ابن عمنا الرئيس الأمير الذي بويع بالطشاتين (١) أبي الوليد إسماعيل، ابن جدنا السلطان أمير المسلمين القائم بإذن الله أبي عبد الله محمد، ابن جدنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج ابن جدنا الأمير أبي الوليد إسماعيل، ابن جدنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر؛ ابن جدنا السلطان أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي.
[كنيته:]
يكنى أبا عبد الله، وأدركته. وهو ملك الأندلس وهو ابن أخي أبي ﵀.
حاله-رحمه [الله] -
وصفته في كتابنا (فريد العصر من شعر بني نصر) ما نصه:
«هو الملك الذي قدح زند الفضائل فأورى. وأعاد على الملة المحمدية عهد الشباب وقد أصبح ماؤه غورا؛ والبهمة الذي تحدث الركبان بشجاعته نجدا وغورا؛ الأريحي الذي جاد بجراه (٢) رياض الآمال فراق نضرة ونورا. المتألق عطر ذكره تألق الصبح، والذي كان له في تجارة الجهاد أوفر ربح. فإن ذكر الكرم فهو ابن بجدته، وإن وصف الإقدام فهو عين نجدته:
стр. 72
حدّث به عن حاتم يوم النّدى ... واسمع بزيد الخيل يوم المغنم
ولا مرية في أنه بحر الجود المتلاطم الأمواج. ومنتهى الآمال حين تضيق بالمعتفين المسالك والفجاج. جادت من سماء جوده على العلماء كل هاطلة ثره؛ وجرت أنهار عطائه لهم لأنهر المجره. أنسى-حقا-ما يؤثر عن الطائي، ووسع -صدقا-بإشاره القريب والنائي. فعادت أخباره أحلى من الأناشيد، وأملك للقلوب [٢٠/ب] من الأغاريد، ومنادمته الفراقيد (١)، وأعذب من ماء العناقيد.
وحين خطبته الخلافة ليكون لها بعلا، لما تخيرته كفؤا وأهلا، زهد في زهرة الدنيا وخاف النار؛ وتسربل حلل السكينة والوقار. وأمر بإراقة الخمور، وقطع الملاهي؛ فكان وجه الإمارة يشرق به ويباهي. لما أظهر من الحلم والعفاف، وغمر المعتفين في إمارته من الإسعاد والإسعاف. مخالفا لشهوات قلبه؛ في مرضاة ربه. لا يثني العنان لريبة، ولا يأسف-في غير الدين-على مصيبة. عفيف الفرج والبطن عما يشينها من الحرام، متبرئا من كل موبقة تجلب له الآثام. مضى في إحياء الشريعة على سبيل الخلفاء الراشدين، وأربى في الشجاعة على من عاصره أو تقدمه من المتقدمين؛ فكانت النصارى تفرق من خوفه، وترى أن الحتف ملك لكفه.
فحليت تأليفي هذا بما انتهى إليّ من مآثره المألوفة، ومكارمه الجمة الجميلة الموصوفة؛ لكونه زهد حين أقبلت عليه دنياه، ولم يستفزه هواه. وكان يقتدي بالسلف الصلح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولبس ثياب الصوف. ولولا قصدي الإيجاز والاختصار لألفت في آثاره ومآثره أسفار (٢).
فتىّ جمعت فيه الفضائل كلّها ... ولا بدّ من نقص فكان من العمر!
стр. 73
فمن قوله-وكتب به مجاوبا-.
قل للتي نبّأتك هذا ... قد صح هذا ب «صح هذا» (١)
فلا تبالي صدود قوم ... يروم في صدّك التذاذا (٢)
وسلّم الأمر والمقاضي ... لخير قاض قضى بهذا
وعلى هذا الأبيات حكاية. وذلك أن كاتبه الفقيه أبا القاسم (٣) محمد ابن قطبة [٢١/أ] الدوسي طلب منه أن يقلده رياسة كتابه، وخطة العلامة.
وكانت علامة كتبه، وكتب آبائه الملوك بني الأحمر من بني نصر: (صح هذا) تكتب بقلم غليظ القطة. فكتب له ابن قطبة هذا، في ذلك، بقوله (٤):
تقول ليلى-وقد رأتني ... كسيف بال-: فديت، ماذا؟
فقلت مهلا، فعن قريب ... يصحّ هذا ب «صحّ هذا»!
فجاوبه ابن عمنا السلطان الغالب بالله، المتوكل على الله، أبو عبد الله المذكور بأبياته المتقدمة.
стр. 74
الرئيس إسماعيل بن الأمير أبي سعيد فرج (١)
ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل، عم أبينا بن جدنا الرئيس أبي سعيد فرج، ابن جدنا الأمير أبي الوليد، ابن جدنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر، ابن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر، ﵀.
[كنيته:]
يكنى أبا الوليد. ورأيته، وصحبته، وبيني وبينه وداد عظيم.
حاله-﵀ -
وصفته في كتابنا «فريد العصر من شعر بني نصر» بما نصّه: طلع في مماء البراعة نجما. وبرز في ميدان البلاغة ضيغما شهما. وحاز من الفصاحة مالم يحزه سواه، ومن الذكاء ما هو ألذ من الشهد في الأفواه. ومن الهمة ما يسمو أدناها فوق الشاهد، ومن الفكاهات ما يلتذ بسماعها الغائب والشاهد. ومع ذلك فهو بالأدب عارف، وعلى محبته عاكف. وربما نظم القصائد فتأتي كالقلائد في أجياد الخرائد. وتشبيهاته في الأدب ملوكية، تلوح عليها مخايل العروبية. ومن علو همته وجلالة رتبته أن نفسه شغفت بحب الإماره؛ ولا يتكلم في غيرها ليله ونهاره. قد تمكن من قلبه هواها، ولا يميل في دنياه لشيء سواها. فانظر [٢١/ب] همة هذا الندب ما أسماها، ونفسه النفيسة ما أسماها.
وهو فتى الجلالة ومحلّي جيدها، ومبدئ أسرار الفضائل لموعودها (٢).
стр. 75
أنشدني لنفسه-﵀
أردّد في ليلى فرائد فكرتي ... فيحسبني صحبي بليلى مولّعا
ولو علموا ما يقتضي بعد همّتي ... لخرّوا أمامي كلمّا لحت ركّعا
ولعت بحمراء البلاد ولم يكن ... فؤادي بحمراء الخدود ليولعا!
أراد بحمراء البلاد دار الملك بغرناطة.
وأنشدني لنفسه أيضا-﵀-وكان قد بلغه عن أحد بني عمه -وهو الرئيس أبو عبد الله محمد الأبكم-كلام قبيح في جنابه فقال يفتخر:
يقولون إنيّ بالبطالة مولع ... ولست، وربّ البيت، أعرفها بتّا
ولكنّهم لمّا رأوني سدتهم ... وكان جوابي في مجالسهم صمتا
تقوّل كل في جنابي ضلّة ... وما عرفوا وصفا لذاتي ولا نعتا
وأنشدني أيضا لنفسه:
يتوق لمن يهواه قلبي صبابة ... فيمنعني عمّا أحبّ حياء
وأرسل طرفي محاسن وجهه ... فيمنعني عن قصده الرّقباء
فلاحول لي قد ضاق ذرعي والهوى ... إذ البعد عنّي واللقاء سواء
وأنشدني أيضا لنفسه، يداعب شاعره الفقيه الكاتب أبا العباس أحمد بن محمد الأنصاري الخزرجي المعروف بالدباغ عند زواجه، وكان قد تزوج امرأة مسنة:
أما العجوز فقد شغلت بكلها ... عن مدحنا والسين دون اللام
فاقصر وقصّر ما استطعت فإنها ... باب السّقام ومنتهى الآلام
(لا تكثرنّ من النكاح فإنه ... ماء الحياة يراق في الأرحام)
стр. 76
أخونا الرئيس محمد ابن والدنا (١).
[كنيته:]
يكنى أبا عبد الله، وهو أكبر مني سنا، يفوتني بعشرين سنة.
حاله-أكرمه الله -
وصفته في كتابنا «فريد من شعر بني نصر» بما نصه:
هو أحد أبناء الملوك الموصوفين بالبراعة الفائقة، والفصاحة الرائعة المعجبة الرائقة. ممن يشار إلية في فك معميات الأدب، ويلجأ إلى معين فطنته في كشف مغيبات الطلب. متحل من الدين بشعاره المعجب، مترنم بالقرآن ترنما مستحسنا مطرب. إن خط مهرقا (٢) فأين منه ابن مقلة في التنميق؛ وإن شعر فما المرقش في التزويق. وإن خطب أنساك بلاغة سحبان؛ أو أنشأ فما العماد وبديع الزمان. وإن شدا مغنيا شغف القلوب وأذهلها، وإن تكلم منشدا خدع العصم في المعاقل وأنزلها. فلو سمعه الموصلي لسلم إليه على ياس، وكذلك ابن شكله إبراهيم بن المهدي صيت (٣) آل عباس.
ومع ما حباه الله به من هذه الخصال البديعة؛ التي لا تجتمع إلا في كل ذي نفس ذكية رفيعة، لا تراه إلا مطرقا من الحياء، ولا متكلما إلا في هبات الجزيل من العطاء.
لا يرفع الطّرف إلا عند مكرمة ... من الحياء ولا يغضي على عار
إن عقد حبوة خلته رضوى الوقار؛ وإن نطق فكأنما سقي كؤوس العقار: سمت همته الشريفة إلى حب الطاعة، فلم يلف من أبناء الأمراء الزهاد
стр. 77
مصادما. وسرت جنود ورعه إلى ميدان الفضائل، فلم تلق له مقاوما.
أيقابل السيل بالوشل، أم يعارض الجد بالفشل؟ ومكارمه قرت بها كل [٢٢/ب] عين. وانتظم في لبه الدهر واسطة زين.
أنشدني لنفسه:
يا نازحا ولعهد الحبّ قد نقضا ... لا تستحلّ حراما رمته غرضا
ناشدتك الله هل في العيش منتفع ... يوما إذا ما جفا المحبوب أو رفضا؟
ولقي يوما ببعض الأزقة من فاس امرأة بارعة الجمال، وقد لبست ثياب حزن زرق، وهي سافرة عن وجه كالقمر، وهي تلطمه بيديها، ومن حواليها من النساء يرمن أن يبرقعنه فتمنعهن بيديها، فقال بديهة:
ألبسوها ليحجب الحسن فيها ... ثوب حزن فزاد حسنا ومعنى
عجبا للسّحاب تستر شمسا ... فتقت غيمه شمالا ويمنى!
قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب:
ولما نظمني معهم سلك الآداب، وسلك بي مسلكم شرف الانتساب، ولم أكن ممن قصر عن ذلك المرام، ولا ممن تبدد من ذلك النظام؛ رأيت أن ترك اسمي وعدم إثبات نظمي، ثلة في جمع، ووترا من شفع، وفلا في حسام، وحظا من أسقام. بل كنت في ذلك، من فريق هنالك؛ قاده طبعه إلى تولج هذا الباب، وحداه عقله إلى مطالعة نوع من الآداب.
فمن قولي-لطف الله بي-وكان قد بلغني عن بعض بني عمي بعض القول مما يقبح:
رماني بنو عمّي بزور مزورّ ... وما زلت أوفاهم وأحسنهم سمتا
رموني حقدا بالذي لست أهله ... وإنّي عن هجر لأكثرهم صمتا
وإنّ جدودي كالجبال رزانة ... وما إن ترى فيها اعوجاجا ولا أمتا
стр. 78
[٢٣/أ] وقلت أيضا-خار الله لي-:
يوم بان الظّاعنونا ... لا تسل ماذا لقينا
أيّ شوق أيّ وجد ... فضح السرّ المصونا
وأشدّ من تشكّى ... من بهم جنّ جنونا
فرح الحاسد ممّا ... آلم القلب الحزينا
يا فراق الخلّ ماذا ... من ولوع لك فينا؟!
كلمّا رمنا بعادا ... منك أدنينا الشّجونا
جئت في فعلك هذا ... بخلاف المغرمينا!
وقلت أيضأ في مدح ابن عمنا أمير المسلمين الغني بالله محمد المخلوع: (١)
أبى الله إلا أن يمّلكك الدّنيا ... ويحمي بك الإسلام إذ حطته رعيا
حميت جناب الله فضلا ولم تزل ... تراقب فيه أمر ربّك والنّهيا
стр. 79
وأعززت دين الله لما نصرته ... فقد نسخت معنى السماع به الرّؤيا (١)
وسرت لعمري سيرة عمرية ... بها قرّعين الدّين واعتزّت العليا
وقد خضعت صيد الملوك لأمركم ... وليس لها إلا اتباعكم رأيا
ومن حاد منهم عن مراميك كلّها ... يلاقي الرّدى من بعد أن يوسع الخزيا
سقيت بغيث الجود ما كان ما حلا ... حنانا وإحسانا فيا حبذا السّقيا
ألا يا عفاة الأرض طرّا تبادروا ... إلى جود ملك فضله غمر الدّنيا
هو الفذّ في الأملاك طرّا لأنه ... أجلّهم قدرا وأحسنهم هديا
همام إذا ما الروع عبّ عبابه ... وأبدى عليه النّقع من نسجه زيّا
[٢٣/ب]
ولاحت بروق الهند وامتلأ الفضا ... بصلصال رعد الطبل أعظم به شيّا (٢)
وطأطأت الأرماح تدمى أنوفها ... وأحكم طير النّبل مرسله الرّميا
أراك محيّا تاليا سورة الضّحى ... وقلبا على الأعداء قد ركب البغيا
على فضله قد أصفق الناس مثلما ... على ملكه حتما تطابقه الفتيا
بنى حرما للمكرمات تحجّه ... عفاة الورى أكرم بمورده ريّا
وأذهب بالتقوى القبائح كلّها ... وبدّد بالرّشد السفاهة والغيّا
وأدرك بالعزم الذي أعجز الورى ... وجاء بما أعيى سواه وإن أعيى (٣)
تعزّز منه الدين لما أقامه ... ولم يشك منه الملك وهنا ولا وهيا
كفيل بتيسير الأماني وضامن ... عن الدّهر ألا يمنع السائل الرّعيا
стр. 80
غدا المدح صعبا في سواه وإنه ... غدا فيه سهلا إذ لداثره أحيى
أفاض على العافين طرّا مواهبا ... بأفضاله وعدا لهم منه مأتيّا
حلفت يمينا برة ليس في الدنيا ... مليك سواه للمعالي سعى سعيا
أبناء نصر حزتم بمليككم ... فخارا بما يلفى مدى الدّهر مخفيا
أشاد لكم ملكا وعزّا مؤبّدا ... فلا زال مأثورا-مدى الدّهر-مرويا
لنا الله كم حزنا به من مفاخر ... تنافى بها عنّا العنا في الورى نفيا
تسامت به العلياء منه بقربنا ... إليه وأضحى فعلنا منه مرضيا
فيا فخر أملاك الدّنى والذي حوى ... لعمر المعالي الحزم والعزم والرّأيا
نموت بتشييد المفاخر مثلما ... شأوت ملوك الأرض طرّا بلا ثنيا
منعت به الباغين بالعدل رحمة ... فليس يخيف الذيب في قفره الظّبيا
[٢٤/أ]
وقتّلت أهل الشّرك في عقر دارهم ... وأبت ولم تترك بأحيائهم حيّا
стр. 81
وملك النّصارى ذلّ قسرا لعزّكم ... يعاود في سلم له النشر والطّيا
ولولا ظباك القاهرات لملكه ... لما كان نحو الحقّ مستمعا وعيا
فلا زلت يا أسمى الملوك مؤيّدا ... ولذّت لك البقيا وطاب لك المحيا
وقلت أيضا:
سهرت فيمن جفنه نائم ... وذبت فيمن جسمه ناعم
ظبي ظبا عينيه فعّالة ... بالقلب ما لا يفعل الصّارم
يستلّ من مقلته صارما ... للصّبر مني أبدا صارم (١)
ينشأ عن عينيه سكر الهوى ... فكلّنا من ثمل هائم
يهزأ بي كأنّه جاهل ... بما ألاقي وهو العالم
شكوته (٢) ما بي من حبّه ... من وله لعلّه راحم
فظلّ والجسم غدا ناحلا ... ودمع عيني أبدا ساجم
يضحك في الحبّ وأبكي أنا ... الله فيما بيننا حاكم!
وقلت أيضا فيه (٣):
هاجت لبعدك لوعة وغليل ... والقلب بعدك واله مخبول
يا نازحا نزح الكرى لفراقه ... رفقا فعقد تصبرّي محلول
وابعث ولو بالطّيف في سنة الكرى ... ليزورني في النّوم عنك رسول
стр. 82
فاسأل نجوم اللّيل تخبر قصّتي ... فالنّجم عن سهري (١) بك المسؤول
فإلى متى قلبي مروع بالنوى ... فلقد رثى لي حاسد وعذول
قد هام قلبي في هواك (وإنني) ... دنف على جمر الغضا مجعول
[٢٤/ب]
يا ملبسي ثوب السّقام، تعطّفا ... يوما بصب من نواك عليل
فلقد قضى أهل الغرام ديونهم ... وغريم حسنك في الهوى ممطول!
أدركت من سرّ الغرام حقيقة ... ما نالها قيس الهوى وجميل
إنّ الذّين جمالهم بجمالهم ... سارت إلى نحو الأراك تميل
وغدت تجدّ السّير لمّا شاقها ... من نحو رامة إذخر وجليل (٢)
أقوت معاهد حيّهم منهم كما ... ملحوب أقوى ربعه المأهول (٣)
لا عيش بعدهم يلذّ وإنّهم ... روح الحياة لهائم والسّول
عللّت قلبي باقترابهم فلم ... ينفع مشوقا بالنوّى التّعليل
يفنى الزّمان وما قضيت لبانتي ... يا ليت شعري هل لديك سبيل؟
هملت نجيعا أدمعي (٤) يوم النّوى ... وقد استقلّت للوداع حمول
стр. 83
وسرت ركائب لوعتي منثالة ... والوجد هاد والغرام دليل
يا راحلين عن المشوق لشدّ ما ... خلّفتموه وقلبه متبول
يهوى على مرّ الزّمان حديثكم ... وكثيره فيكم لديه قليل
أمّا الحبيب فلا يملّ حديثه ... وحديث من أبغضته مملول!
لكنني آوي (١) إلى حرم الذي ... ما إن له في المالكين عديل
من شيّد العلياء بعد عفائها ... وأنال ما قد كلّ عنه منيل
من لم يزل يرعى الإله وعقله ... عند المشورة شامه وطفيل (٢)
ملك إذا ركب المطهّم طالبا ... لعداته فعدوّه مغلول (٣)
ملك إذا ما صال يوما صولة ... كادت لها شمّ الجبال تزول
سائل (٤) عن وثباته وثباته ... يوم الكريهة والذّوابل غيل
[٢٥/أ]
تخبر بما أعيى الفوارس كلّها ... وحديثه في الصالحات يطول
أجرى مياه العدل في أحكامه ... وأقاد صعب الدهر فهو ذلول
قد روّض الإمحال جودا مثلما ... قد شيّد العلياء وهي طلول
ملك القلوب محبّة ومهابة ... ولسيفه في الدارعين صليل
ساد الملوك بنسبة سعديّة (٥) ... ففخارها أبدا له التّفضيل
وسما بها فوق السّماك وإنّه ... لا يعتريه في الهياج ذهول
بعلى المعلّى جدّه سعد الرّضا ... مولي النّدى، قد أفصح التّنزيل
стр. 84
حامي الرّسول وسيّد الأنصار من ... صحب الرّسول وسيفه مسلول
أعطى أمير المسلمين وقد سطا ... بالمعتدين ووعده مفعول
وطلب مني الفقيه الشريف محمد بن أحمد الحسني (١) المدني رسالة ذي الوزارتين الفقيه الكاتب أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الخطيب الأندلسي، التي كتب بها عن ابن عمنا السلطان أمير المسلمين الغني بالله أبي عبد الله محمد المخلوع، إلى رسول الله ﷺ ؛ معرفا بجهاده الروم ونصره عليهم وأخذ بلادهم. فبعثت بها إليه، وكنت قد صححتها بيدي، وطغى القلم في لفظة وهي الأغوار بالواو فجعلت مكان الواو دالا مهملا جاء منه «الأغدار».
فلما وقف على ذلك كتب عليه طرة ينبهني على نسياني ويعتذر، فجاوبته بقولي:
حبوت جنابي يا سليل محمّد ... بعذراء ما أسنى سناها وأعجبا (٢)
بدت شمسها في هالة السّعد مثلها ... تضوّع رّياها من المسك أطيبا
فلا زلت تسديها على الخلق نعمة ... ولا زلت تسمو في الفضائل منصيبا
[٢٥/ب] وصلت-أعزك الله-عقيلتك السالبة للعقول، الخارجة بنظمها البديع، المسكت للبديع عن الحد والمعقول. وهي من الأصل الوسيم والفضل الجسيم، ترفل في حلل؛ وتنتمي بنسبها العلي، وحسبها النبوي في أشرف الحلل.
إلى السّادة الأخيار أبناء هاشم ... بني الحجر والبيت العتيق الممجّد
هم آل خير الخلق أحمد والألى ... بهم عزّ دين الله في كلّ مشهد
فقبّلتها ألفا، ولم أرض-دهري-غيرها إلفا. وقلت لها مرحبا بذات
стр. 85
الجزالة، وأخت غزالة (١) والغزالة. والبارعة الجمال والفارعة ذرى الإجمال.
ومصرح الناظر ومسرح المناظر. وبنت سليل الرسول، ومنتهى الأمل بالسول: الرافعة من شأني، والخافضة في طلق الفصاحة، وميدان الصباحة، من جاراني وماشاني. التي أذهبت عني الأتراح وتسربلت لها ثياب الأفراح.
وأزاحت الكرب، وامتلأ بها دلو السرور إلى عقد الكرب. وزدت بها أنسا.
وكلفت بحسنها الذي لا أنسى. نفرت عن جلي عذرك فقبلته. وتأملت على سطرها مرور يدك فقبلته. وقلت إن سيدي صدر المجالس، والتحفة التي ألقاها الدهر إلى المجالس. ما صدرت منه تلك الطرة لتعريض، ولا لأن يظهر علمه الطويل العريض؛ بل ليصلح ما طغى به لسان اليراعة، وذلك مما وهبه الله من فائق الحكمة ورائق البراعة. فما الظبية الوعساء، ولا العزة القعساء عندي بأبدع (٢) من تنبيه معظّمي العذب الشمائل، المزدهي عرف عرفانه بزهر الخمائل، تهديه الصبا والشمائل. فلا زال في صعود سيدي علم البلاد، والنحرير الذي أسلم وجهه لبلاغته وسلم لفصاحته الصاحب [٢٦/أ] بن عباد. ما عطرت رياض الحزن غب سواكب المزن الرياح النواسم، وأومضت في حندس الليل بروق الثغور البواسم، والسلام.
وقلت أيضا، معزيا لابن عمنا الرئيس أبي الوليد إسماعيل بن الأمير أبي سعيد فرج:
لا تجز عنّ أبا الصّدق الأمير على ... يحيى سليلك؛ في الباقي لك الخلف
كان الذي قد مضى نجما فغاب ومن ... بقي بدور-لعمري-ما بها كلف
стр. 86
مثلك-أعزك الله-لا يذكّر عند المصيبة، إذ سهام صبرك مسددة مصيبة.
وايم الله لقد فجعت لرزئك في نجلك، وعظم فقده عندي من أجلك. ومهما أمرّ بناديه، أتفجع فأناديه:
(إذا ما دعونا الصّبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر
فإن ينقطع منك الرجاء فإنّه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدّهر)
والله يجزل بمصابه أجرك؛ ويرفع-بالصبر عليه-في الدارين ذكرك.
والسلام.
وقلت أيضا:
-وبعثت بها إلى ابن عمنا أبي الوليد هذا رحمه الله تعالى-وكل ما في رسالتي هذه من الأبيات هي نظمي-:
أكاتبكم يا أهل ودّي وبيننا ... كما حكم البين المشتّ فراسخ
فأما منامي فهو عنّي مشرّد ... وأما الذي بالقلب منكم فراسخ (١)
الأخ الوفي الذي لا ارتياب في صحة إخائه، وابن العم الصفي الذي لم يشب الكدر صفو صفائه، والولي الحفي الذي يشهد خالس محبته بحسن ولائه.
الذي صحح وداده الاختيار، وصرف عنان المحبة إليه الاختيار. المبرز في إحراز غاية الإعجاب والإعجاز، الواحد الذي به فخار صدور القوافي والأعجاز، المنزهة حقائق عزائمه الصادقة عن شوائب المجاز. الذي كان له [٢٦/ب] سعد بن عبادة أبا، واكتسب من المعالي ما امتنع عن غيره وأبى.
واعترف له بالفضل من أهل عصره أعلامه؛ وأطاعته في الحرب سيوفه، وفي الكتب أقلامه. إنسان عين الكمال، وفلذة كبد المجد الباهر الإجمال.
стр. 87
سلام عليكم من مشوق متيّم ... أخي حرق رقّ الجماد لما يلقى
يكفكف دمع العين مهما ذكرتم ... وقد كاد أن يفنى لرؤيتكم شوقا
براه الهوى واستأصل السقم جسمه ... وغيّره نأي الحبيب فما أبقى
ينادي إذا ما الليل أرخى سدوله ... يسرّكم يا أهل ودّي أن أشقى؟
لئن سرّكم هذا فراحة مهجتي ... إذا قيل إني متّ من أجلكم عشقا!
خذوا مهجتي بالرّفق أهل مودّتي ... وليس من الإنصاف أن أسأل الرّفقا
أنا المغرم المضننى بحبّ جمالكم ... فرقّوا لملهوف غدا لكم رقّا
كتبته-أعزّك الله-والدّموع سواجم. والقلب ممّا اعتراه واجم؛ لما أجد من التّوق إلى حسن مزاحكم، ومن الألم من طول انتزاحكم.
وبعد فإني أصرف إليك عنان المعاتبة، لعدم المراسلة والمكاتبة. وقد أضرّ بي الأسى والتّبريح، حتى صرت أبعث السلام مع الريح. فلا أدري:
أملل صدّك عن جوابي أم أردت أن يقضي عليّ جوى بي (١). فارفق بملهوف تضطرم أحشاؤه لوارد الأغراض، ويرضى بكلام المحبوب وإن لم يكن عن تراض. فلو أنّ ما به بالصّخرة الصماء لذابت، أو بالليلة الظلماء لا نجابت. قسما بمحبّتك التي تيّمتني، وفضائلك العميمة التي ملكتني. لولا أمنيات نفس بالوصال نعلّلها، واستئناس (٢) بلقياك نؤمّلها؛ لعدم ما بقي
стр. 88
من خيال الجسد، ولذاب الفؤاد من جمرة الكمد (١) وإلى كم نار شوق جوانحي أوريتها، ودموعا سواجما على الخدين أسلتها (٢). فهذه حالي [٢٧/أ] يرقّ لها الجلمود، ويذوب لها الجمود. فأحي مهجتي من إماتة الشوق بألفاظ أسكن إليها، ورسائل اعتمد عند تأجج نار الشوق عليها. وأنا-وان تباعدت المساكن والأشباح، فقد تقاربت منا القلوب والأرواح. والصبر عليك قد ارتحل، والجفن بالسّهاد لا بالإثمد اكتحل. فلو رأيت حالي من ذلك، لعلمت أني في أشدّ المهالك».
стр. 89
الباب الرابع
في شعر ملوك الموحّدين الحفصّيين وأنبائهم (*)
أمير المؤمنين المستنصر بالله المنصور بفضل الله محمد بن أبي بكر ابن
إسحاق بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم بن أبي حفص (**)
[كنيته:]
يكنى: أبا عبد الله، وهو ملك تونس؛ ورأيت بفاس ابنيه الأميرين أبا حفص عمر، وأبا محمد عبد الواحد. ونحن جميعا في حضرة الملوك من بني مرين.
حاله-﵀ -
كان عفّا كاملا، وعالما عاملا. له شعر يصبي النفوس، ويلتذ بسماعه
стр. 90
الرئيس والمرؤوس. وخطه تستلب العقول براعته، كما أذهلت الفوارس شجاعته. أنشدني له الشيخ القائد المعدل أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر الموحد، قال أنشدني لنفسه أمير المؤمنين المستنصر أبو عبد الله:
(جزى الله الحوادث كل خير) ... وإن كانت تغصصّني بريقي
وما شكري لها إلاّ لأنّي ... (عرفت بها عدوّي من صديقي)
أمير المؤمنين المتوكل على الله المؤيد بنصر الله أبو بكر (*) ابن الأمير
المنتخب (١) لدين الله يحيى [٢٧/ب] ابن الأمير إبراهيم
بن الأمير يحيى بن عبد الواحد ابن أبي حفص.
[كنيته:]
يكنى أبا يحيى. وأدركته وهو ملك إفريقية. ورأيت بفاس، في حضرة الملوك من بني مرين جملة من أحفاده، وابنه الأمير أبا عبد الله محمد، صاحبنا.
حاله-﵀ -
هو الملك الذي تليت في المحافل سور ذكره، وجليت في النوادي صور فخره. إذ لم يبق للمعالي غاية إلاّ جازها، ولا للمحامد راية إلا حازها.
كما فاق بهمّته الهماميّة، وساد بشيمته الاهتماميّة. وبرز في ميدان الشجاعة ليثا، وكان للبائس غوثا وغيثا. وله معرفة بقرض القريض. وصوته ينسي ابن عائشة والغريض (٢). ولا مرية في أنه أسد الكتائب، ومن أتى في الحروب بالعجائب.
فمن قوله-﵀:
بذيّالك الوادي وذيالك الحمى ... سلبت فؤادي واغتديت متيّما
стр. 91
سكرت ولم أعلم أمن خمرة الهوى ... عراني هذا السّكر أم خمرة اللّما
علقت كحيل المقلتين مهفهفا ... رخيما يلين الصّخر مهما تكلّما
تعلّم سحر الجفن من أرض بابل ... وليس لغيري في الأنام تعلّما!
رماني بسهم من مذانب لحظه ... شديد فلم يخطئ فؤادي إذ رمى (١)
وصاد بأشراك الفواتر مهجتي ... فواعجبا من شادن صاد ضيغما
له وجنتا شمس وبدر إذا بدا ... وأقبل من خلف السّتور مسلّما
تراه ضحى في القصر شمسا منيرة ... وعند الدّجا تلقاه بدرا متمّما
ألائمتي لومي إذا شئت أو دعي ... فمن يهو هذا الحسن لم يخش لوّما
وحاسدة قالت لأخرى تعيبه ... لقد تاه حتى قال من قال أجرما
وظنّت بأنا نحسب التّيه زلّة ... ولم تدر أنّا نجتنيه تنعّما
[٢٨/أ] فلولا التجنّي والتدلّل في الهوى ... لما كان برد العشق بالعشق معلما
стр. 92
ولا هاج مشتاقا إلى جيرة اللّوى ... ومنزل من يهوى حمام ترنّما
وألطف شيء في الهوى أنس خمسة ... «متى؟ أو عسى! أو هل؟ وكيف؟ وربّما!»
إذا لم يكن منها شعور لعاشق ... فليس له نحو المحبّين منتمى
إليك حديثي بالّتي لم أسمّها ... وعنك حديثي حيثما قلت حيثما
ومنك هيامي والضنّى لي شاهد ... وفيك هيامي بعد كتمي له نما
ولم يعلم الواشون إلا تسهّدي ... ولم يدركوا الأسباب إلا توهّما
ملكت الدّنى شرقا وغربا بأسرها ... ولكنّني أمسيت فيها متيّما
يغالبني ظبي، وأغلب كلّ من ... تملّك فيها، وارتدى، وتعمّما
كتمت هواها عن فؤادي ومهجتي ... وعن سهد جفني ما استطعت تكتّما
ولكنّ لي نفسا تذوب صبابة ... وتصبر عند الحادثات تكرّما
وتألم من طول الصّدود ولا ترى ... لدى الحرب من مسّ الحديد تألمّا
وتهجر في نيل المعالي منامها ... وتتّخذ المكروه للفخر سلّما
стр. 93
فتدرك ما تبغي من الحظّ سالما ... ولو كان خلف البحر والبحر قد طما
وما هي إلا رفعة عمريّة ... إلى ذروة العليا بها المجد قد سما
فإن صعد الأملاك بالإرث منبرا ... فمنبرنا أعلى وأكرم منتمى
وآباؤنا في الملك والبأس والندّى ... تداولها الوراخ عربا وأعجما (١)
ولا فخر والأعداء تشهد أنني ... أجيء وغاها مسفرا متجهّما
وأقدم والأبطال يبصر وجهها ... هناك عبوسا منكرا متغيّما
فكم قائل لي في الرّياس (٢) وغيره ... وصدر القنا في القوم أوردتّه دما
[٢٨/ب] وللنّصر سيف من يميني مؤيّد ... فيقطف أرواحا ويحطم أعظما
وكم واديا بدّدت فيه سراتهم ... وخلّفت ذاك الماء ماء محرّما
فإن تجهل الحرب الزبون سكينتي ... فتعرفني (٣) مهما حططت التلثّما
стр. 94
جواد الوغا والفخر والذكر حقّه ... لمثلي من دون الورى أن يفخّما
وإني أمير المؤمنين متوّجا ... من الملك تاجا بالأمانة كرّما
جعلت بمجدي ثم لفظي وصارمي ... فخاري بجيد الدّهر درّا منظّما
يراه ولا يرقى إليه معاند ... ويبصره كالنّجم في كبد السّما
بنينا بناء الملك والعزّ والعلا ... سماء على بنيان قوم تهدّما!
ابنه أمير المؤمنين أحمد (*):
[كنيته:]
يكنى أبا العبّاس، وأدركته. وكان أبوه أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو يحيى اقتطعه (١) مدينة توزر (٢)، وولاه عهده، وصحبت بفاس في حضرة الملوك من بني مرين ابنه الأمير أبا عبد الله محمد، وابنه الآخر الأمير أبا البقاء خالدا.
حاله-﵀:
برز في الجمال الرائع، وحاز من الفصاحة ما تستغربه المسامع. وكان من
стр. 95
مجيدي الشّعراء، ومن أولي الشجاعة في الأمراء، مع ما حوى من مكارم الأخلاق المرضيّة، ومن الشيم التي لم تزل من القبائح بريّه (١)
أنشدني له ابنه صاحبنا الأمير محمد في أخذه توزر:
بالمشرفيّات يحمى المجد والشّرف ... ومن صدور المعالي تقتنى الطّرف
وللفتوح رياضات مزخرفة ... لكنّها برقاق البيض تقتطف
[٢٩/أ]
وفي حياة أمير المؤمنين أبي ... يحيى أبينا سعود مالها طرف
حزنا الخلافة إرثا عن أوائلنا ... فالملك متّلد فينا ومطّرف
لا يبلغ الوصف في عليائنا أحد ... إلاّ وسؤددنا فوق الذي يصف
ناهيك من حسب ما مثله حسب ... وكيف لا وأبو حفص لنا سلف؟
تخالف النّاس إلا في مفاخرنا ... وفي المعالي ما شكّوا وما اختلفوا
حمى الشريعة منا سعي مجتهد ... فليس بالدّين لا حيف ولا جنف
فينا التّواضع والإغضاء شيمتنا ... والعفو والصّفح من أبنائنا عرفوا
ورأفة في جناب الله صالحة ... فلا ترانا لغير الحقّ ننتصف
تواضعا عظمت في النّاس هيبته ... إنّ التواضع في أنف العلى أنف
نهوى الحروف التي مجموعها نعم ... وليس في لفظنا لام ولا ألف (٢)
ما إن بنا سرف إلاّ مواهبنا ... إنّ المواهب فيها يحمد السّرف
لبأسنا يرعد الصّمصام من رهب ... يوم الوغى ووشيج الرمح ينعطف
стр. 96
سيوفنا من تمادي سلّها نحلت ... حتّى كأنّ بها من عشقها دنف
وما ارتضينا عديد الجيش يكنفنا ... بل الجيوش بنا في الحرب تكتنف
جيش تضيق به الغبراء متّسع ... فالأرض ترجف والأطواد تنتسف
من الفوارس طعّانين إن وقفوا ... يوم الكريهة ضرّابون إن وقفوا
بكل هنديّة رقّ الغرار بها ... وكلّ خطيّة قد زانها هيف
يقودها النّصر خفّاق ذوائبه ... إذ ليس إلاّ بريح العدل ينعطف
حتى أطل (١) على سكّان توزر لا ... يمحيهم منه سور لا ولا كنف
ظنّوا الحفير (٢) حفيرا مانعا لهم ... حتى رأوا سمعها عزما وهم هدف
[٢٩/ب]
تواقعوا فيه أمثال الفراش ردّى ... كأنّهم بأكفّ الجنّ قد خطفوا
لكن عفونا أدناه اعترافهم ... والعفو أطيب ما يجنيه معترف (٣)
نعفو ونصفح عن عزّ ومقدرة ... فإنّ خير السّجايا الحلم واللّطف
أطاعت العرب لمّا أوردت حللا ... وإنّ أرواحها بالذّعر تختطف
لاذوا بخدمتنا في ظلّ حرمتنا ... قسرا (٤) وعند التلافي يؤمن التّلف
стр. 97
يا سعد متبّع آثار دولتنا ... وسوء عقبي شقيّ عنه ينحرف
ويا طلاقة فتح في أسرّته ... رذاذ نور به الآفاق تختلف
فتوزر اليوم ما للسّعد منفرج ... عنها ولا لعديد النّصر منصرف
ونعمة عمّت الأقطار سابغة ... وجدّدت لذوي الآمال ما ألفوا
دامت إيا لتنا العلياء في سعة ... فالسعد والشمل بالأحباب مؤتلف
ولا برحنا طويل العمر في دعة ... وللخلافة (١) من أبنائنا الخلف
أخوه لأبيه أمير المؤمنين الناصر
لدين الله المنصور بفضل عمر (*)
[كنيته:]
يكنى أبا حفص. وأدركته وهو ملك تونس. وصحبت بفاس ابنه الأمير محمدا.
حاله رحمه الله تعالى:
هو الملك المنصور، والأسد المسلّط الهصور. والكميّ المنجّد، والبهمة الأريحي الممجّد. ممهّد الإمارة العمريّة، ومشيد منار المملكة الحفصيّة. صمصام الدولة، المرهوب البأس والصولة.
أنشدني له ابنه صاحبنا أبو عبد الله محمد-أعزه الله-[٣٠/أ] وقال إنه قالها بديها بين يدي أبيه أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي يحيى، يخاطب
стр. 98
أباه المتوكل لمّا سيق له رأس المعزّ بن مظاعن العربي، وكان الذي ساقه أخوه أمير المؤمنين أحمد بن المتوكل أبي يحيى:
ليهنك أنّ الله فوقك مالك ... ودونك كلّ المالكين عبيد
وأنّك سرّ الله فينا وأنّنا ... فروعك ينمي فضلها ويزيد
وكان بيني وبين ابنه الأمير أبي عبد الله محمد وداد عظيم بفاس في حضرة الملوك من بني مرين. وكان المطر قد حال بين لقائنا أربعة أيام فكتب لي بقوله:
وحياة حبّك إنني ... مذ غبت لا أدري المنام
لي ما رأيتك مدة ... فكأنما هي ألف عام
لا بدع إن حجبتك هـ ... ذي السّحب يا بدر التّمام (١)
والدهر من عاداته ... أن يحجب البدر الغمام
فجاوبته بقولي:
يا أيها الخلّ الذي ... أرعاه ما بين الأنام
وصلت إلينا قطعة ... تنبي بقطعك للمنام
فظفرت منك بتحفة ... قد جدّدت فرط الغرام
فكأنّها إذ أقبلت (٢) ... تفترّ عن زهر الكمام
فطمحت نحو جوابكم ... رعيا لودّك والذّمام
فوجدت شعري قاصرا ... عن شكر ودّك والسلام
فالنظم لا يسطيع أن ... يحصي أياديك الجسام
لا زلت في عزٍّ وفي ... عيشٍ هنّيٍ مستدام
стр. 99
[٣٠/ب]
أمير المؤمنين المستنصر بالله محمد بن الأمير أبي زكريا يحيى بن
أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي يحيى (*):
[كنيته:]
يكنى أبا عبد الله. وأدركته ورأيته وهو ملك بجاية. وصحبته بفاس في حضرة الملوك من بني مرين حين خلعه أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان ملك المغرب عن ملكه ببجاية. وكان يظهر لي من الوداد ما جلّ عن الوصف.
حاله-رحمه الله تعالى -
طلع في سماء الإمارة بدرا. وسما بنسبه العربي قدرا. وفاق ببارع جماله كما ساد بحظه وإجماله. وظهر له من العطاء ما أنسى به الطّائي، ومن الشهامة ما أذهلت القريب والنائي، ومن الفصاحة ما أسكتت الغائب والرّائي.
عزم على ظهور ملكه فخانه جدّه، ولم ينفعه حزمه وجدّه. بل سطا الدّهر به سطوة حاقد، ونبّه له جفنه الرّاقد. ففتك به ابن عمّه، واحتزّ رأسه عن جسمه.
أنشدني لنفسه في العتاب:
لمّا وقفت على حقيقة أمركم ... وعلمت أنّ الودّ فيك مضيّع
وجعلت جلّ وسائلي حبّي لكم ... ورأيت أنّ وسائلي لا تنفع
أنشدت فيك معزّيا بل ساليا ... وجميل صبري للشدائد يرفع:
«إنّي وهبتك للذّين تحبّهم ... هبة الكرام فإنها لا ترجع!»
стр. 100
صاحبنا الأمير زكريا بن أمير المؤمنين أبي محمد عبد الواحد
ابن أمير المؤمنين، القائم بأمر الله المنصور بفضل الله أبي يحيى زكريا بن أحمد بن الأمير أبي محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص الموحّد.
[كنيته:]
يكنى: أبا يحيى، ورأيته [٣١/أ] وصحبته بفاس في حضرة الملوك من بني مرين.
حاله-أعزه الله -
حاز من العلوم أوفر نصيب. وسهم تفننّه فيها مسدّد مصيب. وجنى بحفظها ثمر غرسها. وأشرق له وجه انقيادها وبهاء شمسها. فلو أبصره إياس لبات من ذكائه على ياس. ولو أدركه القعقاع بن شور، وابن مامه (١)، لسلّما له في الجود، وحفظ ذمامه. وفي إن وعد، وصادق إن عهد غير متكّبر على صاحبه، ولا متأبّ له عن توفية مأربه.
أنشدني لنفسه:
تقض؟ ظلوعي كلما حنّت الحشا ... عليك وأنفاسي إليك تميل
وبالقلب منّي حرقة وصبابة ... يفكّر منها عروة وجميل! (٢)
стр. 101
الباب الخامس
في شعر ملوك بني زيّان من بني عابد الوادي وأبنائهم (*)
стр. 102
أمير المسلمين المتوكل على الله موسى بن يوسف
ابن عبد الرحمن بن الأمير يحيى بن أمير المسلمين يغمر اسن بن زيّان.
[كنيته:]
يكنى: أبا حمّو، وأدركته، وهو الآن ملك تلمسان (*).
حاله-أكرمه الله -
هو الملك الذي ابتهجت بدولته الإمارة، والهمام الذي لم تزل فيه لحفظ المجد الأمارة. تمسّك بالعلم فسما في سماء المعالي، وتحلّى بالحلم فعلا على المعالي. وبرع في نظم القريض، وجمع نور روضه الأريض. وجاز من الشرف بذلك، ما أنسى به شرف كلّ مالك. وعقله عقل به جماح الأمور، وبهاؤه بذكره الرّكبان [تدور؟] (١).
فمن قوله-وهي من النّظم الحسن-[٣١/ب] وجدت مكتوبة في حائط قصره، حين خرج (٢) فارّا من تلمسان أمام أمير المسلمين أبي فارس عبد العزيز بن أمير المسلمين علي بن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ (٣):
стр. 103
سكنّاها ليالي آمنينا ... وأيّاما تسرّ النّاظرينا
بناها جدّنا الملك المعلّى ... وكنّا نحن بعض الوارثينا
فلما أن جلانا الدهر عنها ... تركناها لقوم آخرينا!
صاحبنا الأمير الحاج يوسف بن عمر بن يعقوب
ابن الأمير عامر بن أمير المسلمين يغمراسن بن زيّان .
[كنيته:]
يكنى: أبا يعقوب. ورأيته، وصحبته بفاس، في حضرة ملوك بني مرين. وارتحل إلى المشرق فحجّ وقفل إلى المغرب. وقد تبرّع (١) في العلوم حتى جاء نسيج وحده. فلما بلغ إلى جهة بسكرة (٢) من بلاد الزاب بايعه من هنالك من الأعراب، وقدموا به ملكا إلى بسكره، فوقع بينه
стр. 104
الحرب وبين أميرها أبي يعقوب يوسف بن مزني (١). ثم قبض عليه وسيق لابن مزني، فعفا عنه، وخلّى سبيله. ثم خرج بجهة المديّة (٢) على ابن عمه أمير المسلمين المتوكل على الله أبي حموّ ملك تلمسان (٣)، وبويع هناك. ثم تخلّى عن الأمر من غير منازع، وقصد إلى ابن عمه أبي حمّو المتوكل على الله فخيّره (٤) أن يقيم معه بتلمسان، أو يعبر البحر إلى الأندلس، فاختار الأندلس. فعبر البحر إليها، واستقرّ بغرناطة؛ فأحسن نزوله ابن عمّنا أمير المسلمين الغني بالله أبو عبد الله محمد المخلوع. ثم عبر البحر إلى العدوة فاستقر بحضرة ملوك بني مرين من فاس، فأكرم مثواه أميرها أمير المسلمين أبو فارس عبد العزيز. ثم ارتحل عنها وقصد إلى جهة سجلماسة، فبويع هناك، وأقام أشهرا ملكا، وقتل ﵀.
[٣٢/ أ] حاله-رحمه الله تعالى -:
هو علم الأملاك، وواسطة الأسلاك، وإنسان عين المفاخر، المتلفّع من الدين بردائه الفاخر. قرأ العلوم ودرسها، وشيّد الفضائل وأسسها. وحصل من علم الحدثان على طائل. وحاز من الفصاحة ما أسكت به الأواخر والأوائل.
وتحلّى في منصّة الجمال وحيدا، وترفع في مراقي الكمال صنديدا.
أنشدني لنفسه-﵀:
رعى الله أيّاما تقضّت وحيّاها ... بأنس حبيب كان أنس محيّاها
وردّ ليالينا التي سلفت لنا ... وحيّى فؤادا لا يملّ لذكراها
стр. 105
وحيّى الرّبوع الدارسات بفقد من ... تملّك قلبي والحشاشة أفناها!
وكانت ليالينا ينافرها الكرى ... فعاد الكرى من بعد ذا يتلافاها
٥ ليال قطعنا الوصل عذبا بقربها ... فواحسرتا ما كان ألطف معناها
تملّك قلبي قلب هيفاء إذ هفا ... بتذكارها يوما، دعته فلبّاها
فلولا محيّاها لما صرت مغرما ... ولا صار قلبي-للصّبابة-يهواها
ولا سكبت عيناي منّي دموعها ... ولا ذقت فرط الحبّ والوجد لولاها
فقد صار قلبي مستهاما بحبّها ... وعاد فؤادي والها يتمنّاها
١٠ ولما أتى حادي رحال نياقها ... سباني لمّا أن حدا بمطاياها
سرت حين سرّت عن فؤادي همومه ... وأودى بقلبي شوقها عند مسراها
وصرت حزينا ذا غرام وذا ضنى ... أسائل عنها رندها (١) وخزاماها
стр. 106
فيا سائلي عن شرح حالي أما ترى ... نحولي وسقمي والدّموع ومجراها
لقد خطّت الآماق من فوق وجنتي ... سطورا فمن شاء الحقيقة يقراها
فلا تكثروا فيها الملام فإن لي ... فؤادا على طول النّوى ليس ينساها!
صاحبنا الأخلص محمد بن الأمير أبي سرحان مسعود:
ابن أمير المؤمنين العادل بالله أبي تاشفين عبد الرحمن بن أمير المسلمين أبي حمّو موسى ابن أمير المسلمين عثمان بن أمير المسلمين يغمراسن بن زيّان (*).
[كنيته:]
يكنى: أبا زيّان. ورأيته، وصحبته بفاس، في حضرة الملوك من بني مرين.
حاله:
هو صاحبنا الصفيّ، وخليلنا الوفيّ، المظهر لنا من الوداد أطيبه، والواهب من الاعتقاد أعذبه. الخالص صفاؤه من الأكدار، الموفي حقوق الصّحبة بالابتدار. والذي نجم في المعالي فساد، ولم يدنسه درن الفساد.
كنت قد بعثت له بأبيات من قولي، طالبا منه أن يبعث لي بشعر أثبته في كتابنا: المنتخب من درر السّلوك في شعر الخلفاء الأربعة والملوك، وهي:
قرّت (١) بفضلك ألسن الأعداء ... يا ابن الملوك ذوي التّقى الفضلاء
стр. 107
انت الذي حزت الشّجاعة والنّدى ... وعلاك أربى فوق كلّ علاء
أبشر فقد لاحت طلائع ملككم ... واهنأ بملك شامخ، وبقاء
إن الإمارة لا تفوتك، إنها ... تأتيك دون توقّف وتناء
أنت المراد بها لما قد حزت من ... فضل وإحسان وحسن ثناء
ندب نمته من الخلائف عصبة ... أكرم بها من عصبة غرّاء
شهم إذا ما الحرب شبّ ضرامها ... يمشي إليها مشية الخيلاء
يحكي إذا ما لاح نور جبينه ... شمس الضحى والبدر في الظّلماء
راقت محاسنه وطاب ثناؤه ... وهو المعظّم في بني العظماء
[٣٣/أ]
كم حاز في يوم الوغى من مفخر ... وفضيلة جلّت عن الإحصاء
стр. 108
يا ابن الأمير القرم مسعود الرّضا ... وأخا السّماح وفارس الهيجاء (١)
ابعث إليّ قريضك الحلو الذي ... حاكى رياض الحزن غبّ سماء (٢)
واعلم بأنّي فيك ذو وجد لما ... بيني وبينك من لزوم إخاء
أنت الحبيب المخلص الفذّ الذي ... يرعى المودّة في بني الأمراء
فرياض ودّي مخصب جنباته ... وجميل عهدي مشرق الأرجاء
خذها أبا زيّان مني قطعة ... غرّاء ذات طلاوة وبهاء
وعليك منّي ما حييت مجدّدا ... أزكى التحيّة خصّصت بنماء
فجاوبني بقوله:
لله ما بلغت في الإطراء ... وبثثت من ودّ وطيب ثناء (٣)
فاتحتنا بالمدح نظما حاز من ... حسن حواه كواكب الجوزاء
مالي يدان بشكر تلك أياديا ... يا مسدي النّعمى لغير جزاء
стр. 109
أنت الحبيب المحض أنت أخو النّدى ... أنت الأمير ووارث الأمراء
أنت الذي ما تحت خضراء السّما ... ملك سواك أحقّ بالحمراء! (١)
فلتسم إسماعيل ذروة نيقها ... ولتقطعنّ أزاهر العلياء (٢)
ولتقعدنّ على مراتب ملكها ... تبعا إلى الأجداد والآباء
أبا الوليد نداء مشغوف بكم ... كلفا بذكراكم مدى الآناء
ماذا بعثت لنا؟ أزهر يانع ... أم زهر أفق لحن في الظلماء
أم لؤلؤ رطب تناسق نظمه ... في جيد باهرة السّنا غيداء
أم ذلكم حرّ الكلام وعذبه ... وبليغه (٣) المزري على البلغاء
من ذا يجاريكم لدى ميدانه ... ولكم به حوز السّباق النّائي؟
[٣٣/ب]
أيصحّ عند ذوي البصائر والنّهى ... أن تقرن الأنعام بالشعراء؟
عذرا فمثلك من تسامح مغضيا ... يا ذا المحيّا السّمح والإغضاء
وإذا تحققّت المودّة من أخ ... سقط التكلف، شرعة الفضلاء
فانظر بعين رضاك عيب نظامه ... واخفض جناح مذلّة الرّحماء
واكتبه، بل فاكتمه خيفة حاسد ... لي أن أرى في جملة الشّعراء!
...