وروي أنه ﵁ سمع رجلاً يتكلم الفارسية في الطواف فقال: ابتغ إلى العربية سبيلاً (١).
وأذن عمر ﵁ في معرفة أخبار الأمم الماضية وأخذ العبر والحكم من تاريخهم مع أخذ الحيطة والحذر، فإن تلك الأخبار قد يكون فيها كثير من الكذب والتزوير وهذا العلم هو ما يعرف بالقصص.
قال السائب بن يزيد (٢) ﵁: لم يكن قص على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر ﵁، كان أوّل من قص تميم
стр. 842
الداري (١) ﵁، استأذن عمر ﵁ أن يقص قائماً، فأذن له (٢).
وقد رويت عن عمر ﵁ عدة آثار تدل بمجموعها على إذنه ﵁ لتميم الداري بأن يقص في مسجد النبي ﷺ بعد تردده في ذلك وتخوفه منه، ولعل ذلك راجع لخوفه ﵁ من انشغال الناس بذلك عن طلب العلوم الشرعية التي أمر الله ونبيه ﷺ بتعلمها.
روي أن تميماً الداري استأذن عمر ﵁ في القصص فقال: إنه على مثل الذبح، فقال: إني أرجو العافية فأذن له عمر (٣).
وروي أن تميماً استأذن عمر ﵁ في القصص، فأبى أن يأذن ثم استأذنه فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه، فقال: إن شئت وأشار
стр. 843
بيده يعني الذبح (١).
وروي أنه ﵁ استأذن عمر ﵁ في أن يقص فلم يأذن له، ثم استأذنه، فقال عمر: تقول ماذا؟ قال: أقرأ عليهم القرآن وأذكرهم وأعظهم، قال: فأذن له في الأسبوع يوماً واحداً (٢).
وروي أن تميماً ﵁ هو أول من قص على عهد عمر ﵁، فكان يقوم فيتكلم، فإذا جاء عمر أمسك، وقد علم ذلك عمر ﵁ (٣).
وجاء في رواية صحيحة عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لم يقص في عهد النبي ﷺ ، ولا أبي بكر ولا عمر، ولا عثمان إنما كان القصص زمن الفتنة (٤).
стр. 844
والمراد بذلك هو التوسع في القصص والإكثار منها وانتشارها بحيث غلبت على الناس لأن القصص في عهد عمر ﵁ ثابت كما تقدم.
ومن العلوم التي روي عن عمر ﵁ أنه حض على تعلمها:
١ - تعلّم الشعر:
تقدم الكلام على أهمية الشعر ومنزلته عند العرب في الجاهلية وفي الإسلام، وتقدم كذلك الكلام على حبّ عمر للشعر واهتمامه به (١).
وعمر ﵁ لم يكره لرعيته تعلّم الشعر إذ لم يشغل عما هو أهمّ منه من تعلّم كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ والتفقه في دين الله.
مرّ عمر ﵁ بحسان (٢) بن ثابت ﵁ وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله ﷺ فكره ذلك لأن المساجد وضعت للصّلاة وذكر الله ودراسة العلم الشرعي فيها، فلحظ إليه.
стр. 845
فقال حسان ﵁: "قد كنت أنشد فيه وفيه خير منك، أي: رسول الله ﷺ . ثم التفت إلى أبي هريرة ﵁ فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللهم أيّده بروح القدس؟ قال: اللهم نعم" (١).
ومما ثبت عن عمر ﵁ وفيه إشارة لكراهيته ﵁ الإكثار من قول الشعر والاهتمام به: ما رواه عمرو (٢) بن حريث ﵁ قال: كان في عهد عمر ﵁ شاعر يروي شعراً كثيراً، فقال عمر ﵁: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً" (٣).
стр. 846
وقد رويت عن عمر ﵁ آثار فيها حض على تعلّم الشعر المحمود الذي فيه دعوة للإسلام والإيمان وفيه من العظات والعبر ما يتّعظ به المسلم.
وروي أنّه قال: "تعلّموا من الشعر ما يكون حِكَماً ويدلّكم على مكارم الأخلاق" (١).
وروي أنه قال: "تعلّموا الشعر، فإنّ فيه محاسن تبتغى، ومساوئ تتّقى، وحكمة الحكماء" (٢).
وروي أنّه ﵁ كتب إلى أهل الأمصار: "أن علّموا أولادكم الفروسية والعوم، وروّوهم الشعر" (٣).
стр. 847
٢ - تعلّم أخبار الجاهليّة:
روي عن عمر ﵁ أنّه كتب إلى سعد بن أبي وقاص: "أن جنب الناس أحاديث الجاهلية فإنّها تذكر الأحقاد، وتنشئ الضغائن وعظهم بآيات الله ما نشطوا للسماع" (١).
وهذا الخبر لم يثبت عن عمر ﵁ إلاّ أنه لا يتعارض لو ثبت مع ما تقدم من حرص عمر ﵁ على معرفة أخبار الجاهلية (٢)، لأنه كره هنا ذكر الأخبار التي فيها إشارة للعصبيات والضغائن بين الناس بذكر ما كان بينهم من ذلك في الجاهلية. أمّا ذكر أخبار الجاهلية لأخذ العظة والعبرة، ومعرفة ما له تعلّق بأحكام الدّين، فلم يكره عمر ﵁ ولم ينه عنه.
٣ - تعلّم علم النجوم:
اهتم العرب في الجاهلية بالنجوم وتعلّقوا بها واعتقدوا فيها النفع والضّرّ، بل وعبد وها من دون الله كما قال تعالى على لسان هدهد سليمان ﵇ حكاية عن ملكة سبأ: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ (٣).
ومما اعتقده العرب في الجاهلية في النجوم قدرتها على إنزال المطر.
стр. 848
فعن زيد (١) بن خالد الجهني ﵁ قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية (٢) على أثر سماء (٣) كانت من الليل، فلما انصرف النّبيّ ﷺ أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربّكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (٤).
وإن من الجاهلية الأولى ما نسمعه ونقرؤه في وسائل الإعلام من إذاعة وصحف ومجلات وغيرها من تعليق الخير والشعر والفلاح والسعادة والشقاوة وادعاء معرفة مستقبل الإنسان من معرفة برجه الذي ولد فيه، كالجوزاء والدلو والعقرب وغيرها، وكلّ ذلك إفك ودجل وكذب وصرف للعباد عن التعلّق بخالقهم وفاطرهم والتوكّل عليه.
وقد خلق الله النجوم لثلاث: علامات يهتدى بها، وزينة للسماء،
стр. 849
ورجوماً للشياطين، كما قال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١). وقال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ (٢).
قال قتادة (٣) ﵀: "فمن تأوّل فيها بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به" (٤).
وعمر ﵁ أثر عنه الحثّ على تعلّم علم النجوم للأغراض التي شرعها الله روي أنه قال: "تعلّموا من النجوم ما تعرفون به ساعات الليل والنهار، وتهتدون به السبيل، ومنازل القمر" (٥).
المسألة الثانية: العمل على نشر العلم بين الرعية:
إن نشر العلم وتعليمه، ونشر الثقافة والمعرفة الدينية، بين أفراد الرعية مما حضت عليه الشريعة، وجاءت به نصوص الكتاب والسنة، ولقد قام سلفنا الصالح بذلك خير قيام، وإن من نشر عمر ﵁ للعلم بين رعيته ما تقدم من حثه على تعلم العلم، ومن ذلك أيضاً، بعثه
стр. 850
من يفقه أهل الأمصار المختلفة، ويعلمهم القرآن والسنة.
فقد بعث عمر ﵁ عبد الله بن مسعود ﵁ معلماً لأهل الكوفة، كتب ﵁ إلى أهل الكوفة: أما بعد فإني بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله معلماً ووزيراً، وهما من النجباء، من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاسمعوا لهما، واقتدوا بهما، وإني آثرتكم بعبد الله على نفسي أثرة (١).
وبعث عمر ﵁ عمران بن حصين (٢) ليفقه أهل البصرة (٣).
وممن نقلت إلينا المصادر بعث عمر رضي الله لهم إلى الأمصار لتعليم الرعية العلم، وتفقيههم في الدين:
١ - حبان بن أبي جبلة، بعثه لتفقيه أهل مصر (٤).
٢ - عبادة بن الصامت ﵁، بعثه لتفقيه أهل حمص (٥).
стр. 851
٣ - أبو الدرداء (١) ﵁، بعثه إلى أهل دمشق لتعليمهم وإقرائهم القرآن (٢).
٤ - معاذ بن جبل، بعثه لتعليم أهل فلسطين (٣).
٥ - عبد الرحمن بن غنم (٤)، بعثه لتفقيه الناس بالشام (٥).
٦ - أبو سفيان الفهري، بعثه يستقرئ أهل البادية القرآن (٦).
٧ - قسيط بن أسامة بن عمير، بعثه ليعلم أهل البادية القرآن (٧).
ومما لا شك فيه، أن ولاة عمر ﵁ في الأمصار الإسلاميّة المختلفة
стр. 852
وكذلك قضاته وقادة جنده كانوا من من صحابة النبي ﷺ الذين كانوا يقومون في الغالب بالدعوة إلى الله ونشر العلم بين الناس بأقوالهم وأفعالهم ﵃ وأرضاهم.
المسألة الثالثة: الحث على التخلق بآداب العلم.
وكان عمر ﵁ يحث العلماء وطلبة العلم على التخلق والالتزام بآداب العلم، سواء في تلقيه أو تعليمه ونشره.
فمن الآداب التي حث عمر ﵁ العلماء على التحلي بها:
التواضع وعدم العجب بالنفس: جاء الحارث الكندي (١) ﵁ فقال: إن قومي يريدوني أن أقرأ عليهم، وأقص، قال عمر: فإني أخاف عليك أن تقرأ عليهم، وتقص حتى تراهم منك كالثريا، فيجعلك الله تحتهم بقدر ذلك (٢).
стр. 853
ورأى عمر ﵁ قوماً يتبعون أبي بن كعب ﵁ يسألونه، فضربه عمر بالدرة فقال أبي لعمر: انظر ما تصنع، فقال عمر: على عمد أصنع، أما تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع، مذلة للتابع (١).
ولا شك أن تواضع العالم، ولين جانبه وحسن خلقه في تعامله مع
стр. 854
تلاميذه من الأسباب الهامة والرئيسة لقبول العلم عنه ومحبة تلاميذه له وتوقيرهم إياه ولقد كان نبينا ﷺ أعلم أهل الأرض، وأكثرهم تواضعاً لله .
ومما روي عن عمر ﵁ في حث العلماء على التواضع أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، ومن قال: أنا عالم فهو جاهل (١).
ومما روي في تواضع عمر ﵁ في تعليمه العلم، ما رواه أبو رافع الصائغ (٢) ﵀ قال: كان عمر يجلس عندي، فيعلمني الآية، فأنساها، فأناديه يا أمير المؤمنين، قد نسيتها فيرجع فيعلمنيها (٣).
стр. 855
ومن الآداب التي روى أن عمر ﵁ أرشد العلماء على التخلق بها في تدريسهم العلم، الترويح على طلبة العلم وعدم مواصلة الدرس حتى لا يملوا.
روى أن عمر ﵁ كان يحدث الناس، فإذا رآهم قد تعبوا أو ملوا، أخذ بهم في غراس الشجر (١).
ولا شك أن هذا هو منهج النبي ﷺ في تعليم العلم، قال ابن مسعود رضي الله: كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا (٢).
ومن الآداب التي وجه إليها عمر ﵁ طالب العلم، توقير العلماء وإجلالهم، وأن يعرف لهم مكانتهم ومنزلتهم التي أنزلهم الله إياها.
ولقد كان عمر ﵁ يجل أهل العلم ويوقرهم، ومن ذلك تكريمه ﵁ لابن عباس ﵄، قال ابن عباس
стр. 856
رضي الله عنهما: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا، ولنا أبناء مثله، فقال: إنه ممن قد علمتم، قال ابن عباس ﵄: فدعاهم ذات يوم، ودعاني معهم، وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، وقال: ما تقولون ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ … ﴾ حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئاً، فقال لي: يابن عباس، أكذلك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له، إذا جاء نصر الله والفتح، فتح مكة، فذاك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم ١.
ومن توقيره ﵁ لأهل العلم، ما ورد من أن عمر ﵁ جاء إلى زيد بن ثابت، فاستأذن عليه، فأذن له، ورأسه في يد جارية له ترجله، فنزع رأسه، فقال له عمر: دعها ترجلك، فقال: يا أمير المؤمنين: لو أرسلت إلي جئتك، فقال عمر: إنما الحاجة لي ٢.
١ رواه البخاري / الصحيح ٣/ ٦٣، ٩١، ٢٢٢، الترمذي / السنن ٥/ ١٢٠ وغيرهما.
٢ رواه البخاري / الأدب المفرد ص ٤٤٢، البيهقي / السنن الكبرى ٦/ ٢٤٧، ومداره على سليمان بن زيد بن ثابت، ذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ٣١٥، وقال ابن حجر: مقبول. تق ٢٥١، وبقية رجاله عند البخاري ثقات، وقد حسن الشيخ الألباني الأثر في صحيح الأدب المفرد ص ٤٩٥.
стр. 857
وكان بين معاوية بن أبي سفيان، وعبادة بن الصامت ﵄ خلاف حول بيع الذهب بالدنانير، وبيع الفضة بالدراهم، فقال عبادة لمعاوية: أحدثك عن رسول الله ﷺ ، وتحدثني عن رأيك، لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة.
فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر (١).
ومما روي عن عمر ﵁ في توقير العلماء ومعرفة فضلهم قوله: تعلموا العلم، وعلموه الناس،
وتعلموا الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمون منه العلم، وتواضعوا لمن تُعلِّموه العلم، ولا تكونوا جبابرة
стр. 858
العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم (١).
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: لموت الف عابد أهون من موت عاقل عقل عن الله (٢).
وروي أن عمرو بن العاص قدم على مصر، واستخلف عليها مجاهد بن جبر، فقال له عمر: من استخلفت؟ فقال: مجاهد بن جبر، فقال عمر: مولى ابنة غزوان؟ قال: نعم، إنه كاتب، فقال عمر: إن القلم ليرفع
стр. 859
صاحبه (١).
وكان عمر ﵁ يحثّ طلاب العلم على تلقيه وأخذه ممن عرف به وكان راسخ القدم فيه قد أمضى فيه وقته وأفنى فيه عمره، وكان جليل القدر كبير المنزلة بين أهل الدين والعلم. قال ﵁ "فساد الدين إذا جاء العلم من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير تابعه عليه الصغير" (٢).
قال ابن حجر: "وذكر أبو عبيد أن المراد بالصغر في هذا صغر القدر لا صغر السن. والله أعلم".
ومن آداب العلم الهامة التي حث عليها عمر ﵁ العالم والمتعلم:
١ - إخلاص النية لله في طلب العلم، وابتغاء وجهه دون الأغراض الدنيوية، والجد في طلب العلم، وعدم الزهد فيه والرغبة عنه لأي سبب كان.
قال ﵁: لا يتعلم العلم لثلاث ولا يترك لثلاث، لا يتعلم ليمارى به، ولا ليباهى به، ولا ليراءى به، ولا يترك حياء من طلبه
стр. 860
ولا زهادة فيه، ولا رضا بالجهل منه (١).
٢ - تحري الحق والصواب عند تلقي العلم ونشره:
فقد حذر عمر ﵁ طالب العلم ومتلقيه أن يحدث بكل ما سمعه من غير تروٍ وتوثق من صحة ما سمعه وصوابه وموافقته للحق.
قال ﵁: بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع (٢).
وشبه عمر ﵁ الخطيب الذي يتكلم بالكلام الكثير من غير تحقق من ثبوته من عدمه بالشيطان.
فقد خطب رجل عند عمر ﵁ فكثر الكلام، فقال عمر: "إن كثرة الكلام في الخطب من شقائق الشيطان" (٣).
стр. 861
ومن آداب العلم المروية عن عمر ﵁:
١ - العمل بالعلم:
روي عن عمر ﵁ أنه قال: إياكم والمنافق العالم، قالوا: وكيف يكون المنافق عليماً؟ قال: يتكلم بالحق، ويعمل بالمنكر (١).
وهذا الأثر صحيح المعنى، فإن مدح العالم العامل بعلمه والثناء عليه، وذم من لا يعمل بعلمه، ويخالف قوله فعله جاءت به النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة.
٢ - الاهتمام بحفظ العلم وتقييده:
روي عن عمر ﵁ أنه قال: قيدوا العلم بالكتاب (٢).
٣ - الحث على حسن كتابة العلم وقراءته:
стр. 862
روي أنه ﵁ قال: شر الكتابة المشق (١)، وشر القراءة الهذرمة (٢)، وأجود الخط أبينه (٣).
٤ - التهيؤ لطلب العلم بالتنظف والتطيب:
روي عنه ﵁ أنه قال: يعجبني أن أرى القارئ النظيف (٤).
المسألة الرابعة: الاهتمام بالفتوى:
إن التصدي للفتوى، وبيان أحكام الدين من الحلال والحرام، من الأمور التي أمر الشارع العظيم بالتحري فيها، والتريث، وعدم القول على الله بغير علم، وكان عمر ﵁ شديد الحيطة والحذر، كثير
стр. 863
التحري عند إصدار الفتوى، وبيان الأحكام الشرعية. قال ﵁ وهو يحذر من خطأ العالم في فتواه وزلته: يهدم الإسلام ثلاث: زلة عالم، ومجادلة منافق بالقرآن، وحكم أئمة مضلين (١).
وإن من تحري عمر ﵁ في الفتوى استشارته الصحابة رضوان الله عليهم قبل أن يفتي في المسألة مع سعة علمه ﵁ ومع ما أوتيه من فقه وحكمة ومن أمثلة ذلك:
قال قبيصة بن جابر (٢) ﵀: كنت محرماً فرأيت ظبياً، فرميته فأصبت خششاه - يعني أصل قرنه، فركب ردعه (٣)، فوقع في نفسي من ذلك شيء، فأتيت عمر بن الخطاب أسأله، فوجدت لما جئته رجلاً أبيض رقيق الوجه، وإذا هو عبد الرحمن بن عوف، قال: فسألت عمر: فالتفت إلى عبد الرحمن بن عوف فقال: ترى شاة تكفيه؟ قال: نعم، فأمرني أن أذبح شاة، فقمنا من عنده، فقال صاحب لي: إن أمير المؤمنين لم يحسن أن يفتيك حتى سأل الرجل، فسمع عمر كلامه، فعلاه بالدرة، ثم أقبل علي عمر ليضربني فقلت: يا أمير المؤمنين لم أقل شيئاً، إنما هو قاله، قال:
стр. 864
فتركني، ثم قال: أردت أن تقتل في الحرم وتتعدى الفتيا، ثم قال: إن في الإنسان عشرة أخلاق تسعة حسنة، وواحدة سيئة، فيفسدها ذلك السيء، وقال: إياك وعثرة الشباب (١).
وسأل عمر ﵁ أصحابه، فقال: فيما ترون أنزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ (٢)، فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس ﵄: إن في النفس منها شيئاً يا أمير المؤمنين، فقال عمر: قل يابن أخي ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس ﵄: ضُربت مثلاً لعمل، فقال عمر: أي عمل؟ قال: لعمل رجل عُني بعمل الحسنات، ثم بعث إليه شيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله (٣).
стр. 865
ومما روي في تحري عمر ﵁ في الفتوى، ما روي من قول أبي حصين (١) ﵀: إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر (٢).
وكان عمر ﵁ يلوم ويعاقب من يتسرع في الفتوى ثم يخطئ فيها، فقد مر أبو هريرة ﵁ بقوم محرمين، فاستفتوه في لحم صيد، وجدوا ناساً أحلة يأكلونه، فأفتاهم ﵁ بأكله، ثم قدم على عمر ﵁، فسأله عن ذلك فقال عمر ﵁: فبما أفتيتهم؟ قال: بأكله، فقال عمر: لو أفتيتهم بغير ذلك لأوجعتك (٣).
وخرج عمر ﵁ من الخلاء بعد أن قضى حاجته، ثم أخذ يقرأ القرآن فقال له أبو مريم الحنفي (٤): لو توضأت يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: أمسيلمة أفتاك بهذا (٥).
стр. 866
وكان ﵁ يكره اختلاف العلماء في الفتوى، لما يسببه ذلك من اختلاف الأمة وتفرق كلمتها.
قال أبو سعيد الخدري ﵁: اختلف أبي بن كعب، وابن مسعود ﵄ في الصلاة في ثوب واحد، فقال أبي بن كعب: ثوب واحد، وقال ابن مسعود: ثوبين، فجاز عليهم عمر ﵁ فلامهما وقال: إنه ليسوؤني أن يختلف اثنان من أصحاب محمد ﷺ في شيء واحد، فعن أي فتياكما يصدر الناس، أما ابن مسعود فلم يأل، والقول ما قال أبي (١).
وتذاكر أصحاب النبي ﷺ عند عمر العزل، فاختلفوا فيه، فقال عمر ﵁: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار فكيف بالناس بعدكم (٢).
стр. 867
وكان عمر ﵁ يحث العلماء وأهل الفتيا على أن يكونوا قدوة للناس بأعمالهم قبل أقوالهم، فإن الناس يقتدون بهم في أفعالهم، ويرون أعمالهم موضع القدوة.
رأى عمر ﵁ على طلحة ﵁ ثوباً مصبوغاً وهو محرم، فقال: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، إنما هو مدر، فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أن رجلاً جاهلاً رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله قد كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئاً من هذه الثياب المصبغة (١).
وكان عمر ﵁ يسأل أصحابه أحياناً ويختبر قدراتهم على الفتيا في الأحكام حتى يعلم مدى كفاءتهم لذلك.
стр. 868
قال طارق بن شهاب (١) ﵀: خرجنا حجاجاً، فأوطأ رجل منا يقال له أربد ضباً ففزر ظهره، فقدمنا على عمر ﵁، فسأله أربد فقال عمر: احكم يا أربد فيه، فقال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال عمر ﵁: إنما أمرتك أن تحكم فيه، ولم آمرك أن تزكيني. فقال أربد: أرى فيه جدياً (٢)، قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذلك فيه (٣).
المسألة الخامسة: وضع التأريخ الهجري:
إن من الأعمال الجليلة التي قام بها عمر ﵁ خدمةً للعلم والمعرفة وضعه ﵁ التأريخ الهجري الذي حفظ الله به للأمة تراثها وثقافتها.
وقد رويت في ذلك عدة آثار تدل بمجموعها على أن عمر ﵁ هو أول من وضع التأريخ الهجري، فقد روي أن عمر ﵁ رفع إليه صك محلة في شعبان فقال عمر: أي شعبان الذي هو آت، أو الذي نحن فيه؟ ثم قال لأصحاب رسول الله ﷺ : ضعوا للناس شيئاَ
стр. 869
يعرفونه، فقال بعضهم: اكتبوا عن تاريخ الروم، فقيل إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين، فهذا يطول، وقال بعضهم: اكتبوا عن تاريخ الفرس، فقيل إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة، فوجدوه عشر سنين، فكتب التاريخ من هجرة رسول الله ﷺ (١).
وروي أن عاملاً لعمر ﵁ جاء من اليمن، فقال لعمر ﵁: أما تؤرخون، تكتبون في سنة كذا وكذا، من شهر كذا وكذا؟ فأراد عمر ﵁ والناس أن يكتبوا من مبعث رسول الله ﷺ ، ثم قال: من عند وفاة رسول الله ﷺ ، ثم أرادوا أن يكون ذلك من عند الهجرة، ثم قالوا: من أي شهر؟ فأرادوه أن يكون من رمضان، ثم بدا لهم، فقالوا من المحرم (٢).
стр. 870
وروي أن عمر ﵁ جمع المهاجرين والأنصار، فقال: من أين نكتب التاريخ؟ فقال له علي بن أبي طالب ﵁: منذ خرج رسول الله ﷺ من أرض الشرك - يعني يوم هاجر، فكتب عمر ﵁ (١).
стр. 871
وروي أن أبا موسى الأشعري ﵁ كتب إلى عمر: إنه تأتينا كتب ما ندري ما تاريخها، فاستشار عمر أصحاب رسول الله ﷺ فقال بعضهم من المبعث، وقال بعضهم من وفاته، فقال عمر: أرخوا من هجرته، فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل (١).
المبحث الثاني: الاهتمام بالنواحى الأخلاقية، وفيه أربعة مطالب
المطلب الأول: الحثّ على مكارم الأخلاق، والبعد عن مساوئها
المطلب الثاني: إزالة أسباب الفتنة، وانتشار الرذيلة
المطلب الثالث: معاملة الفساق والعصاة.
المطلب الرابع: إقامة الحدود
стр. 874
المطلب الأول: الحثّ على مكارم الأخلاق، والبعد عن مساوئها:
إن منزلة حسن الخلق في الدين منزلة عظيمة، وقد كان نبينا ﷺ من أحسن الناس خلقاً وإن المجتمع الذي يتحلى أفراده بحسن الخلق مجتمع مثالي، تتجلى فيه مظاهر الود والرحمة والتآلف، والتكافل الاجتماعي، ويكون ذلك المجتمع موضع القدوة والتقدير من الغير، لذلك حرص عمر ﵁ على أن يتحلى أفراد رعيته بمحاسن الأخلاق، ويبتعدوا عن مساوئها.
قال عمر ﵁ وهو يذكر مقياس التفاضل بين الناس، والصفات التي يرتفع بها قدر المرء ومنزلته عند الله : حسب المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله (١).
стр. 875
فالصفات التي ذكرها عمر ﵁ صفات شاملة وجامعة لكل خير وفضيلة، فإذا تحلى المرء بالالتزام الديني، وحسن خلقه ورزق من العقل الراجح ما يعرف به الخير والشر والمعروف والمنكر، فقد اجتمع له خيرا الدنيا والآخرة.
وقد جاءت عن عمر ﵁ عدة نصوص فيها إرشاد لرعيته إلى بعض الصفات الفاضلة التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها وهي:
١ - الزهد: فقد كان عمر ﵁ يحث رعيته على الزهد في الدنيا وحبها الذي هو مصدر كل شر وعلى حب الآخرة والعمل لها الذي هو مصدر كل خير وفضيلة في الدنيا والآخرة.
стр. 876
قال ﵁ وقد رأى توسع الناس في متاع الدنيا: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل (١) ما يملأ به بطنه (٢)، فذكرهم ﵁ بحال رسول الله ﷺ الذي هو خير من أقلت الغبراء وأظلت الخضراء من الأولين والآخرين من الزهد بالدنيا والإعراض عنها رجاء أن يقتدوا به في دنياهم ليلحقوا به في أخراهم.
ومما روي عن عمر ﵁ في الحث على الزهد في الدنيا، ما روي أنه قال: الزهادة في الدنيا راحة للقلب والجسد (٣).
وروي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى ﵁: إنك لن تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا (٤).
стр. 877
وروي أنه ﵁ قال: ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب (١).
وروي أنه قال: إياكم وكثرة الحمام، وكثرة إطلاء النورة، والتوطؤ على الفرش، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين (٢).
وروي أنه ﵁ مر على مزبلة، فاحتبس عندها فكأنه شق على أصحابه، وتأذوا بها، فقال لهم: هذه دنياكم التي تحرصون عليها (٣).
وروي أنه ﵁ رأى يزيد بن أبي سفيان ﵁ كاشفاً عن بطنه، فرأى جلدة رقيقة فرفع الدرة عليه، وقال: أجلدة كافر (٤)؟
стр. 878
٢ - التواضع:
روي عن عمر ﵁ أنه قال: إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته وقال: انتعش نعشك الله، فهو في نفسه صغير وفي أنفس الناس كبير، وإن العبد إذا تعظم وعدا طوره، رهصه الله إلى الأرض، وقال إخسأ أخسأك الله، فهو في نفسه كبير وفي أنفس الناس صغير، حتى لهو أحقر عنده من خنزير (١).
وروي أن عمر ﵁ قال: إنه ليعجبني أن يكون الرجل في أهل بيته كالصبي، فإذا ابتغى منه وجد رجلاً (٢).
стр. 879
٣ - الورع:
روي عن عمر ﵁ أنه قال: إن الدين ليس بالطنطنة من آخر الليل ولكن الدين الورع (١).
وروي أن قال: من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه (٢).
٤ - الصبر:
روي عن عمر ﵁ أنه قال: أولا يسكت أحدكم، فإن عوفي شكر، وإن ابتلي صبر (٣).
стр. 880
٥ - محاسبة النفس:
روي أن عمر ﵁ كتب إلى بعض عماله: أن حاسب نفسك قبل حساب الشدة، فإنه من حاسب نفسه في الرخاء، قبل حساب الشدة عاد مرجعه إلى الرضى والغبطة (١).
وروي أنه قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه (٢).
وروي أنه قال: خذوا بحظكم من العزلة (٣).