاوية ﵄: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: إن أمير المؤمنين قائل (٢)، قال عمر: بئس ما قلت أو بئس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية (٣)؟!
стр. 553
وقال عمر ﵁: لو مات جمل من عملي ضياعاً، خشيت أن يسألني الله عنه (١).
ولما كانت أخر حجة حجها عمر ﵁ أناخ بالأبطح (٢) ثم كوم كومة من بطحاء ثم طرح عليها رداءه، ثم استلقى ومد يديه إلى السماء، فقال: اللهم قد كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مفرط ولا مضيع (٣).
стр. 554
ولما حضرته الوفاة ﵁ جعل الناس يثنون عليه بعدله في إمارته وقيامه بحقوق رعيته، فقال ﵁: أبالإمارة تغبطوني فوالله لوددت أني نجوت منها كفافاً لا علي ولا لي (١).
ومن الآثار الدالة بمجموعها على خشية عمر ﵁ من التفريط في رعيته ما روي من أنه ﵁ كان يدخل يده في دَبَرَةِ البعير (٢) ويقول: إني أخاف أن أسأل عما بك (٣).
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: بينما أنا أمشي مع
стр. 555
عمر ﵁ ذات يوم وهو يضرب وحشي قدمه (١) بالدرة، تنفس تنفسة ظننت أنها قد فضت أضلاعه فقلت: سبحان الله، وما أخرج هذا منك يا أمير المؤمنين إلا أمر عظيم، قال: ويحك يا ابن عباس، والله ما أدري كيف أصنع بأمر أمة محمد ﷺ .
قلت: والله إنك بحمد لله لقادر على أن تصنع ذاك منها في البقية، قال: إنه والله يا ابن عباس ما يصح هذا الأمر إلا القوي في غير عنف، اللين في غير ضعف، الجواد في غير سرف، الممسك في غير بخل، يقول ابن عباس: والله ما أعرف غير عمر (٢).
وروي أن مالك الدار (٣) قال: غدوت على عمر ﵁ يوماً، فقال لي: يا مالك، كيف أصبح الناس؟ قلت: أصبح الناس بخير، قال: هل سمعت من شيء؟
فقلت: ما سمعت إلا خيراً، قال: ثم غدوت عليه اليوم الثاني فسألني، فأخبرته، واليوم الثالث سألني وأبرمني، فقلت: وما تخشى من
стр. 556
الناس؟ فقال: ثكلتك أم مالك، هل خشيت أن يكون عمر يضرب عن بعض حقوق المسلمين فيغدون عليه براياتهم يسألون حقوقهم (١).
وروي أن عمر ﵁ لما ولي الخلافة خطب فقال: يا أيها الناس إني قد وليت عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم استطلاعاً بما ينوب من مهم أموركم ما توليت ذلك منكم، ويكفي عمر مُهِمّا محزناً انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها، ووضعها أين أضعها، وبالسير فيكم كيف أسير، فربي المستعان، فإن عمر أصبح لا يثق بقوة، ولا حيلة إن لم يتداركه الله برحمته وعونه وتأييده (٢).
وقد قام عمر ﵁ بواجباته نحو رعيته خير قيام وأتمه، وقد تمثل ذلك في عدة أمور هي:
стр. 557
أولاً: تعرفه ﵁ على أحوال رعيته.
فقد كان عمر ﵁ دائم التعرف على أحوال رعيته بنفسه يجلس للرعية، ويلتقي بهم ويعرضون عليه حاجاتهم، كبيرهم وصغيرهم، شريفهم ووضيعهم، ولم يكن ﵁ يحتجب عنهم.
قال ابن عباس ﵄: كان عمر بن الخطاب كلما صلى صلاة جلس للناس، فمن كانت له حاجة نظر فيها (١).
وكان ﵁ يجلس بعد صلاة الفجر للنظر في أمور رعيته حتى ترتفع الشمس، ثم يقوم فيدخل بيته (٢).
وكان بعض الرعية لا يستطيع أن يعرض حاجته على عمر ﵁ هيبة منه، فاجتمع عدد من الصحابة رضوان الله عليهم لإعلامه بذلك، وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله،
стр. 558
والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وكان أجرأهم عليه عبد الرحمن بن عوف، فقالوا له: لو كلمت أمير المؤمنين للناس، فإنه يأتي الرجل طالب الحاجة، فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يقض حاجته، فدخل على عمر ﵁، فكلمه فقال: يا أمير المؤمنين، لن للناس، فإنه يقدم القادم فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يكلمك، فقال عمر ﵁: يا عبد الرحمن أنشدك الله أعلي وعثمان وطلحة والزبير وسعد أمروك بهذا؟ فقال: اللهم نعم، قال: يا عبد الرحمن، والله لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج؟ فقام عبد الرحمن يبكي يجر رداءه، يقول بيده أف لهم بعدك، أف لهم بعدك (١).
стр. 559
وروي عن عمر ﵁ أنه كان يدعوا الله ويقول: اللهم إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخني (١).
وروي أن عمر ﵁ لما ولي الناس خطب فقال: يا أيها الناس إني قد علمت أنكم تونسون مني شدة وغلظة، وذلك أني كنت مع رسول الله ﷺ فكنت عبده وخادمه، وكان كما قال الله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فكنت بين يديه كالسيف المسلول إلا أن يغمدني أو ينهاني، فأكف وإلا أقدمت على الناس لمكان لينه (٣).
стр. 560
وأما من كان من الرعية بعيداً عن المدينة كأهل العراق والشام وغيرهما من أقطار المسلمين، فإن عمر كان يسأل عن أحوالهم ويستخبر عنها ويتعرف عليها ومن ثم يقضي حاجتهم.
كتب عمر ﵁ إلى عامله بالعراق: أن ابعث إلي برجلين جليدين نبيلين أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه بلبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم (١).
بل لقد عزم ﵁ على أن لا يدع بلداً من بلاد المسلمين إلا ويأتيه ويطلع على أحوال أهله بنفسه، ويقضي حاجاتهم (٢).
وقال عمر ﵁ وقد عزم على قضاء حوائج رعيته قويهم وضعيفهم شريفهم ووضيعهم: لئن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي (٣).
стр. 561
وفي المدينة لم يقتصر عمر ﵁ على الجلوس لرعيته للتعرف على أحوالهم بل كان ﵁ يطوف بالمدينة ويراقب رعيته ويواسيهم ويخدمهم.
ذكر عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه حرس بالمدينة ليلة مع عمر بن الخطاب ﵁، فبينما هم يمشون في طرقاتها إذ شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا نحوه، حتى إذا دنوا منه، إذا باب مغلق عليه قوم، ولهم أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن: أتدري بيت من هذا؟ قال عبد الرحمن: لا، قال: هو ربيعة بن أمية بن خلف (١)، وهم الآن شرب، فما ترى؟ قال عبد الرحمن: أرى قد أتينا ما نهانا الله عنه، نهانا الله فقال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ﴾، فقد تجسسنا، فانصرف عمر وتركهم (٢).
стр. 562
وقال أسلم مولى عمر ﵁: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى حرة واقم (١) حتى إذا كنا بصرار (٢) إذ نار، فقال عمر: إني لأرى ها هنا ركباً قصر بهم البرد والليل، انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا امرأة معها صبيان صغار، وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاغون (٣)، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، وكره أن يقول أصحاب النار، فقال: وعليك السلام، فقال: أدنو؟ فقالت: إدن بخير أودع، فدنا، فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: ما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: فأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ما أسكتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر، فقال: أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى عمر أمرنا ثم يغفل عنا، قال أسلم: فأقبل علي فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلاً (٤) من دقيق وكبة من شحم، فقال: إحمله علي، فقلت: أنا
стр. 563
أحمله عنك، فقال: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟ لا أم لك، فحملته عليه، فانطلق، وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئاً، فجعل يقول لها: ذري علي وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر (١).
وقال أسلم ﵁: بينما أنا مع عمر بن الخطاب وهو يعس بالمدينة إذا أعيا، فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء؟ فقالت لها: يا أمتاه، وما علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عزمته يا بينه؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى: أن لا يشاب اللبن بالماء؟ فقالت لها: يابنتاه قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك بموضع لا يراك فيه عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها يا أمتاه: والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، وعمر يسمع كل ذلك، فقال: يا أسلم: عَلّم الباب، واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه، فلما أصبح قال: يا أسلم إمض إلى الموضع فانظر من القائلة؟ ومن المقول لها؟ وهل لهما من يعل؟ قال أسلم: فأتيت الموضع، فنظرت فإذا الجارية أَيّم لا بعل لها، وإذ تيك أمها، وإذ ليس لهم رجل، فأتيت عمر بن الخطاب، فأخبرته، فدعى ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه، ولو كان بأبيكم
стр. 564
حركة إلى النساء ما سبقه فيكم أحد إلى هذه الجارية، فقال عبدالله: لي زوجة، وقال عبدالرحمن: لي زوجة، وقال عاصم: يا أبتاه، لا زوجة لي فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم، فكانت جدة عمر بن عبد العزيز الخليفة ﵀ (١).
ومن مواساة عمر ﵁ لرعيته إطعامه المحتاجين والفقراء منهم ومواساته لهم، قدم بعض الرسل إلى عمر ﵁ مبشراً له بفتح بعض مدن فارس، فوجد عمر ﵁ يطعم الناس، ويعاونه مولاه يرفأ (٢).
ومن أخباره ﵁ في مراقبته لرعيته وتواضعه لهم ما حكاه سنان بن سلمة (٣) قال: كنت في
أغيلمة نلتقط البلح، ففجئنا عمر، فتبعني الغلمان، فقمت، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه مما ألقت الريح، فقال:
стр. 565
أرنيه، فلما أريته قال: انطلق، قلت: يا أمير المؤمنين فبين هؤلاء الغلمان الساعة؟ فإنك إذا انصرفت عني، انتزعوا ما معي، قال: فمشى معي حتى بلغت مأمني (١).
ومن الآثار المروية عن عمر ﵁ في ذلك، ما روي من أن عمر ﵁ خرج في سواد الليل، فرآه طلحة، فذهب عمر، فدخل بيتاً، ثم دخل بيتاً آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل ببابك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع (٢)؟
وروي أن عمر ﵁ كان في سفر، فسمع صوت راع في جبل، فعدل إليه، فلما دنا منه صاح: يا راعي الغنم، فأجاب، فقال له