← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

اكتتبا من اليهود ملء صفنين (١)، فأخذاهما معهما يستفتيان فيهما أمير المؤمنين فقالا: يا أمير المؤمنين: إنا بأرض أهل الكتابين، وإنا نسمع منهم كلاماً تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منهم أم نترك؟ قال: لعلكما اكتتبتما منه شيئاً؟ فقالا: لا … (٢)، فلو أعلم أنكما اكتتبتما منهم شيئاً جعلتكما نكالاً لهذه الأمة، قالا والله لا نكتب منهم شيئاً أبداً، فخرجا بصفنيهما، فحفرا لهما من الأرض، فلم يألوا أن يعمقا ويدفنا، فكان آخر العهد منهما (٣). خامساً: الحثّ على إخلاص العمل لله والحذر من الرياء الذي هو الشرك الأصغر الذي يبطل به العمل.

стр. 807

قال عمر ﵁: "أيّها الناس قد أتى عليّ زمان وأنا أرى من قرأ القرآن يريد الله وما عنده، فيخيل ليّ أن أقواماً قرأوه يريدون به الناس ويريدون به الدنيا، ألا فأريدوا الله بأعمالكم" (١). وروي أنه ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: "من خلصت نيّته كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بغير ما يعلم الله من قلبه شانه الله فما ظنّك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام" (٢). سادساً: توضيحه لحقيقة الإيمان بالقضاء والقدر وتعنيفه لمن خاض فيه وذلك لأهمية هذا الركن العظيم من أركان الإيمان، وكثرة الهالكين فيه.

стр. 808

فقد بيّن عمر ﵁ لأبي عبيدة عامر بن الجراح ﵁ حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر، وأوضح له ما أشكل عليه منه، فلما قدم عمر ﵁ الشام في العام الثامن عشر من الهجرة، الذي انتشر فيه وباء الطاعون، وعلم ﵁ بوقوعه استشار ﵁ الصحابة في دخول الشام أو الرجوع إلى المدينة، ثم شرح الله صدره للعودة إلى المدينة. فقال له أبو عبيدة ﵁ أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر ﵁: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله. أريت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان (١) إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله … " الأثر (٢). ومما جاء عنه ﵁ في توضيحه وتقريره للإيمان بالقضاء والقدر ما ثبت عنه أنه لما قدم الشام لعقد صلح بيت المقدس خطب بالجابية (٣) فتشهد ثم قال: "من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له". فقال الجاثليق (٤): لا. فقال عمر: "ما قال؟ " فقالوا ما قال. فأعاد: "من

стр. 809

يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له" فقال الجاثليق بقميصه هكذا (ونفض إسماعيل ثوبه) وأخذه من صدره فنفضه وقال: إن الله لا يضل أحداً. فقال: "ما يقول؟ " فقالوا له ما قال: فقال: "كذبت عدو الله. خلقك والله، وأضلك ثم يميتك فيدخلك النار إن شاء الله، والله والله لولا وَلْث (١) عقد لك لضربت عنقك، ثم قال: إن الله خلق آدم فنثر ذريته في يديه، ثم كتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون، ثم قال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه". فقال فتصدع الناس وما يُتنازع في القدر (٢).

стр. 810

ومما روي عن عمر ﵁ في التشديد في القدر: أنه قيل له: إن ناساً يتكلمون في القدر، فقام خطيباً فقال: "أيّها الناس، إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفس عمر بيده لأسمع برجلين تكلما فيه إلا ضربت أعناقهما" (١).

стр. 811

وهذا الأثر فيه ضعف ويشهد له الأثر قبله في قول عمر للجاثليق: "ولولا ولث عقد لك لضربت عنقك". وهذا الأثر ليس فيه دلالة على ظهور بدعة القدر من القول بالجبر أو من نفي القدر وأن الأمر أنف في عهد عمر ﵁ وإنما كانت هذه أحداث فردية لأن أوّل من أحدث بدعة نفي القدر والكلام فيه معبد الجهني في أواخر عهد الصحابة بالبصرة. فأنكر كلامه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄، وبين أنهم لا ينفعهم إيمانهم إن لم يؤمنوا بالقدر، لأنه ركن من أركان الإيمان (١). ومما روي عنه ﵁ في معاقبة من احتجّ بالقدر: أنه أتى بسارق فقطع يده، وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: القدر. فضربه أربعين سوطاً، ثم قال: "قطعت يدك لسرقتك، وضربتك لفريتك على الله" (٢).

стр. 812

المطلب الثالث: إقامة شعائر الدين: لقد كان عمر ﵁ شديد الحرص على إقامة رعيته لشعائر الدين وأركان الإسلام، وتطبيقها كما جاءت بها السنة النبوية الصحيحة من غير زيادة ولا نقص. وسوف أتكلم إن شاء الله على ما فعله عمر ﵁ وأمر به في سبيل إقامة هذه الشعائر وأدائها وهي الصلاة والصيام والحج والعمرة (١). المسألة الأولى: الاهتمام بالصلاة وأدائها. لقد جاءت نصوص الكتاب والسنة دالة على عظم منزلة الصلاة في الإسلام وعلو منزلتها من الدين، وقد عرف السلف رضوان الله عليهم لهذه الفريضة العظيمة الجليلة مكانتها، وقد أولى عمر بن الخطاب ﵁ هذه الفريضة اهتماماً عظيماً من حيث التهيؤ لها وأداؤها في أوقاتها، ومن حيث الاهتمام بأماكن أدائها وهي المساجد والاهتمام أيضاً بالأئمة والمؤذنين. وقد بين عمر ﵁ عظم مكانة الصلاة في الإسلام، فقال ﵁: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة" (٢).

стр. 813

وكتب عمر ﵁ إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، من حفظها أو حافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع (١). وروي عن عمر ﵁ أنه قال: عرى الإيمان أربع: الصلاة والزكاة والجهاد والأمانة (٢). وقد تمثل اهتمام عمر ﵁ بالصلاة في عدة أمور هي: ١ - الاهتمام بالمساجد: فإن المساجد بيوت الله التي تقام فيها الصلاة، ولا شك أن العناية

стр. 814

بها فيها إعانة على إقامة الصلاة بسكون وطمأنينة، وحضور للقلب، وقد اعتنى عمر ﵁ بالمساجد وعرف لها فضلها وحرمتها، وإن من أولى المساجد بالعناية والاهتمام مسجد النبي ﷺ فقد اهتم به عمر ﵁ وتمثل ذلك في زيادة مساحته بعد أن ضاق بالمسلمين، فقد كان مسجد النبي ﷺ مبنياً باللبن وسقفه من الجريد، وعمده من خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر ﵁، وبناه على بنايته في عهد النبي ﷺ باللبن والجريد، وعمده من الخشب (١)، ونهى ﵁ أن يزخرف بحمرة أو صفرة لئلا يفتن الناس في صلاتهم (٢). وروي أن عمر ﵁ كان يجمر المسجد النبوي كل جمعة، ويطيبه بالبخور (٣).

стр. 815

ولا شك أن تنظيف المساجد وتطهيرها وتطييبها أمر حث عليه الشارع وعمر ﵁ أولى الناس بفعل ذلك. ومن قيام عمر ﵁ بحرمة المساجد ومعرفته لفضلها وخاصة مسجد النبي ﷺ ، زجره وتوبيخه لمن رفع صوته في المسجد. قال السائب بن يزيد (١) ﵁: كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟! (٢) وكان ﵁ يأمر باجتناب اللغو من الحديث والكلام الذي لا فائدة فيه في المسجد، فكان ﵁ إذا مر بنادٍ، وجماعة من الناس في المسجد قال: إياكم واللغط (٣).

стр. 816

ومر عمر ﵁ بحسان بن ثابت (١) ﵁ وهو ينشد في المسجد، فلحظه، فقال حسان: والله لقد أنشدت فيه، وفيه من هو خير منك، فخشي عمر ﵁ أن يرميه برسول الله ﷺ فأجاز وتركه (٢). وروي أن عمر ﵁ بنى مكاناً خارج مسجد النبي ﷺ لينشد فيه الشعر، وعرف بالرحبة أو البطيحاء (٣).

стр. 817

وروي أن عمر ﵁ سمع ناساً من التجار يذكرون تجارتهم، والدنيا في المسجد، فقال: إنما بنيت هذه المساجد لذكر الله، فإذا ذكرتم تجارتكم ودنياكم فاخرجوا إلى البقيع (١). ٢ - الاهتمام بالمؤذنين والأئمة: ومن اهتمام عمر ﵁ بالصلاة، اهتمامه بالأذان والمؤذنين إذ أن المؤذن هو الذي يعلم الناس بدخول وقت الصلاة، ويأتمنه الناس على ذلك، وقد بين عمر ﵁ مكانة المؤذن، وعظم مهمته التي يقوم بها بقوله: لوكنت أطيق الأذان مع الخليفىأي الخلافة لأذنت (٢).

стр. 818

وفي رواية أنه قال: لولا أني أخاف أن يكون سنة، ما تركت الأذان (١). وقال عمر ﵁ لقوم: من مؤذنوكم؟ قالوا: عبيدنا، وموالينا، فقال عمر: إن ذلك لنقص بكم كبيراً أو كثيراً (٢). وكان عمر ﵁ يوجه المؤذنين ويرشدهم، ومن ذلك: إرشاده لأبي محذورة المؤذن (٣) ﵁ أن يرفق بنفسه. قدم عمر ﵁ مكة، فأذن أبو محذورة ثم أتى عمر ﵁ فسلم عليه، فقال له عمر: ما أندى صوتك، أما تخشى أن ينشق مريطاك (٤).

стр. 819

واهتم عمر ﵁ بالأئمة وبحسن أدائهم للصلاة بأركانها وواجباتها وإن مما يدل على اهتمام عمر ﵁ البالغ بالإمام وحسن صلاته بالناس وإعطائه الصلاة حقها من القراءة والقيام والركوع والسجود والجلوس عزله ﵁ سعد (١) بن أبي وقاص رضي الله

стр. 820

عنه عن ولاية الكوفة بعد أن شكاه أهلها أنه لا يحسن يصلي بهم، حتى قدم سعد ﵁ على عمر بالمدينة، وبين له كيفة صلاته بهم وأنه كان يصلي بهم صلاة النبي ﷺ لا يخرم عنها، فقال عمر: ذاك الظن بك أبا إسحاق (١). ومن الآثار الدالة على اهتمام عمر ﵁ بأداء الإمام وحسن قراءته للقرآن، أن جماعة اجتمعت في ماء قريب من مكة بأعلاها في الحج، فحانت الصلاة، فتقدم رجل من آل أبي السائب المخزومي، أعجمي اللسان فأخره المسور بن مخرمة، وقدم غيره، فبلغ عمر بن الخطاب، فلم يعرفه بشيء حتى جاء المدينة، فعرفه بذلك، فقال المسور: أنظرني يا أمير المؤمنين، إن الرجل كان أعجمي اللسان، وكان في الحج، فخشيت أن يسمع بعض الحاج قراءته فيأخذ بعجمته، قال: أوهناك ذهبت؟ قال: نعم، قال: أصبت (٢). ٣ - الاهتمام بالصلاة بأدائها في أوقاتها، وعدم التشاغل عنها: كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁ يعلمه بأوقات الصلاة، ويحذر من تأخير الصلاة عن وقتها والتشاغل عنها: صلِ الظهر إذا زالت الشمس إلى أن يكون ظل كل شيء مثله، والعصر

стр. 821

والشمس بيضاء نقية، قبل أن تدخلها صفرة، وفي رواية: قدر ما يسير الراكب فرسخين (١) أو ثلاثة، والمغرب حين تغرب الشمس، ويدخل الليل، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، وصلِ الصبح والنجوم بادية مشتبكة، واقرأ فيه سورتين طويلتين من المفصل (٢). وكتب ﵁: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، وكان عمر يضرب عليهما الرجال (٣). ومما جاء عن عمر ﵁ في بيان فضل أداء الصلاة في وقتها، وشهودها في جماعة المسلمين أنه ﵁ فقد سليمان بن

стр. 822

أبي حثمة (١) في صلاة الصبح فغدا إلى السوق، ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمر على الشفاء أم سليمان، فقال: لم أر سليمان في الصبح؟ فقالت: إنه بات يصلي، فغلبته عيناه، فقال عمر: "لأن أشهد صلاة الصبح أحب إلي من أن أقوم ليلة" (٢). وروي أن عمر ﵁ فقد رجلاً في صلاة الصبح، فأرسل إليه، فجاء فقال: أين كنت؟ فقال: كنت مريضاً، ولولا أن رسولك أتاني لما خرجت، فقال عمر: فإن كنت خارجاً إلى أحد فاخرج للصلاة (٣). وروي أن عمر ﵁ خرج إلى الصلاة، فاستقبل الناس، فأمر المؤذن فأقام وقال: لا ننتظر لصلاتنا أحداً، فلما قضى صلاته أقبل على الناس، ثم قال: ما بال أقوام يتخلف بتخلفهم آخرون، والله لقد

стр. 823

هممت أن أرسل إليهم، فيجاء في أعناقهم، ثم يقال: اشهدوا الصلاة (١). وروي أن عمر ﵁ جاء إلى سعيد بن يربوع (٢) بمنزله، فعزاه بذهاب بصره، وقال: لا تدع الجمعة ولا الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، قال: ليس لي قائد، قال عمر: فنحن نبعث إليك بقائد، فبعث إليه غلاماً من السبي (٣). وهذه الآثار دالة على حث عمر ﵁ رعيته على أداء الصلوات في أوقاتها وفي جماعة المسلمين. ومن اهتمام عمر ﵁ بأداء الصلاة، اهتمامه بالتهيؤ لها والتطهر بالوضوء، فقد كان ﵁ يأمر بالتحري في الوضوء وإسباغه. رأى ﵁ رجلاً يتوضأ، قد ترك برجله لمعة لم يصبها الماء، فقال: أعد الوضوء (٤).

стр. 824

وروي أنه ﵁: مر بقوم يتوضئون، فقال: خللوا (١) - يعني بين الأصابع (٢). وروي أنه ﵁ رأى رجلاً قد غسل ظاهر قدميه، وترك باطنهما، فقال: لم تركتهما للنار (٣)؟

стр. 825

ومن آداب الصلاة التي أوصى بها عمر ﵁ ووجه إليها وعمل بها: ١ - تعهد الصفوف وتسويتها، لما في ذلك من زيادة طمأنينة القلب وهو دليل على وحدة المسلمين وقوتهم، قال أبو عثمان النهدي (١) ﵀: ما رأيت أحداً كان أشد تعاهداً للصف من عمر ﵁، إن كان يستقبل القبلة، حتى إذا قلنا قد كبر، التفت فنظر إلى المناكب والأقدام، وإن كان ليبعث رجالاً يطردون الناس حتى يلحقوهم بالصفوف (٢). وقال ﵀: كنت فيمن يقيم عمر قدامه لإقامة الصف (٣). ٢ - عدم إطالة الصلاة بالناس: قال عمر ﵁: أيها الناس، لا تبغضوا الله إلى عباده، يكون أحدكم إماماً فيطول عليهم ما هم فيه (٤). ٣ - الاستعجال بصلاة العشاء قبل نوم المريض، وكسل العامل:

стр. 826

قال ﵁: عجلوا العشاء قبل أن ينام عنها المريض، ويكسل العامل (١). ٤ - عدم التكلف في الصلاة: فقد رأى ﵁ رجلاً قد أثر السجود بأنفه فقال: لا تقلب صورتك (٢). وذلك أن عمر ﵁ علم من حاله التكلف في السجود حتى يظهر ذلك في وجهه كما روي في رواية أخرى: أن الرجل كان يعتمد على وجهه وأنفه ليؤثر فيهما (٣).

стр. 827

المسألة الثانية: الاهتمام بالصيام والقيام في شهر رمضان كان عمر ﵁ يهتم كثيراً بالتحري في ثبوت شهر رمضان وخروجه ويأمر رعيته بذلك، ويحثهم على عدم التفريط في ذلك، ولا تخفى أهمية هذه المسألة، إذ أن التهاون في التعرف على دخول شهر رمضان وخروجه والتحري في ذلك يفضي إلى إفطار ما يجب صومه، وصوم ما يجب إفطاره. قال أبو وائل (١) رحمه الله تعالى: أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين (٢): إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس (٣). وكان ﵁ يحث على عدم الفرقة والاختلاف في صيام شهر رمضان، وفطره قال ﵁: ليتق أحدكم أن يصوم يوماً من شعبان أو يفطر يوماً من رمضان، وأن يتقدم قبل الناس، فليفطر إذا أفطر الناس (٤).

стр. 828

وكان ﵁ يحض الرعية، ويأمرهم باتباع سنة النبي ﷺ في تعجيل الفطر وعدم تأخيره حتى تظهر النجوم لما في ذلك من مشابهة أهل الكتاب. قال المسيب بن حزن (١) ﵁: كنت جالساً عند عمر إذ جاءه ركب من الشام، فطفق عمر يستخبر عن حالهم، فقال: هل يعجل أهل الشام الفطر؟ قال: نعم، قال: لن يزالوا بخير ما فعلوا ذلك، ولم ينتظروا النجوم انتظار أهل العراق (٢). وناول عمر ﵁ رجلاً كان إلى جنبه إناء حين غربت الشمس، فقال له: اشرب، ثم قال: لعلك من المسرفين (٣) بفطره، سرف، سرف (٤).

стр. 829

وكان عمر ﵁ يهتم بقيام رمضان وإحياء لياليه بالصلاة والعبادة فكان يحض رعيته على ذلك، ويرغبهم فيه، وإن مما يدل على ذلك، فعله ﵁ في جمعه الناس في صلاة التراويح بعد أن رآهم يصلون أوزاعاً متفرقين يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم، فجمعهم على أبي بن كعب ﵁، ثم خرج ﵁ ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون بها (١). وكما يظهر من الأثر السابق أن عمر ﵁ كان يفضل قيام آخر الليل على أوله وذلك في قوله: والتي ينامون عنها خير من التي يقومون بها (٢). وقال ابن عباس ﵄: دعاني عمر ﵁ أتسحر عنده، وأتغدى في شهر رمضان، فسمع هيعة (٣) الناس حين خرجوا من

стр. 830

المسجد فقال: ما هذا؟ فقلت: الناس حين خرجوا من المسجد، فقال: ما بقي من الليل أحب إلي مما ذهب (١). وكان الناس في عهد عمر ﵁ يصلون التراويح إحدى عشرة ركعة. وقد تقدم أن عمر ﵁ أمر أبياً أن يصلي بهم، وكان تميم الداري (٢) ﵁ أيضاً ممن أمره عمر أن يؤم الناس بالتراويح. قال السائب بن يزيد (٣) ﵁: أمر عمر بن الخطاب أبي ابن كعب، وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: فكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر (٤).

стр. 831

وثبت أيضاً أنهم كانوا يقومون بإحدى وعشرين ركعة (١). وأشار أهل العلم أن الزيادة في عدد الركعات تكون عند التخفيف، والتقليل فيها يكون مع التطويل (٢). المسألة الثالثة: الاهتمام بأداء فريضة الحج، وأداء العمرة فكان عمر ﵁ يحث رعيته على أداء فريضة الحج والمسارعة في ذلك. قال ﵁: إذا وضعتم السروج فشدوا الرحيل إلى الحج والعمرة، فإنه أحد الجهادين (٣). وقال ﵁: كتب عليكم ثلاثة أسفار الحج، والعمرة، والجهاد في سبيل الله (٤).

стр. 832

وروي أن عمر ﵁ أراد أن يعرض على الناس عدة (١) في كل بلد، يوافون الحج في كل عام، فلما رأى تسارع الناس فيه كف عن ذلك، وقال: لو تركوه لجاهدناهم عليه كما نجاهدهم على الصلاة والزكاة (٢). وروي أن عمر ﵁ هم أن يبعث إلى الأمصار، فلا يوجد رجل قد بلغ سناً وله سعة، ولم يحج إلا ضربت عليه الجزية، والله ما أولئك بمسلمين، والله ما أولئك بمسلمين (٣).

стр. 833

وروي عن عمر ﵁ أنه كان يحث رعيته على الرفق بالنفس في أداء الحج، والتهيؤ له، وينهى عن الغلو وتحميل النفس ما لا تطيق. روى أنه ﵁ رأى رجلاً أحرم من البصرة، وقدم محرماً على عمر ﵁، ورآه عمر سيئ الهيئة، فأغلظ له، فأخذ بيده وجعل يدور به في الحِلق ويقول: انظروا إلى ما صنع هذا بنفسه، وقد وسع الله عليه (١). ومن الأمور الهامة التي ينبغي الإشارة إليها والتي لها علاقة باهتمام عمر ﵁ بأمور الحج والعمرة هو حده ﵁ ميقات

стр. 834

ذات عرق (١) لأهل العراق (٢). قال ابن عمر ﵄: لما فتح هذان المصران (٣)، أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرناً، وهو جور (٤) عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرناً شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق (٥).

стр. 835

المطلب الرابع: الاهتمام بالعلم والعلماء: إن منزلة العلم والعلماء في الإسلام منزلة عالية ورفيعة فقد حض القرآن الكريم والسنة المطهرة على تعلم العلم النافع، ورفع الإسلام من شأن العلماء وأعلى منزلتهم وقدرهم، وقد عرف عمر ﵁ للعلم أهميته، وللعلماء قدرهم. وسأتناول ذلك بالبيان في عدة مسائل: المسألة الأولى: الحث على تعلم العلم: فقد حث عمر ﵁ رعيته على تعلم العلوم النافعة فكان يحثهم على التفقه في الدين الذي هو شرط قبول العمل، فلا يقبل العمل إلا أن يكون موافقاً لهدي رسول الله ﷺ وعلى سنته الصحيحة، ولاشك أن التفقه في الدين شامل للعقائد والعبادات والمعاملات، قال عمر ﵁: تفقهوا قبل أن تسودوا (١)، وقال ﵁: تفقهوا في الدين (٢).

стр. 836

وروي أن عمر ﵁ قال: كونوا أوعية الكتاب، وينابيع العلم (١). وحث عمر ﵁ رعيته على تعلم كتاب الله ، والتفقه فيه، والعمل به. قال ﵁: تعلموا سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة المائدة، وسورة الحج، وسورة النور، فإن فيهن الفرائض (٢). وقال ﵁ وهو يحث على قراءة القرآن وإتقان تجويده

стр. 837

وإقامة حروفه: أعربوا القرآن فإنه عربي (١). وروي أنه ﵁ انتهى إلى قوم يقرئ بعضهم بعضاً، فقال: اقرؤوا ولا تلحنوا (٢). ومما ثبت عن عمر ﵁ في قراءة القرآن وتعلمه والعمل به وإخلاص النية لله فيه أنه قال: "يا أيّها الناس، إنه قد أتى على زمان رأي أرى من قرأ القرآن يريد الله وما عنده، فيخيل إليّ أن أقواماً قرأوه يريدون به الناس ويريدون به الدنيا، ألا فأريدوا الله بأعمالكم" (٣).

стр. 838

وروي أنه قال: "تعلموا القرآن واعملوا به" (١). وروي أنه قال: اقرؤا كتاب الله ، وسلوا الله به قبل أن يقرأه أقوام يسألون الناس به (٢). وروي أنه ﵁ قال: تعلموا سورة براءة، وعلموا نساءكم سورة النور (٣).

стр. 839

وكان عمر ﵁ يأمر بتدارس القرآن وقراءته وعدم المجادلة فيه والاختلاف في نصوصه، قال ﵁: "اقرأوا القرآن ما اتّفقتم فإذا اختلفتم فقوموا عنه" (١). ومن العلوم الهامة التي حث عمر ﵁ رعيته على تعلمها اللغة العربية وأصولها، فبها يستطيع المسلم تعلم القرآن والسنة ومعرفة أحكامهما وفقههما. كتب عمر ﵁ إلى رعيته: أن تعلموا العربية (٢). ومما روي عن عمر ﵁ في الحث على تعلم اللغة العربية والاهتمام بها: أن عمر ﵁ مر بقوم يرمون رشقاً (٣) فقال: بئس ما رميتم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا قوم متعلمين، فقال: والله لذنبكم في لحنكم أشد علي من لحنكم في رميكم (٤).

стр. 840

وروي أنه ﵁ مر برجلين يرميان، فقال أحدهما: أسبت، فقال عمر: سوء اللحن أشد من سوء الرمي (١). وروي أن رجلاً سأله ﵁ فقال: ما علي بالضبي؟ قال: وما عليك لو قلت بالظبي؟ قال: إنها لغة، قال: انقطع العتاب (٢). وروي أن كاتباً لأبي موسى الأشعري ﵁ كتب إلى عمر: من أبو موسى فكتب إليه عمر: إذا أتاك كتابي هذا، فاضرب كاتبك سوطاً، واعزله عن عمله (٣).

стр. 841

وروي أنه ﵁ سمع رجلاً يتكلم الفارسية في الطواف فقال: ابتغ إلى العربية سبيلاً (١). وأذن عمر ﵁ في معرفة أخبار الأمم الماضية وأخذ العبر والحكم من تاريخهم مع أخذ الحيطة والحذر، فإن تلك الأخبار قد يكون فيها كثير من الكذب والتزوير وهذا العلم هو ما يعرف بالقصص. قال السائب بن يزيد (٢) ﵁: لم يكن قص على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر ﵁، كان أوّل من قص تميم

стр. 842

الداري (١) ﵁، استأذن عمر ﵁ أن يقص قائماً، فأذن له (٢). وقد رويت عن عمر ﵁ عدة آثار تدل بمجموعها على إذنه ﵁ لتميم الداري بأن يقص في مسجد النبي ﷺ بعد تردده في ذلك وتخوفه منه، ولعل ذلك راجع لخوفه ﵁ من انشغال الناس بذلك عن طلب العلوم الشرعية التي أمر الله ونبيه ﷺ بتعلمها. روي أن تميماً الداري استأذن عمر ﵁ في القصص فقال: إنه على مثل الذبح، فقال: إني أرجو العافية فأذن له عمر (٣). وروي أن تميماً استأذن عمر ﵁ في القصص، فأبى أن يأذن ثم استأذنه فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه، فقال: إن شئت وأشار

стр. 843

بيده يعني الذبح (١). وروي أنه ﵁ استأذن عمر ﵁ في أن يقص فلم يأذن له، ثم استأذنه، فقال عمر: تقول ماذا؟ قال: أقرأ عليهم القرآن وأذكرهم وأعظهم، قال: فأذن له في الأسبوع يوماً واحداً (٢). وروي أن تميماً ﵁ هو أول من قص على عهد عمر ﵁، فكان يقوم فيتكلم، فإذا جاء عمر أمسك، وقد علم ذلك عمر ﵁ (٣). وجاء في رواية صحيحة عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لم يقص في عهد النبي ﷺ ، ولا أبي بكر ولا عمر، ولا عثمان إنما كان القصص زمن الفتنة (٤).

стр. 844

والمراد بذلك هو التوسع في القصص والإكثار منها وانتشارها بحيث غلبت على الناس لأن القصص في عهد عمر ﵁ ثابت كما تقدم. ومن العلوم التي روي عن عمر ﵁ أنه حض على تعلمها: ١ - تعلّم الشعر: تقدم الكلام على أهمية الشعر ومنزلته عند العرب في الجاهلية وفي الإسلام، وتقدم كذلك الكلام على حبّ عمر للشعر واهتمامه به (١). وعمر ﵁ لم يكره لرعيته تعلّم الشعر إذ لم يشغل عما هو أهمّ منه من تعلّم كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ والتفقه في دين الله. مرّ عمر ﵁ بحسان (٢) بن ثابت ﵁ وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله ﷺ فكره ذلك لأن المساجد وضعت للصّلاة وذكر الله ودراسة العلم الشرعي فيها، فلحظ إليه.

стр. 845

فقال حسان ﵁: "قد كنت أنشد فيه وفيه خير منك، أي: رسول الله ﷺ . ثم التفت إلى أبي هريرة ﵁ فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللهم أيّده بروح القدس؟ قال: اللهم نعم" (١). ومما ثبت عن عمر ﵁ وفيه إشارة لكراهيته ﵁ الإكثار من قول الشعر والاهتمام به: ما رواه عمرو (٢) بن حريث ﵁ قال: كان في عهد عمر ﵁ شاعر يروي شعراً كثيراً، فقال عمر ﵁: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً" (٣).
следующие страницы →