فيا سائلي عن شرح حالي أما ترى ... نحولي وسقمي والدّموع ومجراها
لقد خطّت الآماق من فوق وجنتي ... سطورا فمن شاء الحقيقة يقراها
فلا تكثروا فيها الملام فإن لي ... فؤادا على طول النّوى ليس ينساها!
صاحبنا الأخلص محمد بن الأمير أبي سرحان مسعود:
ابن أمير المؤمنين العادل بالله أبي تاشفين عبد الرحمن بن أمير المسلمين أبي حمّو موسى ابن أمير المسلمين عثمان بن أمير المسلمين يغمراسن بن زيّان (*).
[كنيته:]
يكنى: أبا زيّان. ورأيته، وصحبته بفاس، في حضرة الملوك من بني مرين.
حاله:
هو صاحبنا الصفيّ، وخليلنا الوفيّ، المظهر لنا من الوداد أطيبه، والواهب من الاعتقاد أعذبه. الخالص صفاؤه من الأكدار، الموفي حقوق الصّحبة بالابتدار. والذي نجم في المعالي فساد، ولم يدنسه درن الفساد.
كنت قد بعثت له بأبيات من قولي، طالبا منه أن يبعث لي بشعر أثبته في كتابنا: المنتخب من درر السّلوك في شعر الخلفاء الأربعة والملوك، وهي:
قرّت (١) بفضلك ألسن الأعداء ... يا ابن الملوك ذوي التّقى الفضلاء
стр. 107
انت الذي حزت الشّجاعة والنّدى ... وعلاك أربى فوق كلّ علاء
أبشر فقد لاحت طلائع ملككم ... واهنأ بملك شامخ، وبقاء
إن الإمارة لا تفوتك، إنها ... تأتيك دون توقّف وتناء
أنت المراد بها لما قد حزت من ... فضل وإحسان وحسن ثناء
ندب نمته من الخلائف عصبة ... أكرم بها من عصبة غرّاء
شهم إذا ما الحرب شبّ ضرامها ... يمشي إليها مشية الخيلاء
يحكي إذا ما لاح نور جبينه ... شمس الضحى والبدر في الظّلماء
راقت محاسنه وطاب ثناؤه ... وهو المعظّم في بني العظماء
[٣٣/أ]
كم حاز في يوم الوغى من مفخر ... وفضيلة جلّت عن الإحصاء
стр. 108
يا ابن الأمير القرم مسعود الرّضا ... وأخا السّماح وفارس الهيجاء (١)
ابعث إليّ قريضك الحلو الذي ... حاكى رياض الحزن غبّ سماء (٢)
واعلم بأنّي فيك ذو وجد لما ... بيني وبينك من لزوم إخاء
أنت الحبيب المخلص الفذّ الذي ... يرعى المودّة في بني الأمراء
فرياض ودّي مخصب جنباته ... وجميل عهدي مشرق الأرجاء
خذها أبا زيّان مني قطعة ... غرّاء ذات طلاوة وبهاء
وعليك منّي ما حييت مجدّدا ... أزكى التحيّة خصّصت بنماء
فجاوبني بقوله:
لله ما بلغت في الإطراء ... وبثثت من ودّ وطيب ثناء (٣)
فاتحتنا بالمدح نظما حاز من ... حسن حواه كواكب الجوزاء
مالي يدان بشكر تلك أياديا ... يا مسدي النّعمى لغير جزاء
стр. 109
أنت الحبيب المحض أنت أخو النّدى ... أنت الأمير ووارث الأمراء
أنت الذي ما تحت خضراء السّما ... ملك سواك أحقّ بالحمراء! (١)
فلتسم إسماعيل ذروة نيقها ... ولتقطعنّ أزاهر العلياء (٢)
ولتقعدنّ على مراتب ملكها ... تبعا إلى الأجداد والآباء
أبا الوليد نداء مشغوف بكم ... كلفا بذكراكم مدى الآناء
ماذا بعثت لنا؟ أزهر يانع ... أم زهر أفق لحن في الظلماء
أم لؤلؤ رطب تناسق نظمه ... في جيد باهرة السّنا غيداء
أم ذلكم حرّ الكلام وعذبه ... وبليغه (٣) المزري على البلغاء
من ذا يجاريكم لدى ميدانه ... ولكم به حوز السّباق النّائي؟
[٣٣/ب]
أيصحّ عند ذوي البصائر والنّهى ... أن تقرن الأنعام بالشعراء؟
عذرا فمثلك من تسامح مغضيا ... يا ذا المحيّا السّمح والإغضاء
وإذا تحققّت المودّة من أخ ... سقط التكلف، شرعة الفضلاء
فانظر بعين رضاك عيب نظامه ... واخفض جناح مذلّة الرّحماء
واكتبه، بل فاكتمه خيفة حاسد ... لي أن أرى في جملة الشّعراء!
...
стр. 110
الباب السادس
في شعر ملوك بني العز في وأبنائهم (*)
стр. 111
الأمير محمد بن الأمير يحيى:
ابن الأمير أبي طالب عبد الله بن الأمير أبي القاسم محمد بن الفقيه القاضي الإمام المجتهد أبي العبّاس أحمد بن القاضي الخطيب محمد اللخمي العزفي (*).
[كنيته:]
يكنى: أبا القاسم؛ وأدركته، ورأيته بفاس في حضرة الملوك من بني مرين وهو ملك مدينة سبتة، وابن ملوكها.
حاله-﵀ -:
نال إمارة قومه بسبته، أشهرا ستة. وقام عليه أحد بني عمّه، فخلعه عن ملكه وحكمه، فاستقرّ ببلادنا الأندلسيّة، في كنف دولتنا الأحمريّة النصرية. فنال بها جاها مكينا عند أمير المسلمين إسماعيل (١) عمّ أبينا. ثم قوّض عن الأندلس الرّحال. واستقرّ بالعدوة، ولم يكن له عنها انتقال إلى أن أتته بها المنيّة فألقت عليه رداها، وانصرمت أيامه وسقته رداها.
وكان في الآداب يمّا لا يسبح؛ بنظم القصائد التي هي أصبح من الخرائد وأملح. [٣٤/أ] مع قوّة نفس في استخراج معمّيات الأدب، ومعرفة بالتّاريخ، ومشاركة في فنون شتّى من الطلب.
أنشدني لنفسه، طالبا من بعض الأعلام الرّبّ بالراء المهملة:
قل لأبي يحيى لنا حاجة ... بالرّبّ من صنعة أربابه
فابعثه لي صرفا بلا نقطة ... تكن أتيت الفضل من بابه
ودعه إن كانت به نقطة ... فأنت للحاجة أولى به
стр. 112
وأنشدني أيضا لنفسه يخاطب. . . (١):
يا ماجدا ما جئته في حاجة ... إلا وكان له الكريم المفضلا
ومؤمّلا مهما شكوت بواقع ... داوى ولو ألفاه داءّ معضلا
وأنشدني أيضا لنفسه، يداعب:
بالله خبّرني وكن صادقا ... هل نلت شيئا ليلة البارحه
أو كنت أيضا عاجزا قاصرا ... ولم تقم منك لها جارحه
وحالة المرء بلا حيلة ... ليست لعمري حالة صالحه!
ابنه صاحبنا محمد-سلمه الله -:
[كنيته:]
يكنى: أبا يحيى، ورأيته، وصحبته بفاس، في حضرة ملوك بني مرين (*).
حاله: ظهر بمفخره الإماريّ على الظّهراء، وسما بمحتده العربيّ على النظراء، وساد بشرفه العلميّ في بني الأمراء، وله همّة عالية، ونفس عن محبّة الفخر غير آبية.
أنشدني لنفسه يمدح أمير المسلمين أبا فارس عبد العزيز بن أمير المسلمين أبي الحسن علي بن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق بمدينة [٣٤/ب] تلمسان، حين دخلها أمير المسلمين أبو فارس عبد العزيز مالكا لها، وفرّ أمامه منها أمير المسلمين المتوكل على
стр. 113
الله أبو حمّو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن الأمير يحيى بن أمير المسلمين يغمراسن بن زيان إلى الصحراء (١):
حنّ المشوق إلى ديار أحبّته ... فسقى الثرى شوقا لذاك بدمعته
واهتاجه وجدا هبوب نسيمها ... لمّا سرى يهديه طيب تحيّته (٢)
وشجاه تذكار العقيق وبانه ... وعهود تأنيس بظل أثيلته (٣)
لله منّا طيب عيش قد مضى ... يا ليت لو سمح الزّمان بعودته
فلكم بلغت من السرور به منى ... ولكم نعمت بطيبه وبلذّته
مع جيرة بانوا وما تركوا سوى ... قلب لفرط الشوق هام بسكرته
لم يودعوا يوم الوداع سوى البكا ... فيه وصلت نهاره مع ليلته
أترى الزّمان يجود لي بوصال من ... أهوى فأحسبه له من نعمته
أو من سبيل للورود بزمزم ... كي ينقع الصّادي لواعج غلّته
أو من سبيل للحلول بطيبة ... يقضي بها المشتاق أقصى منيته
حيث النبيّ الهاشمي محمد ... أسنى عباد الله خير بريّته
اختاره الله العظيم وخصّه ... في الأنبياء بعزّه وبحظوته
стр. 114
وحباه بالقرآن أعظم آية ... رفع الشكوك يقينه عن ملّته
والبدر شقّ إليه لمّا أن بدا ... والأيك جاءت في المقام لدعوته
والجذع حنّ إليه شوقا بعد أن ... قد ناله ما ناله من فرقته
وكذاك سكّن روع ظبي عندما ... وافى إليه مفصحا بشكيّته
وأباد ملك الفرس صادق وعده ... فأذلّ كسرى وهو فوق أسرّته
[٣٥/أ]
والنار أخمدها الإله لبعثه ... فأزاح من زيغ الضّلال وشبهته
هذا هو الفضل العظيم فمن يلذ ... بجنابه نال المفاز بجنّته
يا ربّ عفوك عن عبيد مذنب ... يرجوك تغفر ما قضى من زلّته
فارحم لديك خضوعه وأنله ما ... يرجوه من سر (١) المزار ودعوته
بمقام خير الخلق هاديهم إلى ... طرق الرّشاد بفرضه وبسنّته
فبجاهه نرجو المفاز غدا إذا ... أضحى المسيء هناك رهن خطيّته
صلّى عليه الله ما هبّت صبا ... أو ما تغنّى ساجع في أيكته
وأمدّ بالنّصر العزيز إمامنا ... عبد العزيز المرتضى من أمّته
ملك حمى دين الهدى سلطانه ... وأذلّ دين الكفر قاهر عزّته
стр. 115
فهو الكريم الماجد الشهم الذي ... تعنو الملوك له مخافة سطوته
قد حاز أمر الملك عن آبائه ... وهو الكفيل له برعي أذمّته
ما شئت من خلق كأزهار الرّبا ... إذ جادها صوب الغمام بديمته
تبدو عليه من أبيه شمائل ... في بذل نعماه، وعالي همّته
. . . (١) للعطاء لرفده ... لله منك، مؤيّد في دولته
حكمت سعودك بالّذي أمّنت من ... تمهيد هذا القطر أو من هدنته
والأعور الأشقى إليك يساق كي ... يسقى بكأس حمامه ومنيّته (٢)
إنّ كان للصحراء وجّه وجهه ... لا بارك الله له في وجهته
الأمر أمرك لا يخالف حكمه ... والقطر قطرك قد دعاك لنصرته
مولاي يا عبد العزيز ومن غدا ... بذل النّدى بين الورى من شيمته
[٢٥/ب] وافاك ميلاد النبيّ محمّد ... بزيارة أكرم به وبزورته
فاخلد ودم ما أصبحت أمداحه ... يسري لها حادي الرّكاب [] (٣)
ما رنّمت فوق الغصون حمامة ... أو حنّ مشتاق. . لذكرته (٤)
стр. 116
الباب السابع
فيما بلغنا من شعر كتّاب قومي بني الأحمر ملوك الأندلس
ذو الوزارتين (*) الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى (١)
علي بن محمد بن سليمان بن الجيّاب الانصاري:
[كنيته:]
يكنى: أبا الحسن، وأدركته، وهو من أهل غرناطة من صدور أعيانها
стр. 117
وكتب في الحضرة النّصريّة لستّة من ملوكنا، وقلده الوزارة السلطان أبو الحجّاج يوسف ابن عمّ أبينا مضافة إلى رياسة الكتّاب.
حاله-﵀ -:
كان قد امتطى من ديوان الإنشاء جوادا تقدّم به مجليّا، وغدا كل منتم لهذه الطريقة له مصلّيا. وطلع في سماء الإحسان غيثا، وبرز في ميدان العلوم ليثا. وفي تصريف الأفعال ينسيك سيبويه، وفي علم اللّغة يعفي أثر ابن درستويه، وفي الصنعة البديعية والبيانية يزري بابن سماك، وينسي مآثر ابن سكاك. وشعره وسط، وفهمه مرتبط، وهو عارف بأيام العرب ووقائعها، محصّل لمآثرها وبدائعها.
فمن قوله-﵀-يمدح أمير المسلمين الغالب بالله، الناصر لدين الله أبا عبد الله محمد المخلوع (١) ابن جدّنا أمير المسلمين أبي عبد الله محمد الفقيه ابن جدّنا أمير المسلمين الغالب بالله أبي عبد الله محمد صاحب الدبوس ابن جدنا الأمير أبي الحجّاج يوسف الشهير بالأحمر ابن جدّنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي (٢):
زارت تجرّر نخوة أذيالها ... هيهات تخلط بالنّفار دلالها (٣)
والشمس من حسد لها مصفرّة ... إذ قصّرت عن أن تكون مثالها (٤)
стр. 118
وافتك تمزج لينها بقساوة ... قد أدرجت طيّ العتاب نوالها
كم رمت كتم مزارها لكنّه ... صحّت دلائل لم تطق إعلالها
تركت على الأرجاء عند مسيرها ... أرجا كأن المسك فتّ خلالها
ما واصلتك محبّة وتفضّلا ... لو كان ذاك لواصلت إفضالها
لكن توقّعت السلوّ فجدّدت ... لك لوعة لا تتّقي ترحالها
فوحبّها قسما يحقّ بروره ... لتجشّمنّك في الهوى أهوالها!
حسّنت نظم الشعر في أوصافها ... إذ فتّحت لك في الهوى أقفالها (١)
يا حسن ليلة وصلها ما ضرّها ... لو أتبعت من بعدها أمثالها
لمّا سكرت بريقها وجفونها ... أهملت كاسك لم ترد إعمالها
هذا الربيع أتاك ينشر حسنه ... فافسح لنفسك في مداه مجالها
واخلع عذارك في البطالة جامحا ... واقرن بأسحار المنى آصالها
في جنّة تجلو محاسنها كما ... تجلو العروس لدى الزّفاف جمالها
شكرت أيادي للحيا شكر الورى ... شرف الملوك همامها مفضالها
وصميمها أصلا وفرعا، خيرها ... ذاتا وخلقا، سمحها، بذّالها
الطاهر الأعلى الأمين المرتضى ... بحر المكارم غيثها سلسالها
حاز المعالي كابرا عن كابر ... وجرى لغايات الكرام فنالها
[٣٦/ب]
إن تلقه في يوم بذل هباته ... تلق الغمائم (٢) أرسلت هطّالها
стр. 119
(١) أو تلقه في يوم حرب عداته ... تلق الضراغم فارقت أشبالها
ملك إذا ما صال يوما صولة ... خلت البسيطة زلزلت زلزالها
فبسيبه وبسيفه نيل المنى ... واستعجلت أعداؤه آجالها
الواهب الآلاف قبل سؤالها ... فكفى العفاة سؤالها ومطالها
إن قلت: بحر كفّه، قصّرت إذ ... شبّهت بالملح الأجاج نوالها
ملأ البسيطة عدله وأمانه ... فالوحش لا تعدو على من غالها!
وسقى البريّة فيض كفيّه فقد ... عمّ البلاد سهولها وجبالها
جمع العلوم عناية بفنونها (٢) ... آدابها، وحسابها، وجدالها
منقولها، معقولها، وأصولها ... وفروعها، تفصيلها، إجمالها
فإذا عفاتك عاينوك تهلّلوا ... لمّا رأوا من كفّك استهلالها
وإذا عداتك أبصروك تيقّنوا ... أنّ المنيّة سلطت رئبالها
بدّدت شملهم ببيض صوارم ... روّيت من علق الكماة نصالها
وابحت أرضهم فأصبح أهلها ... جزرا (٣) تغادر نهبة أموالها
فتحت إمارتك السعيدة للورى ... أبواب بشرى واصلت إقبالها
وبنت مصانع رائقات ذكّرت ... دار النّعيم جنانها وظلالها
وأجلّها قدرا وأرفعها مدى ... هذا الذّي سامى النّجوم فطالها
стр. 120
هو جنّة فيها الأمير مخلّد ... بلغت إمارته به آمالها
ولأرض أندلس مفاخر أنتم ... أربابها أضفيتم سربالها
فحميتم أرجاءها وكفيتم ... أعداءها، وهديتم ضلاّلها
فبآل نصر فاخرت لا غيرهم ... لم تعتمد من قبلهم أقيالها
بمحمّد ومحمد ومحمّد ... قصرت على الخصم الألدّ نصالها
فهم الألى فتحوا لكّل عظيمة ... جردا كسبين من النّجيع جلالها
وهم الألى فتحوا لكل ملمّة ... بابا أزاح بفتحه إشكالها
(١) متقلّدون من السيوف عضابها ... متأبّطون من الرّماح طوالها *
الباب الثامن
فيما بلغنا من شعر وزراء قومي بني الأحمر
من بني نصر ملوك الأندلس
الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى
أحمد بن إبراهيم بن صفوان (*):
[كنيته:]
يكنى: أبا جعفر، ويعرف بابن صفوان، وهو من أهل مالقة؛ وأدركته، وكتب في الحضرة السلطانية لجدنا أمير المسلمين أبي عبد الله محمد الفقيه ابن جدنا أمير المسلمين الغالب بالله أبي عبد الله [محمد] صاحب الدبوس، ابن
стр. 123
جدّنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر، ابن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي.
وكتب أيضا لعمّ أبينا أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل، ابن جدنا [٣٨/ب] الرئيس الأمير أبي سعيد فرج، ابن جدنا الأمير أبي الوليد إسماعيل، ابن جدنا الأمير أبي الحجاج يوسف (الشهير) بالأحمر، ابن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي.
وقلّده علامته، ورياسة كتّابه حين بويع بمالقة، وبعض أشهر بغرناطة.
حاله-رحمه الله تعالى -:
له في التصوّف قدم راسخة (١)، وفي أحكام النجوم آية ناسخة. وبرع في الحساب وإحكامه، وأصاب في الفقه وأحكامه. ولا مرية في أنه أبرع من أصاب في التّعاليم وعلمها، وخطّ في ألواح الإجادة قلمها. والأدب نقطة من بحره الزّاخر، وزهرة من أزهار روضه النّاضر.
فمن قوله يعارض قصيدة الإمام الصّوفي أبي القاسم عمر بن الفارض (٢) الفائيّة (٣):
стр. 124
ببهاء عزّك عند ذلّة موقفي ... عطفا على مسترحم مستعطف
أخفاه إخفاء الغرام فشخصه ... وغرامه سيّان مخف أو خفي
ما إن لغمض جفونه من زورة ... أو عطفة إن أنت لم تتعطّف
أيزور جفني غمضه من بعد ما ... شطّ المزار من الحبيب المسعف
والنّوم في حكم الهوى ما انفكّ مذ ... عرف الهوى أثر الأحبّة يقتفي
يشفي المحبين الخيال إذا سرى ... وشفاء حبّي بالخيال المنتفي
ويروعهم عذّالهم وبذكر من ... في ذكره أربي، عذولي متحفي
فأعد حديثك عاذلي واقرع به ... سمعي وصرّح باسم حبّي واهتف
فسماع ذكر أحبّتي لي مبهج ... وبه من الشّوق المبرّح أشتفي
[٣٩/أ]
(معنى) (١) الحبيب بسرّ ذاتي قائم ... والعذل يبدي ما بسرّي قد خفي
لو كان يعلم عاذلي قدر الهوى ... وبمن كلفت لقال لي: اعشق واكلف!
كلّ المحاسن لائح في وجه من ... أضحى به شغفي، وكل العشق في!
لهواي أرباب الهوى قد سلّموا ... ولحسنه تعنو البدور وتختفي
فاشرح غريب جماله ومحبّتي ... وانشر حلى ذاك الغريب وصنّف
стр. 125
١٥ وقف الهوى بالعاشقين مواقفا ... غاياتها قد قصّرت عن موقفي
أدركت من سرّ الهوى مالم يرم ... إدراكه وعرفت ما لم يعرف
فأنا المحبّ حقيقة والحبّ لي ... طبع، يعاف تطبّع المتكلّف
يا ملبسي خلع الضّنا أهلا بما ... أضفيت منها، لست بالمستنكف
بتجرّدي عمّا سواك رفلت في ... حلل العناية والنعيم الأشرف
٢٠ وبمحو ما خطّته أقلام المنى ... في الوهم صحّت لي قراءة أحرفي
واها لأوقات التّداني، حقّ يا ... عيني لفقد رطيبها أن تذرفي (١)
أمسيت من ليل القطيعة في دجى ... ظلمائه خلف الحجاب الأكثف
في وحشة الإعراض حال تصبّري ... وبحسرة الإبعاد طال تأسّفي
وحنين نفسي للرسوم أعلّني ... وتلمّحي الأغيار شتّت مألفي
٢٥ فمتى إلى الإقبال يجنح معرض ... عنّي ويسمح بالقبول معنّفي
واحسرتا ولّى سدى عمري وما ... يجدي عليّ تحسّري وتلهّفي
طفئت لأرباب الهوى نار الهوى ... وتجلّ نار هواي عن أن تنطفي!
وشفى التنعّم بالوصال ضناهم ... وضناي من داء القطيعة ما شفي
وعلى ضناي فلا سلبت شحوب ما ... بي من ضنى، لبسي حلاه مشرّفي
[٣٩/ب]
٣٠ لا أبتغي بشعاره بدلا ولا ... بأقلّ من ولهي (٢) به أنا مكتف
ولّيت قلبي شطر من أحببته ... وأبى الوفاء تقلّبي وتحرّفي
فإليه قصدي حيث كنت وقبلتي ... وتوجّهي، ما عنه لي من مصرف
стр. 126
كيف انصرافي عن هوى من لو بدا ... للشّمس قيل لها: اضمحلّي واختفي!
مّلكته نفسي وروحي والمنى ... والسرّ والنّجوى، ولست بمسرف
٣٥ وإذا المحبّ صفت موارد حبّه ... فوجوده وقف على من يصطفي
أأهيل ودّي والّذين بأنني ... لهم عبيد نسبتي وتعرّفي
أنتم أحبّائي وغاية مقصدي ... وإلى رضاكم ما حييت تشوّفي
وعلى محبّتكم فطرت وإنّني ... لأرى بها ختم الصحيفة مزلفي
ووحقكم قسما أؤكّده وما ... قسم لديّ بقدر حقّكم يفي
٤٠ لرضاكم أشهى إليّ وإن نأى ... عنّي، من العذب الزّلال حلا بفيّ
ولعطفكم من كلّ ما ظفرت به ... أيدي المنى أسنى وإن لم يسعف
ولقد أجلت الفكر فيما أرتجي ... من قربكم بوسائل العهد الوفي
وتحرّقي بلهيب نار جوانحي ... وتجرّعي غصص الدّموع الذّرّف
وحنوّ أضلاعي على قلب شج ... لسهام روعات الأسى مستهدف
٤٥ فعلمت أني حال إقدامي على ... طلب الرّضا أو هيبتي وتوقّفي
مالي سوى فقري لكم وغناكم ... عنّي وسيلة سائل متلطّف
يرجوك حال الخوف تقنطه فيا ... رحمى لراج قانط متخوّف!
فلئن عطفتم فالتعطّف شيمة ... معلومة للمنعم البرّ الحفي
ولئن طردتم من أبيتم قربه ... فرجاؤه عن بابكم لم يصرف
[٤٠/أ]
٥٠ أرضى لنفسي ما رضيتم لي به ... ومن الذي استكفى الثقات فما كفي؟
стр. 127
إني لجودكم عليّ لواثق ... وجميل ظنّي فيه ليس بمخلف
ولئن سموت لما رجوت من المنى ... مستنزلا غيث الرّضا بتلطّف
فأحقّ من رمت استمالة عطفه ... بخضوع مضطر وذلّة معتف
ذو قدرة مترفّع بكماله ... وجلاله عن قدرك المستضعف
٥٥ ولئن غدا حتما على العشّاق في ... شرع الهوى تلف العميد المدنف
فلقد تلفت وعفت قول مسوّف ... «نفسي تحدّثني بأنّك متلفي»!
وله أيضا في التورية (١):
كففت عن الوصال طويل شوقي ... إليك وأنت للرّوح الخليل
و «كفّك» للطّويل فدتك نفسي ... قبيح ليس يرضاه «الخليل»!
وله أيضا في التورية بالعروض:
يا كاملا شوقي إليه وافر ... وبسيط خدّي في هواه عزيز
عاملت أسبابي لديك «بقطعها» ... والقطع في «الأسباب» ليس يجوز
وله أيضا في العذار:
ولما ثناني عن هوى من أحبّه ... عذار بدا في الخدّ أسود فاحم
لحاني على هجرانه بعد وصله ... ومن سحر عينيه لما شدت هاجم (٢)
стр. 128
وقلت له والحقّ أبلج واضح ... إلى ضوئه الملتاح يعشو المخاصم
أيا عبد شمس من محيّاك أشرقت ... ثناني سواد من عذارك فاحم
ومن قبل ما أخفى ظهور السّواد من ... إلى عبد شمس ينتمي وهو راغم!
الفقيه الخطيب القاضي الكاتب صاحب القلم الأعلى:
عبد الحق بن محمد بن عطية المحاربي (*):
[كنيته:]
يكنى: أبا محمد، وأدركته؛ ومسقط رأسه مدينة وادي آش. وهو من كبار صدور أعيان الأندلس، وبيته بيت القضاة والعلماء والخطباء.
وهو من ولد الإمام العالم المجتهد ابن عطيّة المفسّر لكتاب الله! ؛ وكفاه شرفا هذا الجدّ (١).
وولي ببلده وادي آش (٢) الخطابة والقضاء، ثم قدم على الحضرة
стр. 129
السلطانيّة النصريّة الأحمريّة بغرناطة، فكتب بها ورأس كتّابها مع ذي الوزارتين الفقيه الحاجب القائد الكاتب صاحب القلم الأعلى أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب السلماني، في دولة أمير المسلمين الغني بالله أبي عبد الله محمد بن أمير المسلمين أبي الحجّاج يوسف ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل، عم أبينا ابن جدنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج.
فلمّا ولي الملك ابن عمنا أمير المسلمين الغالب بالله المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بن أخي أبينا الرئيس أبي الوليد إسماعيل ابن جدنا أمير المسلمين القائم بإذن الله أبي عبد الله محمد ابن جدنا الرئيس أبي سعيد فرج بن جدنا الأمير أبي الوليد إسماعيل، ابن جدنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر، ابن جدّنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي، قلده العلامة ورياسة الكتاب؛ ونال لديه جاها مكينا.
حاله-سلّمه الله -:
هو في المحاسن قد تثنى عليه الخناصر، وقرم لا تحصي مفاخره الألسن ولا يحصرها الحاصر. وبيته زاحم النجوم بكاهله، وورد نسبه من الشرف أعذب مناهله. ملأ الأبصار جلالة وسمتا، وحاز هديا لا عوج [٤١/أ] فيه ولا أمتا. وبلاغة ينبوعها مسترسل، وفصاحة فرس إجادتها مستنسل.
وخط تميّز به، وعلم تشرّف بسببه.
فمن قوله يمدح ابن عمنا أمير المسلمين الغني بالله أبا عبد الله:
يا قاطع البيد يطوي السّهل والجبلا ... ومنضيا في الفيافي الخيل والإبلا
يجوب آفاق أرض لا يؤنّسه ... إلا تذكّر عهد للحبيب خلا
стр. 130
أو ظبية أذكرت عهد التّواصل إذ ... تحكي اللّحاظ التي عاهدت والمقلا
أستغفر الله في تلك اللّحاظ فقد ... أربى (١) بها الحسن عن ضرب المها مثلا!
٥ أو هادل فوق غصن البان تحسبه ... صبّا لفقد حبيب كان قد ثكلا
أو لامع البرق إذ يحكي إنارته ... كفّا خضيبا مشيرا بالذي عدلا
ماذا عسى أن تقضّي من زمانك في ... قطع الفيافي ترجو أن تنال علا
فكم معالم أرض أو مجاهلها ... قطعتها لا تملّ الرّيث والعجلا
إن كنت تأمل عزّا لا نظير له ... وتبتغي السؤل فيما شئت والأملا
١٠ فالعزّ حرف بعيد لا ينال سوى ... بعزم من شدّ عزم البين وارتحلا
والدرّ في صدف قلّت نفاسته ... ولم يبن فخره إلا إذا انتقلا
فاربأ بنفسك عن أهل وعن وطن ... عهود أنس به قلب المحبّ سلا
وعدّ عن ذكر محبوب شغفت به ... ولا تلمّ به مدحا ولا غزلا
стр. 131
واقصد إلى الحضرة العليا وحطّ بها ... رحلا ولا تبغ عن أرجائها حولا
١٥ غرناطة (١) لا عفا رسم بها أبدا ... ولا سلا قلب من يبغي بها بدلا
فهي التي شرّف الله الأنام بمن ... في مقعد الملك من حمرائها (٢) نزلا
[٤١/ب]
خليفة الله مولانا وموئلنا ... وخير من أمّن الأرجاء والسّبلا
محمد بن أبي الحجّاج أفضل من ... قد قام فينا بحق الله إذ عدلا
من آل نصر أولي الملك الذي بهرت ... علاه كالشمّس لما حلّت الحملا
٢٠ هو الّذي شرّف الله البلاد ومن ... فيها بدولته إذ فاقت الدّولا
أقام عدلا ورفقا في رعيّته ... وكان أرحم من آوى ومن كفلا
فهو المجار به من لا مجير له ... لم يخش أخرى اللّيالي فادحا جللا
стр. 132
إنّ المدائح طرّا لا تفي أبدا ... ببعض ما قد تحلّى من نفيس علا
فالحزم والعزم والإقدام شيمته ... والجود ممّا على أوصافه اشتملا
٢٥ إن قال أجمل في قول وأبدعه ... والفعل أجمل منه كلمّا فعلا
يولي الجميل ويعطي عزّ نائله ... من قد رجاه ولا استجدى ولا سألا
من سائلي عن بني نصر فلا أحد ... منهم بأبلغ منّي كلّما سئلا
هم الذّين إذا ما أمنحوا ابتهجوا ... أسنى العطاء وأبدوا إثره الخجلا
هم الألى مهّدوا أرجاء أندلس ... إذ حكموا في الأعادي (١) البيض والأسلا
٣٠ فإن تسل عنهم يوم الرّهان فلم ... تعدل بأحدثهم في سنّه بطلا
من ذا يجاريهم في كلّ مكرمة ... أيشبه البحر في تمثيله الوشلا (٢)؟
стр. 133
مولاي يا خير من للنّصر قد رفعت ... راياته ولواء الفخر قد حملا
لله عيني لمّا أبصرتك وقد ... أعددت بين يديك الخيل والخولا (١)
وأنت في قبّة يسمو بها عمد ... أقام منآد أمر الدين فاعتدلا
٣٥ الجيش يعشي عيون الخلق منظره ... لمّا اكتسى منك نور الحقّ مكتملا
لا غرو أن شعاع الشّمس يشمل ما ... أضحى عليه إذا ما لاح منسدلا
[٤٢/أ]
وراية النّصر والتأييد خافقة ... قد أسبل الله منها النصر فانسدلا
والخيل قد كسيت أثواب (. . .) (٢) ... (فمن براقعها) (٣) قد ألبست حللا؟
ترى الحماة عليها يوم عرضهم ... يمشون من فرط زهو مشية الخيلا
٤٠ فمن رماة قسيّ العرب عدّتها ... تحكي الأهلّة منها، نورها اكتملا
стр. 134
ومن كماة شداد البأس شأنهم ... أن يعملوا البيض والخطيّة الذّبلا
بسعدك انتظمت تلك الجيوش لأن ... أشبهت في نظمها أسلافك الأولا
لا زلت تزدادها نعمى مضاعفة ... (لها. . (١)) الأرض منها السّهل والجبلا
٤٤ وخلّد الله ملكا أنت ناصره ... ما عاقبت بكر من دهرنا الأصلا
стр. 135
الباب التاسع
فيما بلغنا من شعر قضاة بلادنا الأندلسيّة وفقهائها
الفقيه الكاتب القاضي الخطيب:
محمد بن أحمد الحسنيّ
(*) [كنيته:]
يكنى أبا القاسم، وأدركته، ورأيته.
ونسبه: هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن القاسم بن عبد
стр. 136
الله بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن موسى بن إبراهيم بن محمد بن ناصر بن جنون بن القاسم بن الحسن بن الحسن بن إدريس بن الحسن بن محمد بن علي ابن أبي طالب، كرم الله وجوههم.
وهو من أهل سبته (١)، وارتحل عنها إلى غرناطة، فاستكتبه في الحضرة السلطانية أمير المسلمين أبو الوليد إسماعيل عمّ أبينا بن جدّنا الرئيس الأمير أبي سعيد، وجعله من كتّاب الإنشاء، ثم قلّده القضاء والخطابة بغرناطة.
وولي أيضا بمالقة (٢) القضاء ثم ولي أيضا القضاء بغرناطة ثانية في دولة ابن عمّنا أمير المسلمين الغني بالله أبي عبد الله محمد (المخلوع).
حاله-﵀ -:
احتوى على جمل من الآداب رائقة، وطرائق في الإنشاء فائقة.
وشعره يشبّه بالنّجوم لو نظمت سلكا، ويجري مع النّفوس فيملكها ملكا. وحصّل من علم البيان مفيده وعجيبه، ومعرفة باللّغات الغريبه.
وقوّة نفس في استخراج المعمّى، ولو أنفذ (٣) فيه الملغز مرمى. وتفنّن في جميع العلوم، والمعرفة منها بالمجهول والمعلوم، وثقوب ذهن في الآداب والفهوم (٤).
стр. 137
فمن قوله يتغزّل (١):
دعيني من مقال العاذلين ... وخلّي بين تهيامي وبيني
ومن يك سائلا (٢) فلديّ حب ... سلوّ القلب منه غير هين
علقت، فمقلتي للنوم حرب ... بأعزل، وهو شالي (٣) المقلتين!
مليح الدّلّ شاقت كلّ قلب ... شمائله، وراقت كل عين
جنى وحمى فلم أطلب بثأري ... محاجره ولم أتقاض ديني
أهيم بخدّه وبمبسميه ... فأنسب بالحمى والأبرقين (٤)
عقدت مع الغرام فبعت فيه ... وقاري والتّصبر صفقتين
وهمت بناعم العطفين فيه ... عذاب الصبّ، عذب المرشفين
تدير عليّ عيناه كؤوسا ... كأن سلافها من رأس عين (٥)
١٠ فأحلف بالمحصّب والمصلّى ... وأعلام الصّفا والمأزمين (٦)
لأنتصرنّ بالأجفان حتّى ... تكون دموعها في الحبّ عوني
стр. 138
وحين تعرّفوا كلفي وقلبي ... يصون السرّ عنهم كلّ صون
كففت المقلتين ليشهدا لي ... فجرّحت الدّموع الشّاهدين!
[٤٣/أ]
فلو أبصرت ناظري المعنّى ... وماء الدّمع فوق الوجنتين
١٥ بصرت بوردتين يسحّ منها ... سكيب القطر فوق بهارتين (١)
إذا أعرضت أعرض كلّ صبر ... وآذن نوم أحداقي ببين
ولم تبأ (٢) الرّياض بحسن زيّ ... ولم تزه الرّبا بكمال زين
كأن نسيمها ممّا أقاسي ... تهبّ عليلة بالأبردين (٣)
كأن الزّهر غبّ سما بكته ... لما أبدى حمام الشاطئين (٤)
٢٠ أهيج لها الهوى وتهيجه لي ... فنلفى في الهوى متطار حين
وقد هاج الحمام الوجد قبلي ... لتوبة عند بطن الواديين (٥)
стр. 139
بعيشك هل ترى ثاني وحيد ... يرى بك ثالثا في النّيّرين؟
وهل يدنو من الآمال صب ... بعيد بين هدب النّاظرين؟
فإن يكن الجمال حباك ملكا ... وأيّد ناظريك بحاجبين
٢٥ فما أرضى لملكك أنّ كسرى ... وقيصر في مقام الحاجببين (١)
وإنّ أقلّ حظ يبتغى من ... رضاك يفي بملك الحارثين (٢)
تخبّرني وفي عطفيك لين ... فعالك أنّ قلبك غير لين! (٣)
وأعرف في لحاظك ما رأت في ... ظبى الثّقفيّ قاتلة الحسين (٤)
وألقي في الهوى بيدي ومالي ... على فتكات لحظك من يدين
٣٠ علام الغبّ عنّي؟ لا أغبّت ... بك الخيرات هامية اليدين!
ولا جرت الريّاح عليك إلا ... صبا وسقى محلّك كلّ جون (٥)
стр. 140
الفقيه الخطيب علي بن أحمد الحسني (*):
[٤٣/ ب]
[كنيته:]
يكنى: أبا الحسن، وأدركته بسنّي، ويعرف بالأحيمر، وهو من أهل مالقة.
حاله-﵁ -:
هو صدر الصدور، وواسطة الشذور، ورضيع ثدي الدين، ومعدن الورع المتين. راح في ميدان الصلاح وغدا، وتوشّح بفضل عن الفلاح وارتدى. وطلع في سماء الأدب شهابا، وبرز في ميدان الفصاحة ليثامهابا.
وهو في العلوم مشارك، وآخذ في حفظها غير تارك.
فمن قوله يمدح (**):
الآن تطلب ودّها ووصالها ... من بعد ما شغلت بهجرك بالها (١)
стр. 141
وأتيتها متلبّسا بروائع ... نكر بفودك أصبحت (١) عذّالها
بيض تخيّل للنفوس نصولها ... سمرا تحوّل للنّحور نصالها
مثل الأفاعي الرّقط تنفث في الحشا ... وأرى بفودك جثّما (٢) أصلالها
٥ نار تضرّم في الفؤاد حريقها ... لكن تنير (٣) بمفرقيك ذبالها
جزعت لهذا الشّيب نفسي وهي ما ... زالت تهوّن كل صعب نالها
ولكم صدعت بنافذ من عزمتي ... يهماء (٤) لا يهدى العليم ضلالها
صادمت من كرب الدّنى أشتاتها ... ما خفت غربتها ولا إقلالها (٥)
ولئن تقلّص عسرتي فيء الغنى ... عنّي، فلي نفس تمدّ ظلالها
стр. 142
١٠ ما مزّقت ديباجتي عين امرئ ... عرضت عليه النّفس قطّ سؤالها!
ألقى الليالي غير هيّب (١) صرفها ... والأسد غير مجنّب أغيالها
أمشي الهوينى والعداة تمرّ بي ... مرّا (٢) يطير عن الجياد نسالها
علمت لي الخلق الجميل محقّقا ... وتسيء فيّ على عمى أقوالها
[٤٤/أ]
تبغي انثنائي، هل سمعت بنسمة ... مرّت على نجد تهز جبالها!
١٥ ولربّما عرضت لعيني نظرة ... يرضى الحكيم غرامها وخبالها
من غادة سرق الصّباح بهاءها ... والبدر في ليل التّمام كمالها
تهوى المجرّة أن تكون نجومها ... من حليها، وهلالها خلخالها
عرضت كما مرّت بعينك مطفل ... ترعى بناظرها الكحيل غزالها
ما نهنهت نفسي وإن ضمنت (٣) لها ... عبراتها يوم الوداع وصالها
стр. 143
٢٠ من كان يأمل أن يقوم بمجلس ... حطّت به شهب السّما أثقالها
يحيى (١) أحاديث السّراة أولى النّهى ... نصلي ويضرب في العلا أمثالها
ألقى هواه جانبا وهوت (٢) به ... وجناء تدمن في الدّجى إعمالها
منها في المدح:
ألبست دين الله حلّة آمن ... أضفت على أسرابه (زلزالها) (٣)
أنتم بني نصر نصرتم ملّة ال ... إسلام حين شكت لكم خذّالها
٢٥ كنتم لنا أهلا ورحبتم بنا ... في العدوتين (ومنهم انزالها) (٤)
نزلت على سعد (٥) ليسعد جدّها ... وأوت إلى نصر لينصر آلها
أحرزتم يوم السّقيفة (٦) قودها ... دون الأنام وقيدها وشكالها (٧)
стр. 144
لكن حبوتم من أجرتم منّة ... بخلافة الله التي يعشى لها (١)
إذ تؤثرون سواكم قالت بذا ... آي الكتاب (٢)، فمن يردّ مقالها؟
٣٠ حتّى إذا عثرت ولم ينهض بها ... إلاّكم بادرتم إنشالها
آويتم خير البريّة كلّها ... ومغيثها ونجاتها وثمالها
من ألبس الشرف الرفيع وضيعها ... وكسا معصفرة الحجا جهّالها
[٤٤/ب]
ومنها:
لما تحققّت النبوّة أنّها ... قد زلزلت منها الورى زلزالها
وتقاعست عن منعها أعمامها ... أمّت أئمة نصرها أخوالها (٣)
٣٥ فوثبتم مثل الليّوث لنصرها ... والحرب تخطف خلفها أمثالها
فأدرتم منها زبونا أصبحت ... ترمي رؤوس الملحدين ثفالها
ومنها:
«بدر» وما بدر وردم قليبها ... بجنادل الطّاغوت تملأ جالها (٤)
ولكم «بأوطاس» (٥) وقد حمي الو ... طيس على العدى يوم أطاح محالها
فنزعتم أرواحها، وسبيتم ... أولادها، وسلبتم أموالها
стр. 145
٤٠ وذهبتم بالمصطفى لدياركم ... وحبا سواكم شاءها وجمالها (١)
فزتم به فوز المعلّى منحة ... أحرزتم دون الأنام منالها
يا أيّها الملك الذي من ملكه ... جنت الملوك جمالها وجلالها
ما زال حزبك في الورى يعلو على ... مرّ الدّهور ويعتلي أجبالها
حتّى حللت من المجادة ذروة ... ما حلّ غيرك في المجادة حالها
٤٥ تحمي الهدى، تهمي النّدى، تولي الجدا ... وتقي الرّدى، وتري العدا أوجالها (٢)
خذها كما دارت بكاس سلافها ... حوراء تمزج باللّمى جريالها (٣)
تثني على السّحر الحلال وشاحها ... وتدير من خمر الفتون حلالها!