← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المطلب الرابع: إقامة الحدود إن إقامة الحدود، والأخذ على يد الفساق والبغاة من أهم عوامل الانضباط الخلقي لدى المجتمعات، وإن مجتمعاً تطبق فيه أحكام الدين بإقامة الحدود، يقل فيه الفساد والانحلال الخلقي، وارتكاب الجريمة، ويسود فيه الأمن والأمان، ويأمن فيه الخلق على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ولقد عمل عمر ﵁ على إقامة الحدود بكل دقة وحزم في أنحاء الدولة الإسلامية التي اتسعت وترامت أطرافها، وكثر رعاياها من مسلمين وكتابيين وغيرهم على القريب والبعيد والشريف والوضيع. وسأتكلم عن هذا المطلب في مسألتين: المسألة الأولى: إقامة عمر ﵁ الحدود على من استوجبها من العصاة (١). فقد أقام عمر ﵁ الحدود المختلفة على من استوجبها من أهل الكبائر ومنها:

стр. 912

١ - حد شرب الخمر: فقد حد عمر ﵁ قدامة بن مظعون ﵁ لشربه الخمر وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر ﵄، وكان عمر ﵁ استعمله على البحرين، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة شرب، فسكر ولقد رأيت حداً من حدود الله حقاً عليَّ أن أرفعه إليك، فقال عمر ﵁: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة، فدعا أبا هريرة فقال: أما تشهد؟ فقال: لم أره حين شرب، ولكني رأيته سكران يقيء، قال: لقد تنطعت في الشهادة يا أبا هريرة، ثم كتب إلى قدامة أن يقدم إليه، وأرسل عمر ﵁ هند بنت الوليد يسألها، فأقامت الشهادة على زوجها فقال عمر ﵁ لقدامة: إني جالدك يا قدامة، فقال: لئن كان كما يقولون فليس لك أن تجلدني، قال: لم؟ قال: لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) حتى قرأ الآية، فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله عليك، ثم استشار الناس فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وجعاً، قال: لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن يلقاه وهو في عنقي، إيتوني بسوط فأمر بقدامة فجلد (٢).

стр. 913

وممن جلد عمر ﵁ في شرب الخمر ابنه عبد الرحمن، قال ابن عمر ﵁: شرب أخي عبد الرحمن، وشرب معه أبو سروعة عقبة بن الحارث (١)، وهما بمصر في خلافة عمر ﵁، فسكرا، فلما أصبحا، انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر، فقالا: طهرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه، فقال عبد الله: فذكر لي أخي أنه سكر، فقلت: ادخل الدار أطهرك، ولم أشعر أنهما أتيا عمرواً فأخبرني أنه قد أخبر الأمير بذلك، فقال عبد الله: لا يحلق القوم على رؤوس الناس، ادخل الدار أحلقك، وكانوا إذا ذاك يحلقون مع الحدود فدخل الدار، فقال عبد الله: فحلقت أخي بيدي، ثم جلدهم عمرو فسمع بذلك عمر فكتب إلى عمرو: أن ابعث إلي بعبد الرحمن على قتب (٢). ففعل ذلك، فلما قدم على عمر جلده وعاقبه لمكانه منه، ثم أرسله فلبث شهراً صحيحاً ثم اصابه قدره فمات، فيحسب عامة الناس إنما مات من جلد عمر، ولم يمت من جلد عمر (٣).

стр. 914

وروي أن عمر ﵁ كان يقضي حاجته بأجياد (١) فوجد سكراناً، فطرق به عبيدالله بن أبي مليكة (٢)، وكان جعله يقيم الحدود، فقال: إذا أصبحت فاجلده (٣). وكان عمر ﵁ ربما غرب في الخمر، فقد أتى عمر ﵁ بشيخ شرب الخمر في رمضان، فقال: للمنخرين للمنخرين (٤)، وولداننا صيام، فضربه ثمانين، ثم سيره إلى الشام (٥).

стр. 915

وجاء في رواية أن عمر ﵁ غرب ربيعة بن أمية بن خلف (١) في الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرب بعده مسلماً أبداً (٢). وقد زاد عمر ﵁ حد الخمر من أربعين جلدة إلى ثمانين جلدة باستشارة الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك حينما رأى عمر ﵁ أن الناس قد أكثروا من شرب الخمر وذلك بعدما خالطوا أهل البلاد المفتوحة من الفرس والروم ونزلوا أرضهم التي يكثر فيها الخمر ومن يتعاطاه.

стр. 916

قال أنس بن مالك ﵁: جلد النبي ﷺ في الخمر بالجريد والنعال، ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر، ودنا الناس من الريف (١) والقرى، قال: ما ترون في حدّ الخمر؟ فقال: عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، فجلد عمر ثمانين (٢). ٢ - حد الزنى: قال عمر ﵁: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحمل، أو الاعتراف، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده (٣).

стр. 917

وجلد عمر ﵁ وغرب من استحق الجلد من الزناة. فقد روى ابن عمر ﵄: أن النّبيّ ﷺ ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب وأن عمر ضرب وغرب (١). ٣ - حد القتل: فقد قتل عمر ﵁ عدداً من الرجال، قتلوا رجلاً بصنعاء فقال ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً (٢). ٤ - حد السرقة: قال ابن عباس ﵄: أشهد لرأيت عمر قطع رِجل رجل بعد يد ورِجل، سرق الثالثة (٣).

стр. 918

المسألة الثانية: كيفة إقامة الحدود: ومما ورد عن عمر ﵁ في كيفة إقامة الحدود:

стр. 919

١ - عدم إقام الحدود في المسجد: فقد أتى عمر ﵁ برجل في شيء اقترفه، فقال: أخرجاه من المسجد فاضرباه (١). ٢ - صفة السوط الذي يقام به الحد، وكيفة الجلد به. أتى عمر ﵁ برجل في حد، فأمر بسوط، فجيء بسوط فيه شدة، فقال: أريد ألين من هذا، فأتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشد من هذا، فأتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب به، ولا يرى أبطك، وأعط كل عضو حقه (٢). وأمر عمر ﵁ رجلاً بإقامة الحد على شارب الخمر، فجاء عمر ﵁ وهو يضربه ضرباً شديداً، فقال: قتلت الرجل،

стр. 920

كم ضربته؟ قال: ستين، فقال: اقص عنه بعشرين، فأمره أن يجعل الستين ثمانين لشدة ضربه له (١).

стр. 921

المبحث الثالث: الاهتمام بالنواحي الإجتماعية وفيه ثلاثة مطالب المطلب الأول: العناية بالنكاح والعلاقة الزوجية، وفيه مسألتان المطلب الثاني: العمل على الترابط الأسري، والتكافل الاجتماعي المطلب الثالث: الاهتمام بالأنساب والأسماء، وفيه مسألتان

стр. 922

المطلب الأول: العناية بالنكاح والعلاقة الزوجية، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: عناية عمر ﵁ بالنكاح واهتمامه به: لقد أولى الشارع الحكيم أمور النكاح وما يتعلق به عناية كبيرة وعظيمة إذ هو أساس تكوين الأسرة ثم المجتمع المسلم، فالعناية به عناية بالأسرة والمجتمع، وقد اشتملت نصوص الكتاب والسنة على عدد كبير من النصوص التي تعالج مسائل النكاح وما يتعلق به، ونظراً للمكانة التي تحتلها قضية النكاح فقد حرص عمر ﵁ على العناية بها عناية كبيرة وعظيمة تتناسب وأهمية هذه القضية وخطورتها وتمثل ذلك في عدة أمور هي: ١ - حثه ﵁ على النكاح وعلى تيسير أموره: قال ﵁ وهو يحث رعيته على نكاح المرأة المسلمة الحسنة الخَلق والخُلق الودود الولود: والله ما أفاد رجل فائدة بعد الإسلام خير من امرأة حسناء حسنة الخلق، ودود، ولود، والله ما أفاد رجل بعد الشرك بالله شر من امرأة سيئة الخلق حديدة اللسان (١).

стр. 923

ومما روي عن عمر ﵁ ويدل على حثه على النكاح: ما روي من قوله ﵁ لأبي الزوائد (١): ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور (٢). وروي أنه قال: زوجوا أولادكم إذا بلغوا لا تحملوا آثامهم (٣). وروي عنه قوله ﵁: اطلبوا الفضل في الباه، وتلا عمر ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤).

стр. 924

وروي أن عمر ﵁ قال: أبرزوا الجارية التي لم تبلغ، لعل بني عمها أن يرغبوا فيها (١). ومن حث عمر ﵁ على النكاح واهتمامه به حثه أولياء الزوجات أو النساء على عدم المغالاة بالمهور، فغلاء المهور كثيراً ما يكون سبباً في إحجام كثير من الراغبين في النكاح عنه لقلة ذات اليد. قال عمر ﵁: ألا لا تغالوا في صَدُقَة النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها نبي الله ﷺ . ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئاً من نسائه، ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية (٢).

стр. 925

وأما ما روي من أن عمر ﵁ صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صُدُق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله ﷺ ، أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل، فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟! قال: بل كتاب الله ، فما ذلك؟ قالت: نهيت الناس آنفاً في صدق النساء، والله يقول في كتابه ﴿وءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١)، فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثاً، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: إني نهيتكم أن تغالوا في صدق النساء، ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له (٢). فهو أثر غير ثابت.

стр. 926

وكذلك لا يثبت ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: خرجت وأنا أريد أن أنهاكم عن كثرة الصداق حتى عرضت لي هذه الآية: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا … ﴾ الآية (١). ٢ - حرصه على شرعية الأنكحة، وإلغاء الأنكحة الفاسدة ومعاقبته لمن يتعامل بها: فمن الأنكحة المحرمة التي حرص عمر ﵁ على تطهير المجتمع منها، نكاح المتعة، وهو نكاح المرأة لمدة مؤقتة على مهر معين. قدم عمرو بن حريث (٢) من الكوفة، وقد استمتع بمولاة من الموالي، فأتى بها إلى عمر وهي حبلى، فسألها، فقالت: استمتع بي عمرو ابن حريث فسأله، فأخبره بذلك أمراً ظاهراً، فقال عمر: فهلا غيرها، فذلك حين نهى عمر ﵁ عن المتعة (٣).

стр. 927

ولعل عمر ﵁ لم يعاقب من نكح نكاح المتعة كما مر في قصة عمرو بن حريث مراعاة لجهله بحكم التحريم حيث كان بعض الناس لا يعلمون بتحريم النبي ﷺ للمتعة. قال جابر بن عبد الله ﵄: فعلناهما أي متعة الحج، ومتعة النساء مع رسول الله ﷺ ، ثم نهانا عنهما عمر ﵁ فلم نعد لهما (١). قال النووي ﵀: هذا محمول على أن الذي استمتع في عهد أبي بكر وعمر، لم يبلغه النسخ (٢). ولكن عمر ﵁ أوضح للناس حقيقة تحريم النبي ﷺ للمتعة حتى يعذر إليهم، وأوعد من فعل هذا النكاح بالرجم. قال ﵁: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله … (٣) وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة (٤).

стр. 928

وقال ﵁ وهو يبين تحريم النبي ﷺ للمتعة: إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها، والله لا أعلم أحداً يتمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله ﷺ أحلها بعد إذ حرمها (١). ولعل عمر ﵁ رجع عن توعده بإيقاع عقوبة الرجم بمن نكح نكاح المتعة، وقد أحصن لعدم فعل النبي ﷺ وأبي بكر لذلك. فقد ثبت عنه ﵁ قوله: لو كنت تقدمت في متعة النساء لرجمت (٢). ولم ينقل أن عمر ﵁ رجم أحداً نكح نكاح المتعة في خلافته، والله أعلم.

стр. 929

ومن الأنكحة الفاسدة التي توعد عمر ﵁ من عمل بها، نكاح التحليل: قال عمر ﵁: لا أوتى بمحلل (١)، ومحلل له إلا رجمتهما (٢). ومما عاقب عليه عمر ﵁ من الأنكحة، نكاح المرأة في عدتها. فقد نكحت طليحة في عدتها بعد أن طلقها زوجها البتة، فضربها عمر ﵁ وضرب زوجها بمخفقة ضربات، وفرق بينهما (٣).

стр. 930

ومنها نكاح المرأة عبد ها: فقد روي أن عمر ﵁ أتى بامرأة تزوجت عبد ها، فقال: ما حملك على هذا؟ قالت: هو ملك يميني، أوليس الله قد أحل ملك اليمين، فأمر بها عمر ﵁ فضربت، وكتب إلى أهل الأمصار ينهاهم عن ذلك (١). وروي أن امرأة جاءت إلى عمر ﵁ فقالت: يا أمير المؤمنين، إني امرأة كما ترى وغيري من النساء أجمل مني، ولي عبد قد رضيت دينه وأمانته، فأردت أن أتزوجه، فدعا عمر بالغلام فضربها ضرباً مبرحاً وأمر بالعبد فبيع في أرض غربة (٢). وهذان الأثران يدلان على معاقبة عمر ﵁ لمن نكحت عبد ها. وكان عمر ﵁ يعاقب من يحرم ما أحل الله من النكاح، جاء رجل إلى عمر ﵁ قال: كانت لي وليدة، وكنت أطؤها فعمدت امرأتي إليها، فأرضعتها، فدخلت عليها وقالت: دونك قد

стр. 931

والله أرضعتها، فقال عمر: أوجعها، وأت جاريتك وإنما الرضاعة رضاعة الصغير (١). ٣ - الحث على نكاح المسلمات العفيفات: فقد حث عمر ﵁ على نكاح النساء العفيفات المسلمات ذوات الدين والخلق، وقد تقدم قوله ﵁: ما أفاد رجل بعد الإسلام خيراً من امرأة حسناء، حسنة الخُلق ودود، ولود (٢). وروي عن عمر ﵁ أنه قال: النساء ثلاثة، فامرأة عفيفة مسلمة هينة لينة، ودود ولود تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقلما تجدها، والأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك شيئاً وأخرى غل، قمل (٣) يجعلها الله في عنق من يشاء وينزعها إذا شاء (٤).

стр. 932

وكان عمر ﵁ يكره نكاح الكتابيات، ويحث من تزوج بهن من أصحابه على مفارقتهن، وذلك حرصاً منه على نكاح المسلمة العفيفة، وخوفاً من توسع الناس في ذلك حتى ينكحوا المومسات منهن، فقد تزوج حذيفة بن اليمان ﵁ يهودية، فكتب إليه عمر: طلقها فكتب إليه حذيفة: لِمَ؟ أحرام هي؟ فكتب إليه: لا، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن (١). وأذن ﵁ في نكاح المؤمنات التائبات من اقتراف الفاحشة، من غير ذكر ما أحدثن قبل توبتهن، فالتائب من الذنب كم لا ذنب له. قال طارق بن شهاب (٢) ﵀: أراد رجل أن يزوج ابنته فقالت: إني أخشى أن أفضحك، إني قد بغيت فأتى عمر، فأخبره فقال: أليس قد تابت؟ قال: نعم، قال: فزوجها (٣).

стр. 933

ولا شك أن هذه الآثار التي فيها الحث على نكاح العفيفات الطاهرات واللاتي يتصفن بحسن الخلق والخلق يشمل الرجال أيضاً، فالذي ينبغي للمرأة وولي أمرها أن يختار لها من الرجال أهل الصلاح والتقوى وممن اتصف بحسن الخلق، وأن لا يجبر الولي المرأة على من تكره من الرجال سواء في خَلقه أو خُلقه. روي أن عمر ﵁ قال: لا تكرهوا فتياتكم على الرجل الذميم فإنهن يحببن من ذلك ما تحبون (١). وروي أنه ﵁ أتى بامرأة شابة، زوجوها شيخاً كبيراً فقتلته، فقال: يا أيها الناس، اتقوا الله ولينكح الرجل لمته من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال، يعني شبهها (٢).

стр. 934

وقد ثبت عن النبي ﷺ ما يؤيد هذا المعنى فقد أمر النبي ﷺ المغيرة ابن شعبة ﵁ حينما خطب امرأة أن ينظر إليها، قال ﷺ : "فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (١). المسألة الثانية: الاهتمام بالعلاقة الزوجية: كان عمر ﵁ حريصاً على دوام السعادة والمحبة والألفة بين الزوجين، وذلك بحث كل من الزوجين على إعطاء الآخر حقوقه والتغاضي عن زلاته، وهفواته، والصبر عليها. فمن حقوق الزوج على زوجته التي حث عمر ﵁ الزوجات على التخلق بها والاتصاف بها في معاملة الزوج حسن الخلق معه وهي كلمة شاملة لحسن معاملة الزوج وإعطائه حقوقه الزوجية، وهذا المعنى مأخوذ من مدح عمر ﵁ للمرأة الحسنة الخلق مع زوجها ووصفها بأنها الزوجة المثالية (٢). ومن حقوق الزوج على زوجته التي هي من عوامل دوام المحبة والألفة بين الزوجين وثقتهما بأنفسهما، اعتراف الزوجة بالجميل الذي يقدمه لها زوجها وعدم إنكار فضله ومعروفه معها.

стр. 935

جاءت امرأة إلى عمر ﵁ فقالت: إن زوجي كثر شره، وقل خيره، فقال لها عمر: ومن هو زوجك؟ قالت: أبو سلمة، قال: إن ذاك الرجل رجل له صحبة، وإنه لرجل صدق، ثم قال عمر لرجل جالس عنده: أليس كذلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا نعرفه إلا بما قلت، فقال عمر لرجل: قم فادعه لي، وقامت المرأة حين أرسل إلى زوجها، فقعدت خلف عمر، فلم يلبث أن جاءا معاً، حتى جلس بين يدي عمر، فقال عمر: ما تقول في هذه الجالسة خلفي، فقال: ومن هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه امرأتك، فقال: وتقول ماذا؟ قال: تزعم أنه قد قل خيرك، وكثر شرك، فقال: بئس ما قالت يا أمير المؤمنين، إنها لمن صالح نسائها، أكثرهن كسوة وأكثرهن رفاهية، ولكن فحلها بكي (١)، فقال عمر: ما تقولين؟ قالت: صدق، فقام إليها عمر بالدرة، فتناولها بها، ثم قال: أي عدوة نفسها، أكلت ماله، وأفنيت شبابه، ثم أتيت تخبرين بما ليس فيه، فقالت: يا أمير المؤمنين لا تعجل فوالله لا أجلس هذا المجلس أبداً، ثم أمر لها بثلاثة أثواب فقال: خذي لما صنعت بك، وإياك أن تشتكي هذا الشيخ، ثم أقبل على زوجها بعد أن قامت، فقال: لا يمنعك ما رأيتني صنعت بها أن تحسن إليها، انصرفا. فقال الرجل ما كنت لأفعل (٢).

стр. 936

ومن حقوق الزوج على زوجته التي رويت عن عمر والتي يعتبر عدم تخلق الزوجة بها سبباً رئيساً لشقاء الحياة الزوجية، ومن ثم تفككها وانهيارها، وهذا الحق هو حفظ المرأة لزوجها في غيبته وعدم خيانته في نفسها وماله وأهله، روي عنه ﵁ أنه قال: ثلاث هن فواقر (١)، جار سوء في دار مقامة، وزوجة سوء إن دخلت عليها آذتك، وإن غبت عنها لم تأمنها، وسلطان إن أحسنت إليه لم يقبل منك، وإن أسأت إليه لم يقلك (٢).

стр. 937

ومما ذمه عمر ﵁ في هذا الأثر أيضاً سوء تعامل الزوجة مع زوجها وإيذائها له، وعدم إعطائه حقه في حسن العشرة. أما حقوق الزوجة على زوجها التي أشار إليها عمر ﵁ فهي حسن تعامله معها وحسن عشرته لها، ويدل على ذلك ما مر في الأثر السابق من قول عمر ﵁ لزوج المرأة التي جاءت تشكوه، فلامها عمر ﵁، ثم قال له: لا يمنعك ما رأيتني صنعت أن تحسن إليها (١). والإحسان إلى الزوجة هو إعطاؤها حقوقها التي شرعها الله ، وحسن التعامل معها في المبيت والسكن والنفقة. ومن حقوق الزوجة على زوجها التي نبه عمر ﵁ الأزواج إليها وألزمهم بها، لأن التقصير فيها غالباً ما يكون منهم، حق الزوجة في المبيت والفراش، الذي هو المقصد الأول من النكاح، والذي تحصل به عفة الفرج للرجل والمرأة. خرج عمر ﵁ يوماً في الليل يتفقد أحوال رعيته، فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني، إلا حبيب ألاعبه

стр. 938

فجاء عمر ﵁ إلى ابنته حفصة ﵂ فقال: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها، فقالت: ستة أو أربعة أشهر، فقال عمر ﵁: لا أحبس الجيش أكثر من هذا (١).

стр. 939

وروي أن عمر ﵁ مر في بعض طرق المدينة، فسمع امرأة تقول: دعتني نفسي بعد خروج عمرو … إلى اللذات فاطلع التلاعا (١) فقلت لها: عجلت فلن تطاعي … ولو طالت إقامته رباعا أحاذر أن أطيعك سب نفسي … ومخزاة تجللني قناعاً فقال عمر ﵁، وأتي بالمرأة: أي شيء منعك؟ قالت: الحياء، وإكرام عرضي، فقال عمر ﵁: إن الحياء ليدل على

стр. 940

هنات (١) ذات ألوان، من استحيا استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وفى، وكتب عمر إلى صاحب زوجها فأقفله إليها (٢). وروي أن امرأة جاءت عمر ﵁ فقالت: زوجي رجل صدق يقوم الليل ويصوم النهار، ولا أصبر على ذلك فدعاه فقال: لها من كل أربعة أيام يوم، وفي كل أربع ليال ليلة (٣). وروي كذلك أن امرأة جاءت إلى عمر ﵁ فقالت: إن زوجها لا يصيبها فأرسل إليه، فسأله فقال: قد كبرت سني، وذهبت قوتي، فقال عمر: أتصيبها في كل شهر مرة؟ قال: في أكثر من ذلك، فقال عمر: كم؟ قال: أصيبها في كل طهر مرة، قال عمر: اذهبي فإن في هذا ما يكفي المرأة (٤).

стр. 941

ومن حقوق الزوجة على زوجها التي ألزم عمر ﵁ بها الأزواج، الإنفاق عليها، وعلى من يعول من عياله، وإعطائهم حقوقهم المالية. كتب عمر ﵁ إلى أمراء الأجناد، أن ادع فلاناً وفلاناً ناساً قد انقطعوا من المدينة: إما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يبعثوا إليهن بنفقة، وإما أن يطلقوا ويبعثوا بنفقة ما مضى (١). ومن حقوق الزوجة في مال زوجها غير الإنفاق عليها، نصيبها في الميراث من ماله بعد وفاته، فقد عاقب عمر ﵁ من حرم نساءه من ميراثهن منه. طلق غيلان الثقفي (٢) نساءه، وقسم ماله بين بنيه في خلافة عمر ﵁، فبلغ ذلك عمر ﵁، فقال له: طلقت نساءك وقسمت مالك بين بنيك؟ قال: نعم. قال: والله إني لأرى الشيطان فيما يسرق من السمع سمع بموتك فألقاه في نفسك، فلعلك أن لا تمكث إلا قليلاً، وايم الله لئن لم تراجع نساءك وترجع في مالك لأورثهن

стр. 942

منك، إذا مت، ثم لآمرن بقبرك فليرجمن كما رجم قبر أبي رغال (١). فراجع نساءه وراجع ماله، قال نافع راوي الأثر: فما مكث إلا سبعاً حتى مات (٢). ومن حقوق الزوجة على زوجها والتي تدخل ضمن حسن العشرة، الاستئذان على الزوجة خاصة عند القدوم من سفر أو غيبة طويلة، وعدم الدخول عليها ليلاً على غرة وغفلة، فقد يرى منها ما يكره ويكون ذلك سبباً لفراقه لها وطلاقه إياها. قال عبد الله بن عمر ﵄: أقبل عمر بن الخطاب ﵁ من غزوة سرغ (٣)، حتى إذا بلغ الجرف (٤)، قال: يا أيها

стр. 943

الناس، لا تطرقوا النساء ثم بعث راكباً إلى المدينة، بأن الناس داخلون الغداة (١). وإن من اهتمام عمر ﵁ بالعلاقة الزوجية وحرصه على دوامها واستمرارها في ظل المحبة والألفة بين الزوجين لما في ذلك من تماسك البيت المسلم والقضاء على أسباب الفرقة والعداوة في المجتمع المسلم، تشدده ﵁ في أمر الطلاق، ومعاقبته لمن تسرع وتساهل فيه. جاء رجل إلى ابن مسعود ﵁ فقال: كان بيني وبين امرأتي بعض ما يكون بين الناس، فقالت: لو أن الذي بيدك من أمري بيدي، لعلمت كيف أصنع، فقلت: إن الذي بيدي من أمرك بيدك، قالت: فأنت طالق ثلاثاً، فقال ابن مسعود ﵁: أراها واحدة، وأنت أحق بالرجعة، وسألقى أمير المؤمنين عمر فلقيه فقص عليه القصة، فقال عمر: فعل الله بالرجال، وفعل الله بالرجال، يعمدون إلى ما في أيديهم فيجعلونه في أيدي النساء، بفيها التراب، ماذا رأيت؟ قال: أراها واحدة، وهو أحق بها، قال عمر ﵁: وأنا أرى ذلك (٢).

стр. 944

وطلق رجل بالمدينة امرأته ألف مرة، وجاء إلى عمر ﵁ وقال: إنما كنت ألعب، فعلا عمر ﵁ رأسه بالدرة، وفرق بينهما (١). وطلق رجل امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فأوجعه عمر ﵁ ضرباً وفرق بينهما (٢). وقال أنس بن مالك ﵁ في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً، قبل أن يدخل بها هي ثلاث، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وكان عمر إذا أتى به أوجعه (٣). ومن عناية عمر ﵁ بأمر الطلاق وتشدده فيه، وحرصه على عدم تسرع الناس فيه، وتهاونهم بشأنه، أنه جعل الطلاق الثلاث في مجلس واحد تقع ثلاثاً تبين بها الزوجة من زوجها بينونة كبرى، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

стр. 945

قال ابن عباس ﵄: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر ﵁ طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (١). ومما روي في حرص عمر ﵁ على دوام العلاقة الزوجية أن عمر ﵁ أخذ امرأة ناشزاً، فوعظها فلم تُقبل بخير فحبسها في بيت كثير الزبل ثلاثة أيام، ثم أخرجها فقال: كيف رأيت؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لا والله ما وجدت راحة إلا هذه الثلاث، فقال عمر ﵁: اخلعها ويحك، ولو من قرطها (٢).

стр. 946

المطلب الثاني: العمل على الترابط الأسري، والتكافل الاجتماعي: وكما عمل عمر ﵁ على نشر المحبة والمودة بين الأزواج وعلى استمرار العلاقة الزوجية الكريمة بين الزوجين فإنه ﵁ حرص أيضاً على الترابط بين أفراد الأسرة الواحدة وعلى توثيق حبال المودة والطاعة بين أفرادها وخاصة علاقة الأبناء بوالديهم. وقد رويت عن عمر ﵁ آثار تدل مجتمعة على حرصه ﵁ طاعة الأبناء لوالديهم وبرهم بهم. روي أن عمر ﵁ رد رجلاً من الطريق أراد الغزو بغير إذن أبويه، وكان أبوه حين خرج ابنه قال قولاً يلوم فيه ابنه على تركه والديه قال: تركت أباك مرعشة يداه … وأمك ما تسيغ لها شراباً فبلغ قوله ذلك عمر ﵁ فرده (١).

стр. 947

وروي أن محمد بن طلحة (١) أراد الغزو، فأتت أمه عمر، فأمره أن يقيم (٢). وروي أن عمر ﵁ كان يطوف بالكعبة إذا رجل يحمل أمه وهو يقول: أحمل أمي وهي الحمالة … ترضعني الدِّرَّة (٣) والعُلالة (٤).

стр. 948

هل يجزين ولد فعاله فقال عمر ﵁: لا ولا رضعة واحدة (١). وروي أن رجلاً أتى عمر ﵁ فقال: إن لي أماً بلغ بها الكِبر أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية، أوضئها وأحرف وجهي عنها، فهل أديت حقها؟ قال: لا، قال: أليس قد حملتها على ظهري، وحبست عليها نفسي؟!، قال: إنها كانت تصنع ذلك بك، وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنع ذلك، وأنت تتمنى فراقها (٢).

стр. 949

وروي أن رجلاً جاء إلى عمر فقال: إني قتلت نفساً، قال: ويحك، أخطأ أم عمداً؟ هل من والديك أحد حيٌ؟ قال: نعم، قال: أمك، قال: لا والله، إنه لأبي، قال: انطلق فبره وأحسن إليه، فلما انطلق قال عمر: والذي نفس عمر بيده لو كانت أمه حيّة فبرها وأحسن إليها رجوت أن لا تطعمه النار أبداً (١). وعمل عمر ﵁ على تقوية أواصر الأخوة الإسلامية بين أفراد المجتمع المسلم، وذلك بالحث على التقارب والتواصل ومصاحبة أهل التقوى والصلاح ومودتهم، ومجانبة أهل الشر والبغي والفساد. قال ﵁: إذا رزقكم الله مودة امرئ مسلم فتشبثوا بها (٢).

стр. 950

وقال ﵁: لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوك، واحتفظ من خليلك إلا الأمين، فإن الأمين من القوم لا يعدله شيء، ولا تصحب الفاجر ليعلمك فجوره، ولا تفش سرك، واستشر في أمرك الذين يخافون الله (١).
следующие страницы →