← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

المطلب الثاني: العمل على الترابط الأسري، والتكافل الاجتماعي: وكما عمل عمر ﵁ على نشر المحبة والمودة بين الأزواج وعلى استمرار العلاقة الزوجية الكريمة بين الزوجين فإنه ﵁ حرص أيضاً على الترابط بين أفراد الأسرة الواحدة وعلى توثيق حبال المودة والطاعة بين أفرادها وخاصة علاقة الأبناء بوالديهم. وقد رويت عن عمر ﵁ آثار تدل مجتمعة على حرصه ﵁ طاعة الأبناء لوالديهم وبرهم بهم. روي أن عمر ﵁ رد رجلاً من الطريق أراد الغزو بغير إذن أبويه، وكان أبوه حين خرج ابنه قال قولاً يلوم فيه ابنه على تركه والديه قال: تركت أباك مرعشة يداه … وأمك ما تسيغ لها شراباً فبلغ قوله ذلك عمر ﵁ فرده (١).

стр. 947

وروي أن محمد بن طلحة (١) أراد الغزو، فأتت أمه عمر، فأمره أن يقيم (٢). وروي أن عمر ﵁ كان يطوف بالكعبة إذا رجل يحمل أمه وهو يقول: أحمل أمي وهي الحمالة … ترضعني الدِّرَّة (٣) والعُلالة (٤).

стр. 948

هل يجزين ولد فعاله فقال عمر ﵁: لا ولا رضعة واحدة (١). وروي أن رجلاً أتى عمر ﵁ فقال: إن لي أماً بلغ بها الكِبر أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية، أوضئها وأحرف وجهي عنها، فهل أديت حقها؟ قال: لا، قال: أليس قد حملتها على ظهري، وحبست عليها نفسي؟!، قال: إنها كانت تصنع ذلك بك، وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنع ذلك، وأنت تتمنى فراقها (٢).

стр. 949

وروي أن رجلاً جاء إلى عمر فقال: إني قتلت نفساً، قال: ويحك، أخطأ أم عمداً؟ هل من والديك أحد حيٌ؟ قال: نعم، قال: أمك، قال: لا والله، إنه لأبي، قال: انطلق فبره وأحسن إليه، فلما انطلق قال عمر: والذي نفس عمر بيده لو كانت أمه حيّة فبرها وأحسن إليها رجوت أن لا تطعمه النار أبداً (١). وعمل عمر ﵁ على تقوية أواصر الأخوة الإسلامية بين أفراد المجتمع المسلم، وذلك بالحث على التقارب والتواصل ومصاحبة أهل التقوى والصلاح ومودتهم، ومجانبة أهل الشر والبغي والفساد. قال ﵁: إذا رزقكم الله مودة امرئ مسلم فتشبثوا بها (٢).

стр. 950

وقال ﵁: لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوك، واحتفظ من خليلك إلا الأمين، فإن الأمين من القوم لا يعدله شيء، ولا تصحب الفاجر ليعلمك فجوره، ولا تفش سرك، واستشر في أمرك الذين يخافون الله (١).

стр. 951

ومما روي عن عمر ﵁ في بث المحبة والمودة في المجتمع الدعوة إلى مصاحبة الأخيار ومؤاخاتهم، وهجران أهل المعصية وأصحاب السوء ومفارقتهم. روي عن عمر ﵁ أنه قال: يصفي لك ود أخيك أن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس، وتسلم عليه إذا لقيته (١).

стр. 952

وروي عن عمر ﵁ أنه قال: عليك بإخوان الصدق، فعش في أكنافهم فإنهم زين في الرخاء، وعدة في البلاء (١). وروي عنه ﵁ أنه قال: جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة (٢).

стр. 953

وروي أنه قال: من يصحب صاحب السوء لا يسلم (١). وروي أن عمر ﵁ قال في العزلة راحة من خلطاء السوء (٢). ومن مبادئ الصحبة والصداقة التي أرشد إليها عمر ﵁، أن يكون المرء المسلم معتدلاً في محبته وبغضه فلا يحب لدرجة الكلف والغلو، ولا يبغض لدرجة العداوة الشديدة. قال ﵁: لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً (٣).

стр. 954

وحث عمر ﵁ على التكافل الاجتماعي والتعاون وبذل الخير بين أفراد المجتمع لما في ذلك من إشاعة المودة والألفة والأخوة في المجتمع المسلم، وقد رويت عن عمر ﵁ آثار تدل بمجموعها على هذا المعنى. ومن ذلك ما روي من أن عمر ﵁ مر في السوق بعد صلاة الغداة، فسمع صوت مولود يبكي، فقام عليه فإذا عنده أمه، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: جئت إلى هذا السوق لبعض الحاجة، فعرض لي المخاض، فولدت غلاماً، وهي إلى جنب دار قوم في السوق، فقال عمر: هل شعر بك أحد من أهل هذه الدار؟ أما إني لو علمت أنهم شعروا بك ثم لم ينفعوك، فعلت بهم، وفعلت، ثم دعا لها بشربة سويق فقال: اشربي هذه تقطع الحشا، وتعصم الأمعاء، وتدر العروق (١). وروي أن الضحاك بن خليفة (٢) ﵁ ساق خليجاً له من العريض (٣)، فأراد أن يمر في أرض محمد بن مسلمة (٤) ﵁،

стр. 955

فأبى محمد فقال الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب منه أولاً وآخراً، ولا يضرك؟! فأبى محمد، فكلم الضحاك عمر ﵁، فدعا محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال: لا، فقال عمر لمحمد بن مسلمة: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك منفعة تشرب منه أولاً وآخراً ولا يضرك؟! فقال محمد بن مسلمة: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به، ولو على بطنك، فأمر عمر أن يمر به ففعل الضحاك (١). وروي أن أناساً من أصحاب النبي ﷺ سافروا فأرملوا (٢) فمروا بحي من الأعراب، فسألوهم القرِى فأبوا، فسألوهم الشرى فأبوا، فضبطوهم، وأصابوا من طعامهم، فذهبت الأعراب إلى عمر ﵁ يشكوهم، فأشفقت الأنصار، فقال عمر: تمنعون ابن السبيل ما يخلق الله بالليل والنهار في ضروع الإبل والغنم؟! لابن السبيل أحق من التأني عليه (٣).

стр. 956

وروي أن عمر ﵁ قال: إذا كنتم ثلاثة، فأمّروا أحدكم يعني في السفر، فإذا مررتم براعي إبل، أو راعي غنم، فنادوه ثلاثاً فإن أجابكم أحد فاستسقوه، وإلا فانزلوا فاحلبوا واشربوا ثم صروا (١). وهذا الأثر والذي قبله يرتقي لدرجة الحسن لغيره ويدل على إلزام عمر ﵁ لأهل البادية بإغاثة ابن السبيل الذي نفد زاده. وروي أن رجلاً استقى على باب قوم، فأبوا أن يسقوه فأدركه العطش فمات فضمنهم (٢). وحرص عمر ﵁ على إزالة أسباب الشقاق والفرقة والبغضاء بين أفراد المجتمع المسلم، فكان يعاقب من يتعرض لأعراض الناس، ويذكر معائبهم ويقدح فيهم لما يسببه ذلك من العداوة والتقاطع والتدابر بين أفراد المجتمع المسلم.

стр. 957

قال أبو رجاء العطاردي (١) رحمه الله تعالى: كان عمر وعثمان ﵄ يعاقبان على الهجاء (٢). وقد تقدم ما ورد من معاقبة عمر للحطيئة بحبسه وهمه بقطع لسانه لما هجا الزبرقان بن بدر (٣). ومما روي عن عمر ﵁ ويدل على معاقبة من يتعرض لأعراض الناس بالقدح والسب والشتم أن رجلاً هجا قوماً في زمان عمر ﵁، فجاء رجل منهم فاستأدى (٤) عليه عمر فقال عمر ﵁: لكم لسانه، ثم دعا الرجل، فقال: إياكم أن تعرضوا له بالذي قلت، فإني إنما قلت ذلك عند الناس كيما لا يعود (٥).

стр. 958

وروي أن رجلاً جاء إلى كعب (١) بن عجرة ﵁، فجعل يذكر عبد الله بن أبي سلول، وما نزل فيه من القرآن ويسبه، وكان بين كعب وعبد الله بن أبي حرمة وقرابة، وكعب ساكت، فانطلق الرجل إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، ألم تراني ذكرت ما نزل في عبد الله بن أبي، فلم يكن من كعب، فالتقى عمر كعباً، فقال: ألم أخبر أن عبد الله ابن أبي ذكر عندك، فلم يكن منك، فقال كعب: قد سمعت مقالته، فلما رأيته كأنه يعمد مساءتي، فقال عمر: وددت لو ضربت أنفه، أو وددت أني لو كسرت أنفه (٢).

стр. 959

المطلب الثالث: الاهتمام بالأنساب والأسماء، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الاهتمام بالأنساب: إن معرفة النسب والاهتمام به من المقاصد التي جاء بها الدين، وحث عليها الشارع الحكيم، ذلك لما لها من أهمية ومكانة اجتماعية عظيمة، فبمعرفة الأنساب تمكن صلة الأرحام والقرابات، وتتوقف على معرفة النسب مسائل هامة في النكاح والميراث والولاء وغيرها، لذلك حذر النبي ﷺ من انتساب المرء لغير نسبه الذي يعلم صحته، قال ﷺ : "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قوماً ليس له فيهم فليتبوأ مقعده من النار" (١). ولكن النبي ﷺ حذر من التفاخر بالأنساب، ومعرفتها بغرض الاستعلاء بها على الناس، ولأجل الشهرة والسمعة والطعن في أنساب الغير. قال ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهما كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (٢). ونظراً لهذه المكانة الاجتماعية الهامة التي تمثلها الأنساب فقد حرص عمر ﵁ على العناية بها، والاهتمام بصحتها لتحقيق الغاية الاجتماعية الشرعية منها، وتمثل ذلك بما يلي:

стр. 960

١ - الحرص على إلحاق الأبناء بآبائهم الشرعيين. فقد جاء أن امرأة هلك عنها زوجها، فاعتدت أربعة أشهر وعشراً، ثم تزوجت حين حلت، فمكثت عند زوجها أربعة أشهر ونصفاً ثم ولدت له ولداً تاماً، فجاء زوجها عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له، فدعا عمر ﵁ نسوة من نساء الجاهلية قدماء فسألهن عن ذلك، فقالت امرأة منهن: أنا أخبرك عن هذه المرأة، هلك عنها زوجها حين حملت، فهرقت الدماء، فحش (١) ولدها في بطنها، فلما أصابها زوجها الذي نكحت، وأصاب الولد الماء تحرك الولد في بطنها، وكبر، فصدقها عمر ﵁، وفرق بينهما، وقال لهما: أما إنه لم يبلغني عنكما إلا خيراً، وألحق الولد بالأول (٢). فقد تحرى عمر ﵁ في هذه القضية المشكلة، وسأل نساء الجاهلية وذلك لما للنساء من خبرات وتجارب في مسائل الحمل والوضع.

стр. 961

وكان عمر ﵁ يستعين في تحريه فيمن أشكل أمره من الأولاد حتى يلحقه بنسبه الصحيح بالقافة الذين يعرفون شبه الولد بأبيه. جاء رجلان إلى عمر ﵁ كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا عمر قائفاً فنظر إليهما، فقال القائف: لقد اشتركا فيه، فضربه عمر بالدرة وقال: وما يدريك؟ ثم دعا المرأة فقال: أخبريني خبرك، فقالت: كان هذا لأحد الرجلين يأتيها، وهي في الإبل لأهلها، فلا يفارقها حتى يظن وتظن قد استمر بها حمل، ثم انصرف عنها، فهرقت الدماء، ثم خلف هذا يعني الآخر، ولا أدري من أيهما هو، فكبر القائف، فقال عمر للغلام، والِ أيهما شئت (١). وروي أن ثلاثة من التجار، تداولوا جارية فولدت فدعا عمر القافة فألحقوا ولدها بأحدهم (٢).

стр. 962

وقد حذر عمر ﵁ أولياء الإماء الذين ينكحوهن من إطلاقهن يخرجن من غير رقابة مما يعرضهن لأيدي الفساق، ووقوعهن في الفاحشة، وتوعد من فعل ذلك بإلحاق أولاد إمائه به، سواء أقر بذلك أم لم يقر، وذلك حرصاً منه ﵁ على محافظة الرجال على إمائهن وولائدهن حتى لا ينشأ منهن أبناء في المجتمع لا يعرفون آباءهم. قال عمر ﵁: ما بال رجال يطأون ولائدهم، ثم يدعونهن يخرجن، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فأمسكوهن بعد أو أرسلوهن (١). وروي أن عمر ﵁ مر على غلمان على بئر يدلون فيها، ومعهم أمة تدلي معهم فقال: ها! لعل صاحب هذه أن يكون يصيب منها، ثم يبعثها فيما ترون، أما إنها لو جاءت بولد ألحقناه به (٢).

стр. 963

٢ - إنكار عمر ﵁، ومعاقبته لمن ينتسب لغير أبيه: فقد أنكر ﵁ على صهيب الرومي (١) ﵁ انتسابه للعرب ولسانه أعجمي، ولكن صهيباً أوضح لعمر ﵁ صحة نسبه وحقيقته. قال ﵁ لصهيب: ما فيك شيء أعيبه إلا ثلاث خصال لولاهن ما قدمت عليك أحداً، وذكر عمر منها وتنتسب عربياً ولسانك أعجمي، فقال صهيب ﵁: وأما انتسابي في العرب، فإن الروم سبتني وأنا صغير (٢).

стр. 964

وعاقب عمر ﵁ من انتسب لغير أبيه وقومه، فقد كان في زمانه مملوك يقال له كيسان، فسمى نفسه قيساً، وادعى نفسه إلى مواليه ولحق بالكوفة، فركب أبوه إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين ولد على فراشي ثم رغب عني، وادعى إلى مواليه، ومولاي. فقال عمر ﵁: أزيد بن ثابت، ألم تعلم أنا كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، فقال زيد: بلى، فقال عمر: انطلق فاقرن ابنك إلى بعيرك، ثم انطلق به، فاضرب بعيرك سوطاً وابنك سوطاً (١). ٣ - الحث على تعلم النسب لصلة الأرحام والقرابات: قال عمر ﵁: تعلموا أنسابكم ثم صلوا أرحامكم والله ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم لأوزعه ذلك عن انتهاكه (٢).

стр. 965

٤ - التحذير من التفاخر بالأنساب ومعاقبة من فعل ذلك، والإنكار عليه: بلغ عمر ﵁ أن رجلاً قال: يا آل بني تميم، فحرم عمر ﵁ بني تميم العطاء سنة، ثم أعطاهم في رأس السنة عطاءين (١)، وذلك تأديباً لهذا الرجل الذي أراد إثارة العصبيات والحميات الجاهلية. ومن الآثار المروية عن عمر ﵁ الدالة بمجموعها على معاقبة عمر ﵁ من اعتز وتفاخر بقومه ونسبه. روي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: أما بعد، فإنه بلغني أنه دعي في جندك بدعوى الجاهلية، وأنه قيل: يا آل ضبة، إن ضبة لم تجز خيراً قط، ولم تدفع سوءاً قط، فإذا جاءك كتابي هذا، فأنزل بهم عقوبة في أشعارهم وأبشارهم، لعلهم يعرفون إن لم يفقهوا (٢).

стр. 966

وروي أن رجلاً من قبيلة بلي حي من قضاعة بالشام نادى: يا آل قضاعة، فبلغ ذلك عمر ﵁ فكتب إلى عامل الشام، أن يسير ثلث قضاعة إلى مصر (١). وروي أن عمر ﵁ قال: من اعتز بالقبائل فأعضوه (٢). وعاب عمر ﵁ على من احتقر أهل النسب الوضيع من الموالي وغيرهم وتوعده بالعقوبة. فقد روي عن عمر ﵁ ما يدل بمجموعه على ذلك. روي أن قوماً قدموا على عامل لعمر ﵁، فأجاز العرب وترك الموالي، فكتب إليه عمر ﵁: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم (٣).

стр. 967

وروي أن سعد بن أبي وقاص كان بينه وبين سلمان الفارسي ﵄ شيء، فقال سعد وهم في مجلس: انتسب يا فلان، فانتسب ثم قال للآخر: انتسب، حتى بلغ سلمان، فقال: انتسب يا سلمان، فقال: ما أعرف لي أباً في الإسلام، ولكني سلمان ابن الإسلام، فنمى ذلك عمر ﵁، فقال لسعد ولقيه: انتسب يا سعد، فقال: أشهد الله يا أمير المؤمنين وكأنه قد عرف، فأبى أن يدعه حتى انتسب، ثم قال للآخر: انتسب حتى بلغ سلمان فقال: انتسب يا سلمان، فقال: أنعم الله علي بالإسلام، فأنا سلمان ابن الإسلام. قال عمر: قد علمت قريش أن الخطاب كان أعزهم في الجاهلية، وأنا عمر ابن الإسلام أخو سلمان في الإسلام، أما والله لولا لعاقبتك عقوبة يسمع بها أهل الأمصار، أما علمت أو أما سمعت أن رجلاً انتمى إلى تسعة آباء في الجاهلية، فكان عاشرهم في النار، وانتمى رجل إلى رجل في الإسلام، وترك ما فوق ذلك، فكان معه في الجنة (١). وروي أن رجلاً استأذن على عمر ﵁ فقال: استأذنوا لابن الأخيار، فقال عمر ﵁: ائذنوا له، فلما دخل قال له عمر

стр. 968

رضي الله عنه: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان بن فلان، فجعل يعد رجالاً من أشراف الجاهلية، فقال له عمر ﵁: أنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؟ قال: لا، قال: ذلك ابن الأخيار، وأنت ابن الأشرار، إنما تعد علي رجالاً من أهل النار (١). وروي أن عمر ﵁ خرج يمشي وإذا رجل يخطر بين يديه وهو يقول: أنا ابن بطحاء مكة كدياً فكداها (٢)، فوقف عليه عمر ﵁ فقال: إن يك لك دين فلك كرم، وإن يكن لك عقل فلك مروءة، وإن يكن لك مال، فلك شرف وإلا فأنت والحمار واحد (٣).

стр. 969

المسألة الثانية: الاهتمام بالأسماء: كان عمر ﵁ حريصاً على أن تتسمى رعيته بالأسماء الحسنة والتي لا تدل على معنى مكروه أو مستقبح. فقد غير ﵁ اسم والد مسروق بن الأجدع إلى عبد الرحمن (١). وأراد ﵁ أن ينهى أن يسمي ببركة، وأفلح، ويسار، ونافع، ثم تركه (٢). كما كان النبي ﷺ يريد أن ينهى عن تلك الأسماء ثم ترك ذلك، والعلة في ذلك، ليست لمعنى سيء في الاسم، ولكن كما ذكر النبي ﷺ ، فإن المرء قد يسأل فيقول: أثم بركة أو أفلح، أو يسار، فيقال: لا، إذا كان غير موجود، فينفي بذلك وجود البركة والفلاح واليسر (٣).

стр. 970

ومما روي عن عمر ﵁ ويدلّ على كراهيته لبعض الأسماء التي تحمل معنًى سيئاً أنه أراد أن يستعمل رجلاً، فسأله عن اسمه، واسم أبيه فقال: ظالم بن سراقة، فقال: تظلم أنت، ويسرق أبوك، ولم يستعن به (١). وروي أن عمر ﵁ أتاه كتاب من دهقان يقال له: جوابابنه، فأراد عمر ﵁ أن يكتب إليه فقال: ترجموا لي اسمه، فقالوا: هذا بالعربية خير الفتيان، فقال عمر: إن من الأسماء أسماءً لا ينبغي أن يسمى بها، اكتب من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى شر الفتيان (٢). وروي أن عمر قال: لا تسموا الحكم ولا أبا الحكم، فإن الله هو الحكم (٣). وروي أنه ﵁ غير اسم كثير بن الصلت (٤) إلى كثير بعد أن كان اسمه قليل (٥).

стр. 971

وكره عمر ﵁ التسمي بأسماء الأنبياء فقد يحمل هذا الاسم من ليس له أهل. فقد جمع عمر ﵁ كل غلام اسمه اسم نبي، فأدخلهم داراً وأراد أن يغير أسماءهم فشهد آباؤهم أن النبي ﷺ سماهم (١). ودعا عمر ﵁ ابنه عبد الرحمن ليغير كنيته، وكان يكنى أبا عيسى، فقال: يا أمير المؤمنين، والله إن رسول الله ﷺ كنى المغيرة بن شعبة بها (٢). وروي أن المغيرة بن شعبة ﵁ جاء إلى عمر ﵁، فاستأذن عليه، فنادى: يستأذن أبو عيسى، فقال عمر ﵁: من أبو عيسى؟ قال المغيرة بن شعبة: أنا، فقال عمر: وهل لعيسى أب؟!

стр. 972

أما في كنى العرب ما تكتنون بها؟! أبو عبد الله، أبو عبد الرحمن، فقال رجل: أشهد لقد سمعت رسول الله ﷺ كنى بها المغيرة، فقال عمر: إن النبي ﷺ قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنا في خلج (١)، ما ندري ما يفعل بنا، فكناه بأبي عبد الله (٢). وهذا الأثر يخالف الأثر الصحيح المتقدم وفيه أن عمر ﵁ أقر تكني ابنه عبد الرحمن بأبي عيسى بعد أن أخبره أن النبي ﷺ كنى المغيرة بها، وهذا هو الذي يظن بصحابة النبي ﷺ التسليم لقول النبي ﷺ إذا خالف قولهم.

стр. 973

المبحث الرابع: الاهتمام بالحياة المعيشية وفيه مطلبان المطلب الأول: الاهتمام بالعمل والحث على الكسب وطلب الرزق المطلب الثاني: الاهتمام بالمصالح الشخصية، وفيه أربعة مسائل

стр. 974

المطلب الأول: الاهتمام بالعمل والحث على الكسب وطلب الرزق: إن العمل والكسب وطلب الرزق من طرقه المشروعة، مما حث عليه ديننا القويم، وهو الذي تقوم عليه مصالح الناس، وتسير عليه دفة الحياة، وهو مصدر هام من مصادر الحياة المعيشية، فبالعمل تزدهر الحياة وترقى الأمم، وتنال عزتها، ولا تكون عالة على غيرها. وقد حث ﵁ الرعية على العمل والكسب، والاعتماد على النفس ونبذ الكسل والخمول، وبين ﵁ أن ذلك لا يتعارض مع العبادة، والتقرب إلى الله ، وأداء ما أوجب، وأيضاً لا ينافي الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. قال ﵁: يا معشر القراء، ارفعوا رؤوسكم، ما أوضح الطريق فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا كلاً على المسلمين (١). وحث ﵁ رعيته على الكسب، والمحافظة على مصادر الرزق وتنميتها. قال الحارث بن لقيط النخعي (٢): كان الرجل منا تنتج فرسه فينحرها فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذا؟! فجاءنا كتاب عمر: أن

стр. 975

أصلحوا ما رزقكم الله، فإن في الأمر تنفساً (١). وحث عمر ﵁ رعيته على العمل والكسب، وأن يتخذ المرء صنعة أو مصدر رزق له، وأن لا تكون نظرته قاصرة على يومه الذي يعيش فيه، فقد يكون لديه من المال والعطاء ما يغنيه عن العمل، ولكنه قد يفتقر، وقد ينقطع مصدر رزقه في يوم من الأيام. قال عمر ﵁ لأبي ظبيان (٢): كم مالك يا أبا ظبيان؟ قال: قلت: أنا في ألفين وخمسمائة، قال: فاتخذ شاءاً، فإنه يوشك أن تجيء أغيلمة من قريش يمنعون العطاء (٣).

стр. 976

ومن الآثار المروية عن عمر ﵁ والدالة بمجموعها على حث عمر ﵁ على العمل، وترك مسألة الناس، والاعتماد عليهم ما روي من أن عمر ﵁ لقي ناساً من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، فقال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله (١). وروي أن شاباً قوياً دخل المسجد، فقال: من يعينني في سبيل الله؟ فدعا به عمر ﵁، فأتي به، فقال: من يستأجر مني هذا بعمل في أرضه؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا أمير المؤمنين، فقال: بكم تأجره كل شهر؟ قال: بكذا وكذا، قال: خذه فانطلق به، فعمل في أرض الرجل شهراً ثم قال عمر للرجل: ما فعل أجيرنا؟ قال: صالح يا أمير المؤمنين، قال: ايتيني به، وبما اجتمع له من الأجر، فجاء به وبصرة من دراهم، فقال عمر للشاب: خذ هذه، فإن شئت فالآن فاغز، وإن شئت فاجلس (٢).

стр. 977

وروي أن عمر ﵁ قال: فرقوا عن المنية واجعلوا الرأس رأسين (١)، ولاتلثوا بدار معجزة (٢)، وأصلحوا مثاويكم (٣)، وأخيفوا الهوام قبل أن تخيفكم، واخشوشنوا (٤). وروي أنه قال: مكسبة فيها بعض الدنية خير من مسألة الناس (٥).

стр. 978

وروي أن عمر ﵁ كان يمشي في طريق ومعه عبد الله ابن عمر ﵁، فرأى جارية تطيش مرة، وتقوم أخرى، فقال: ها بؤس لهذه هاه، من يعرف تياه؟ فقال عبد الله: هذه إحدى بناتك، قال: بناتي؟! قال: نعم، قال: من هي؟ قال: بنت عبد الله بن عمر، قال: ويلك يا عبد الله بن عمر، أهلكتها هزلاً، قال: ما نصنع منعتنا من عندك، فنظر إليه فقال: ما عندي؟ عزك أن تكسب لبناتك كما تكسب الأقوام؟ لا والله مالك عندي إلا سهمك مع المسلمين (١). وروي أن عمر ﵁ خرج إلى الجار (٢)، فوجد حبًّا منثوراً فجعل عمر يلتقطه حتى جمع منه مدّاً أو قريباً من مد، ثم قال لرجل من الصيادين ألا أراك تصنع مثل هذا، وهذا قوت رجل من المسلمين حتى الليل، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، لو ركبت لتنظر كيف نصطاد، فركب عمر ﵁ معهم فجعلوا يصطادون، فقال عمر:

стр. 979

تا الله إن رأيت كاليوم كسباً أطيب أو قال أحل … الأثر (١).

стр. 980

المطلب الثاني: الاهتمام بالمصالح الشخصية، وفيه أربعة مسائل: المسألة الأولى: الاهتمام بالأطعمة والأشربة: لقد حرص عمر ﵁ على أن تكون الأطعمة والأشربة التي يتناولها الناس مما أباحه الله ، ولا تشوبه شائبة حرام، خصوصاً بعد تفرق المسلمين في البلاد المفتوحة، من بلاد فارس والروم والتي تكثر فيها الأطعمة والأشربة المحرمة والمشبوهة. كتب عمر ﵁ إلى جنده بأذربيجان (١): بلغني أنكم في أرض يخالط طعامها الميتة، ولباسها الميتة، فلا تأكلوا إلا ما كان ذكياً، ولا تلبسوا إلا ما كان ذكياً (٢). وقد بين عمر ﵁ لرعيته حل بعض الأطعمة التي كانت عند الكفار، وأجاز لهم تناولها وأكلها، ومن ذلك الجبن، وذبائح بعض الطوائف فقد وصف الجبن لعمر ﵁ حين أصابه المسلمون من المجوس فأكلوا ولم يسألوا فقال ﵁: اذكروا اسم الله عليه، وكلوه (٣).

стр. 981

وكتب عامل لعمر ﵁ فقال: إن ناساً قبلنا يدعون السامرة يقرأون التوراة، ويسبتون السبت، لا يؤمنون بالبعث، فما يرى أمير المؤمنين في ذبائحهم؟ فكتب إليه عمر: إنهم طائفة من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب (١). ومن اهتمام عمر ﵁ بالأطعمة إرشاده لبعض الأطعمة التي فيها المنفعة الكبيرة مع قلة مؤنتها وسهولة حصول الفقير عليها من ذلك قوله ﵁: لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله (٢). فبين عمر ﵁ أهمية هذا الطعام، وهو نخالة الدقيق، والتي ربما كان الناس لا يُعيرونها أهمية كبيرة، وقد أثبت الطب الحديث فوائد نخالة الدقيق لصحة الجسم وقوته. ومن ذلك قول عمر ﵁ في الضب (٣): إن الله ينفع به

стр. 982

غير واحد، فإنما طعام عامة الرعاء منه، ولو كان عندي لطعمته (١). وروي أن عمر ﵁ رأى رجلاً سميناً في عام سنة، فقال: ما طعامك؟ قال: الضباب، قال عمر: وددت أن لي في كل حجر ضب ضبين (٢). وروي عن عمر ﵁ التحذير من الإكثار من بعض الأطعمة لما في الإكثار منها من ضرر على الصحة. فقد روي عن عمر ﵁ التحذير من إكثار أكل اللحم، روي أنه قال لبنيه: لا تديموا أكل اللحم (٣). وروي أنه قال: إياكم وكثرة اللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر (٤).

стр. 983

وكان عمر ﵁ يحث رعيته على الزهد في الأطعمة وعدم التوسع فيها، ويذكرهم بحال نبيهم ﷺ . قال ﵁: لقد رأيت رسول الله ﷺ ، وما يجد من الدقل (١) ما يملأ به بطنه (٢). ومما روي عن عمر ﵁ في حثه رعيته على الزهد في الأطعمة أنه دخل على ابنه عاصم وهو يأكل لحماً فقال: ما هذا؟ فقال: قرمنا إلى اللحم، فقال عمر ﵁: كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كل ما يشتهي (٣). وروي أن جابر بن عبد الله ﵄ مر على عمر ﵁ بلحم قد اشتراه بدرهم، فقال عمر: ما هذا؟ قال: اشتريته بدرهم، قال: كلما اشتهيت شيئاً اشتريته؟! لا تكون من أهل هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا﴾ (٤).

стр. 984

وروي أن عمر ﵁ بلغه أن يزيد بن أبي سفيان ﵁ يأكل ألوان الطعام، فقال عمر ﵁ لمولاه يرفأ: إذا عملت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني، فلما حضر عشاؤه أعلمه، فأتى عمر، فسلم واستأذن، فأذن له، فدخل فقرب عشاؤه، فجاء بثريدة لحم، فأكل عمر معه منها، ثم قرب شواء، فبسط يزيد يده، فكف عمر، ثم قال: الله يا يزيد بن أبي سفيان، أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لأن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقتهم (١). وأما اهتمام عمر ﵁ بالأشربة فإنه قد حرص على إبعاد رعيته عن شرب ما حرم الله كشرب الخمر، وحذرهم من شربها، وحثهم على التحري في الأشربة مخافة الوقوع في الحرام، قال ﵁ وهو يبين أنواع الأشربة التي يدخل فيها الخمر حتى لا يلتبس الأمر على الناس: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر ما خامر العقل (٢). وعاقب عمر ﵁ من باع الخمر، واتجر به، فقد بلغه

стр. 985

رضي الله عنه أن رجلاً أثرى من بيع الخمر، فقال: اكسروا كل آنية له، وسيروا كل ماشية له (١). ونهى عمر ﵁ رعيته عن الطعام مع من يشرب الخمر، خوفاً من التأثر به، ومشاركتهم في شربها، قال ﵁: لا يجاورنكم خنزير، ولا تأكلوا على مائدة يشرب عليها الخمر (٢). وأجاز عمر ﵁ شرب النبيذ (٣) ما لم يتخمر، وأمرهم إذا خشوا تخمره باشتداده بصب الماء عليه، قبل أن يتخمر، فإذا تخمر حرم مطلقاً (٤). قال عبد الرحمن بن عثمان التيمي (٥) ﵁: صاحبت عمر
следующие страницы →