← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قال ﵁ وقد رأى توسع الناس في متاع الدنيا: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل (١) ما يملأ به بطنه (٢)، فذكرهم ﵁ بحال رسول الله ﷺ الذي هو خير من أقلت الغبراء وأظلت الخضراء من الأولين والآخرين من الزهد بالدنيا والإعراض عنها رجاء أن يقتدوا به في دنياهم ليلحقوا به في أخراهم. ومما روي عن عمر ﵁ في الحث على الزهد في الدنيا، ما روي أنه قال: الزهادة في الدنيا راحة للقلب والجسد (٣). وروي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى ﵁: إنك لن تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا (٤).

стр. 877

وروي أنه ﵁ قال: ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب (١). وروي أنه قال: إياكم وكثرة الحمام، وكثرة إطلاء النورة، والتوطؤ على الفرش، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين (٢). وروي أنه ﵁ مر على مزبلة، فاحتبس عندها فكأنه شق على أصحابه، وتأذوا بها، فقال لهم: هذه دنياكم التي تحرصون عليها (٣). وروي أنه ﵁ رأى يزيد بن أبي سفيان ﵁ كاشفاً عن بطنه، فرأى جلدة رقيقة فرفع الدرة عليه، وقال: أجلدة كافر (٤)؟

стр. 878

٢ - التواضع: روي عن عمر ﵁ أنه قال: إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته وقال: انتعش نعشك الله، فهو في نفسه صغير وفي أنفس الناس كبير، وإن العبد إذا تعظم وعدا طوره، رهصه الله إلى الأرض، وقال إخسأ أخسأك الله، فهو في نفسه كبير وفي أنفس الناس صغير، حتى لهو أحقر عنده من خنزير (١). وروي أن عمر ﵁ قال: إنه ليعجبني أن يكون الرجل في أهل بيته كالصبي، فإذا ابتغى منه وجد رجلاً (٢).

стр. 879

٣ - الورع: روي عن عمر ﵁ أنه قال: إن الدين ليس بالطنطنة من آخر الليل ولكن الدين الورع (١). وروي أن قال: من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه (٢). ٤ - الصبر: روي عن عمر ﵁ أنه قال: أولا يسكت أحدكم، فإن عوفي شكر، وإن ابتلي صبر (٣).

стр. 880

٥ - محاسبة النفس: روي أن عمر ﵁ كتب إلى بعض عماله: أن حاسب نفسك قبل حساب الشدة، فإنه من حاسب نفسه في الرخاء، قبل حساب الشدة عاد مرجعه إلى الرضى والغبطة (١). وروي أنه قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه (٢). وروي أنه قال: خذوا بحظكم من العزلة (٣).

стр. 881

٦ - تقوى الله: روي عن عمر ﵁ أنه قال: أوصيكم بتقوى الله إذا خلوتم (١). وروي أنه قال: الأمانة ألا تخالف سريرة علانية، واتقوا الله ، فإنما التقوى بالتوقي، ومن يتق الله يقه (٢). ٧ - الرجوع إلى الحق: روي عن عمر ﵁ أنه قال: من ينصف الناس من نفسه يعط الظفر في أمره، والذل في الطاعة أقرب إلى البر من التعزيز في المعصية (٣).

стр. 882

٨ - ذكر الآخرة، وعدم الغفلة: روي عن عمر ﵁ أنه قال: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد (١). ٩ - الاستقامة على الدين: روي أن عمر ﵁ قرأ قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلئِكَةُ﴾ (٢)، فقال: استقاموا والله بطاعة الله، ثم لم يروغوا روغان الثعالب (٣).

стр. 883

١٠ - البدء بإصلاح النفس قبل إصلاح الغير: روي عن عمر ﵁ أنه قال: كفى بالمرء عيباً أن يستبين له من الناس ما يخفى عليه من نفسه، ويمقت الناس فيما يأتي (١). ١١ - المسارعة في فعل الطاعات: روي عن عمر ﵁ أنه قال: التؤدة في كل خير إلا ما كان من أمر الآخرة (٢). ١٢ - الإنفاق في سبيل الله، وإفشاء السلام، والحلم: روي عن عمر ﵁ قوله: إن أجود الناس من جاد على من لا يرجو ثوابه، وإن أحلم الناس من عفا بعد القدرة، وإن أبخل الناس الذي يبخل بالسلام، وإن أعجز الناس الذي يعجز في دعاء الله (٣).

стр. 884

وروي عنه ﵁ في الإنفاق: رحم الله من قدم فضل المال وأمسك عن فضل الكلام (١). ١٣ - التحذير من فتنة المال، والحث على القناعة: روي عن عمر ﵁ أنه قال: للخرق (٢) في المعيشة أخوف عليكم من العوز (٣). إنه لا يقل قليل مع الإصلاح، ولا يبقى كثير مع الإفساد (٤).

стр. 885

وروي عنه ﵁ أنه قال: الكفاف (١) مع القصد (٢) أكفى من السعة مع الإسراف (٣). وروي عنه أنه قال: من استغنى بالله اكتفى، ومن انقطع إلى غير الله يعمى، ومن كان من قليل الدنيا لا يشبع لم ينفعه كثير ما يجمع، فاكتف منها بالكفاف، والزم نفسك بالعفاف، ودع الغلول فإن حسابها غداً يطول (٤).

стр. 886

١٤ - العفو والصفح عن الناس: روي عن عمر ﵁ أنه قال: من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد، ولولا القيامة لكان غير ما ترون (١). وروي عن عمر ﵁ أنه قال: إذا سمعت الكلمة تؤذيك فطأطئ لها حتى تتخطاك (٢). وكان عمر ﵁ يحذر رعيته من مساوئ الأخلاق كما كان يحضهم على محاسنها. قال ﵁ وهو يبين خطر سوء الخلق على المرء: إن المرء تكون فيه عشرة أخلاق تسعة صالحة، وخلق سيء فيفسد السيء التسعة (٣).

стр. 887

وقد حذر عمر ﵁ الناس ونهاهم عن التخلق ببعض الأخلاق السيئة التي هي من الأمراض التي يكثر انتشارها في المجتمعات والتي لها مخاطر عظيمة على الفرد والمجتمع ومنها: ١ - الكذب: قال عمر ﵁: ليس فيما دون الصدق من الحديث خير، من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك (١). وقال ﵁: أما في المعاريض (٢) ما يغني الرجل من الكذب (٣).

стр. 888

وروي عن عمر ﵁ أنه قال: لا تبلغ حقيقة الإيمان حتى تدع الكذب (١). وروي أنه قال: لا تجد المؤمن كذاباً (٢). ٢ - الغيبة: قال ﵁ وهو يحث رعيته على القيام بالأخذ على يد المغتابين وتحذيرهم من فعلهم: ما يمنعكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض

стр. 889

الناس لا تغيروا عليه؟ قالوا: نتقي لسانه، قال: ذلك أدنى أن تكونوا شهداء (١). ٣ - الطمع والغضب: وروي عن عمر ﵁ ما يدل بمجموعه على تحذير عمر ﵁ من هاتين الخصلتين الذميمتين. روي عنه ﵁ أنه قال: قد أفلح منكم من حفظ من الهوى والطمع والغضب (٢). وروي أن عمر قال: لا يغرنك خلق امرئ حتى يغضب، ولا دينه حتى يطمع (٣).

стр. 890

٤ - كثرة التمادح: ومما حذر منه عمر ﵁ رعيته من الخصال الذميمة مدح المرء لأخيه بحضرته لما في ذلك من إدخال الغرور والعجب إلى نفسه، وقد يفضي ذلك إلى الرياء في العمل لكسب ثناء الناس ومدحهم، فيبطل عمل المرء ويفسد ويذهب ثوابه. قال ﵁: المدح الذبح (١). وقال ﵁ لرجل أثنى على رجل بحضرته وفي وجهه: عقرت الرجل عقرك الله (٢). ومما روي عن عمر ﵁ في حطه من نفوس أصحابه إذا رأى منهم إعجاباً بأنفسهم:

стр. 891

أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ دخل على عمر ﵁، وعليه حلة خضراء، فنظر إليها أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى ذلك عمر ﵁، وثب إليه ومعه الدرة، فجعل ضرباً لمعاوية، ومعاوية يقول: الله، الله يا أمير المؤمنين، فيم فيم؟! فلم يكلمه حتى رجع، فجلس في مجلسه، فقال له القوم: لم ضربت الفتى يا أمير المؤمنين؟ ما في القوم مثله، فقال: والله ما رأيت إلا خيراً، وما بلغني إلا خيراً، ولكني رأيته - وأشار بيده - فأحببت أن أضع منه (١). وروي أن ابناً لعمر ﵁ دخل على عمر، وقد ترجل ولبس ثياباً حساناً فضربه عمر بالدرة، حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم يكن فاحشاً، لم ضربته؟ فقال: رأيته قد أعجبته نفسه، فأحببت أن أصغرها إليه (٢). وروي أن عبد الله بن الزبير ﵁ كان إذا قدمت عليه العير من الشام تحمل الزيت تلقاها فادهن، فقدمت عير، فادهن منها،

стр. 892

فلقيه عمر ﵁، فأخذ بقفاه فقال: ادهنت بعد جفوف، ثم نظرت في حلتك فأعجبتك نفسك، لا تفارقني حتى أجز من شعرك (١). ٥ - تحذيره ﵁ من هفوات الشباب: وحذر عمر ﵁ الشباب الذين هم عماد الأمة بعد الله من الغفلة والطيش والانحراف عن الصراط المستقيم الذي يقترن بمرحلة الشباب غالباً، قال ﵁ وهو ينصح رجلاً: إياك وعثرة الشباب (٢).

стр. 893

المطلب الثاني: إزالة أسباب الفتنة، وانتشار الرذيلة: وإن من اهتمام عمر ﵁ بالنواحي الأخلاقية في المجتمع، محاربته الرذيلة، وذلك بالقضاء على أسباب انتشارها، وذلك بما يلي: ١ - منع الاختلاط بين الرجال والنساء: فالاختلاط من أكبر انتشار الرذيلة والفاحشة في المجتمع، سواءً بالاختلاط بهن في الأماكن العامة أو بالخلوة بهن. وقد رويت عن عمر ﵁ آثار تدل مجتمعة على قيامه ﵁ بمحاربة الاختلاط بين الرجال والنساء. روي عنه ﵁ أنه أتى حياضاً عليها الرجال والنساء، يتوضؤون، فضربهم بالدرة، ثم قال لصاحب الحوض: اجعل للرجال حياضاً والنساء حياضاً (١). وروي أنه ﵁: نهى أن يطوف الرجال مع النساء،

стр. 894

فرأى رجلاً معهن فضربه بالدرة (١). ومما روي عن عمر ﵁ ويدل على تحذيره ﵁ من الدخول على المغيبات الذين غاب أزواجهن في الجهاد لما في ذلك الاختلاء من مظنة وقوع الفاحشة أو داوعيها. روي عن عمر ﵁ أنه قال: لا يدخل على امرأة مغيبة إلا ذو محرم، ألا وإن قيل: حموها، ألا وإن حموها الموت (٢). وروي أن عمر ﵁ قال: لا يدخل رجل على مغيبة، فقام رجل فقال: إن خالاً لي، او ابن عم لي خرج غازياً، وأوصاني بأهله، فأدخل عليهم، فضربه بالدرة، ثم قال: ادن كذا، ادن كذا، وقم على الباب، لا تدخل، فقل: ألكم حاجة؟ أتريدون شيئاً (٣)؟

стр. 895

وروي أنه ﵁ قال: ما بال رجال لا يزال أحدهم كاسراً وسادة عند امرأة مغزية، يتحدث إليها، وتتحدث إليه، عليكم بالجنبة، فإنها عفاف، إنما النساء لحم على وضم (١)، إلا ما ذب عنه (٢). ٢ - منع النساء من التبرج وإبداء الزينة: فقد رويت عن عمر ﵁ آثار تدل مجتمعة على حرصه ﵁ على منع النساء من إبداء زينتهن لغير محارمهن، حتى لا تقع الفتنة بهن. روي أن جارية جميلة لسعد بن أبي وقاص ﵁ يقال لها زيرا، خرجت وعليها قميص فكشفتها الريح، فشد عليها عمر بالدرة، وجاء سعد ليمنعه فتناوله عمر بالدرة، فذهب سعد يدعو على عمر ﵁، فناوله عمر الدرة، وقال: اقتص، فعفا عنه (٣).

стр. 896

وروي أن عمر ﵁ طاف في صفوف النساء، فوجد ريحاً طيبة من رأس امرأة فقال: لو أعلم أيتكن هي لفعلت، وفعلت، لتتطيب إحداكن لزوجها، فإذا خرجت لبست أطمار (١) وليدتها (٢). وروي أن امرأة خرجت متطيبة على عهد عمر ﵁، فوجد ريحها فعلاها بالدرة، ثم قال: تخرجن متطيبات فيجد الرجال ريحكن، وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم، أخرجن تفلات (٣). وروي أن عمر ﵁ قال: يا معشر النساء إذا اختضبتن فإياكن النقش، ولتخضب إحداكن يديها إلى هذا، وأشار إلى موضع السوار (٤).

стр. 897

ومن ذلك ما روي من نهيه ﵁ من دخول النساء الحمامات (١) لما يحصل فيها من الاختلاط وتكشف العورات. روي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي عبيدة ﵁: بلغني أن نساء المؤمنين والمهاجرين يدخلن الحمامات، ومعهن نساء من أهل الكتاب، فازجر عن ذلك وحل دونه (٢). وروي أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: أن لا يدخل رجل الحمام إلا بمئزر، ولا امرأة إلا من سقم (٣).

стр. 898

وروي أن عمر ﵁ خطب بالجابية فقال: وإياكم أن تدعوا نساءكم يدخلن الحمامات، فإن ذلك لا يحل (١). ٣ - نفي وإبعاد من يخش من الفتنة: فقد أخرج عمر ﵁ من المدينة من يخشى منه إثارة الفتنة بين الرجال والنساء ونشر الرذيلة والفاحشة، قطعاً لشره وحماية للأمة منه. قال ابن عباس ﵄: لعن النبي ﷺ المتخنثين (٢) من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبي ﷺ فلاناً، وأخرج عمر فلاناً (٣).

стр. 899

ومن الآثار الدالة بمجموعها على إخراج عمر ﵁ من يخشى منه الفتنة على النساء: ما روي من أن عمر ﵁ خرج يعس ذات ليلة، فإذا هو بنسوة يتحدثن فإذا هن يقلن: أي أهل المدينة أصبح؟ فقال امرأة منهن: أبو ذؤيب، فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو من بني سليم، فلما نظر إليه عمر إذا هو من أجمل الناس، فقال له عمر: أنت والله ذئبهن مرتين أو ثلاثاً، والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها، قال: فإن كنت لا بد مسيرني فسيرني حيث سيرت ابن عمي - يعني نصر بن حجاج، فأمر له بما يصلحه وسيره إلى البصرة (١). وروي أن رجلاً يقال له معقل (٢)، وكان رجلاً جميلاً، ويخشى منه على النساء الفتنة، فسمع عمر ﵁ رجلاً يقول:

стр. 900

أعوذ بالله من شر معقل إذا معقل راح البقيع مرجلاً فأرسل عمر ﵁ إلى معقل أن الحق ببادية قومك، ولا ترح إلى المدينة ما دام هذا غازياً حتى يرجع (١). ومن ذلك ما روي أن عمر ﵁ بينما كان يعسّ ذات ليلة إذا امرأة تقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج. فلما أصبح سأل عنه فإذا هو من أحسن الناس شعراً، وأصبحهم وجهاً، فأمره عمر أن يطم (٢) شعره، ففعل فخرجت جبهته فازداد حسناً، فأمر عمر أن يعتم، ففعل، فازداد حسناً. فقال: "لا والذي نفسي بيده لا

стр. 901

تجامعني بأرض أنا بها، فأمر له بما يصلحه، وأمر به إلى البصرة" (١).

стр. 902

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 903

المطلب الثالث: معاملة الفساق والعصاة. تعتبر فئة الفساق والعصاة من الفئات المنحرفة أخلاقاً، وقد عامل عمر ﵁ هذه الفئة معاملة حكيمة عالجت انحرافها ووقت المجتمع مخاطرها، وتمثل ذلك بالآتي: ١ - الرأفة بأهل المعاصي: لقد كان من المبادئ التي عامل عمر ﵁ بها الفساق والعصاة الرفق بهم، وتقديم النصح والتوجيه لهم أملاً في رجوعهم إلى الحق ودعوتهم إلى الرشد والصواب من ذلك تلطفه مع بعض من ارتد عن الإسلام أملاً في رجوعه إلى الحقّ بالرغم من عظم إثمه وجرمه. قال أنس بن مالك ﵁: بعثني أبو موسى بفتح تستر (١) إلى عمر ﵁ فسألني عمر فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل (٢)؟ وكان ستة نفر من بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا

стр. 904

بالمشركين، فأخذت في حديث آخر لأشغله، فقال: ما فعل النفر من بكر ابن وائل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، قوم ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين، ما سبيلهم إلا القتل، فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلماً أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء أو بيضاء، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، وما كنت صانعاً بهم لو أخذتهم، قال: كنت عارضاً عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه، فإن فعلوا ذلك قبلت منهم، وإلا استودعتهم السجن (١). ولعلّ عمر ﵁ فعل بهم ذلك، لأنه علم أنهم قد غرر بهم وأنهم ارتدوا بسبب جهلهم وقلة علمهم، وأن استوداعهم السجن مع وعظهم وإرشادهم سبب في عودتهم ورجوعهم إلى الحقّ. لأن عمر ﵁ كان له موقف آخر من مرتدّين آخرين وهو قتلهم مباشرة إن لم يتوبوا. فقد كتب عبد الله بن مسعود ﵁ إليه في قوم من أهل العراق ارتدوا، فكتب إليه: أن اعرض عليهم دين الحق، وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوها، فخل عنهم، وإن لم يقبلوها، فاقتلهم، فقبلها بعضهم فتركه، ولم يقبلها بعضهم فقتله (٢).

стр. 905

وجاء عن عمر ﵁ أيضاً التلطف مع شارب الخمر أملاً في عودته للحقّ وحرصاً على عدم نفوره من الحقّ ولحاقه بأهل الفسق والكفر. فقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: كنت مع عمر ابن الخطاب ﵁ في حج أو عمرة، فإذا نحن براكب، فقال عمر ﵁: أرى هذا يطلبنا، فجاء الرجل، فبكى فقال عمر: ما شأنك؟ إن كنت غارماً أعناك، وإن كنت خائفاً أمناك، إلا أن تكون قتلت نفساً، فتقتل بها، وإن كنت كرهت جوار قوم حولناك عنهم، قال: إني شربت الخمر، وأنا أحد بني تميم، وإن أبا موسى جلدني، وحلقني، وسود وجهي، وطاف بي في الناس، وقال: لا تجالسوه، ولا تؤاكلوه، فحدثت نفسي بإحدى ثلاث، إما أن أتخذ سيفاً فأضرب به أبا موسى، وإما أن آتيك فتحولني إلى الشام، فإنهم لا يعرفوني، وإما أن ألحق بالعدو، وآكل معهم وأشرب، فبكى عمر ﵁ وقال: ما يسرني أنك فعلت وإن لعمر كذا وكذا، وإني كنت لأشرب الناس لها في الجاهلية، وإنها ليست كالزنى، وكتب إلى أبي موسى: سلام عليك أما بعد، فإن فلان بن فلان التميمي أخبرني بكذا وكذا، وايم الله لئن عدت لأسودن وجهك، ولأطوفن بك في الناس، فإن أردت أن تعلم صدق ما أقول لك فعد، وأمر الناس أن يجالسوه ويؤاكلوه وإن تاب قبلت شهادته، وحمله وأعطاه مائتي درهم (١).

стр. 906

وروي أن عمر ﵁ قال: إذا رأيتم أخاكم زل زلة فقوموه وسددوه وادعوا الله أن يتوب عليه ويراجع به إلى التوبة، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه (١). ٢ - الستر على أهل المعاصي وعدم التشهير بهم: ومن الأساليب التي كان عمر ﵁ يعامل بها العصاة والفساق، عدم التشهير بهم، وإبداء عوراتهم وفضح أسرارهم، وخاصة من تاب منهم، ورجع عن ذنبه، حرصاً منه ﵁ على عدم شعورهم بالنقص، ونبذ المجتمع لهم، فيؤثرون المعصية على التوبة والطاعة.

стр. 907

كان شرحبيل بن السمط (١) ﵁ على جيش قرب المدائن (٢)، فقال لجنده: إنكم نزلتم أرضاً الشراب فيها فاش، والنساء فيها كثيرة، فمن أصاب منكم حداً فليأتنا، فنقيم عليه الحد، طهوره، فبلغ ذلك عمر ﵁ فكتب إليه: لا أم لك، أنت الذي تأمر الناس أن يهتكوا ستر الله الذي سترهم (٣). وتزوج رجل امرأة في عهد عمر ﵁ ولها ابنة من زوج قبله، وكان له ابن من زوجة سابقة، ففجر ابنه ببنت زوجته الثانية فرفع ذلك إلى عمر ﵁ فحد الابن، وأخر المرأة حتى وضعت ثم حدها، ثم حرص أن يتزوج كل منهما الآخر، ولكن الابن أبى (٤).

стр. 908

وجاء رجل إلى عمر فذكر له أن ابنة له قد خُطبت، وكانت قد أحدثت، فقال عمر: ما رأيت منها؟ قال: ما رأيت إلا خيراً، فقال ﵁: زوّجها ولا تخبر (١). ٣ - معاقبة الفساق وإهدار حرمتهم: ومما عامل به عمر ﵁ العصاة والفساق إيقاع العقوبة عليهم، وإهدار حرمتهم، وذلك إذا تعدى فسقهم لغيرهم، وانتشر شرهم وبغيهم، وذلك حفاظاً على مصالح المسلمين، ولكي يكونوا عبرة لغيرهم. روى عبيد بن عمير (٢) أن رجلاً ضاف ناساً من هذيل (٣)، فذهبت جارية لهم تحتطب، فأرادها عن نفسها، فرمته بفهر فقتلته، فرفع ذلك إلى عمر ﵁ فقال: ذاك قتيل الله، والله لا يودى أبداً (٤).

стр. 909

وأحرق عمر ﵁ بيت رويشد الثقفي، وكان حانوتاً للشراب، وكان عمر ﵁ قد نهاه. قال راوي الخبر: فلقد رأيته يلتهب كأنه جمرة (١). وروي أن رجلاً من الأنصار اسمه أشعث غزا في جيش من جيوش المسلمين، وكان له أخ فقالت له امرأته: هل لك في امرأة أخيك معها رجل يحدثها، فصعد فأشرف عليه، وهو معها على فراشها وهو يقول: وأشعث غره الإسلام مني خلوت بعرسه يوم التمام أبيت على حشاياها ويمسي على دهماء (٢) لاحقة الحزام كأن مواضع الربلات (٣) منها تمام قد جمعن إلى تمامي

стр. 910

فوثب إليه، فضربه بالسيف حتى قتله، ثم ألقاه فأصبح قتيلاً بالمدينة، فقال عمر: أنشد الله رجلاً كان عنده من هذا علم إلا قام به، فقام الرجل: فأخبره بالقصة، فقال: سحق، وبعد (١).

стр. 911

المطلب الرابع: إقامة الحدود إن إقامة الحدود، والأخذ على يد الفساق والبغاة من أهم عوامل الانضباط الخلقي لدى المجتمعات، وإن مجتمعاً تطبق فيه أحكام الدين بإقامة الحدود، يقل فيه الفساد والانحلال الخلقي، وارتكاب الجريمة، ويسود فيه الأمن والأمان، ويأمن فيه الخلق على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ولقد عمل عمر ﵁ على إقامة الحدود بكل دقة وحزم في أنحاء الدولة الإسلامية التي اتسعت وترامت أطرافها، وكثر رعاياها من مسلمين وكتابيين وغيرهم على القريب والبعيد والشريف والوضيع. وسأتكلم عن هذا المطلب في مسألتين: المسألة الأولى: إقامة عمر ﵁ الحدود على من استوجبها من العصاة (١). فقد أقام عمر ﵁ الحدود المختلفة على من استوجبها من أهل الكبائر ومنها:

стр. 912

١ - حد شرب الخمر: فقد حد عمر ﵁ قدامة بن مظعون ﵁ لشربه الخمر وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر ﵄، وكان عمر ﵁ استعمله على البحرين، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة شرب، فسكر ولقد رأيت حداً من حدود الله حقاً عليَّ أن أرفعه إليك، فقال عمر ﵁: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة، فدعا أبا هريرة فقال: أما تشهد؟ فقال: لم أره حين شرب، ولكني رأيته سكران يقيء، قال: لقد تنطعت في الشهادة يا أبا هريرة، ثم كتب إلى قدامة أن يقدم إليه، وأرسل عمر ﵁ هند بنت الوليد يسألها، فأقامت الشهادة على زوجها فقال عمر ﵁ لقدامة: إني جالدك يا قدامة، فقال: لئن كان كما يقولون فليس لك أن تجلدني، قال: لم؟ قال: لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) حتى قرأ الآية، فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله عليك، ثم استشار الناس فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وجعاً، قال: لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن يلقاه وهو في عنقي، إيتوني بسوط فأمر بقدامة فجلد (٢).

стр. 913

وممن جلد عمر ﵁ في شرب الخمر ابنه عبد الرحمن، قال ابن عمر ﵁: شرب أخي عبد الرحمن، وشرب معه أبو سروعة عقبة بن الحارث (١)، وهما بمصر في خلافة عمر ﵁، فسكرا، فلما أصبحا، انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر، فقالا: طهرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه، فقال عبد الله: فذكر لي أخي أنه سكر، فقلت: ادخل الدار أطهرك، ولم أشعر أنهما أتيا عمرواً فأخبرني أنه قد أخبر الأمير بذلك، فقال عبد الله: لا يحلق القوم على رؤوس الناس، ادخل الدار أحلقك، وكانوا إذا ذاك يحلقون مع الحدود فدخل الدار، فقال عبد الله: فحلقت أخي بيدي، ثم جلدهم عمرو فسمع بذلك عمر فكتب إلى عمرو: أن ابعث إلي بعبد الرحمن على قتب (٢). ففعل ذلك، فلما قدم على عمر جلده وعاقبه لمكانه منه، ثم أرسله فلبث شهراً صحيحاً ثم اصابه قدره فمات، فيحسب عامة الناس إنما مات من جلد عمر، ولم يمت من جلد عمر (٣).

стр. 914

وروي أن عمر ﵁ كان يقضي حاجته بأجياد (١) فوجد سكراناً، فطرق به عبيدالله بن أبي مليكة (٢)، وكان جعله يقيم الحدود، فقال: إذا أصبحت فاجلده (٣). وكان عمر ﵁ ربما غرب في الخمر، فقد أتى عمر ﵁ بشيخ شرب الخمر في رمضان، فقال: للمنخرين للمنخرين (٤)، وولداننا صيام، فضربه ثمانين، ثم سيره إلى الشام (٥).

стр. 915

وجاء في رواية أن عمر ﵁ غرب ربيعة بن أمية بن خلف (١) في الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرب بعده مسلماً أبداً (٢). وقد زاد عمر ﵁ حد الخمر من أربعين جلدة إلى ثمانين جلدة باستشارة الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك حينما رأى عمر ﵁ أن الناس قد أكثروا من شرب الخمر وذلك بعدما خالطوا أهل البلاد المفتوحة من الفرس والروم ونزلوا أرضهم التي يكثر فيها الخمر ومن يتعاطاه.
следующие страницы →