← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. فقال عمر: ما هذا؟ قال في التنزيل، فقال عمر: من يعلم ذاك؟ والله لتأتين بمن يعلم ذاك أو لأفعلن كذا وكذا، قال أبي بن كعب، فانطلق إلى أبي، فقال: ما يقول هذا؟ قال: ما يقول؟ قال: فقرأ عليه، فقال: صدق، قد كان هذا فيما قرأ، قال: أكتبها في المصحف، قال: لا أنهاك، قال: أتركها؟ قال: لا آمرك (١). ثالثاً: كراهيته قراءة القرآن على وجوه غير معروفة: فقد كان ﵁ يكره قراءة القرآن بالقراءات التي لم يألفها الناس، ولم يسمعوها أو قراءة بعض الآيات التي نسخ رسمها وبقي حكمها، وذلك حرصاً منه ﵁ على سلامة عقيدة الرعية في كتاب ربها وقرآنها، وعدم إدخال الشك والريب إلى قلوب العامة، ومن قل حظهم من العلم.

стр. 772

قال ﵁: إلا وإن ناساً يقولون: ما بال الرجم في كتاب الله الجلد، وقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون أو يتكلم متكلمون أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت (١) وقال ابن عباس ﵁: بينما أنا أقرأ آية من كتاب الله وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة، فإذا أنا برجل ينادي من بعدي، أتبع (٢) ابن عباس، فإذا هو أمير المؤمنين عمر، فقلت: أتبعك على أبي بن كعب، فقال: أهو أقرأكها كما سمعتك تقرأ، قلت: نعم، قال: فأرسل معي رسولاً، قال: اذهب معه إلى أبي بن كعب، فانظر أيقرئ أبي كذلك، قال: فانطلقت أنا ورسوله إلى أبي بن كعب، فقلت: يا أبي بن كعب، قرأتُ آيةً من كتاب الله، فنادى من بعدي عمر بن الخطاب، أتبع ابن عباس، فقلت أتبعك على أبي بن كعب، فأرسل معي رسوله، أفأنت أقرأتنيها كما قرأت؟ قال أبي ﵁: نعم، فرجع الرسول إليه، فانطلقت أنا إلى حاجتي، فراح عمر ﵁ إلى أبي، فوجده قد

стр. 773

فرغ من غسل رأسه، ووليدته تدري لحيته (١) بمدراها فقال أبي: مرحباً يا أمير المؤمنين، أزائراً جئت أم طالب حاجة، فقال عمر ﵁: بل طالب حاجة، فجلس ومعه مَوْلَيان له، حتى فرغ من لحيته، وأدرت جانبه الأيمن من لمته، ثم ولاها جانبه الأيسر، حتى فرغ أقبل إلى عمر بوجهه، فقال: ما حاجة أمير المؤمنين؟ فقال عمر: يا أبي، علام تقنط الناس؟ فقال أبي: يا أمير المؤمنين، إني تلقيت القرآن من تلقاء جبريل، وهو رطب، فقال عمر: تالله ما أنت بمنته، وما أنا بصابر، ثلاث مرات، ثم قام فانطلق (٢). وقال عمر ﵁: أبي أقرؤنا، وإنا لندع من لحن (٣) أبي، وأبي يقول: أخذته من في رسول الله ﷺ ، فلا أتركه لشيء، قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤).

стр. 774

وروي أن عمر ﵁ سمع رجلاً يقرأ من سورة يوسف ﴿عَتَا حِينٍ﴾، فقال له عمر ﵁: من أقرأك هكذا؟ قال: ابن مسعود، فكتب إلى ابن مسعود: سلام عليك أما بعد، فإن الله أنزل هذا القرآن بلسان قريش، وجعله بلسان عربي مبين، أقرئ الناس بلغة قريش، لا تقرئهم بلغة هذيل (١) والسلام (٢).

стр. 775

رابعاً: حرصه على سلامة تعلم القرآن وأخذه عن المتقنين لقراءته وترتيله: ومن صور ذلك: ما رواه عبيد (١) بن عمير، قال: اجتمعت جماعة في بعض ماء حول مكّة، قال: حسبت أنّه قال: بأعلى الوادي ههنا، قال: وفي الحجّ فحانت الصّلاة، فتقدم رجل من آل أبي السائب المخزومي أعجمي اللسان، قال: فأخرّه المسور بن مخرمة (٢)، وقدّم غيره، فبلغ عمر بن الخطاب، فلم يعرفه بشيء حتى جاء المدينة، فلما جاء المدينة عرفه بذلك، فقال المسور: أنظرني يا أمير المؤمنين، إن الرجل كان أعجميَّ اللسان، وكان في الحجّ، فخشيت أن يسمع بعض الحاجّ قراءته، فيأخذ بعجمته، قال: أو هناك ذهبت؟ قال: نعم، قال: أصبت (٣).

стр. 776

وقدم قيس بن مروان الجعفي (١) على عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، جئت من الكوفة، وتركت بها رجلاً يملي المصاحف عن

стр. 777

ظهر قلب، فغضب عمر وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل (١)، فقال: ومن هو؟ ويحك: قال: عبد الله بن مسعود، فما زال يطفأ ويسري عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك والله ما أعلمه بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه (٢). وروي أن عمر ﵁ قال: لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة (٣)، ولعل المراد به من كان يقرأ للناس ويعلمهم القرآن لأنه يبعد أن يلزم عمر ﵁ كل قارئ للقرآن أن يكون عالماً باللغة. وأما عناية عمر ﵁ بالسنة فقد تمثلت في عدة أمور هي:

стр. 778

أولاً: الحرص الشديد على التوثق من صحة ما نقل عن النبي ﷺ : فقد كان عمر ﵁ يستوثق أحياناً من صحة ما ينقله صحابة النبي ﷺ عنه، ويطلب منهم أن يأتوا بمن يشهد معهم على صحة ما نقلوه عن النبي ﷺ وذلك مع يقينه ﵁ بعدالتهم وصدقهم، وعدم احتمال صدور الكذب منهم على رسول الله ﷺ ولكن ذلك منه ﵁ زيادة في التحري والتوثق من صحة المنقول وإبعاداً عن احتمال الوهم أو الخطأ أو النسيان أو الغفلة من الناقل. ولعل عمر ﵁ كان يلجأ إلى ذلك إذا بلغه خبر عن النبي ﷺ استغربه أو علم خلافه ومن أمثلة ذلك قصته المعروفة مع أبي موسى الأشعري ﵁، عندما استأذن عليه ثلاثاً فلم يأذن له عمر ﵁، وكان مشغولاً، فرجع أبو موسى، ففزع عمر ﵁، فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس، إئذنوا له، قيل: قد رجع، فدعاه، فقال: كنا نؤمر بذلك، فقال عمر: تأتيني على ذلك بالبينة، فانطلق إلى مجلس الأنصار، فسألهم، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا، أبو سعيد الخدري، فذهب بأبي سعيد الخدري، فقال عمر: أخفي علي من أمر رسول الله ﷺ ؟! ألهاني الصفق بالأسواق (١). واستشار عمر ﵁ أصحابه في إملاص المرأة (٢)، فقال

стр. 779

المغيرة بن شعبة ﵁: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة (١). وقد قبل عمر ﵁ الأخبار التي بلغته عن آحاد الصحابة رضوان الله عليهم ولم يطلب منهم توثيقاً لخبرهم من طرف آخر. فقد خرج ﵁ حاجاً، فاشتدت الريح عليه وعلى أصحابه وهم بالطريق، فقال عمر ﵁: من يحدثنا عن الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئاً، فقال أبو هريرة ﵁: فبلغني الذي سأله عنه عمر ﵁، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الريح من روح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها، فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا من شرها" (٢). فأخذ عمررضي الله عنه بقوله.

стр. 780

ولما خرج ﵁ إلى الشام (١)، وعلم بوقوع الطاعون استشار كبار الصحابة، والمهاجرين والأنصار في الرجوع إلى المدينة أو الدخول إلى بلاد الشام، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁، وكان متغيباً في حاجة له، فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فراراً منه". فحمد الله عمر ﵁، وانصرف راجعاً إلى المدينة (٢). وكان عمر ﵁ يقول: إن المرأة لا ترث من دية زوجها شيئاً حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي (٣) أن النبي ﷺ كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي (٤) من دية زوجها (٥).

стр. 781

وأتى عمر بامرأة تشم، فقام فقال: أنشدكم بالله من سمع من النبي ﷺ في الوشم؟ فقال أبو هريرة ﵁: فقمت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا سمعت، قال: ما سمعت؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تشمن، ولا تستوشمن" (١). ثانياً: النهي عن كثرة التحديث عن رسول الله ﷺ : ومن حرص عمر ﵁ وعنايته بالسنة النبوية، وخشيته أن يدخل فيها ما ليس منها، نهيه عن كثرة التحديث عن رسول الله ﷺ لأن ذلك مظنة وقوع المتحدث في الوهم والخطأ، ومدعاة لعدم التحري والدقة في نقل الأخبار ولقد اتسعت الدولة الإسلامية في خلافة عمر ﵁ وكثر الداخلون في الإسلام، وربما كان الكثير منهم حديثو عهد بكفر ومن غير العرب، فتفضي كثرة تحديثهم بحديث رسول الله ﷺ لوقوعهم في الحيرة والشك، وربما الانحراف عن الصراط المستقيم بسبب سوء الفهم وقلة الفقه (٢). قال معاوية بن أبي سفيان ﵁: إياكم وأحاديث إلا

стр. 782

حديثاً كان في عهد عمر، كان يخيف الناس في الله (١). وقال قرظة بن كعب (٢) ﵁: بعث عمر ﵁ رهطاً من الأنصار إلى الكوفة، فبعثني معهم، فجعل يمشي معنا حتى أتى صرار (٣)، وصرار ماء في طريق المدينة، فجعل ينفض الغبار عن رجليه ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم، فيقولون: قدم أصحاب محمد ﷺ ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، وأنا شريككم (٤). وقال عمر لأبي هريرة ﵄، وكان من المكثرين من رواية الحديث: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض

стр. 783

دوس (١)، وقال لكعب (٢): لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة (٣). ومراد عمر بذلك - والله أعلم - نَهْي أبي هريرة ﵁ من التحديث أو الإكثار منه بين عامة الناس، فإن فيهم العالم والجاهل وسيء الفهم والزائغ عن الحق فيفضي ذلك إلى مساوئ كثيرة، وإلاّ فإنه ﵁ لم يمنع أبا هريرة من التحديث بين أهل العلم ومن يعي حديث رسول الله ﷺ . ولذلك كان يحدث عن رسول الله ﷺ وكان عمر ﵁ يقبل منه ما يحدث به كما تقدم، ولم يثبت عن أبي هريرة ﵁ قوله لما حدث بأحاديث بعد وفاة عمر ﵁: أفإن كنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي، أما والله إذاً لألفيت المخفقة ستباشر ظهري (٤).

стр. 784

وقال سلمان الفارسي ﵁: إن حذيفة (١) كان يحدث بأشياء كان يقولها رسول الله ﷺ في غضبه لأقوام، فأؤتى فأسأل عنها فأقول: حذيفة أعلم بما يقول، وأكره أن تكون ضغائن بين أقوام، فأُتى حذيفة فقيل له: إن سلمان لا يصدقك ولا يكذبك بما تقول، فجاءني حذيفة، فقال: يا سلمان بن أبي سلمان، فقلت: يا حذيفة ابن أم حذيفة، لتنتهين أو لأكتبَنّ فيك إلى عمر، فلما خوفته بعمر تركني، وقد قال رسول الله ﷺ : "من ولد آدم أنا، فأيما عبد من أمتي لعنته لعنة أو سببته سبة في غير كنهه (٢)، فاجعلها عليه صلاة" (٣). وجاء في رواية أن عمر ﵁ قال لابن مسعود وأبي الدرداء وأبي ذر ﵃: ما هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ؟! ثم

стр. 785

لم يدعهم يخرجون من المدينة حتى مات (١). وفي آخره عند البلاذري زيادة "سوى ابن مسعود". ولكن حبس عمر ﵁ لأبي الدرداء، وأبي ذر أمر مستبعد، فإن صحابة النبي ﷺ كان فيهم من المكثرين للحديث كأبي هريرة الذي أنكر عليه عمر ﵁ كثرة تحديثه عن النبي ﷺ وابن عباس، وجابر بن عبد الله ﵃، ولم يؤثر عن عمر ﵁ حبسه لهم، ثم إن أبا ذر، وأبا الدرداء، لم ينقل عنهم كثرة الحديث عن رسول الله ﷺ (٢)، إضافة إلى أن المؤرخين وأهل التراجم ذكروا أن

стр. 786

عمر ﵁ بعث أبا الدرداء قاضياً ومفقهاً لأهل دمشق، كما تقدم ذلك (١). وكذلك فإنّ عبد الله بن مسعود ﵁ بعثه عمر ﵁ معلّماً لأهل الكوفة ومفقّهاً كما ثبت بذلك الأثر (٢). فهذا يضعف ما في هذا الحديث من حبس عمر ﵁ للمذكورين في الأثر. ثالثاً: همه ﵁ بكتابة السنة صيانة لها من الضياع، ثم تركه ذلك خشية من الانشغال بها عن القرآن. فقد أراد عمر ﵁ كتابة السنة وجمع نصوصها في كتاب مكتوب حفاظاً لها من الضياع ولكنه ﵁ خشي أن ينشغل الناس بذلك عن دراسة القرآن والعناية به حيث لا زال تدوين القرآن غضاً طرياً، وهو بحاجة إلى مزيد من العناية والاهتمام، ولا زال الناس في حاجة لمدراسة كتاب الله وحفظه في الصدور، ولم تكن هناك خشية من ضياع السنة وكبار صحابة النبي ﷺ الذين تلقوا عنه أقواله وأفعاله وعاصروا حياته ﷺ متوافرون في كل بلد ومصر من أمصار المسلمين، يقومون بالجهاد في سبيل الله والدعوة إلى دينه، ويجلسون للناس في حلقات الدرس والعلم، لذلك أمر عمر ﵁ بمحو ما

стр. 787

كتب من سنة رسول الله ﷺ (١).

стр. 788

المطلب الثاني: العناية بالعقيدة وسلامتها. لقد حرص عمر ﵁ غاية الحرص على سلامة عقيدة رعيته وإيمانهم ويقينهم بالله وتصديقهم لما جاء به النبي ﷺ من الشرع والدين وقد عمل ﵁ على تحقيق ذلك بما يلي: أولاً: التحذير من الإشراك بالله وسده الذرائع الموصلة إليه: فمن تحذيره ﵁ عن الإشراك بالله واعتقاد النفع والضر في غيره وحثه على إخلاص العبادة لله قوله ﵁، وهو يطوف بالكعبة وقد قبل الحجر الأسود: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك (١). وذلك ليعلم ﵁ من حوله من الناس هذا المبدأ العظيم، وهو أن النافع والضار هو الله ، وأن من سواه لا يملك نفعاً ولا ضراً، وإن بلغ ما بلغ من المكانة العظيمة عند الله وعند خلقه. ومن سده ﵁ لذرائع الشرك أنه رأى أنس بن مالك ﵁ يصلي، وأمامه قبر، فقال ﵁ له وهو يصلي: القبر القبر (٢). وذلك لكي يتجنب الصلاة وراء هذا القبر فقد يراه من يمر

стр. 789

به من عامة الناس ويظن جواز فعل ذلك أو مشروعيته لفعل هذا الصحابي الجليل لذلك. ولما ذهب ﵁ إلى الشام، صنع له رجل من عظماء النصارى طعاماً ودعاه إليه، فقال عمر ﵁: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها، يعني التماثيل (١). ومن حرص عمر ﵁ على سلامة عقيدة رعيته في أفعالهم وأقوالهم وجميع أحوالهم، ما رواه عبد الله بن الزبير ﵁ قال: كان عمر بالمخمص (٢) فاستبق الناس، فسبقهم عمر فقال عبد الله: فانتهزت، فسبقته فقلت سبقته والكعبة، ثم انتهز فسبقني فقال: سبقته والله، ثم انتهزت فسبقته فقلت: سبقته والكعبة، ثم انتهز الثالثة فسبقني فقال: سبقته والله، ثم أناخ فقال: أرأيت حلفك بالكعبة، والله لو أعلم

стр. 790

أنك فكرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك، احلف بالله فآثم أو ابرر (١). روي أنه ﵁ سمع رجلاً يحلف بالكعبة فضربه ثم قال: الكعبة تطعمك، الكعبة تسقيك؟! (٢). وروي عن خناس بن سحيم، قال: أقلبت مع زياد (٣) بن حُدَير فقلت في كلامي: لا والأمانة. فجعل زياد يبكي فظننت أني أتيت أمراً عظيماً، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم. كان عمر ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي (٤).

стр. 791

ومن سد عمر ﵁ لذرائع الشرك والاعتماد على غير الله في جلب النفع ودفع الضر، محاربته ﵁ للسحرة والمشعوذين الذين يصرفون الناس عن تعلقهم بربهم، وسؤاله، وتوكلهم عليه، إلى الاعتماد على الجن وسؤالهم، ويسعون في إفساد عقائد المسلمين وعقولهم، وأكل أموالهم بالباطل، فكانت عقوبته ﵁ لهؤلاء المفسدين صارمة وقاطعة لدابرهم، فقد كتب ﵁ قبل موته بسنة إلى عماله والقائمين بأمره: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة (١). وروي أنه ﵁ أخذ ساحراً فدفنه إلى صدره ثم تركه حتى مات (٢).

стр. 792

ومما روي عن عمر ﵁ في تحذيره من الشرك وصرفه الناس عنه، أنه ﵁ بلغه أن الشجرة التي بويع عندها النبي ﷺ يأتيها الناس، أي بقصد التبرك، فأمر بها عمر فقطعت (١). وروي أن المعرور بن سويد (٢) رحمه الله تعالى قال: خرجنا حجاجاً مع عمر بن الخطاب، فعرض لنا في بعض الطريق مسجد، فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر ﵁: ما شأنهم؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعاً، فمن عرض له فيه صلاة فليصل، ومن لم يعرض له فيه صلاة فليمض (٣). وهذا الأثر والذي قبله فيهما دلالة على كراهية عمر ﵁ إتيان المواضع التي أثر عن النبي ﷺ الصلاة أو الجلوس، فيها والتي لم

стр. 793

يأمرنا النبي ﷺ بإتيانها، لأن ذلك قد يفضي إلى الغلو فيها والتبرك بها، واعتقاد النفع والضر بها. ثانياً: الحث على العمل بالسنة، ومجانبة الابتداع: فقد عمل عمر ﵁ على إلزام رعيته الاقتداء بالنبي ﷺ ، وترك الابتداع والإحداث في الدين. كتب عامل لعمر ﵁: إن ها هنا قوماً يجتمعون، فيدعون للمسلمين وللأمير. فكتب إليه عمر ﵁: أقبل بهم معك، فأقبل، وقال عمر ﵁ للبواب: أعد سوطاً، فلما دخلوا على عمر ﵁، علا أميرهم ضرباً بالسوط (١). وجاء عنه ﵁ أنه كان في نَعم من نَعم الصدقة، فمر به رجلان، فقال: من أين جئتما؟ قالا: من بيت المقدس، فعلاهما بالدرة، وقال: حج كحج البيت؟! قالا: يا أمير المؤمنين، إنا جئنا من أرض كذا وكذا، فمررنا به، فصلينا فيه، فقال: كذلك إذاً، فتركهما (٢).

стр. 794

وروي أن عمر ﵁ كان يضرب الرجبيين، الذين يصومون شهر رجب كله (١). ثالثاً: الحث على الاتباع وترك السؤال عن المشتبهات والخوض فيها: قال عمر ﵁ وهو يوضح ذلك لرعيته: فما لنا وللرمل (٢) إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال ﵁: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه (٣). وقرأ ﵁ وهو بين أصحابه قوله تعالى ﴿وَفَكِهَةً وَأَبًّا﴾ (٤) فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، وما عليك ألا

стр. 795

تدري ما الأب (١). وقال عمر ﵁: اقرأوا القرآن ما اتفقتم عليه، فإذا اختلفتم فقوموا (٢). وقال ﵁: يهدم الإسلام ثلاث، زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون (٣).

стр. 796

وقال ﵁: ثلاثة أشياء وددت أيها الناس أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيها، الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا (١). وذلك لكراهيته ﵁ الخلاف الذي وقع في هذه المسائل، وما ينشأ عن ذلك من فرقة واختلاف. ومما ثبت عن عمر ﵁ في حث رعيته على اتباع السنة وترك الخوض في المشتبهات موقفه ﵁ من صبيغ التميمي (٢)، فعن السائب (٣) بن يزيد ﵁ أنه قال: أتى عمر بن الخطاب، فقيل: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن، فقال عمر: اللهم مكّني

стр. 797

منه. قال: فبينما عمر ذات يوم جالساً يغدي الناس إذ جاء عليه ثوب وعمامة فتغدى حتى أفرغ. قال: يا أمير المؤمنين: ﴿وَالذَّارِيتِ ذَرْوًا فَالْحَمِلتِ وِقْرًا﴾ (١). فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته. فقال: والذي نفسي بيده لو وجدتك محلوقاً (٢) لضربت رأسك. ألبسوه ثياباً واحملوه على قَتَب (٣) ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده، ثم ليقم خطيباً ثم يقول إن صبيغاً ابتغى العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعاً في قومه حتى هلك وكان سيد قومه (٤).

стр. 798

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 799

ومما روي عنه في ذلك قوله ﵁: دعوا الربا والريبة (١). وروي أن عمر ﵁ قال: سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله (٢).

стр. 800

رابعاً: تحذيره من التنطع والتعمق في الدين: فقد كان عمر ﵁ حريصاً على ابعاد الرعية عن التنطع في الدين والتشدد فيه والذي يفضي إلى الخروج عن الحق إلى الباطل بالزيادة في الدين والغلو فيه وترك ما جاء به الدين من الوسطية في العقائد والعبادات والمعاملات. قال ابن مسعود ﵁: ما رأيت أحداً كان أشد خوفاً على المتنطعين من رسول الله ﷺ ، ولا بعد رسول الله ﷺ كان أشد خوفاً من أبي بكر، وإني لأرى عمر بن الخطاب كان أشد خوفاً عليهم ولهم (١).

стр. 801

خامساً: النهي عن مشابهة الكفار وموادتهم: فإن مخالطة أهل الشرك وموادتهم مدعاة للتأثر بهم في عادتهم، وعقائدهم. قدم الحارث بن معاوية (١) على عمر ﵁ فقال له: كيف تركت أهل الشام؟ فأخبره عن حالهم، فحمد الله ثم قال: لعلكم تجالسون أهل الشرك؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين، قال عمر: إنكم إن جالستموهم أكلتم وشربتم معهم، ولن تزالوا بخير ما لم تفعلوا ذلك (٢). ولما قدم عمر ﵁ الشام أتى ببرذون فركبه، فهزه فكرهه، فنزل عنه وركب بعيره، فعرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع موقيه، فأخذهما بيده وخاض الماء، وهو ممسك بعيره بخطامه، أو قال: بزمامه، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: لقد صنعت اليوم صنيعاً

стр. 802

عظيماً عند أهل الأرض، فصك في صدره، ثم قال: أوه يمد بها صوته لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأقل الناس، وأحقر الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله (١). ومما روي عن عمر ﵁ في ذلك أنه قال: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم (٢). وروي أنه قال: لا يجاورنكم خنزير، ولا يرفع فيكم صليب، ولا تأكلوا على مائدة يشرب عليها الخمر (٣).

стр. 803

وصح أن أبا موسى الأشعري ﵁ اتخذ كاتباً نصرانياً، فانتهره عمر، وقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١).

стр. 804

وروي أن عمر ﵁ قال لكعب الأحبار (١) لما دخل بيت المقدس: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ ، فتقدم إلى القبلة، فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة (٢). ومما روي عن عمر ﵁ النهي عن قراءة كتب أهل الكتاب خشية التأثر بهم. أن عمر ﵁ أتي برجل من عبد القيس (٣)، مسكنه بالسوس (٤)، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان

стр. 805

العبدي، قال: نعم، فضربه بعصاً معه، فقال الرجل: مالي يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: اجلس، فجلس، فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الر تِلْكَ ءَايتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءانَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَفِلِينَ﴾ (١)، فقرأها عليه ثلاثاً، وضربه ثلاثاً، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين. فقال: لأنت الذي نسخت كتاب دانيال. فقال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه أنت، ولا تقريه أحداً من المسلمين، فلأن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من المسلمين لأهلكنك عقوبة (٢). وروي أن رجلين تحابا في الله بحمص في خلافة عمر، وكانا قد

стр. 806

اكتتبا من اليهود ملء صفنين (١)، فأخذاهما معهما يستفتيان فيهما أمير المؤمنين فقالا: يا أمير المؤمنين: إنا بأرض أهل الكتابين، وإنا نسمع منهم كلاماً تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منهم أم نترك؟ قال: لعلكما اكتتبتما منه شيئاً؟ فقالا: لا … (٢)، فلو أعلم أنكما اكتتبتما منهم شيئاً جعلتكما نكالاً لهذه الأمة، قالا والله لا نكتب منهم شيئاً أبداً، فخرجا بصفنيهما، فحفرا لهما من الأرض، فلم يألوا أن يعمقا ويدفنا، فكان آخر العهد منهما (٣). خامساً: الحثّ على إخلاص العمل لله والحذر من الرياء الذي هو الشرك الأصغر الذي يبطل به العمل.

стр. 807

قال عمر ﵁: "أيّها الناس قد أتى عليّ زمان وأنا أرى من قرأ القرآن يريد الله وما عنده، فيخيل ليّ أن أقواماً قرأوه يريدون به الناس ويريدون به الدنيا، ألا فأريدوا الله بأعمالكم" (١). وروي أنه ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: "من خلصت نيّته كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بغير ما يعلم الله من قلبه شانه الله فما ظنّك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام" (٢). سادساً: توضيحه لحقيقة الإيمان بالقضاء والقدر وتعنيفه لمن خاض فيه وذلك لأهمية هذا الركن العظيم من أركان الإيمان، وكثرة الهالكين فيه.

стр. 808

فقد بيّن عمر ﵁ لأبي عبيدة عامر بن الجراح ﵁ حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر، وأوضح له ما أشكل عليه منه، فلما قدم عمر ﵁ الشام في العام الثامن عشر من الهجرة، الذي انتشر فيه وباء الطاعون، وعلم ﵁ بوقوعه استشار ﵁ الصحابة في دخول الشام أو الرجوع إلى المدينة، ثم شرح الله صدره للعودة إلى المدينة. فقال له أبو عبيدة ﵁ أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر ﵁: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله. أريت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان (١) إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله … " الأثر (٢). ومما جاء عنه ﵁ في توضيحه وتقريره للإيمان بالقضاء والقدر ما ثبت عنه أنه لما قدم الشام لعقد صلح بيت المقدس خطب بالجابية (٣) فتشهد ثم قال: "من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له". فقال الجاثليق (٤): لا. فقال عمر: "ما قال؟ " فقالوا ما قال. فأعاد: "من

стр. 809

يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له" فقال الجاثليق بقميصه هكذا (ونفض إسماعيل ثوبه) وأخذه من صدره فنفضه وقال: إن الله لا يضل أحداً. فقال: "ما يقول؟ " فقالوا له ما قال: فقال: "كذبت عدو الله. خلقك والله، وأضلك ثم يميتك فيدخلك النار إن شاء الله، والله والله لولا وَلْث (١) عقد لك لضربت عنقك، ثم قال: إن الله خلق آدم فنثر ذريته في يديه، ثم كتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون، ثم قال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه". فقال فتصدع الناس وما يُتنازع في القدر (٢).

стр. 810

ومما روي عن عمر ﵁ في التشديد في القدر: أنه قيل له: إن ناساً يتكلمون في القدر، فقام خطيباً فقال: "أيّها الناس، إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفس عمر بيده لأسمع برجلين تكلما فيه إلا ضربت أعناقهما" (١).
следующие страницы →