← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وأما ما ورد من أن عمر ﵁ لم يتخذ قاضياً حتى كانت الفتنة فاتخذ معاوية (١) قاضياً فغير ثابت وما صح من استقضاء عمر رضي الله ليزيد بن أخت النمر مقدم عليه. أما قضاة عمر ﵁ في الأمصار الإسلامية فهم كالآتي: أولاً: الكوفة. ١ - عروة بن عياض بن أبي الجعد (٢) ﵁: ولاه عمر ﵁ قضاء الكوفة، ولم أقف على تحديد الزمان الذي ولي فيه (٣). ٢ - سلمان بن ربيعة الباهلي (٤) ﵁: بعثه عمر ﵁ معاوناً لعروة بن عياض (٥)، ولم تذكر المصادر تحديد زمان ذلك.

стр. 737

٣ - شريح بن الحارث الكندي (١): استعمله عمر ﵁ على قضاء الكوفة بعد عروة بن عياض، وروي أنه رزقه كل شهر مائة درهم وقيل: خمسمائة درهم، واستمر شريح ﵀ على قضاء الكوفة حتى توفي في سنة ثمان وسبعين في إمارة عبد الملك بن مروان وله مائة وثمان سنوات (٢)، وقيل إنه استعفى من القضاء قبل وفاته (٣). ولم أقف على تحديد السنة التي ولي فيها القضاء، وذكر البعض أنه استمر قاضياً على الكوفة ستين سنة (٤)، فتكون بداية توليه القضاء في سنة ثمان عشرة من الهجرة على القول بأنه استمر قاضياً حتى توفي في سنة ثمان وسبعين. وقيل إن سبب استقضائه ﵁ لشريح ﵀، أن عمر ﵁ ساوم رجلاً بفرس، فركبه عمر ﵁، فعطب، فقال للرجل: خذ فرسك، فقال الرجل: لا، فقال عمر ﵁: اجعل بيني وبينك حَكَماً، فقال الرجل: شريح، فتحاكما إليه، فقال

стр. 738

شريح: يا أمير المؤمنين خذ ما ابتعت، أو رد كما أخذت، قال عمر: وهل القضاء إلا على هذا، فصيره إلى الكوفة قاضياً وإنه لأول يوم عرفة (١). ٤ - عبد الله بن مسعود ﵁: روي أن عمر ﵁ استعمله على قضاء الكوفة ولم تثبت الرواية في ذلك (٢)، بل الثابت أن عمر ﵁ بعثه معلماً لأهل الكوفة، ووزيراً لعمار بن ياسر، وقال لأهل الكوفة: وإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي إثرة (٣). ومما روي عن عمر ﵁ ويدل على عدم استقضاء عمر ﵁ لعبد الله بن مسعود ﵁: أنه ﵁ قال

стр. 739

لابن مسعود ﵁: بلغني أنك تقضي ولست بأمير؟ قال: بلى، قال عمر ﵁: فول حارها من تولى قارها (١). ولكن قيام عبد الله بن مسعود ﵁ بالقضاء أحياناً أمر ممكن ولا غضاضة عليه ﵁ في ذلك فهو من كبار صحابة النبي ﷺ وممن شهد لهم النبي ﷺ بسعة العلم، وقد بعثه عمر ﵁ معلماً لأهل الكوفة. ثانيا: البصرة. ١ - أبو مريم إياس بن صبيح الحنفي (٢): وهو أول من استقضى عمر ﵁ بالبصرة (٣)، وروي أن

стр. 740

عتبة بن غزوان (١) ﵁ ولاه القضاء حين كان والياً على البصرة، فلم يزل قاضياً بها حتى تولى المغيرة بن شعبة إمرة البصرة (٢). وروي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن ينظر في قضاء أبي مريم ويتحقق منه، فكتب إليه أبو موسى: إني لا أتهم أبا مريم، فقال عمر ﵁: وأنا لا أتهمه، ولكن إذا رأيت من خصم ظلماً فعاقبه (٣). وربما كان في هذا الأثر إشارة إلى ضعف أبي مريم في القضاء، ولذلك أمر عمر ﵁ أبا موسى الأشعري ﵁ بالنظر في قضائه باعتاره والياً على البصرة.

стр. 741

ومما روي أيضاً وفيه دلالة على ضعف أبي مريم في القضاء: أن عمر ﵁ شكي إليه ضعف أبي مريم فأمر بعزله (١). وروي أن عمر ﵁ قال في أبي مريم: لأنزعن فلاناً عن القضاء، ولأستعملن رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه (٢). وروي أن أبا مريم اختصم إليه رجلان في دينار، فحمل ديناراً، فأعطاه المدعي فقال عمر ﵁: اعتزل قضاءنا (٣). وهذه الآثار تدل مجتمعة على عزل عمر ﵁ لأبي مريم عن القضاء بسبب ضعفه في القضاء.

стр. 742

وقال ابن سعد رحمه الله تعالى: إن أبا مريم تولى القضاء بعد عمران بن حصين (١). ولعل الصواب والله أعلم هو ما تقدم من أن أول من استقضى عمر بالبصرة أبا مريم الحنفي، وأما عمران بن حصين فإن عمر ﵁ بعثه ليفقه أهل البصرة كما قال ابن حجر ﵀: إن الطبراني أخرج ذلك بسند صحيح (٢). ٢ - كعب بن سور الأزدي (٣) ﵀: ولاه عمر ﵁ قضاء البصرة بعد عزله أبي مريم، وظل والياً على قضاء البصرة حتى نهاية خلافة عمر ﵁ (٤).

стр. 743

وروي في سبب تولية عمر لكعب، أن امرأة جاءت إلى عمر ﵁ فقالت: أشكو إليك خير أهل الدنيا إلا رجلاً سبقه بعمل، أو عمل بمثل عمله يقوم الليل حتى يصبح، ويصوم النهار حتى يمسي، ثم تجلاها الحياء، فقالت: أقلني يا أمير المؤمنين، فقال: جزاك الله خيراً، قد أحسنت الثناء، قد أقلتك. فلما ولت، قال كعب بن سور: يا أمير المؤمنين، لقد أبلغت إليك في الشكوى، فقال: ما اشتكت؟ قال: زوجها، قال: عليّ المرأة، فقال لكعب: اقض بينهما، قال: أقضي وأنت شاهد؟! قال: إنك فطنت إلى ما لم أفطن، قال: إن الله يقول ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ (١)، صم ثلاثة أيام، وأفطر عندها يوماً، وقم ثلاث ليال، وبت عندها ليلة، فقال عمر: لهذا أعجب من الأول، فرحل به أو بعثه قاضياً لأهل البصرة (٢).

стр. 744

وممن كان يقضي بالبصرة في خلافة عمر أميرها أبو موسى الأشعري ﵁ وسيأتي إن شاء الله ذكر كتاب عمر ﵁ إليه في كيفة القضاء (١). ٣ - مصر. ١ - قيس بن أبي العاص السهمي (٢) ﵁: وهو أول من استقضى عمر ﵁ بمصر (٣)، ذكر أن عمر ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص أن يوليه قضاء مصر (٤)، ولي القضاء في أول سنة ثلاث وعشرين، واستمر قاضياً حتى توفي في شهر ربيع الأول من تلك السنة (٥).

стр. 745

٢ - كعب بن يسار بن ضبة (١) ﵁: كتب عمر ﵁ إلى عمرو بن العاص أن يولي كعب بن يسار القضاء بمصر بعد وفاة قيس بن أبي العاص، فأقرأ عمرو بن العاص كعباً كتاب أمير المؤمنين، فقال كعب: والله لا ينجيه الله من أمر الجاهلية، وما كان فيها من الهلاك ثم يعود فيها أبداً، فأبى أن يقبل القضاء، فتركه عمرو (٢). ٣ - عثمان بن قيس بن أبي العاص (٣): ولاه عمرو بن العاص القضاء بأمر عمر بن الخطاب ﵁ بعد أن امتنع كعب بن يسار، وظل والياً للقضاء حتى انقضاء خلافة عمر ﵁ (٤).

стр. 746

ثالثا: بلاد الشام. ١ - دمشق: كان القاضي بها في خلافة عمر ﵁ أبو الدرداء (١) ﵁. وكان عمر ﵁ بعثه أيضاً لتفقيه أهل الشام، ونزل دمشق ومات بها (٢).

стр. 747

٢ - حمص وقنسرين (١). ١ - عبادة بن الصامت ﵁: ولى عمر ﵁ قضاءهما عبادة بن الصامت ﵁ (٢) وكان يقوم بتعليم أهل حمص الفقه والدين (٣). ٢ - حابس بن سعيد الطائي (٤) ﵁: روي أن عمر ﵁ ولاه القضاء بحمص، فقال له: إني أريد أن أوليك قضاء حمص، فكيف أنت صانع؟ قال: أجتهد رأيي، وأشاور جلسائي، فقال: انطلق، فلم يمض إلا يسيراً حتى رجع، فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت رؤيا أحببت أن أقصها عليك، قال: هاتها، قال: رأيت كأن الشمس أقبلت من المشرق، ومعها جمع عظيم، وكأن القمر أقبل من المغرب ومعه جمع عظيم.

стр. 748

فقال عمر ﵁: مع أيهما كنت؟ قال: مع القمر، فقال عمر: كنت مع الآية الممحوة، لا والله لا تعمل لي عملاً أبداً ورده (١).

стр. 749

٣ - الأردن: روي أن عمر ﵁ استعمل على قضائها كريب (١) بن سيف الأنصاري. ٤ - البحرين: تقدم أن عمر ﵁ بعث على قضائها أبا هريرة ﵁ ثم عزله وقاسمه ماله، وأسند مهمة القضاء لوالي البحرين عثمان بن أبي العاص ﵁ (٢).

стр. 750

المطلب الثاني: توجيه عمر ﵁ لقضاته وإرشاده لهم في صفة القضاء وآدابه. إن القضاء مهمة عظيمة جليلة، وهي أيضاً مهمة ذات خطورة بالغة ومسؤولية عظيمة أمام الله إذ إن القاضي محكّم في دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، لذلك جاءت نصوص السنة تحث القضاة على العدل في الحكم، وتحذرهم من الجور فيه، قال ﷺ وهو يبين عظم شأن القضاء وخطورة هذا المنصب على من لم يتحر العدل فيه، والبعد عن الظلم: "من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين" (١). وأما عمر ﵁ فإنه ما فتئ يحث قضاته على العدل ويحذرهم من الظلم ومن عواقبه المخزية في الدنيا والآخرة، قال ﵁: ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه، إلا من أم العدل وقضى بالحق، ولم يقض لهوى، ولا لقرابة، ولا لرغبة، ولا لرهبة، وجعل كتاب الله مرآة عينيه (٢).

стр. 751

وقال المسور بن مخرمة (١) ﵁: سمعت عمر وإن إحدى أصابعي في جرحه هذه أو هذه أو هذه، وهو يقول: يا معشر قريش، إني لا أخاف الناس عليكم إنما أخافكم على الناس، إني قد تركت فيكم ثنتين لن تبرحوا بخير مالزمتموهما: العدل في الحكم، والعدل في القسم (٢). وروي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى: إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم، فأكرم من قبلك من وجوه الناس، وبحسب المسلم الضعيف من العدل أن ينصف في الحكم والقسم (٣). وإن من أهم النصوص الواردة عن عمر ﵁ والتي جمعت عدداً كبيراً من الوصايا الهامة في كيفة القضاء وآدابه، هو كتابه ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵁، قال ﵁: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلى إليك فإنه

стр. 752

لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له (١)، وآس بين الاثنين في مجلسك، ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس وضيع وربما قال: ضعيف من عدلك (٢)، الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك، وربما قال: في نفسك، ويشكل عليك ما لم ينزل في الكتاب، ولم تجربه سنة، واعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور بعضها ببعض، فانظر أقربها إلى الله، وأشبهها بالحق فاتبعه، واعمد إليه (٣)، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، راجعت فيه وهديت فيه لرشدك، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً حداً أو مجرباً عليه شهادة

стр. 753

زور، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة (١)، واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أمداً ينتهي إليه أو بينة عادلة، فإنه أثبت للحجة، وأبلغ في العذر، فإن أحضر بينة إلى ذلك الأجل، أخذ بحقه، وإلا وجهت عليه القضاء، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، إن الله ﵎، تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات، وإياك والقلق والضجر، والتأذي بالناس والتنكر للخصم في مجالس القضاء، التي يوجب الله فيها الأجر، ويحسن فيها الذخر، من حسنت نيته، وخلصت فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، والصلح جائز بين المسلمين إلا ما أحل حراماً، أو حرم حلالاً، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك شانه الله، فما ظنك بثواب غير الله في عاجل دنيا، وآجل آخرة والسلام (٢).

стр. 754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 755

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله والتفقه فيه (١). ومن النصوص الهامة أيضاً في هذا الجانب كتابه ﵁ لشريح القاضي في كيفة القضاء، قال ﵁: اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله، فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولم يقض به

стр. 756

الصالحون، فإن شئت، فتقدم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك، والسلام (١). ومما ورد عن عمر ﵁ في حث القضاة على عدم الميل لأحد الخصمين، قوله ﵁: ما أبالي إذا اختصم إلي رجلان لأيهما كان الحق (٢). ومن الآثار المروية عن عمر ﵁ في كيفة القضاء وآدابه ما روي من أن عمر ﵁ كان بينه وبين أبي بن كعب خصومة، فقال عمر ﵁ لأبي بن كعب ﵁ اجعل بيني وبينك رجلاً، فجعلا بينهما زيد بن ثابت ﵁، فأتياه فقال عمر: أتيناك لتحكم بيننا، وفي بيته يؤتى الحكم، فلما دخلوا عليه، أَجلس

стр. 757

زيد عمر معه على صدر فراشه، فقال عمر ﵁: هذا أول جورك، جرت في حكمك، اجلسني وخصمي مجلساً، فقصا عليه القصة، فقال زيد: اليمين على أمير المؤمنين، وإن شئت أعفيته، فأقسم عمر على ذلك، ثم أقسم له لا تدرك باب القضاء حتى لا يكون لي عندك على أحد فضيلة (١). وروي أن عمر ﵁ كان يحكم بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله ﷺ ثم إن وجد لأبي بكر قول وقضاء أخذ به وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم (٢). وقال الشعبي رحمه الله تعالى: من أراد أن يأخذ بالوثيقة من القضاء، فليأخذ بقضاء عمر، فإنه كان يستشير (٣).

стр. 758

وروي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي عبيدة ﵁: إذا حضرك الخصمان فعليك بالبينات العدول، والأيمان القاطعة، ثم أدن الضعيف حتى ينبسط لسانه ويجترئ قلبه، وتعاهد الغريب، فإنه إذا طال حبسه ترك حاجته، وانصرف إلى أهله، وإذا الذي أبطل حقه من لم يرفع به رأساً، واحرص على الصلح ما لم يتبين القضاء (١). وروي عن عمر ﵁ أنه قال: ردوا الخصوم إذا كانت بينهم القرابات فإن فصل القضاء مورث بينهم العداوة (٢). وروي أن عمر ﵁ قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: أرأيت لو كنت القاضي والوالي، ثم أبصرت إنساناً على حد،

стр. 759

أكنت مقيماً عليه؟ قال: لا، حتى يشهد معي غيري، قال: أصبت، ولو قلت غير هذا لم نجز (١). وروي أن عمر ﵁ قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: أرأيت لو رأيتُ رجلاً زنى أو سرق؟ قال: أرى شهادتك شهادة رجل من المسلمين، قال: أصبت (٢). ومما روي عن عمر ﵁ في التحذير من الرشوة وقبول الهدايا في الحكم أن رجلاً كان يهدي لعمر ﵁ كل عام فخذ جزور، فخاصم إليه رجلاً فقال: يا أمير المؤمنين، اقض بيننا قضاءً فصلاً، كما تفصل الرجل من سائر الجزور، فقضى عليه عمر، ثم كتب إلى عماله: إن الهدايا هي الرشا (٣).

стр. 760

وروي أن عمر ﵁ كتب إلى قضاته: اجعلوا الناس عندكم في الحق سواء قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم، وإياكم والرشا، والحكم بالهوى (١). وروي كذلك أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: لا تبيعن ولا تبتاعن، ولا تشارن، ولا تضارن، ولا ترشى في الحكم، ولا تحكم بين اثنين وأنت غضبان (٢).

стр. 761

الفصل الثاني: التنظيمات الإدارية العامة في المجتمع وفيه ستة مباحث المبحث الأول: الاهتمام بالنواحي الدينية الفكرية المبحث الثاني: الاهتمام بالنواحى الأخلاقية المبحث الثالث: الاهتمام بالنواحي الإجتماعية المبحث الرابع: الاهتمام بالحياة المعيشية المبحث الخامس: معاملة العبيد والإماء وأهل الذمة. المبحث السادس: الاهتمام بالنواحي الجهادية والقتالية

стр. 762

المبحث الأول: الاهتمام بالنواحي الدينية الفكرية المطلب الأول: العناية بالكتاب والسنة. المطلب الثاني: العناية بالعقيدة وسلامتها. المطلب الثالث: إقامة شعائر الدين المطلب الرابع: الاهتمام بالعلم والعلماء

стр. 763

المطلب الأول: العناية بالكتاب والسنة. إنّ العناية بالكتاب والسنة مقصد عظيم من مقاصد الدين، فهما مصدر هداية المسلمين وعزتهم في الدنيا والآخرة. وقد عمل النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده وسلف هذه الأمة على العناية بالكتاب والسنة، وحمايتهما من الضياع والتلف والنسيان، ومن التحريف والدس والتزوير. وقد تكفل الله بحفظ كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). وأما السنة فإن النبي ﷺ حث على العناية بها، والحفاظ عليها ورتب على ذلك الثواب العظيم، قال ﷺ : "نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع" (٢). وحذر ﷺ من التهاون بسنته ومن التعرض لها بشيء من التغيير أو التحريف أو الكذب، قال ﷺ : "من كذب علي متعمداً فليتبوء مقعده من النار" (٣). وقال ﷺ : "من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (٤).

стр. 764

وكان عمر ﵁ شديد الحرص على حماية الكتاب والسنة من الضياع أو التحريف أوالتبديل أو الزيادة والنقص. أما عنايته بالقرآن الكريم فقد تمثلت في عدة جوانب هامة هي: أولاً: اهتمامه بجمع القرآن الكريم: فقد أشار على الصديق ﵄ بجمع القرآن بعد مقتل عدد كبير من القراء في موقعة اليمامة وكان له الفضل بعد الله في حفظ القرآن من الضياع والنسيان. وقد كتب القرآن في عهد أبي بكر ﵁ في الصحف وكانت عند أبي بكر الصديق ﵁، وكانت بعد وفاته عند عمر ﵁ ثم كانت عند حفصة بعد وفاة عمر ﵁ (١). وقد رويت بعض الآثار التي فيها إشارة إلى جمع عمر ﵁ القرآن ولو ثبت تلك الآثار لكان المراد بها مشاركته في ذلك في خلافة أبي بكر ﵁ كما قال ابن حجر ﵀ عند تعقيبه على الأثر الذي فيه أن عمر ﵁ سأل عن آية من كتاب الله، فقيل له: كانت مع فلان، قتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله، وأمر بالقرآن فجمع، وكان أول من جمعه في المصحف (٢).

стр. 765

قال ابن حجر: هذا منقطع، فإن كان محفوظاً حمل على أن المراد بقوله: "فكان أول من جمع القرآن" أي أشار بجمعه في خلافة أبي بكر، فنسب الجمع إليه لذلك (١). ومن ذلك ما روي من أن عمر ﵁ لما أراد أن يكتب المصحف أقعد له نفراً من أصحابه، وقال: "إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر (٢)، فإن القرآن نزل على رجل من مضر (٣). وروي أن عمر ﵁ قال: "لا يملي في مصاحفنا إلا

стр. 766

غلمان قريش وثقيف" (١). وروي أن الأنصار جاءت إلى عمر ﵁ فقالوا: نجمع القرآن في مصحف واحد، فقال: "إنكم أقوام في ألسنتكم لحن، وإني أكره أن تحدثوا في القرآن لحناً"، فأبى عليهم (٢). وروي أن عمر ﵁ كان لا يقبل في جمع القرآن من أحد شيئاً من القرآن يأتي به حتى يشهد شاهدان (٣).

стр. 767

وروي أن الحارث بن خزيمة (١) جاء بالآيتين آخر سورة براءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٢) إلى عمر ﵁ فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري والله إلا أني أشهد أني سمعتها من رسول الله ﷺ ووعيتها وحفظتها، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ، ووعيتها، وحفظتها، ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا من القرآن فألحقوها فيها، فألحقتها في آخر براءة (٣).

стр. 768

وروي أن عمر ﵁ خشي الفتنة لما اختلفوا في القراءات فقال: من أعرب الناس؟ فقالوا: سعيد بن العاص (١)، قال: فمن أخطّهم؟ قالوا: زيد بن ثابت، فأمر بمصحف فكتب بإعراب سعيد، وخط زيد، فلما كان عثمان بن عفان وكثر اختلاف الناس أمرهم بقراءة هذا المصحف، وترك ما سواه (٢). وأما ما روي من أن عثمان بن عفان ﵁ جمع القرآن في خلافة عمر ﵁ فغير ثابت (٣). وكذلك ما روي من أن أبا بكر وعمر ﵄ ماتا ولم يُجمع القرآن فغير ثابت أيضاً (٤) فإن جمع أبي بكر ﵁ للقرآن ثابت في الصحيح، إلا أن يكون المراد الجمع الأخير الذي فعله عثمان ﵁ من جمع الناس في جميع الأمصار على مصحف واحد، ومحو

стр. 769

وإحراق ما عداه من المصاحف كما ثبت ذلك في الصحيح (١). ثانياً: تحريه وتشدده في قبول القراءات التي كان الصحابة رضوان الله عليهم يقرؤون بها: فكان ﵁ إذا سمع من أحد من الصحابة ﵃ قراءة تخالف ما سمعه وأخذه عن النبي ﷺ لم يدعه يقرأ بها حتى يتوثق ويتحقق من ثبوتها عن النبي ﷺ . قال ﵁: سمعت هشام بن حكيم بن حزام (٢) يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، وكدت أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه، فجئت به رسول الله ﷺ ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها، فقال لي: "أرسله"، ثم قال له: "اقرأ"، فقرأ، قال: "هكذا أنزلت"، ثم قال لي: "اقرأ": فقرأت، فقال: "هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر" (٣). ووجد عمر ﵁ مصحفاً في حجر غلام له، فيه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ (٤)، فقال:

стр. 770

أحِككها يا غلام، فقال: والله لا أحكها، وهي في مصحف أبي بن كعب، فانطلق عمر إلى أبي بن كعب، فقال كعب: شغلني القرآن وشغلك الصفق بالأسواق (١). وروي أن أبي بن كعب ﵁ كان يقرأ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ﴾ (٢) فبلغ ذلك عمر، فأغلظ له، فقال: إنك لتعلم إني كنت أدخل على رسول الله ﷺ فيعلمني مما علمه الله، فقال عمر: بل أنت رجل عندك علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله ورسوله (٣). وروي أن عمر ﵁ سمع كثير بن الصلت (٤) يقرأ: لو أن

стр. 771

لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. فقال عمر: ما هذا؟ قال في التنزيل، فقال عمر: من يعلم ذاك؟ والله لتأتين بمن يعلم ذاك أو لأفعلن كذا وكذا، قال أبي بن كعب، فانطلق إلى أبي، فقال: ما يقول هذا؟ قال: ما يقول؟ قال: فقرأ عليه، فقال: صدق، قد كان هذا فيما قرأ، قال: أكتبها في المصحف، قال: لا أنهاك، قال: أتركها؟ قال: لا آمرك (١). ثالثاً: كراهيته قراءة القرآن على وجوه غير معروفة: فقد كان ﵁ يكره قراءة القرآن بالقراءات التي لم يألفها الناس، ولم يسمعوها أو قراءة بعض الآيات التي نسخ رسمها وبقي حكمها، وذلك حرصاً منه ﵁ على سلامة عقيدة الرعية في كتاب ربها وقرآنها، وعدم إدخال الشك والريب إلى قلوب العامة، ومن قل حظهم من العلم.

стр. 772

قال ﵁: إلا وإن ناساً يقولون: ما بال الرجم في كتاب الله الجلد، وقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون أو يتكلم متكلمون أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت (١) وقال ابن عباس ﵁: بينما أنا أقرأ آية من كتاب الله وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة، فإذا أنا برجل ينادي من بعدي، أتبع (٢) ابن عباس، فإذا هو أمير المؤمنين عمر، فقلت: أتبعك على أبي بن كعب، فقال: أهو أقرأكها كما سمعتك تقرأ، قلت: نعم، قال: فأرسل معي رسولاً، قال: اذهب معه إلى أبي بن كعب، فانظر أيقرئ أبي كذلك، قال: فانطلقت أنا ورسوله إلى أبي بن كعب، فقلت: يا أبي بن كعب، قرأتُ آيةً من كتاب الله، فنادى من بعدي عمر بن الخطاب، أتبع ابن عباس، فقلت أتبعك على أبي بن كعب، فأرسل معي رسوله، أفأنت أقرأتنيها كما قرأت؟ قال أبي ﵁: نعم، فرجع الرسول إليه، فانطلقت أنا إلى حاجتي، فراح عمر ﵁ إلى أبي، فوجده قد

стр. 773

فرغ من غسل رأسه، ووليدته تدري لحيته (١) بمدراها فقال أبي: مرحباً يا أمير المؤمنين، أزائراً جئت أم طالب حاجة، فقال عمر ﵁: بل طالب حاجة، فجلس ومعه مَوْلَيان له، حتى فرغ من لحيته، وأدرت جانبه الأيمن من لمته، ثم ولاها جانبه الأيسر، حتى فرغ أقبل إلى عمر بوجهه، فقال: ما حاجة أمير المؤمنين؟ فقال عمر: يا أبي، علام تقنط الناس؟ فقال أبي: يا أمير المؤمنين، إني تلقيت القرآن من تلقاء جبريل، وهو رطب، فقال عمر: تالله ما أنت بمنته، وما أنا بصابر، ثلاث مرات، ثم قام فانطلق (٢). وقال عمر ﵁: أبي أقرؤنا، وإنا لندع من لحن (٣) أبي، وأبي يقول: أخذته من في رسول الله ﷺ ، فلا أتركه لشيء، قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤).

стр. 774

وروي أن عمر ﵁ سمع رجلاً يقرأ من سورة يوسف ﴿عَتَا حِينٍ﴾، فقال له عمر ﵁: من أقرأك هكذا؟ قال: ابن مسعود، فكتب إلى ابن مسعود: سلام عليك أما بعد، فإن الله أنزل هذا القرآن بلسان قريش، وجعله بلسان عربي مبين، أقرئ الناس بلغة قريش، لا تقرئهم بلغة هذيل (١) والسلام (٢).

стр. 775

رابعاً: حرصه على سلامة تعلم القرآن وأخذه عن المتقنين لقراءته وترتيله: ومن صور ذلك: ما رواه عبيد (١) بن عمير، قال: اجتمعت جماعة في بعض ماء حول مكّة، قال: حسبت أنّه قال: بأعلى الوادي ههنا، قال: وفي الحجّ فحانت الصّلاة، فتقدم رجل من آل أبي السائب المخزومي أعجمي اللسان، قال: فأخرّه المسور بن مخرمة (٢)، وقدّم غيره، فبلغ عمر بن الخطاب، فلم يعرفه بشيء حتى جاء المدينة، فلما جاء المدينة عرفه بذلك، فقال المسور: أنظرني يا أمير المؤمنين، إن الرجل كان أعجميَّ اللسان، وكان في الحجّ، فخشيت أن يسمع بعض الحاجّ قراءته، فيأخذ بعجمته، قال: أو هناك ذهبت؟ قال: نعم، قال: أصبت (٣).
следующие страницы →