يوصي ويستخلف قال: ما أجد أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة سعداً وعبد الرحمن، وقال: ليشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء (١).
وقال ﵁ لعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعلي ابن أبي طالب ﵃: ثم إن قومكم إنما يؤمرون أحدكم أيها الثلاثة، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحمل ذوي قرابتك على رقاب الناس، وإن كنت يا عثمان على شيء من أمر الناس، فلا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت على شيء من أمر الناس يا علي، فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس (٢).
٣ - الاستقامة والصلاح.
فقد بين ﵁ أن استقامة الوالي وصلاحه سبب لصلاح رعيته ومن تحت يديه وأن فساده وانحرافه سبب لفساد الرعية وانحرافهم.
قال ﵁: إن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم
стр. 597
ولاتهم وهداتهم (١).
وروي عنه ﵁ أنه قال: لا يستعمل الفاجر إلا فاجر، من استعمل فاجراً وهو يعلم أنه فاجر فهو فاجر مثله (٢)
ولم يثبت عن عمر ﵁ أنه قال: نستعين بالمنافق وإثمه عليه (٣).
وأنه سئل: إنك تستعين بالرجل الفاجر؟ فقال عمر: إني أستعمله لأستعين بقوته ثم أكون على قفانه (٤).
стр. 598
٤ - القدرة والخبرة والسياسية.
فهي لازمة لمن يتولى أمر رعاية شؤون المسلمين ومصالحهم. ولا يكفي كونه مستقيماً في نفسه وكونه صحابياً إذا كان غير قادر على القيام بأمور الولاية لأي سبب من الأسباب، أو كان قليل الخبرة والحنكة السياسية بحيث يمكن مخادعته واستغفاله واستدراجه. جاء في الحديث الصحيح أن أبا (١) ذرّ ﵁ قال للنبيّ صلي الله عليه وسلم: يا رسول الله ألا تستعملني. قال: "فضرب على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذرّ إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقّها، وأدى الذي عليه فيها" (٢).
стр. 599
فقد عزل عمر ﵁ عمار بن ياسر ﵁ بعد أن سأل عنه هل هو مجزي في ولايته، فقال جرير بن عبد الله (١) ﵁: والله لا هو بمجزي ولا عالم بالسياسة، فعزله وولى المغيرة بن شعبة ﵁ (٢).
وعزل عمر ﵁ شرحبيل بن حسنة (٣) ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، أعن سخطة نزعتني؟ فقال: لا ولكن رأينا من هو أقوى منك، فتحرجنا من الله أن نقرك وقد رأينا من هو أقوى منك (٤).
стр. 600
وكان ﵁ يقر الوالي على ولايته ويثبته عليها إذا كان متصفاً بالقدرة والخبرة والحنكة السياسية، ومن أمثلة ذلك: إقراره ﵁ عمرو بن العاص على ولاية فلسطين ثم على مصر، ولم يبعث معه معاوناً، وذلك لما اتصف به عمرو من الدهاء والحنكة السياسية العالية.
قال الشعبي ﵀: دهاة العرب في الإسلام أربعة وذكر منهم عمرو بن العاص ﵁ (١).
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأتحرج أن أستعمل الرجل وأنا أجد أقوى منه (٢).
وروي عنه ﵁ أنه أراد أن يستعمل رجلاً فقال: من يدلني على القوي الأمين (٣).
стр. 601
٥ - الفطنة والذكاء.
ولا تخفى أهمية تحلي الوالي بالفطنة والذكاء والدهاء وسرعة البديهة بحيث يستطيع التعامل مع كلّ حدث بما يناسبه ويضع الأمور في نصابها.
فقد لقي عمر ﵁ ركباً يريدون البيت الحرام، فقال: من أنتم؟ فأجابه أحدثهم سناً فقال: نحن عباد الله المسلمون، قال: من أين جئتم؟ قال: من الفج العميق، قال: أين تريدون؟ قال: البيت العتيق، قال عمر: تأولها لعمر الله، فقال: من أميركم؟ فأشار إلى شيخ منهم، فقال عمر ﵁: بل أنت أميرهم لأحدثهم سناً الذي أجابه بجيد (١).
٦ - الرحمة والشفقة.
وهي خصلة هامة وأساسية للوالي الذي جمع صفات الصلاح والقدرة والحنكة السياسية إذ بها يحسن التعامل مع الرعية ويقيم العدل فيهم ويحبهم ويحبونه ويقبلون إليه ويأنسون به ويرفعون إليه حوائجهم من
стр. 602
غير رهبة ووجل. قال تعالى لنبيّه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُم وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ … ﴾ الآية (١).
استعمل عمر ﵁ رجلاً من بني أسد على عمل، فدخل ليسلم على عمر ﵁ فأتي عمر ببعض ولده، فقبله، فقال الأسدي: أتقبل هذا يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما قبلت ولداً لي قط، فقال عمر: فأنت والله بالناس أقل رحمة، لا تعمل لي عملاً أبداً، فرد عهده (٢).
٧ - الزهد في الدنيا والرغبة عنها، وعدم الحرص على الولاية.
ومن الصفات التي كان عمر ﵁ يحب توفرها في الوالي الزهد في الدنيا.
وهي صفة حميدة من صفات المؤمنين الصادقين واتصاف الوالي بها تجعله أكثر إخلاصاً لله في عمله وأبعد عن مطامع الدنيا و التطلع إليها من خلال عمله ومنصبه.
стр. 603
قال مالك الدار رحمه الله تعالى: أخذ عمر ﵁ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة، ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تله (١) ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حوائجك. فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره ووجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل ثم تله في البيت ساعة حتى تنظر إلى ما يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذا في حاجتك. فقال: وصله الله ورحمه، تعالي يا جارية، اذهبي إلى فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، فلم يبق في الخرقة إلا ديناران، فرمى بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسر بذلك عمر، وقال: إنهم إخوة، بعضهم من بعض (٢).
стр. 604
وقدم معاوية بن أبي سفيان ﵁ على عمر ﵁ وكان من أبيض الناس وأجملهم، فحج مع عمر ﵁ فجعل ينظر إليه، ويعجب له، ثم يضع إصبعه على متنه، ثم يرفعها عن مثل الشراك، فيقول: بخٍ بخٍ، نحن إذاً خير الناس إن جمع لنا خير الدنيا والآخرة، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين سأحدثك: إنا بأرض الحمامات والريف، فقال عمر: سأحدثك ما بك، إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصبحك حتى تضرب الشمس متنك، وذوو الحاجات وراء الباب (١).
وروي أن عمر ﵁ كان إذا استعمل عاملاً كتب له عهداً وأشهد عليه رهطاً من المهاجرين، والأنصار أن لا يركب برذوناً (٢)، ولا يلبس رقيقاً، ولا يأكل نقياً (٣).
стр. 605
ولعل المراد بذلك لوثبت عدم الإسراف في التنعم لأن هذه الأمور هي من المباحات، ويبعد أن يشترط عمر ﵁ على ولاته الامتناع عنها، ولكنه ﵁ كان يكره الإسراف في التنعم، وتناول المباحات، ويرغب من ولاته أن يكونوا من أهل الزهادة في الدنيا والرغبة في الآخرة كما دلت على ذلك النصوص السابقة.
وإن من زهد الولاة الذي كان عمر ﵁ يراعيه في تولية الولاة زهدهم في الولاية والتطلع إليها، واعتبر عمر ﵁ من حرص على الولاية ورغب فيها غير قادر على القيام بأعباء الولاية والإخلاص في عمله.
وجاء عنه ﵁: من حرص على الإمارة لم يعدل فيها (١).
стр. 606
هذه أهم الصفات التي كان عمر ﵁ يراعيها في ولاته الذين يوليهم ويؤمرهم على الأمصار.
وقد أشار عمر ﵁ إلى نماذج من صحابة النبي ﷺ كان يرى فيهم الولاة المثاليين، وكان يأمل لو كان عنده مثلهم، فيوليهم شئون المسلمين.
قال ﵁ لأصحابه: تمنوا، فقال بعضهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملؤة ذهباً أنفقه في سبيل الله وأتصدق، وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجداً وجواهر فأنفقه في سبيل الله، وأتصدق، ثم قال عمر: تمنوا، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين، فقال: أتمنى لو أنها مملؤة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان فأستعملهم في طاعة الله (١).
стр. 607
وهؤلاء الذين ذكر عمر ﵁ من خيرة صحابة النبي ﷺ ، ومن السابقين إلى الإسلام، وممن اتصفوا بالورع والتقوى، والزهد وسعة العلم، والفقه في الدين، والشجاعة، وغيرها من الصفات الحميدة.
وقد أشار عمر ﵁ إلى جدارة بعض ولاته بالخلافة من بعده لما يتحلون به من صفات تؤهلهم لذلك.
قال ﵁: فإن أصابت الإمارة سعداً (١) فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمّر، فإني لم أنزعه عن عجز ولا خيانة (٢).
لذلك كان ولاة عمر ﵁ مثلاً عالياً في التقوى والصلاح والزهد والورع وحسن القيام بأعباء الولاية والإخلاص لله في ذلك، وفوق كل ذلك ما تميزوا به من شرف صحبتهم لرسول الله ﷺ .
روي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر رحمهما الله: أن ابعث إلي بكتاب عمر بن الخطاب، وقضائه وسيرته في أهل العهد والذمة، فإني متبع أثره وسائر سيرته إن
стр. 608
أعانني الله على ذلك والسلام، فكتب إليه سالم: إنك لست في زمان عمر وليس عندك رجال عمر … الأثر (١).
المسألة الثانية: سياسة عمر ﵁ في عزل الولاة.
لقد أوضحت النصوص الثابتة عن عمر ﵁ في عزله لولاته الأسباب التي كان عمر ﵁ يعزل ولاته من أجلها وهي:
١ - عدم القدرة على سياسة الرعية أو التقصير في ذلك.
فقد عزل عمر ﵁ عمار بن ياسر ﵁ حينما شهد جرير بن عبد الله البجلي ﵁ بعدم علمه بالسياسة وقيامه بواجبات الولاية (٢).
وعزل ﵁ شرحبيل بن حسنة ﵁ فقال: أعن سخطة نزعتني؟ فقال: لا ولكن رأينا من هو أقوى منك (٣).
стр. 609
٢ - شكوى الرعية للوالي.
فحين شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى عمر ﵁ وزعموا أنه لا يحسن أن يصلي بهم، عزله عمر ﵁ مع يقينه بعدم صدق هذه التهمة ولكنه ﵁ فعل ذلك قطعاً للفتنة التي قد تقع بسبب كراهية الرعية للوالي وشق عصا الطاعة عليه (١).
قال ﵁ لسعد بن أبي وقاص ﵁: قد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة، فقال سعد: أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الآخريين، وما آلوا ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ ، فقال عمر: ذاك الظن بك، أو ذاك ظني بك (٢).
وقد بين عمر ﵁ عند وفاته أنه لم يعزل سعداً عن عجز ولا خيانة (٣).
٣ - عدم امتثال الوالي لأوامر الخليفة.
قال عمر ﵁ وهو يخطب بالجابية (٤): إني أعتذر إليكم
стр. 610
من خالد بن الوليد، إني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطى ذا البأس، وذا الشرف، فنزعته وأمرت أبا عبيدة (١).
فبين عمر ﵁ أن من أسباب عزله خالد بن الوليد هو مخالفته لأمره له بشأن قسمة المال.
وروي أن عمر ﵁ عزل العلاء بن الحضرمي (٢) لأنه أغزى جيشاً في البحر، وقد نهى عمر ﵁ عن ركوب البحر في الغزو (٣).
стр. 611
٤ - عزل الوالي إذا بلغه عنه أمراً يكرهه.
قدم أبو هريرة ﵁ على عمر ﵁، وكان قد ولاه بعض المهام بالبحرين - ومعه عشرة آلاف، فقال له عمر ﵁: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه، فقال أبو هريرة ﵁: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، فقال عمر: فمن أين هي لك، فقال: خيل لي تناتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت علي، فعزله عمر ﵁، ثم نظروا بعد ذلك فوجدوه كما قال أبو هريرة، فلما كان بعد دعا عمر ﵁ أبا هريرة ليستعمله فأبى أن يعمل له (١).
стр. 612
ومن ذلك ما روي من عزل عمر للنعمان بن عدي بن نضلة (١) لما تغنى بأبيات فيها مدح للخمر، ثم اعتذر من عمر وبين له أنه ما أراد مدح الخمر وإنما أراد مجرد التغني بالشعر، فقال عمر: إني لأظنك صادقاً ولكن لا تعمل لي عملاً (٢).
وعزل عمر ﵁ قدامة (٣) بن مظعون عن البحرين (٤)
стр. 613
بعد أن شهد عليه الجارود العبدي سيد عبد القيس، وأبو هريرة ﵄ بأنه شرب الخمر، فحده عمر ﵁ وعزله (١).
وعزل عمر ﵁ المغيرة بن شعبة (٢) عن البصرة بعد أن شهد عليه أبو بكرة (٣) ونافع (٤) وشبل بن معبد (٥) بالزنى، وأنهم رأوا
стр. 614
كالمرود في المكحلة، ونكل زياد (١) عن الشهادة وقال: رأيت مجلساً قبيحاً وانبهاراً (٢)، فجلد عمر ﵁ أبا بكرة ونافعاً وشبلاً حد القذف، وعزل المغيرة عن البصرة ولم يعده إلى ولايتها (٣).
٥ - عزل الوالي إذا اعتذر عن الولاية لعذر شرعي.
ولي عمر ﵁ النعمان بن مقرن المزني (٤) ﵁
стр. 615
كَسْكَر (١)، فكتب إليه النعمان: يا أمير المؤمنين، إن مثلي ومثل كسكر كمثل رجل شاب عند مومسة تلون له وتعطر، وإني أنشدك بالله لما عزلتني عن كسكر، وبعثتني في جيش من جيوش المسلمين، فعزله عمر، وكتب إليه: سر إلى الناس بنهاوند (٢)، فأنت عليهم، فسار إليهم، فالتقوا، فكان ﵁ أول قتيل (٣).
стр. 616
المطلب الثاني: علاقة الخليفة بالولاة.
لقد قامت العلاقة بين عمر ﵁ وبين ولاته على مبادئ وأسس هامة كان لها أثر كبير في استقرار دولة الخلافة، وانتشار الأمن في أرجائها الواسعة وسلامتها من الفتن الداخلية ومن أهم هذه المبادئ:
أولاً: طاعة الولاة للخليفة وانقيادهم له وعدم شق عصا الطاعة عليه.
وقد ضرب ولاة عمر ﵁ في ذلك مثلاً فريداً ورائعاً، ومن الأخبار في ذلك أن عثمان بن حنيف (١) ﵁ كان يكلم عمر في شيء، فأغضبه، فأخذ عمر ﵁ من البطحاء قبضة فرجمه بها، فأصاب حجر منها جبينه فشجه، فسال الدم على لحيته، فكأن عمر ﵁ ندم، فقال: امسح الدم عن لحيتك، فقال عثمان بن حنيف ﵁: لا يهلك هذا يا أمير المؤمنين، فوالله لما انتهكت ممن وليتني أمره أشد مما انتهكت مني، فكأن ذلك أعجب عمر، فزاده عنده خيراً (٢).
стр. 617
وروي أن عمرو بن العاص ﵁ دخل على عمر بن الخطاب ﵁، وهو على مائدته جاثياً على ركبتيه، وأصحابه كلهم على تلك الحال، وليس في الجفنة فضل لأحد يجلس، فسلم عمرو على عمر، فرد ﵇، قال عمرو بن العاص؟ قال: نعم، فأدخل عمر يده في الثريد فملاها ثريداً ثم ناولها عمرو بن العاص، فقال: خذ هذا، فجلس عمرو، وجعل الثريد في يده اليسرى، ويأكل باليمنى، ووفد أهل مصر ينظرون إليه، فلما خرجوا، قال الوفد لعمرو: أي شيء صنعت؟!
فقال عمرو: إنه والله لقد علم أني بما قدمت به من مصر لغني عن الثريد الذي ناولني، ولكن أراد أن يختبرني، فلو لم أقبلها للقيت شراً (١).
ثانياً: معاونته ومساعدته على أعباء الخلافة.
لقد بين عمر ﵁ أنه إنما يستعمل الولاة ليعاونوه على
стр. 618
أعباء الخلافة، والقيام بشئون الرعية، قال ﵁: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم عليهم، ليعدلوا عليهم، وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ﷺ ، ويقسموا فيئهم ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم (١).
وروي أن عمر ﵁ دعا سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي (٢) فقال: إني مستعملك على أرض كذا وكذا، فقال سعيد: يا عمر أو تقيلني يا أمير المؤمنين؟
فقال عمر: والله لا أدعك، قلدتموها في عنقي وتتركوني؟ ثم قال: ألا نفرض لك رزقاً؟ فقال: قد جعلت لي في عطائي ما يكفيني دونه، وفضلاً على ما أريد … الأثر (٣).
стр. 619
٣ - مراقبة الخليفة للولاة ومحاسبته لهم.
وكان عمر ﵁ يراقب عماله وولاته وينظر كيف عملهم في الرعية، ويعاقب المفرطين منهم، ومن صور مراقبته ﵁ لعماله وولاته سؤاله الوفود التي تقدم عليه من الأمصار المختلفة عن أمرائهم، يسأل كل وفد عن أميرهم، فيقولون خيراً، فيقول: هل يعود مريضكم؟ فيقولون: نعم، فيقول: هل يعود العبد؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف صنيعه بالضعيف؟ هل يجلس على بابه؟ فإن قالوا لخصلة منها لا، عزله (١).
стр. 620
وأذن عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵁ أن يستعمل الربيع بن زياد (١) وأمره أن لا تأتي عليه عشراً إلا تعاهد عمله، وكتب إليه بسيرته في عمله حتى كأنه هو الذي استعمله (٢).
وروي أن عمر ﵁ قال: أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم وأمرته بالعدل أقضيت ما علي؟ قالوا: نعم، قال: لا حتى أنظر في عمله، أَعَمل ما أمرته أم لا (٣).
وروي أنه ﵁ كان يأمر عماله أن يوافوه بالموسم ليطلع على أخبارهم، وأخبار الرعية (٤).
стр. 621
وروي أن عمير (١) بن سعد ﵁ عامل عمر ﵁ على حمص (٢) مكث حولاً لا يبعث إلى عمر ﵁ بأخباره، فقال عمر ﵁ لكاتبه: أكتب إلى عمير، فوالله ما أراه إلا قد خاننا: إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل بما جئت من فيء المسلمين حين تنظر كتابي هذا (٣).
وكان هذا ظناً من عمر ﵁ وتبين له خلافه. كما
стр. 622
سيأتي ذلك إن شاء الله عند ذكر ولاية عمير على حمص (١).
وكان ﵁ يعاقب عماله ويقتص منهم إذا ثبت لديه تعديهم وظلمهم.
كتب عمر ﵁ إلى أهل الكوفة: من ظلمه أميره فلا إمرة له عليه، فكان الرجل يأتي المغيرة بن شعبة، فيقول: إما أن تنصفني من نفسك، وإلا فلا إمرة لك علي (٢).
ولكن هل يعارض هذا ما يثبت من قوله ﷺ : "من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج على السلطان شبراً مات ميتة جاهلية" (٣).
والظاهر أنه لا تعارض بينهما، لأنه - والله أعلم - أن المراد بقول النبيّ ﷺ : "فليصبر" يعني: إذا لم يستطع أن يأخذ حقّه بالحسنى
стр. 623
والمعروف، ولم يجد أحداً يرد عليه حقّه من غير نزاع وقتال وخروج على الأمير والإمام.
أمّا خبر عمر ﵁ فإن صاحب المظلمة تكفل له عمر ﵁ وهو الإمام برد حقّه وأمره ألا يوافق أميره ولا يقرّه ظلمه له بل يرفع أمره إليه حتى يقتص منه، وحينئذٍ لن يكون هناك خروج ونزاع وقتال، لأن حقّ المظلوم قد ردّ إليه من غير ذلك، والمراد بنفي الإمرة في الأثر عدم طاعة الأمير وإقراره على الظلم، بل يرفع أمره إلى الإمام وهو عمر ﵁، وليس المراد أن يشق عصا الطاعة ويعلن الخروج والحرب على الأمير.
وقال ﵁: إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم، وليشتموا أعراضكم، ويأخذوا أموالكم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا أذن له عليَّ، ليرفعها إلي حتى أقصه منه، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن أدب أمير رجلاً من رعيته أتقصه منه؟! فقال عمر: وما لي لا أقصه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه (١)؟!
стр. 624
وروي أن عمرو بن العاص ﵁ قال لرجل من تجيب (١): يا منافق، فقال التجيبي: ما نافقت منذ أسلمت، ولا أغسل لي رأساً ولا أدهنه، حتى آتي عمر ﵁، فأتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عمراً نفّقني، ولا والله ما نافقت منذ أسلمت، فكتب عمر ﵁ إلى عمرو ﵁، وكان إذا غضب عليه يكتب:
стр. 625
إلى العاص بن العاص أما بعد، فإن فلاناً التجيبي ذكر أنك نفقته، وقد أمرته إن أقام عليك شاهدان أن يضربك أربعين أو قال سبعين، فقام الرجل، فقال: أنشد الله رجلاً سمع عمراً نفقني إلا قام فشهد، فقام عامة أهل المسجد، فقال له حَشَمُه: أتريد أن تضرب الأمير؟ قال وعرض عليه الأرض: لو ملئت لي هذه الكنيسة ما قبلت، فقال له حشمه: أتريد أن تضربه؟ فقال التجيبي: ما أرى لعمر ﵁ ها هنا طاعة، فلما ولى قال عمرو بن العاص: ردوه، فأمكنه من السوط، وجلس بين يديه، قال: أتقدر أن تمتنع مني بسلطانك؟ قال: لا، فامض لما أمِرت به، قال: فإني أدعك لله (١).
وروي أن عمر ﵁ كان بمنى إذ دخل عليه رجل من أهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين، استبقت أنا ومحمد بن عمرو بن
стр. 626
العاص، فسبقته، فعدا علي، فضربني بين ظهراني المسلمين وهو يقول: خذها وأنا ابن الكريمين، فجئت أباه أستأديه فيما صنع بي، فحبسني أربعة أشهر، ثم أرسلني، فخرجت في حاج المسلمين، فجئت إليك لتأخذ مظلمتي، فقال: أعجل علي بعمرو بن العاص وابنه، فأتى بهما.
قال عمر: ويحك ما بينتك على ما تقول؟ قال: الجند كلهم يا أمير المؤمنين من وافى الحاج منهم، فسأل الناس، فأخبروه بذلك، فدعا بمحمّد ابن عمرو فجرد من ثيابه، ثم أمكن المصري من السوط، ثم قال له: اضرب، فضرب المصري وعمر يقول: خذها وأنت ابن اللئيمين، حتى تركه … الأثر (١).
وروي أن رجلاً من الدهاقين (٢) شخص إلى عمر بن الخطاب في مظلمة له، فلما قدم المدينة سأل عن عمر، فقيل: هو ذاك، وإذا هو مستلق قد جمع إزاره تحت رأسه ودرته إلى جنبه، فقال: إني أريد أمير المؤمنين، قيل: فذاك أمير المؤمنين عمر، فقال في نفسه: لقد غررت بنفسي، وذهبت بنفقتي، ثم دنا من عمر فأخبره بقصته، فأخذ قطعة جلد، فكتب فيها
стр. 627
بخطه: لينصفن هذا الدهقان أو لأبعثن من ينصفه، فقال الدهقان: لقد خبت وخسرت، أنفقت مالي، وأتعبت نفسي وتجشمت هذا السفر البعيد الشديد، ثم رجعت بقطعة جلد من صحيفة، وهم أن يلقيها، فلما صار إلى العامل، ودفعها إليه، قام على رجليه، فلم يجلس حتى أنصفه، فقال الدهقان: هذا والله الملك، وهذه الطاعة، لا ما كنا فيه (١).
ومن مراقبة عمر ﵁ لعماله وولاته محاسبته لهم في مصادر أموالهم ومواردها حرصاً منه ﵁ على أموال المسلمين وعلى أرزاق ولاته أن تكون مباحة لا تشوبها شائبة من مال حرام، فكان ﵁ يقبض أموال ولاته إذا استكثرها حتى يستوثق من شرعية مصادرها.
استعمل عمر ﵁ أبا هريرة على البحرين، فقدم على عمر ﵁ ومعه عشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه، فقال أبو هريرة ﵁: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما.
стр. 628
قال عمر ﵁: فمن أين لك هي؟ قال: خيل لي تناتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت علي، فنظروه، فوجدوه كما قال، فلما كان بعد ذلك، دعاه عمر ليستعمله، فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل، وقد طلب العمل من كان خيراً منك يوسف ﵇؟ قال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة ابن أميمة، أخشى ثلاثاً أو اثنين، قال عمر: أفلا قلت خمساً؟ قال: لا، أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حكم ويضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي (١).
وقول أبي هريرة ﵁ في آخر الأثر: أخشى أن ينتزع مالي يدل على أن عمر ﵁ قد أخذ ماله، وقد جاء ذلك مصرحاً به في روايات أخرى وفيها أن أبا هريرة ﵁ قال: فأخذ مني اثني عشر ألفاً (٢)، وفي رواية أن عمر ﵁ أخذ منه عشرة آلاف.
стр. 629
قال أبو هريرة ﵁: فأمر بها أمير المؤمنين فقبضت، فكان يقول: اللهم اغفر لأمير المؤمنين (١).
ولكن طلب عمر من أبي هريرة ﵄ أن يتولى الإمارة مرة أخرى دليل على عدم اتهام عمر ﵁ لأبي هريرة باكتساب أمواله من وجوه غير شرعية ولعل عمر ﵁ أعادها إليه بعد ذلك أو أنه جعلها في مال المسلمين، وذلك حرصاً منه ﵁ أن تكون أموال أبي هريرة خالصة لا شبهة فيها خصوصاً وأن الوالي قد تأتيه بعض الهدايا والأموال التي لا حق له فيها، فيأخذها من غير علم أو قصد.
وممن روي أن عمر ﵁ أخذ أموالهم وقاسمهم فأعطاهم شطرها، وقبض شطراً، عمال عمر ﵃ الذين شكاهم يزيد بن الصعق (٢) في أبيات بعث بها إلى عمر ﵁ يطلب منه أن
стр. 630
ينظر في أموالهم، فقاسمهم عمر ﵁ شطر أموالهم حتى أخذ نعلاً وترك نعلاً، وهم الحجاج بن عتيك الثقفي (١) وجزء بن معاوية (٢) عم الأحنف، وبشر بن المحتفز (٣)، وخالد بن الحارث (٤)، وكان على بيت المال بأصبهان، وعاصم بن قيس بن الصلت (٥)، وكان على مناذر (٦)، وسمرة بن جندب (٧)، وكان على سوق الأهواز (٨)،
стр. 631
والنعمان بن عدي (١)، وكان على كور دجلة، ومجاشع بن مسعود (٢)، وكان على صدقات البصرة، وشبل بن معبد (٣)، وكان على الغنائم، وأبو مريم الحنفي (٤)، وكان على رامهرمز (٥).
стр. 632
وروي أن عمر ﵁ قاسم عمرو بن العاص ماله، فكتب إليه: إنه قد فشت له فاشية من متاع، ورقيق وآنية، وحيوان لم يكن حين وليت مصر؟ فكتب إليه عمر: إنا أرضنا أرض مزدرع ومتجر نصيب فضلاً عما نحتاج لنفقتنا، فكتب إليه: إني قد خبرت من عمال السوء ما كفى، وكتابك إلي كتاب من أقلقه الأخذ بالحق وقد سؤت بك ظناً، وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة (١) ليقاسمك مالك، فأطلعه طعله، وأخرج إليه ما يطالبك بها، واعفه من الغلظة عليك، فإنه برح الخفاء، فقاسمه ماله (٢).
стр. 633
وروي أن عمر ﵁ كان إذا ولي عماله كتب أموالهم، ثم يقاسمهم ما زاد على ذلك (١).
стр. 634
المطلب الثالث: حقوق الولاة على الرعية وواجباتهم نحوها.
إن من حقوق الولاة على الرعية الطاعة بالمعروف التي هي حق من حقوق الخليفة لأن طاعة الوالي طاعة لمن ولاه.
قال ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني" (١).
وروي عن عمر ﵁ أنه كان إذا استعمل الولاة كتب: إني بعثت إليكم فلاناً فأمرته بكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا (٢).
وأما حقوق الرعية وواجباتهم على الولاة فقد بينها عمر ﵁ بقوله ﵁: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم، وليعلموا الناس دينهم، وسنة نبيهم ﷺ ، ويقسموا فيئهم، ويرفعوا إلي ما أشكل من أمرهم (٣).
فبين عمر ﵁ أن من واجبات الولاة على الرعية إقامة
стр. 635
العدل بينهم، ونشر العلم بينهم وتفقيههم بشرع الله، وإعطاؤهم حقوقهم المشروعة لهم، والتعرف على حوائجهم وما ينوبهم من أمور ومعالجة ذلك إن أمكن أو رفعه إلى الخليفة بل أن عمر ﵁ ألزم ولاته بالتعرف الدقيق على أحوال الرعية ومواساتهم وعدم الترفع عليهم وإهمال الضعفاء والفقراء، فكان ﵁ يسأل الوفد إذا قدموا عليه عن أميرهم فيقول: هل يعود المريض؟ هل يعود العبد؟ كيف صنيعه بالضعيف؟ هل يجلس على بابه؟ فإن قالوا بخصلة واحدة منها: لا، عزله (١).
ومن حقوق الرعية التي أوجبها عمر ﵁ على ولاته عدم الاستئثار عليهم في مآكلهم ومشاربهم وسائر أحوالهم وأن لا يمنعوهم ولا يحرموهم شيئاً يستمتعون به.
بعث عتبة بن فرقد (٢) ﵁ مع مولاه من أذربيجان (٣) بسلال فيها خبيص وهو نوع جيد من الحلوى، فتذوقه عمر ﵁، فقال: إن هذا لطيب لين، أفكل المهاجرين أكل منه شبعه؟ فقال: لا، إنما هو شيء خصك به، فكتب عمر ﵁ إلى عتبة بن فرقد ﵁: أما بعد: فليس من كدك، ولا كد أمك، ولا كد أبيك،