٢ - عتبة بن غزوان ﵁:
أمره عمر ﵁ على البصرة بعد مقتل شريح بن عامر، وكان ذلك في السنة الرابعة عشرة من الهجرة (١). وذلك لقطع المدد عن
стр. 667
جند الفرس بالمدائن (١)، فخرج عتبة ﵁ من المدينة بثلاثمائة مقاتل في شهر صفر، وانضم إليه بعض الأعراب، فقدم البصرة ومعه خمسمائة جندي أو أقل أو أزيد في شهر ربيع الأول أو الآخر، فنزل عتبة بالخريبة (٢)، وبالأبلة (٣) خمسمائة من الأساورة (٤) يحمونها، وكانت مرفأ
стр. 668
السفن من الصين وما دونها، فسار عتبة، فنزل دون الأجّانة، فأقام نحواً من شهر، ثم خرج أهل الأبلة، فناهضهم عتبة، فهزمهم، ففروا، وخلوا المدينة، فدخلها المسلمون (١).
وبعد دخولهم الأبلة خطب فيهم عتبة ﵁ خطبة ذكرهم فيها بفناء الدنيا، وأن الناس منتقلون منها إما إلى جنة أو نار، وذكرهم بحالهم في بداية الإسلام، وما من الله به عليهم، قال ﵁ بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حَذّاء (٢)، ولم يبق منها إلا صُبَابة (٣) كصبابة الإناء، يتصابها صحابها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم، فيهوي فيها سبعين عاماً لا يدرك لها قعراً، والله لتملأن، أفعجبتم، ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ، مالنا من
стр. 669
طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك (١)، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وعند الله صغيراً (٢).
ثم اختط عتبة بن غزوان البصرة، وكانت قبل ذلك تسمى الأبلة، وأمر محجن بن الأدرع (٣) بخط المسجد، وبناه بالقصب، ثم خرج ﵁ حاجاً، وخلف على البصرة مجاشع بن مسعود (٤)، وأمره أن يسير إلى الفرات، وأمر المغيرة بن شعبة أن يصلي بالناس حتى يقدم مجاشع، فجمع أهل مسيان (٥) للمغيرة عليهم الفيلكان عظيم من عظماء الفرس، فظهر عليهم المغيرة، وكتب بالفتح إلى عمر، فأمر عمر عتبة أن يسير إلى عمله، فمات قبل أن يصل البصرة، فقدم غلامه سويد على عمر بمتاعه، فأقر عمر المغيرة على البصرة وكان ذلك في آخر سنة أربع عشرة وأول
стр. 670
سنة خمس عشرة من الهجرة (١).
وكانت مدة ولاية عتبة بن غزوان ﵁ على البصرة ستة أشهر (٢).
стр. 671
٣ - المغيرة بن شعبة (١) ﵁:
استعمله عمر ﵁ على البصرة بعد وفاة عتبة بن غزوان ﵁ وكانت مدة ولايته سنتين من السنة الخامسة عشرة إلى السنة السابعة عشرة، وكانت له عدة فتوح في بلاد العراق وفارس، ومنها فتح مدينة ميسان (٢)، ثم عزله عمر ﵁ بعد اتهامه بالزنى (٣).
٤ - عبد الرحمن بن سهل بن يزيد بن كعب الأنصاري (٤) ﵁:
قال ابن الأثير نقلاً عن أبي نعيم: ولاه عمر البصرة بعد موت عتبة ابن غزوان، ولم أقف على من ذكر ولايته على البصرة ممن ترجم له غير
стр. 672
ما نقله ابن الأثير (١).
٥ - أبو موسى الأشعري ﵁:
استعمله عمر ﵁ بعد عزله المغيرة بن شعبة عن البصرة في السنة السابعة عشرة واستمر والياً عليها حتى قتل عمر ﵁، وكانت له عدة فتوح ببلاد فارس ومنها فتح الأهواز (٢) ثم أصبهان (٣).
وروي أن عمر ﵁ كتب مع أبي موسى حين ولاه كتاباً للمغيرة وفيه أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى أميراً، فسلم إليه ما في يدك والعجل، وكتب إلى أهل البصرة: أما بعد فإني قد بعثت أبا موسى أميراً عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويكم، وليقاتل بكم عدوكم، ويدفع عن ذمتكم وليحصي لكم فيئكم ثم يقسمه بينكم، ولينقي لكم طرقكم (٤).
стр. 673
وروي أن عمر ﵁ أوصى الخليفة من بعده ألا يقر أميراً من أمرائه أكثر من سنة إلا أبا موسى الأشعري (١).
وروي أن عمر ﵁ نزع أبا موسى عن البصرة وولاها عمر بن سراقة (٢)، وولى أبا موسى الكوفة ثم أعاد أبا موسى على البصرة وصرف عمر بن سراقة إلى الكوفة (٣).
وروي أن عمر ﵁ ولي أبا موسى الأشعري ﵁ الكوفة بعد عزله عمار بن ياسر ﵁ في سنة اثنتين وعشرين، وأنه ﵁ مكث على ولاية الكوفة سنة واحدة ثم عزله بعد أن شكاه أهل الكوفة (٤). ولعل ما روي من نزع أبي موسى
стр. 674
عن البصرة وتولية عمر بن سراقة عليها كان لمدة قصيرة جداً وغير معتبرة ولذلك أهملها المؤرخون ثم أعاده عمر ﵁ على البصرة كما ذكرت الرواية.
وأما الرواية التي فيها أنه ولى أبا موسى على الكوفة بعد نزع عمار عنها في سنة اثنتين وعشرين فإن الطبري قال: في قول بعضهم، وقد ذكرت ما قال الواقدي، والذي نقله الطبري عن الواقدي هو أن عمر ﵁ ولى الكوفة بعد نزع عمار بن ياسر عنها المغيرة بن شعبة (١). وهذا القول هو الذي اعتمده الطبري في ذكره لولاة الكوفة واعتمد أيضاً القول باستمرار ولاية أبي موسى على البصرة منذ ولاه إياها عمر حتى توفي عمر ﵁ كما تقدم ذلك، وقد يوفق بين الروايتين بأن عمر ﵁ لم يعزل أبا موسى عن البصرة بل ضم إليه الكوفة بعد عزل عمار عنها حتى عين والياً آخر عليها وهو المغيرة بن شعبة، والله أعلم.
стр. 675
٩ - الكوفة:
١ - المثنى بن حارثة الشيباني (١) ﵁:
ذكر الطبري ﵀ أنه كان والياً على الكوفة من قبل عمر ﵁ سنة ثلاث عشرة من الهجرة (٢)، والكوفة إنما مصرت في السنة السابعة عشرة على يد سعد بن أبي وقاص ﵁، ومراد الطبري ﵀ أنه كان والياً على موضع الكوفة وما جاوره من المناطق والمواضع التي كانت جيوش المسلمين ترابط بها، والتي كانت تحت قيادته ﵁، حيث قاد ﵁ المسلمين في موقعة البويب (٣) التي قتل فيها قائد الفرس مهران واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
стр. 676
٢ - سعد بن أبي وقاص ﵁:
ولاه عمر ﵁ الكوفة في السنة الرابعة عشرة بعد عزل المثنى بن حارثة ﵁ عن قيادة جيوش المسلمين وأمر عمر له بالانضمام تحت لواء سعد بن أبي وقاص الذي ولاه قيادة جيش المسلمين في موقعة القادسية (١)، ولكن المثنى ﵁ توفي قبل أن يصل إليه سعد متأثراً بجراحه التي أصيب بها في موقعة الجسر (٢).
وجهود سعد ﵁ في فتوح العراق وبلاؤه فيها أشهر من أن يكتب عنها، فهو قائد الموقعة العظيمة الفاصلة موقعة القادسية، والتي هزم فيها الفرس شر هزيمة، وهو قائد موقعة المدائن (٣) التي دخل فيها المسلمون المدائن واستولوا على إيوان كسرى وعرشه، وقائد موقعة
стр. 677
جلولاء (١) وغيرها من المواقع.
وهو الذي مصر مدينة الكوفة، وأنشأها، وكان ذلك في شهر محرم من السنة السابعة عشرة للهجرة.
وسبب بنائها ما ذكره الطبري ﵀ أن عمر ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالمدائن: أنبئني ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم؟
فكتب إليه: إن العرب خدَدَهم (٢)، وكفى (٣) ألوانهم وخومة المدائن ودجلة. فكتب إليه عمر ﵁: إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان فابعث سلمان (٤) رائداً، وحذيفة (٥) - وكانا
стр. 678
رائدي الجيش - فليرتادا منزلاً برياً بحرياً، ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر، فخرج سلمان حتى أتى الأنبار (١) فسار غربي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة وهي على حصباء، فنزلها فصليا، وقال كل واحد منهما: اللهم رب السماء وما أظلت، ورب الأرض وما أقلت، والريح وما ذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت والشياطين وما أضلت، بارك لنا في هذه الكوفة، واجعلها منزل ثبات.
وكتبا إلى سعد بالخبر (٢).
ثم شرع سعد ﵁ في بناء الكوفة، وبعث إلى أبي الهياج (٣)، فأخبره بكتاب عمر ﵁ في الطرق، وكان أول ما بنى فيها المسجد في وسط المدينة، وبقربه دار الإمارة، وحوله البنيان بعيداً عنه، حيث أمر برام شديد النزع فرمى حول المسجد بسهمه، وأمر من
стр. 679
أراد البناء أن يبني خلف السهم، وأنزل القبائل العربية في الكوفة (١).
وجاء من طريق صحيح أن عمار بن ياسر ﵁ أراد أن ينزل المسلمين المدائن فاجتووها وكرهوها، فبلغ عمر ﵁ أن الناس كرهوها، فسأل: هل تصلح بها الإبل؟ قالوا: لا، لأن بها البعوض، فقال عمر: فإن العرب لا تصلح بأرض لا تصلح بها الإبل، فارجعوا، فلقي سعد بن أبي وقاص عباداً (٢)، فقال: أنا أدلكم على أرض ارتفعت من البقعة (٣)، وتطأطأت من السبخة (٤)، وتسوطت الريف (٥)، وطعنت في أنف التربة، أرض بين الحيرة (٦)
стр. 680
والفرات (١).
واستمرت ولاية سعد ﵁ على الكوفة حتى سنة عشرين من الهجرة (٢). ثم عزله عمر ﵁ لشكاية أهل الكوفة له أنه لا يحسن يصلي بهم ودعاه عمر ﵁ إلى المدينة، فقدم سعد ﵁، فذكر له عمر ﵁ له ما عابوا عليه من أمر الصلاة، فقال ﵁: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، إني لأركد بهم في الأوليين، وأحذف في الأخريين، فقال عمر ﵁: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل عمر ﵁ رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة وبعث معهم سعداً، فسألوا أهل الكوفة عن سعد، ولم يدعوا مسجداً إلا سألوا عنه، ويثنون معروفاً، حتى دخلوا مسجداً لبني عبس (٣)، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا
стр. 681
سعدة، فقال: أما إذا نشدتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسَّرِيَّة (١)، ولا يقسم بالسويّة ولا يعدل في القضية، فقال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبد ك هذا كاذباً قام رياءً وسمعةً، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، فكان الرجل بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك أحد رواة الأثر: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن (٢).
وروي أن أهل الكوفة شكوا سعداً لعمر بأنه اتخذ باباً على قصره يحتجب به عن الناس وعن حاجاتهم، فبعث عمر ﵁ محمد بن مسلمة (٣) إلى الكوفة وأمره بإحراق باب سعد بن أبي وقاص، فأحرقه (٤).
стр. 682
وعلى الرغم من عزل عمر ﵁ لسعد عن ولاية الكوفة، إلا أنه بين أنه لم يعزله بسبب تقصيره في أداء واجبه أو عجزه عن أداء مهمته أو خيانته. قال ﵁ عن سعد ﵁: إني لم أعزله عن عجز ولا خيانة (١).
ولكنه ﵁ فعل ذلك قطعاً لدابر الفتنة التي قد يثيرها المرجفون ومن معهم من الغوغاء، فكان فعله ذلك ﵁ إخراساً لألسنتهم وقطعاً لحجتهم، ولذا جاء عنه ﵁ أنه قال لأهل الكوفة: لأبدلنكم حتى ترضون، أي بالأمير الذي يتولى أمركم (٢).
٣ - عبد الله بن عبد الله بن عتبان ﵁ (٣).
стр. 683
٤ - زياد بن حنظلة ﵁ (١):
قال الطبري رحمه الله تعالى نقلاً عن سيف بن عمر: وكان بين عمل سعد بن أبي وقاص، وبين عمل عمار بن ياسر أميران، أحدهما عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وفي زمانه كانت وقعة نهاوند، وزياد بن حنظلة حليف بني عدي بن قصي، وفي زمانه أمر بالانسياح وعزل عبد الله ابن عبد الله، وبعثه في وجه آخر من الوجوه، وولى زياد بن حنظلة، وكان من المهاجرين، فعمل قليلاً، وألح في الاستعفاء فأعفي، وولى عماراً (٢).
ولم تذكر مدة ولايتيهما ولعلها كانت قصيرة ولمدة عدد من الأشهر فقط.
٥ - عمار بن ياسر ﵁:
ولاه عمر الكوفة في سنة إحدى وعشرين بعد عزله سعد بن أبي وقاص في سنة عشرين من الهجرة (٣).
ولما ولى عمر ﵁ عمار بن ياسر ﵁، بعث
стр. 684
معه عبد الله بن مسعود معلماً لأهل الكوفة، وكتب إليهم: أما بعد، فإني بعثت إليكم عمار أميراً وعبد الله معلماً ووزيراً، وهما من النجباء (١) من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي (٢).
وكان من مهام عمار ﵁ الصلاة بالناس، وقيادة الجيوش وعبد الله بن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حنيف (٣) على مساحة الأرض، وكان عطاؤهم كل يوم شاة، شطرها لعمار لأنه الأمير، وشطرها الباقي لابن مسعود وابن حنيف (٤).
стр. 685
واستمر عمار ﵁ عاملاً لعمر ﵁ على الكوفة لمدة سنة واحدة وبعض السنة، ثم عزله عمر ﵁ في سنة اثنين وعشرين (١).
وكان سبب عزل عمر ﵁ له، شهادة جرير بن عبد الله ﵁ بضعفه في سياسة الرعية، وذلك حينما سأل عنه عمر ﵁ (٢).
стр. 686
٦ - المغيرة بن شعبة (١) ﵁:
ولاه عمر ﵁ الكوفة بعد عزله عمار بن ياسر ﵁ (٢).
ولعل ذلك كان في بداية السنة الثانية والعشرين فقد ذكر المؤرخون أن ولايته استمرت نحواً من سنتين، وكان والياً على الكوفة حين قتل عمر ﵁ (٣).
стр. 687
وروي أن عمر ﵁ أوصى المغيرة لما بعثه على الكوفة فقال: ليأمنك الأبرار، وليخافك الفجار (١).
وكان للمغيرة ﵁ حين ولاه عمر ﵁ عدة فتوح ببلاد فارس منها فتح مدينتي همذان (٢) وأذربيجان (٣) في قول بعض المؤرخين (٤).
стр. 688
١٠ - الموصل:
١ - عتبة بن فرقد السلمي (١) ﵁:
ولاه عمر ﵁ الموصل (٢) بعد فتحه لها بعد أن فتح نينوى (٣) وصالحه أهلها على الجزية في سنة عشرين من الهجرة (٤).
٢ - عرفجة بن هرثمة البارقي (٥) ﵁:
ولاه عمر ﵁ الموصل بعد عزله عتبة بن فرقد (٦)، وقام عرفجة بخط الموصل وتمصيرها وأسكنها العرب (٧).
стр. 689
١١ - مَيْسان:
١ - النعمان بن عدي بن نضلة (١) ﵁:
استعمله عمر ﵁ على ميسان (٢)، فتغنى بأبيات فيها مدح للخمر وهي:
من ملبغ الحسناء أن خليلها … بميسان يسقي في زجاج وحنتم (٣)
إذا شئت غنتني دهاقين قرية … وصناجة (٤) تجذو (٥) على كلّ منسم (٦)
لعل أمير المؤمنين يسوؤه … تنادمنا (٧) بالجوسق (٨) المتهدم
فبلغ ذلك عمر فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم تَنزِيلُ
стр. 690
الْكِتَبِ مِن اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ (١).
أما بعد، فقد بلغني قولك: لعل أمير المؤمنين يسوؤه تنادمنا في الجوسق المتهدم
وأيم الله لقد ساءني ذلك. وعزله، فلما قدم عليه المدينة، سأله فقال: والله ما كان من هذا شيء، وما كان إلا فضل شعر وجدته، وما شربتها قط.
فقال عمر: أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي على عملاً أبداً (٢).
٢ - حصين بن الحر بن مالك العنبري (٣) ﵁:
كان عاملاً لعمر ﵁ على ميسان (٤)، ولم تذكر متى كانت ولايته.
стр. 691
١٢ - المدائن (١).
١ - سلمان الفارسي ﵁:
استعمله عمر ﵁ على المدائن (٢)، ولم تذكر السنة التي ولي فيها، وكم كانت مدة ولايته عليها.
ولا شك أن ولايته لم تستمر إلى آخر خلافة عمر ﵁، فقد استعمل عمر ﵁ بعده ولاة آخرين سيأتي ذكرهم إن شاء الله.
وكان لسلمان ﵁ دور كبير في فتح المدائن، فقد كان رائد الجيش، وداعية الفرس (٣).
وروي أن سلمان رضي الله
стр. 692
عنه كان يطلب من عمر ﵁ أن يعفيه من الإمارة، فيأبى (١)، ولعل عمر ﵁ أعفاه بعد ذلك، فقد ولي المدائن بعده ولاة آخرون.
٢ - السائب بن الأقرع الثقفي (٢):
استعمله عمر ﵁ على المدائن (٣) ولم أقف على مدة
стр. 693
ولايته ومتى كانت.
٣ - حذيفة بن اليمان (١) ﵁:
استعمله عمر ﵁ على المدائن، واستمر والياً عليها حتى توفي بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁ (٢).
وروي أن عمر لما استعمله كتب له عهداً للرعية وفيه: اسمعوا له وأطيعوا.
فقدم حذيفة المدائن على حمار، وفي يده عرق ورغيف يأكله، فاستقبله الناس، فقرأ عليهم كتاب عمر، فقالوا له: سلنا، فقال: أسألكم طعاماً آكله وعلف حماري هذا، فأقام عندهم ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر أن أقدم، فخرج فلما بلغ عمر قدومه، كمن له في مكان حيث يراه، فلما رآه على الحال التي خرج من عنده عليها، أتاه عمر ﵁، فالتزمه وقال: أنت أخي وأنا أخوك (٣).
كانت لحذيفة ﵁ آثار عظيمة، ومواقع جليلة في
стр. 694
فتوح العراق، فقد كان أميراً على جيش المسلمين في نهاوند (١) بعد مقتل النعمان بن مقرن ﵁، وكان فتح همذان (٢) والري (٣)، والدينور (٤) على يديه (٥).
стр. 695
١٣ - كسكر (١).
وليها النعمان بن مقرن (٢) ﵁، ولكنه اعتذر عن الولاية خوفاً من الافتتان بالدنيا، فكتب إلى عمر ﵁: يا أمير المؤمنين، إن مثلي، ومثل كسكر كمثل رجل شاب عند مومسة تلون له وتعطر، وإني أنشدك بالله لما عزلتني عن كسكر، وبعثتني في جيش من جيوش المسلمين، فكتب إليه عمر: سر إلى الناس بنهاوند، فأنت عليهم، فسار إليهم، فالتقوا، فكان أول قتيل (٣).
ولم أقف على أسماء ولاة كسكر قبل النعمان أو بعده، ولعلها كانت تابعة لولاية البصرة، أو الكوفة أو المدائن لقربها منها.
١٤ - الأهواز (٤).
ليها في عهد عمر ﵁ جزء بن معاوية التميمي (٥)، وهو الذي أمد به عمر ﵁ عتبة بن غزوان (٦) واليه على
стр. 696
البصرة عند قيامه بفتح الأهواز بقيادة حرقوص بن زهير السعدي (١) ﵁.
ولم تذكر مدة ولايته ومتى كانت، والظاهر أن ولايته على الأهواز كانت من قبل ولاة عمر ﵁ على البصرة وذلك لقرب منطقة الأهواز من البصرة، وولاة البصرة هم الذين أوكل إليهم عمر ﵁ قيادة جيوش المسلمين في منطقة الأهواز وما والاها.
١٥ - أصبهان (٢).
السائب بن الأقرع (٣): ولاه عمر ﵁ أصبهان بعد أن فتحها عبد الله بن عتبان (٤)، فأمره عمر ﵁ بالتوجه إلى كرمان (٥)، وأن يستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع، وذلك في سنة إحدى وعشرين من الهجرة (٦).
стр. 697
١٦ - أذربيجان (١).
١ - حذيفة بن اليمان ﵁: ولاه عمر ﵁ أذربيجان بعد فتحها سنة اثنتين وعشرين (٢).
ولم أقف على مدة ولايته على أذربيجان.
وتقدم أن حذيفة كان والياً على المدائن حتى وفاة عمر ﵁ (٣) فلعله وليها بعد عزله عن أذربيجان أو أنه كان والياً أو أميراً على جيش من جيوش المسلمين التي فتحت أذربيجان حيث أنه ذكر فيمن تولى فتح أذربيجان (٤).
ولعل عمر ﵁ ولاه أذربيجان مدة يسيرة إضافة لولايته المدائن ثم أسند ولاية أذربيجان لعتبة بن فرقد الذي كان من قادة
стр. 698
المسلمين في فتح أذربيجان ورد حذيفة لعمله على المدائن. والله أعلم.
٢ - عتبة بن فرقد السلمي (١) ﵁:
ولاه عمر ﵁ أذربيجان بعد عزله حذيفة ﵁ (٢) ولم أقف على تاريخ ولايته لأذربيجان وكم كانت.
له قصة مع عمر ﵁ تدل على ولايته لأذربيجان، قال أبو عثمان النهدي (٣) ﵀: كنت مع عتبة حين افتتح أذربيجان فصنع صفطين (٤) فيهما خبيص، وألبسهما الجلود واللبود (٥)، ثم بعث بهما إلى عمر مع سحيم مولاه، فلما قدم على عمر قال: ما الذي جئت به، أذهب أم ورق؟ وأمر به فكشف عنه، فذاق الخبيص، فقال: إن هذا لطيب لين، أفكل المهاجرين أكل منه شبعه؟ قال: لا، إنما هو شيء خصك به، فكتب إليه عمر: أما بعد، فليس من كدك ولا كد أمك ولا
стр. 699
كد أبيك، لا تأكل إلا ما شبع المسلمون منه في رحالهم (١).
ممم
ثانياً: بلاد الشام.
١ - أبو عبيدة عامر بن الجراح:
كان خالد بن الوليد ﵁ أميراً على جيوش المسلمين التي بعثها أبو بكر الصديق ﵁ في بداية السنة الثالثة عشرة لقتال الروم وهي: جيش يزيد بن أبي سفيان (٢) ووجهته دمشق، وشرحبيل بن حسنة (٣) ووجهته الأردن، وأبو عبيدة بن الجراح ووجهته حمص، وكان أبو بكر ﵁ قد أمره بالقدوم من العراق، فقدم خالد من العراق بتسعة آلاف مقاتل (٤) وأمره على أجناد المسلمين المرابطة ببلاد الشام (٥)، والتي تقدم ذكرها وفتح
стр. 700
خالد ﵁ وهو في طريقه لبلاد الشام قادماً من العراق مدناً هامة منها دومة الجندل (١)، وتدمر (٢)، وبصرى (٣)، وكانت أولى المواقع
стр. 701
الفاصلة التي قادها خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في خلافة أبي بكر ﵁، موقعة أجنادين (١) في شهر جمادى الأولى من السنة الثالثة عشرة للهجرة، والتي هزم فيها الروم هزيمة منكرة، ثم توفي الصديق ﵁، وبعد أن تولى عمر ﵁ الخلافة عزل خالد بن الوليد ﵁ عن قيادة المسلمين ببلاد الشام وولى عليهم أبا عبيدة بن الجراح ﵁ (٢).
وقد بين عمر ﵁ سبب عزله لخالد ﵁ وهو يخطب بالجابية (٣) قال ﵁: وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد إني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطى ذا البأس وذا الشرف فنزعته، وأمرت أبا عبيدة بن الجراح، فقام أبو عمرو
стр. 702
ابن حفص بن المغيرة (١)، فقال: والله ما اعتذرت يا عمر بن الخطاب، لقد نزعت غلاماً استعمله رسول الله ﷺ ، وغمدت سيفاً سله رسول الله ﷺ ، ووضعت لواءً نصبه رسول الله ﷺ ، وقطعت الرحم، وحسدت ابن العم، فقال عمر بن الخطاب: إنك قريب القرابة، حديث السن، مغضب في ابن عمك (٢).
стр. 703
وأما السبب الآخر لعزل عمر ﵁ خالد بن الوليد فهو خشيته ﵁ من افتتان الناس به، وأن النصر على الأعداء مقترن به، فيقل اعتمادهم على الله وتوكلهم عليه واستنزالهم نصره.
قال ﵁: لأنزعن خالد بن الوليد، والمثنى مثنى بني شيبان، حتى يعلما أن الله إنما كان ينصر عباده، وليس إياهما النصر (١).
أما ما روي من أن سبب عزل عمر ﵁ خالد بن الوليد ﵁ هو غضبه عليه بعد قتله مالك بن نويرة وزواجه من امرأته في أحد حروب الردة في خلافة أبي بكر ﵁، فهو خبر
стр. 704
ضعيف سنداً ومتناً وقد تقدم الكلام عليه (١).
وبعد تولية عمر ﵁ لأبي عبيدة ﵁ روى أنه كتب إليه: أوصيك بتقوى الله الذي يبقي ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلاً قبل أن تستريده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك إلقاء المسلمين في التهلكة وقد أبلاك الله بي، وأبلاني بك، فغمض بصرك عن الدنيا، وألن قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم (٢).
وقيل إن أبا عبيدة ﵁ لم يخبر خالداً ﵁ بعزل عمر إياه ومكث عهد عمر ﵁ عنده شهرين (٣).
هذا غير مستبعد على أولئك السلف الصالح الذين كان هدفهم الأول مصلحة المسلمين والحرص على وحدة صفوفهم وكلمتهم فلعل أبا
стр. 705
عبيدة كتم عزل عمر لخالد حرصاً على وحدة صفوف المسلمين، وقوة معنوياتهم وهم يواجهون العدو، وهذا دليل على تواضع أبي عبيدة وعدم حرصه على الزعامة والرئاسة، والله أعلم.
وظل خالد ﵁ جندياً مخلصاً لدينه وربه ولولاة أمره تحت إمرة أبي عبيدة يقاتل في صفوفه الروم حتى لقي وجه ربه صابراً محتسباً في السنة الحادية والعشرين من الهجرة بمدينة حمص. ولما توفي ﵁ اجتمع نسوة في داره بالمدينة يبكينه فمر بهم عمر ﵁، فقال معترفاً بفضل خالد بن الوليد ﵁ وبمنزلته في الإسلام: وما عليهن أن يرقن من أعينهن على أبي سليمان (١).