← Тараджим

Тараджим · id 120143

أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن

ابن الأحمر

Полный текст (459 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأتيتها متلبّسا بروائع ... نكر بفودك أصبحت (١) عذّالها بيض تخيّل للنفوس نصولها ... سمرا تحوّل للنّحور نصالها مثل الأفاعي الرّقط تنفث في الحشا ... وأرى بفودك جثّما (٢) أصلالها ٥ نار تضرّم في الفؤاد حريقها ... لكن تنير (٣) بمفرقيك ذبالها جزعت لهذا الشّيب نفسي وهي ما ... زالت تهوّن كل صعب نالها ولكم صدعت بنافذ من عزمتي ... يهماء (٤) لا يهدى العليم ضلالها صادمت من كرب الدّنى أشتاتها ... ما خفت غربتها ولا إقلالها (٥) ولئن تقلّص عسرتي فيء الغنى ... عنّي، فلي نفس تمدّ ظلالها

стр. 142

١٠ ما مزّقت ديباجتي عين امرئ ... عرضت عليه النّفس قطّ سؤالها! ألقى الليالي غير هيّب (١) صرفها ... والأسد غير مجنّب أغيالها أمشي الهوينى والعداة تمرّ بي ... مرّا (٢) يطير عن الجياد نسالها علمت لي الخلق الجميل محقّقا ... وتسيء فيّ على عمى أقوالها [٤٤/أ] تبغي انثنائي، هل سمعت بنسمة ... مرّت على نجد تهز جبالها! ١٥ ولربّما عرضت لعيني نظرة ... يرضى الحكيم غرامها وخبالها من غادة سرق الصّباح بهاءها ... والبدر في ليل التّمام كمالها تهوى المجرّة أن تكون نجومها ... من حليها، وهلالها خلخالها عرضت كما مرّت بعينك مطفل ... ترعى بناظرها الكحيل غزالها ما نهنهت نفسي وإن ضمنت (٣) لها ... عبراتها يوم الوداع وصالها

стр. 143

٢٠ من كان يأمل أن يقوم بمجلس ... حطّت به شهب السّما أثقالها يحيى (١) أحاديث السّراة أولى النّهى ... نصلي ويضرب في العلا أمثالها ألقى هواه جانبا وهوت (٢) به ... وجناء تدمن في الدّجى إعمالها منها في المدح: ألبست دين الله حلّة آمن ... أضفت على أسرابه (زلزالها) (٣) أنتم بني نصر نصرتم ملّة ال ... إسلام حين شكت لكم خذّالها ٢٥ كنتم لنا أهلا ورحبتم بنا ... في العدوتين (ومنهم انزالها) (٤) نزلت على سعد (٥) ليسعد جدّها ... وأوت إلى نصر لينصر آلها أحرزتم يوم السّقيفة (٦) قودها ... دون الأنام وقيدها وشكالها (٧)

стр. 144

لكن حبوتم من أجرتم منّة ... بخلافة الله التي يعشى لها (١) إذ تؤثرون سواكم قالت بذا ... آي الكتاب (٢)، فمن يردّ مقالها؟ ٣٠ حتّى إذا عثرت ولم ينهض بها ... إلاّكم بادرتم إنشالها آويتم خير البريّة كلّها ... ومغيثها ونجاتها وثمالها من ألبس الشرف الرفيع وضيعها ... وكسا معصفرة الحجا جهّالها [٤٤/ب] ومنها: لما تحققّت النبوّة أنّها ... قد زلزلت منها الورى زلزالها وتقاعست عن منعها أعمامها ... أمّت أئمة نصرها أخوالها (٣) ٣٥ فوثبتم مثل الليّوث لنصرها ... والحرب تخطف خلفها أمثالها فأدرتم منها زبونا أصبحت ... ترمي رؤوس الملحدين ثفالها ومنها: «بدر» وما بدر وردم قليبها ... بجنادل الطّاغوت تملأ جالها (٤) ولكم «بأوطاس» (٥) وقد حمي الو ... طيس على العدى يوم أطاح محالها فنزعتم أرواحها، وسبيتم ... أولادها، وسلبتم أموالها

стр. 145

٤٠ وذهبتم بالمصطفى لدياركم ... وحبا سواكم شاءها وجمالها (١) فزتم به فوز المعلّى منحة ... أحرزتم دون الأنام منالها يا أيّها الملك الذي من ملكه ... جنت الملوك جمالها وجلالها ما زال حزبك في الورى يعلو على ... مرّ الدّهور ويعتلي أجبالها حتّى حللت من المجادة ذروة ... ما حلّ غيرك في المجادة حالها ٤٥ تحمي الهدى، تهمي النّدى، تولي الجدا ... وتقي الرّدى، وتري العدا أوجالها (٢) خذها كما دارت بكاس سلافها ... حوراء تمزج باللّمى جريالها (٣) تثني على السّحر الحلال وشاحها ... وتدير من خمر الفتون حلالها!

стр. 146

الفقيه القاضي الخطيب محمد بن محمد السّلمي (*): [كنيته:] يكنى: أبا البركات، ويعرف بالبلّفيقي، وبابن الحاج. وأدركته ورأيته. وأصل سلفه [٤٥/أ] من بلّفيق (١)، من بيت العلماء والمحدثين والحفاظ. وكان أبوه محمد بن إبراهيم محدّثا حافظا متفننا في العلوم. وإبراهيم: والد محمد كان فقيها إماما عالما محدثا حافظا؛ رأيته. و نسبه: هو محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن خلف ابن محمد بن سليمان بن سوار بن أحمد بن حزب الله بن عامر بن سعد الخير ابن أبي عيشون عياش بن محمود بن عنبسة بن حارثة بن العباس بن مرداس السّلمي صاحب رسول الله ﷺ .

стр. 147

والدّاخل من أجداده إلى الأندلس من المشرق هو محمود بن عنبسة؛ دخلها مع موسى بن نصير. وولاه القضاء (١) في سنة سبع عشرة وسبع مئة بشبالش، أمير المسلمين أبو الوليد إسماعيل عم أبينا بن جدّنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج. ثم لم يزالوا يوالونه (٢) القضاء والخطابة بغرناطة وغيرها من البلاد، أبناء عمّنا الملوك من بني الأحمر آل نصر. فلما ولي الملك ابن عمّنا أمير المؤمنين الغالب بالله المتوكل على الله أبو عبد الله محمد قدّمه على قضاء الجماعة بغرناطة بطول دولته. وبعثه رسولا لملك العدوة؛ وهو أمير المسلمين المستعين بالله أبو سالم إبراهيم. فلقيته بفاس، وأنا إذ ذاك بها في حضرة الملك من بني مرين حين أخرجنا بنو عمّنا الملوك من بني الأحمر آل نصر، فطلبت منه أن ينشدني من شعره فأنشدني ما نذكره إن شاء الله تعالى. حاله: هو علم أعلام القضاة، وصاحب الخلال المرتضاة. ورجل الحديث وأسد رجاله. وعلامة العلم وفارس مجاله. وعالم الرّواية، والمحصّل للدراية. وربّ البلاغة والفصاحة، ومبرّز ميدان الذكاء والسّماحة. وباعه في القراءات مديد، ورأيه في الأحكام سديد. وبيته بيت علم سحب من الصّون ذيلا، وتضوّعت من عرف عرفانه نواسم الجلال نهارا وليلا.

стр. 148

أنشدني لنفسه (١): يفنى الهوى وغرام عزّة باق ... والشّوق يذهب ما عدا أشواقي حلف الهوى ألا يفارق مهجتي ... طول الزّمان إلى بلوغ تراقي فالوجد ما طويت عليه جوانحي ... والدّمع ما جادت (٢) به آماقي أنا فارس العشّاق ما منهم فتى ... يهتزّ بين يديّ يوم سباق ٥ وإذا هم يعدون خلفي سرّعا ... لم يظفروا يوم الهوى بلحاق فأنا الذي عرف الرجال مقامه ... من بينهم في مصرع العشّاق قالوا لعاذ لنا وعاذرنا وما ... بي من غرام منهم ووفاق (٣) قد صمّت اذني عن حديثكم كما ... عميت إذا شاهدتكم أحداقي! إن شئت تعلم هل شعرت بأمركم ... أم لا، فهاك انظر إلى استغراقي ١٠ الحال أغلب والدّليل مؤخّر ... والحكم في ذا الباب للأذواق دعني وعزّة والغرام فإنّه ... تثليث توحيد بغير نفاق! داء الهوى ما إن أدين ببرئه ... ما للطّبيب ولي، وما للرّاقي؟!

стр. 149

هي علة أو سكرة لا ترتجي ... صحوا، وكيف وما عدمت الساقي؟ لله ساق في حلاوة كأسه ... للمدنف الهيمان مرّ مذاق ١٥ وأمرّ من محن الهوى أن لم أبل ... بعظيم ما في جنب ذاك ألاقي يا قلب كم أسعى ومالي مخلص ... نحو التفلّت من شديد وثاقي لله ما يلقاه أرباب الهوى ... من كلّ ما يفري عرى الأعناق لا غرو أن يشقى المحبّ ببعده ... إن لم يدن محبوبه بتلاق الموت كلّ الموت أنّي مبتلى ... بفراق من يشكو أليم فراقي! [٤٦/أ] ٢٠ يا من فؤادي في وصال جمالهم ... ما زال في طمع وفي إشفاق إن كان دهر قد قضى بفراقنا ... فعساكم لا تنقضوا (١) ميثاقي!

стр. 150

وأنشدني أيضا لنفسه، يخاطب بعض الطّلبة معتذرا له وقد [غفل عنه] في بعض حلق العلم (١): إن كنت أبصرتك لا أبصرت ... بصيرتي في الحقّ برهانها لا غرو أنّي لم أشاهدكم ... فالعين لا تبصر إنسانها! وأنشدني أيضا لنفسه في البعاد (٢): قالوا تغّربت عن أهل وعن وطن ... فقلت لم يبق لي أهل ولا وطن مضى الأحبّة والأهلون كلّهم ... وليس لي بعدهم سكنى ولا سكن أفرغت دمعي وحزني بعدهم فإذا (٣) ... من بعد ذلك لا دمع ولا حزن! وأنشدني أيضا لنفسه: قد كنت أحسب قدوة في سادة ... عدّوا بغير رضاي من أكفائي فاجتاحهم ريب المنون فأصبحوا ... رهن الثرى نبأ من الأنباء وأقام بعدهم الزمان صغارهم ... رغما أمامي، والكبار ورائي!

стр. 151

لم أرض بالطّرف العتيق مسابقا ... فبليت بالجريان خلف الشاء! وأنشدني أيضا لنفسه في المجبّنة (١): ومصفرّة الخدّين مطويّة الحشا ... على الجبن والمصفرّ يؤذن بالخوف لها هيئة كالشّمس عند طلوعها ... ولكنّها في الحين تغرب في الجوف! الفقيه الكاتب القاضي محمد بن عمر بن علي بن عتيق القرشي (*): [٤٦/ ب] [كنيته:] يكنى: أبا بكر. وأدركته، ورأيته. وكتب في الحضرة السلطانية لأبناء عمّنا الملوك من بني نصر. وصلّى بالسلطان منا بمسجد قصره في تراويح شهر رمضان. ثم صلّى بالنّاس بالمسجد الأعظم من الحضرة بعد ذلك. ثم ولي قضاء الجبل من غرناطة، ثم عزل عن ذلك الموضع وولي قضاء بسطة (٢).

стр. 152

حاله-رحمه الله تعالى - كاتب الإمارة وقاضيها، ومنفّذ أحكام الشّريعة وممضيها، وخطيب الحفل، وإمام الفرض والنّفل. وفريد البلاغة التي لا يشحّ ينبوعها، ووحيد الفصاحة التي لا تقفر من البراعة ربوعها. وروضة العلم التي تفتّحت فيها للفنون أزاهر، ورافع راية الأدب التي عجز عن حملها كل ماهر. فمن قوله يهنّئ أمير المسلمين أبا الحجّاج يوسف بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل عمّ أبينا بن جدّنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج، بإبلال من مرض. عادت ببرئك بهجة الأيّام ... واستقبلتك بثغرها البسّام وغدت عليك وفود راحتك الّتي ... نهبت جيوش السّقم والآلام فانزاح عنك الضّير غير معاود ... وأتيح بالآمال كلّ مرام فاستأنف العمر الطّويل فهذه ... بشرى السعّادة آذنت بدوام ومنها: ٥ فلأنت حائز خصل (١) كلّ فضيلة ... في الدّين يوم تراهن الأقوام

стр. 153

ولأنت أزهاهم وأطولهم يدا ... في الحالتين: النّقض والإبرام برّزت فوق النجم في طلب العلا ... والغير كعّ (١) ومال للإحجام أفعال أسرتك الّذين تسنّموا ... مرقى العلا فعلوا على بهرام (٢) وتميّزوا بين الأنام بمجدهم ... كتميّز الأعياد في الأيام [٤٧/أ] ١٠ قوم إذا افتخر الكرام فإنّهم ... غوث الصّريخ وقاتلو الإعدام فضحوا البحار وكلّ طود راسخ ... بنداهم ورجاحة الأحلام وكفى بهم شرفا على من غيرهم ... حبّ النبيّ ونصرة الإسلام أمّا بنو نصر فأرواح، بها ... حيي الورى، والنّاس كالأجسام والقوم جسم، يوسف هو روحه ... وصلت له الأعوام بالأعوام ١٥ قطب إذا داروا، وواسطة إذا ... نظموا، وشمس ضحى وبدر تمام

стр. 154

هو واحد الدّنيا الذي إن يرتجى ... كالغيث أو يخشى فكالضّرغام طلق الجبين محبّب فكأنّه ... جذب القلوب لنفسه بزمام يا أيّها الملك الذي إنعامه ... أبدا يسحّ، ولا انسكاب غمام! غفل الأنام فأهملوا شكر الذّي ... وهبوه منك، فأنت خير إمام ٢٠ وتنبّهوا لمّا اعتراك تألّم ... بالحال أنّك غاية الإنعام فلقد تشكّى من شكاتك من نأت ... أسبابه فضلا على الخدّام والآن صحّ لك الشّفاء وكلّهم ... قاموا بفرض الشكر أيّ قيام وتكّفلت لهم السّعود بما ابتغوا ... فالخير أجمع في البسيطة نام فاستشهدوا البشرى لذلك بينهم ... وأصاخ سمعا معرق وشآمي ٢٥ نسأ (١) الإله لنا حياتك إنّها ... ذخر الأنام وبهجة الأيّام

стр. 155

الفقيه الكاتب القاضي الخطيب أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن جزي الكلبي (*): [كنيته:] يكنى: أبا بكر، وأدركته؛ وهو من أهل غرناطة من أعلامها، من بيت العلماء والقضاة والخطباء (١). وأبوه، أبو القاسم محمد كان خطيب الجامع الأعظم بغرناطة (**)

стр. 156

وكان [٤٧/ب] فقيها إماما عالما بجميع العلوم، محصلا، قارب درجة الاجتهاد، ودون وصنف في كل فن. وكان أحد أهل الفتيا بغرناطة، وقتل شهيدا بطريف في سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ولجده السلطان الأمير أبي بكر بن جزي الظهور بمدينة جيان (١). بويع بها في شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمس مئة.

стр. 157

والقاضي أبو بكر (١) هذا استكتبه بالحضرة السلطانية ابن عم أبينا أمير المسلمين أبو الحجاج يوسف، ثم بعد ذلك ولي القضاء ببرجة، ثم بأندرش، ثم بوادي آش (٢). وولي أيضا قضاء الجماعة بغرناطة بمسجدها الأعظم في دولة ابن عمنا أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل. حاله-أكرمه الله - قدّم للقضاء فعدل، وما عن النّهج القويم عدل. ولا وجد له جور ولا ذوى للحقّ بعدله نور. فطابت بجميل ذكره الخواطر، وتضوّع من حسن سيرته المسك العاطر. وقلّد الكتابة فأجال قداحها، وأبان بالإجادة مساءها وصباحها. وسلك من الفضل الجسيم، الواضح الوسيم؛ على السّنن المأثور، وركض في ميدان الآداب جياد المنظوم والمنثور. إلى ما شئت من سكينة وعفاف، وتخلّق بالمحامد وإنصاف. ونسب قصّر عن وصفه الحافظ المجيد، وشرف تحلّى به للفخر النّحر والجيد. فمن قوله يهنّئ بها ابن عمّ أبينا، أمير المسلمين أبا الحجاج (٣) ببعض المغازي (٤):

стр. 158

سعود بها الإسلام نال أمانيّه ... أشادت ببشراه وشادت مبانيه هنيئا لهذا الملك نصر مؤزّر ... وحق علينا أن نديم تهانيه ضمان على الأيام أنّك غالب ... وأنّك لا تبقي من الشّرك باقيّه لقد نصر الإسلام منك مؤيّد ... معالمه أحيى، وأعلى مراقيه [٤٨/أ] ٥ فيا غزوة ما كان أسعد يومها ... ويا نعمة للدّين والملك ضافيّه ويا بطشة ما كان أعظم صولها ... ويا عزمة كانت على الرّوم قاضيه ومنها: لقد عزّ دين كنت أنت حسامه ... وناصره إن ناب خطب وحاميه هو الملك زانته مكارم جمّة ... لديك وصانته عزائم ماضيه فأوليته الإعزاز لمّا وليته ... وأخصبت مرعاه وأعشبت واديه ١٠ وسدّدت مرماه وأعليت أمره ... وشيّدت مبناه وشرّفت ناديه وحلّيت بالإسلام والجود جيده ... وجلّيت بالتّوفيق والرّشد داجيه ألا في سبيل الله ما أنت صانع ... ولله والإسلام ما كنت آتيه قضى لك بالتفضيل كلّ مجرّب ... عليم بأخبار الأوائل راويه

стр. 159

وله أيضا في العذار، وهو أحسن ما قيل فيه. وسبب ذلك أن كتّاب الحضرة السلطانية اليوسفيّة تذاكروا معنى مخترعا في العذار لم تسبق إليه الشعراء فأتى كل بما في قدرته فقال هو-على البديهة: أتى أولو الكتب والحرب الألى عزموا ... من بعد سلمي على حربي وإسلامي واستطر دوني لتشبيه العذار لهم ... وجادلوني فيه دون أحلام فقال ذو الكتب لا أرضى الكتائب في ... تشبيهه لا وأنقاسي (١) وأقلامي وقال ذو الحرب ما المحراب مشتبها ... عندي به لا وأسيافي وأعلامي فقلت أجمع بين الحالتين إذا ... باللام، فاستحسنوا التشبيه باللام! وقال أيضا مورّيا بالكتب: (أمالي) الشّوق تملأ لي الدّفاتر ... أقول هي (الصّحاح) هي (النّوادر) ومن حبّي (خلاصة) كلّ حب ... ومن صبري (معونة) كل صابر [٤٨/ب] ومن قلبي (المخلّص) (٢) و (الموطّا) ... ومن دمعي (المفصّل) و (الجواهر)

стр. 160

الفقيه الكاتب القاضي الخطيب علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي (*): [كنيته:] يكنى أبا الحسن، وأدركته، ورأيته، ويعرف بابن الحسن، وبالبني. وهو من أهل مالقة، من بيت رفيع المجادة؛ من أولي علم وقضاء وخطابه. وقدّمه قاضيا بغرناطة ابن عمنا أمير المسلمين الغني بالله أبو عبد الله محمد المخلوع واختطب به، واستكتبه، ثم قدّمه على قضاء الجماعة ثانية. ولجده الفقيه القاضي ابن الحسن المالقي أخبار شهيرة مع الحاجب المنصور بالله، أبي عامر محمد بن أبي عامر المعافري، حاجب هشام المؤيد بالله أمير

стр. 161

المؤمنين الأموي، خليفة الأندلس، أثبت هنا منها حكاية طريفة. ولم أثبتها إلا ليعلم منها أصالتها (١)، وعلوّ منصبه. وهي ما قال (٢) محمد به موسى بن عزرون عن أبيه موسى. قال: اجتمعنا يوما في متنزّه لنا بجهة النّاعورة بقرطبة مع المنصور بن أبي عامر (٣) في حداثة سنّه، وأوان طلبه، وهو مرجئ (٤) مؤمّل. ومعنا ابن عمّه عمرو بن عبد الله بن عسقلاجه (٥)، والكاتب ابن المرعزي، والفقيه ابن الحسن المالقي (٦) وكانت معنا سفرة فيها طعام. فقال ابن أبي عامر من ذلك الكلام الذي يتكلم به: لا بد أن أملك الأندلس! وأملك الرجال! وأقود الجيوش! وينفذ حكمي في جميع الأندلس! ونحن نضحك من قوله (٧) ونتعجّب من حديثه. فقال (٨): يتمنى كل واحد منكم ما شاء، فتمنى كل واحد منهم، فقال عمرو بن عبد الله، نتمنى (٩) أن توليني المدينة لضرب الظّهور والجناة (١٠)، ونفتحها مثل هذه الشاردة (١١). وقال ابن المرعزي: أنا أشتهي هذه الإسفنج، توليني أحكام السّوق حتّى نشتفي منها! وقال ابن الحسن، أحبّ هذا التين نتمنى

стр. 162

تولّيني القضاء بريّة (١) حتى أتشفّى من ذلك. [٤٩/أ] قال موسى بن عزرون: فقال لي تمنّ أنت! قال فشققت لحيته، وضرطت به وقلت قولا قبيحا من أقوال السّفال. قال فلمّا صار المنصور إلى ما صار من ملك الأندلس ولى ابن عمّه المدينة، وولّى ابن المرعزي أحكام السّوق، وولى ابن الحسن المالقي قضاء ريّة، وبلغ كل واحد منهم ما تمنّى، وأغرمني أنا مالا عظيما أجحف بي وأفقرني لقبح ما جئت به! (٢). حاله: ملك من الطريقة الأدبيّة الصدور والأعجاز، وضرب القداح في منثورها ومنظومها بمعلاهما وفاز. واهتز قضيب براعته في المسائل الفقهية أي اهتزاز. ذو إصابة في الأحكام الشرعية، ووقوف عند حدودها السنيّة. إلى سمت ووقار، وكلام ألذ من كاسات العقار. فمن قوله ما كتب به للشريف الفقيه القاضي أبي القاسم محمد بن الفقيه القاضي أبي علي حسن الحسيني السّبتي المعروف بالتّلمساني: يا عمادي الذي له القدر العالي، والفضل المستوالي؛ والمكارم التي صحّت منها الأسانيد وحسنت الأمالي. خصّكم الله بدوام السّعادة، وحباكم من عوارفه بالحسنى والزيادة. وصلت العقيلة الجليلة التي قادت الجذل، وسحرت بجمالها المثل. وهبّت أسرار معانيها هبوب الرّياح، وسرت ألطافها الشريفة مسرى الحياة في الأرواح. أكرم بها من زهرة سعيدة، وزهرة لشرخ الشباب معيدة. لم تكدّر صفو شهدها (٣) إبر النحل. ولا شكت دوحة مجدها

стр. 163

ألم المحل. يمينا لقد أنست صباحتها محاسن أدباء بغداد، وأزرت فصاحتها بخطباء إياد. فمن سطور تحاكها الشذّور، وتغصّ بمرآها البدور، ومن طرف أغراض تذهب بعلل القلوب المراض، ويقصر عن طيب شذاها أنفاس [٤٩/ب] الرّياض. ومن معان تطلق من ربقة الجهل كلّ عان. فنزّهت فيها الناظر والخاطر، ونافحت بها الرّوض الماطر، والمسك العاطر. وناديت بأعلى صوتي: بمثل هذه الخريدة، الفذّة الفريدة؛ يكاثر من يكاثر؛ ويفاخر من يفاخر. ثم إني أقبلت أناجيها بالضّمير، وأقول في مراجعتها بلسان التّقصير: يا تحفة القلم الذي زان الزّمن ... من ذا يقوم بشكر من أهداك من؟ إن خطّ مهرقه فقد سحر النّهى ... وأراك فيه وشي صنعاء اليمن وكلامه نظما ونثرا لؤلؤ ... لكنه يربي على غالي الثّمن أبدى وأظهر من صفاة كماله ... ما كان لي في القلب منه قد كمن لا زال يبلغ في الزّمان مراده ... ويبيت من طرق الليّالي في أمن وعذرا يا سيّدي في الاختصار والاقتصار من الكلام على هذا المقدار. فلا خفاء عليكم بما لديّ من القصور في المنظوم والمنثور. على أني لو كنت أشعر من حبيب، وأخطب من شبيب، وأحكم من أكثم، أو عمرو بن الأهتم؛ وأطرف وأطبع من الملقب في عدوان بذي الإصبع، وأصبحت

стр. 164

بعلوم البيان أعلم من الشيخ أبي عبد الرحمن، أو (. . .) (١) عمرو بن أبي عثمان (٢) أو الأخفش علي بن سليمان لاستقصرت كلّ لسان، ولرأيت الواجب لكم فوق ذلكم الإحسان. بيد أن المعظّم يعاتب مثابة الجمال والإجمال معاتبة الإدلال، والجمع بين المفاكهة والإجلال، والإحماض والإخلال. فنقول: العقيلة المعبر عنها أصاب كمالها سهم النقص، إذ دفعت إلى الشخص الذي هو دون قدرها بالقياس والنص! فليس لمثلي على القيام بحقها من يدين، ولو أني علوت الفرقدين، واستنزلت النّيرّن الأكبرين، وسقت لها النّعائم والشّعريين، والزّباني مع البطين. وأمّا قرطا ماريّة فما إن رضيت بهما لها من قرطين، ولو كللّلا بالغفر والشّرطين [٥٠/أ] ولم لا وهي بنت فكر إمام المغربين، وجمال المشرقين، وقدوه العدوتين. فكيف جرى هذا الواقع، ومتى حلّ السّبب القاطع، حتى ظهر على الشّمس المنيرة النّسر الواقع. هنا يجمل تعصّب الفقيه، ويحمد تكلّمه بملء فيه، وإظهار ما يرويه ويدّعيه؛ من سند وثيق، ونكت تحقيق، ونصوص توثيق. فهو محلّ القبول والردّ، والحلّ والعقد، والاستدراك والنقد. إيه، أيها المنعم بالتّحفة المعطارة، قد آن للمعظّم أن يكف من هذه الغزارة (٣). ويراجع نفسه، فبئست الجارة، والعصيّة الأمارة، والمكرهة المختارة. فأقول-وبالحقّ أصول-صنيعة العماد إنما هي درر وشذور. ثبت عدم قارون عندها وإن العديم لمعذور. وغير نكير على البحر الكبير

стр. 165

أن يجود على فقير أو حقير بمذخور. فسيّدي أولى من تطوّل بالهيبة السّمحة والنعمة السّحّة، من غير منّ ولا أذى، ولا تعلّل بفتح باب «حتّى» و «إذا». فهو ربّ الأيادي، وملاذ الحاضر والبادي. أبقاه الله شرفا للأيام، وفخر الدولة السامية المقام. وهذا ما حضر من الكلام، والسّلام. الفقيه الكاتب أحمد بن علي بن محمد بن علي ابن محمد بن محمد بن خاتمة الأنصاري (*) [كنيته:] يكنى أبا جعفر، وأدركته.

стр. 166

وهو من المريّة (١)، وكان يكتب على أهلها إلى السّلطان ويقرئ، العربية وسائر العلوم بها. حاله-سلمه الله - أسد ميدان الطلب، وربّ الفصاحة والأدب. وفارس البيان واليراعة، ورب الكتابة والبراعة. إلى خط يستوقف من حسنه الأبصار، وقريض يقرض شعراء الأعصار. وإنشاء نشأت منه الإجادة في الأمصار. وشعراء الأندلس يقدمونه على أنفسهم، ومع ذلك يلتزم التواضع لأدناهم وأنفسهم. [٥٠/ب] فمن قوله يتغزل (٢): أكلّ شاك بداء الحبّ مضناك ... ماذا جنته على العشّاق عيناك قد كان لي عن سبيل الحبّ منصرف ... حتى دعوت له قلبي فلبّاك

стр. 167

أيقظته لأساة (١) ثم نمت وما ... باليت، إياك شكوى الصّب إيّاك! أحيي ذماي وما أتلفت من رمق ... إن قلت عطفاك قالا بل دلالاك ٥ كأنّني لست أدري من أراق دمي ... والله ما بفؤادي غير مرماك أستغفر الله لا أبغيك مظلمة ... فأنت منّي في حلّ ومن ذاك كل عليّ له جند مجنّدة ... يكفيك يا هند أنّي بعض قتلاك! كيف الخلاص لمثلي من هواك وقد ... رمى بي الوجد في أشراك أسراك أعدت جفونك قلبي حيرة وضنى ... فهل دليل لقلب حائر شاك؟ ١٠ قد كنت أطمع أن تصحو صبابته ... لو قد صحت من حميّا التيّه عطفاك زجرت فيك رسول الطّرف عن نظر ... فهل على القلب عتب إن تمنّاك؟! يا طلعة الحسن تزهو في ملابسه ... رحماك في أنفس العشّاق! رحماك!

стр. 168

تيهي على الشمس واسبي البدر مطلعه ... فإنما روضة الدّنيا محيّاك أقول والرّوض يجلى في زخارفه ... من علّم الرّوض يحكي حسن مغناك؟ ١٥ في فيك راح وفي عطفيك هزّتها ... فهل تثنّيك سكرا من ثناياك؟ أليس من أعظم الأشياء موجدة ... أن تضحكي بي وطرفي دائم (١) باك وأقطع العمر مالي في سواك هوى ... وليس لي منك يوما حظّ مسواك! أومي بفيّ لتقبيل الصّبا ولها ... أقول شوقا عساها قبّلت فاك! وأملأ الصّدر من أنفاسها كلفا ... بما أشمّ بها من طيب ريّاك [٥١/أ] ٢٠ هل بالأثيل وبان الجزع تسلية ... وما الأثيل وبان الجزع لولاك؟ إني لأهواه والثاوي بحلّته ... ولست أهوى على التّحقيق إلاك! أحبّ نجدا إلى جرّاء ساكنه ... وما محبّته إلا بجرّاك

стр. 169

يا من نأت وبأحناء الضّلوع ثوت ... تراك تنسين صبا ليس ينساك؟ أما وسرّ جمال أنت رونقه ... لو صوّر الحسن شخصا ما تعدّاك! ٢٥ حيّي على البعد تحيي نفس ذي كمد ... ما إن تهبّ صبا إلا وحيّاك! وكتب إليه صاحبنا الفقيه العالم الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم محمد بن جزي الكلبي (١) الأندلسي قصيدة حذف منها الراء المهملة للثغ يعتري لسانه؛ يجعل مكان الراء غينا معجمة وهي: وعد الوفاء وليته ما نجزا (٢) ... طيف ألمّ بمقلتي مستوفزا ماذا يفيد الطّيف إذ ينتابني ... والنّوم قد أعيى الجفون وأعجزا يا قاتل الله الزّمان فإنّه ... ما زال في عنوانه متجوّزا وإذا تغافل عنك حينا خطبه ... فمكيدة حتى يصادف منهزا! لله أيام خوال لم أكن ... فيهنّ إلا للهوى متحيّزا

стр. 170

٥ أتتبّع اللذات حيث وجدتها ... وأميل نحو الأنس حيث تحّوزا (١) وأظلّ حيث اللهو يبسط ظلّه ... حتّى عزاني للبطالة من عزا والعيش غض والحبيب مساعد ... بالوصل عفوا قبل أن يستنجزا إنّ الشباب، إذا سموت للذّة ... وجعلته مفتاحه لن تعجزا! ١٠ ومعلّل قلبي بخلّب لفظه ... وعد الجميل ووعده لن ينجزا قد كنت أحمل صدّه وجفاءه ... حتّى أعينا بالبعاد وعزّزا [٥١/ب] ها إنّني من بعده لا ميّت ... أبكى، ولا حيّ، فهلاّ أجهزا؟ يا عيشة ألوى بجدّتها النّوى ... كانت كما أنشأت لفظا موجزا ومحا محاسنها البعاد فقد سلا ... عنها فؤادي بالتعلّل واجتزا ١٥ خدع الزّمان بها وكنت أظنّني ... خادعته فأبان عمّا ألغزا

стр. 171

من مبلغ عنّي ابن خاتمة الذي ... ختمت به البلغاء فذّا معجزا إن البلاغة قد ملكت زمامها ... وفتحت مقفلها الذي قد أعوزا جلّيت في ميدانها وفضحت من ... كان انتمى قدما إليها واعتزى ولك البيان سحبت من أذياله ... في حالتيه مطنبا أو موجزا ٢٠ قاد القوافي طائعات فهو لا ... يخشى عقائل نظمها أن تنشزا خذّها أبا العبّاس من ذي خلّة (١) ... لك قد غدا بخلوصها متميّزا حسناء كالذّهب المصفّى خلّصت ... لتخطّ في صحف القلوب وتكنزا حاشيت أخت الزّاي منها عامدا ... حتّى لكدت إخال ذلك معوزا وافتك مبلغة سلامي بعد ما ... طال البعاد فأولها حسن الجزا!

стр. 172

فجاوبه بقصيدة هجر فيها الراء المهملة، وبرسالة مثلها زائية، معجمة، وهي (١): مزج البلاغة بالجزالة موجزا ... وأتى به في الحسن بدعا معجزا ينساب بين حلاوة وطلاوة ... جمع البديع به البديع فأوجزا وافى يجاذبني الحديث وإنّما ... وافى يجشّم بذل نيل معوزا هلا وملعب خيلي الآداب إذ ... أسمو لها من قبل أن تتنجّزا ٥ تهفو بعطفي نحوها خلق الصّبا ... ميلا لحيّز حسنها وتحيّزا [٥٢/أ] أمّا وقد جذبت عنان عنايتي ... أيدي الحقائق فانتبذت تجوّزا همّي تلقّي علم او إلقاؤه ... ممّا يؤمّل نفعه يوم الجزا وعقائل الآداب ما لم تصطنع ... بعد التّثني أو شكت أن تنشزا وعزيزة الأبيات أودع نظمها ... من واضح الآيات ما قد أعجزا

стр. 173

١٠لو واصل بن عطاء * أعطي وصلها ... لم يعتزل عن حسنها، ولها اعتزى! ولأصبحت فيما أتاه أسوة ... يعتادها من جدّ قولا أو هزا (١) حيّى بها (كالابن) (٢) بل أحيى بها ... ماضي البديهة مسهبا أو موجزا قسما بما خطّت غوالي نقسه (٣) ... في وجه صفحتها الذّي لا يوتزى (٤) ما جنّة بالحزن دبّج وشيها ... وكّاف (٥) مزن لم يبت مستوفزا ١٥ قد عمّها وجه الزّمان محاسنا ... تستوقف الأحداق أن تتجوّزا (٦) لغناء ساجعها افتتان مساجل ... يثني عليها مفصحا أو ملغزا

стр. 174

سحب النّسيم بها فضول ذيوله ... فتضوّعت طيبا ولانت مغمزا بأتمّ أنفاسا وأعذب نغمة ... منه، لدى سمع، وآنق حيّزا إيه مهيّجة الجوى بجوانحي ... شوقا لمن بحلى علاه تميّزا ٢٠ بحياة ودّي في امتداد حياته ... ووفاء عهد صنته أن يغمزا (١) قولي وزيدي وابسطي لي حاله ... لا توجزي، ما حقّه أن يوجزا وصفي ففي أوصافه ما يجتلى ... صدعا بها فبوحيها لا يجتزا (٢) لمحمد بن جزيّ آية سودد (٣) ... قد ظلّ في العليا بها متميّزا ندب إذا ما المجد نيل بمهنة (٤) ... لم يأل أن يحظى به متعزّزا ٢٥ أضحى ذكاء بني جزيّ (غدوا) (٥) ... شهب العلاء بكلّ أفق حيّزا

стр. 175

[٥٢/أ] وعد الزمان به اعتدال محاسن ... والآن آن لوعده أن ينجزا وإليكها منّي تعلة معوز ... فلقد سموت إليه سهلا معوزا جانبت ما جانبت فيه تشيّعا ... فمن انتبذت فنبذه عندي الجزا (١) يا أخي، الذي سما وده أن يجازى، وسيّدي، الذي علا مجده من أن يوازى. وصل الله تعالى لك أسباب الاعتلاء والاعتزاز. و «كاف» مالك من الاختصاص بالفضائل والامتياز. أما إنه لو وسع التخلّف عن جواب أخ أعزّ، ولم يجب التّكّلّف على توسّد العجز، لغطّيت عجزي عن عين تعجيزك؛ ولما تعاطيت المثول في زيّ مناهزك أو مجيزك. لكنّه في حكم الودّ المكنون المكنوز؛ ممّا لا يحلّ ولا يجوز. فلكم الفضل في الإغضاء عن عاجز، دعاه حكم التّكلّف إلى القيام مقام مناجز. وإن لم يكن ذلك عند الإنصاف، وحميد الأوصاف من الطّائع الجائز. فعن جهد ما بلغ وليّك إلى هذه الأجواز، ولم يحصل من الحقيقة إلا على المجاز. أما ما ذهبتم (٢) إليه من تخميسي القصيدة التي

стр. 176

أعجزت، وبلغت من البلاغة الغاية التي عزّت مناهضتها، وأعوزت، فلم أكن لأستهدف ثانيا لمضاضة الإعجاز، وأسجل على نفسي بالإفلاس والإعواز! شيخنا الفقيه الخطيب فرج بن قاسم ابن أحمد بن لب التغلبي (*). [كنيته:] يكنى أبا سعيد، وأدركته، وبعث لي بالإجازة العامة من غرناطة إلى فاس، وأنا قاطن بها في حضرة الملوك من مرين، حين أخرجنا عن الأندلس بنو عمنا الملوك من بني نصر. وهو من أهل غرناطة. وولاه الخطابة بجامعها الأعظم أمير المسلمين يوسف ابن عم أبينا. وهو الآن يخطب به على حاله-أعانه الله تعالى-.

стр. 177

[٥٣/أ] حاله-نسأ الله في أجله - هو معيد البلاغة ومبديها، وعالم الأندلس ومفتيها، ومظهر مشكلات العلوم ومجليها. وشيخها وفتاها، وحامل لواها، وفارس البراعة والمتلفع برداها. قد تحلى بالسكينة والتقوى، والتزم الطاعة في السر والنّجوى. إن حضر مع الفقهاء مجلسا، واحتل للأدباء مكنسا؛ فله يتبعون، وعلى قوله يعولون. وهو المصيب في كلامه ونظمه، بثقوب ذهنه واتساع علمه. مع باع مديد في النحو واللغة الغريبة، وحفظ للآداب والتواريخ العجيبة، ومعرفة شديدة، بالأصول والفروع والحديث، مصيبة. ونبل فائق في العروض والمنطق والبيان، وعلم الكلام والقراءات وتفسير القرآن. وهو (يرى)؟ (١) في كل لهذه (٢) العلوم قاريا، ولتدريسها ملازما، وعلى نهج تبيانها جاريا. وينظم القصائد النفائس، فتأتي كالقلائد في أجياد العرائس. ولعمري ما تكلم مع أحد من الناس، في توجيه مسألة فقهية أو قياس؛ إلا كان له عليه الظهور، شهد له بذلك الخاصة والجمهور. أنشدني لنفسه يمدح رسول الله ﷺ : إذا البرق ثار أثار ادّكارا ... لقلبي فأذكى عليه أوارا (٣) تروم جفوني لنار الهوى ... خمودا فتهمي دموعي غزارا فماء جفوني يسحّ انهمالا ... ونار فؤادي تهيج استعارا

стр. 178

أطيل العويل صباح (١) مساء ... كئيبا ولست أطيق اصطبارا ٥ رقيت مراقي للحبّ شتى ... فأفنى مرارا وأحيى مرارا أحنّ اشتياقا لريح مرت ... وأبدي هياما لبرق آنارا [٥٣/ب] حنينا وشوقا إلى معلم ... حوى شرفا خالدا لا يجارى به أسكن الله أسمى الورى ... نبيّا كريما، وصحبا خيارا هو المصطفى المنتقى المجتبى ... أرى معجزات وآيا كبارا ١٠ يحقّ علينا ركوب البحار ... وجوب القفار إليه ابتدارا وأمّ ذراه فمن يعطه ... كفاه اعتلاء، أجل، وافتخارا فيا فوز من فاز في طيبة ... بلثم المغاني جدارا جدارا وألصق خدّا على تربها ... وأكمل حجّا بها واعتمارا وأهدى السّلام لخير الأنام ... على حين وافى عليه فزارا ١٥ لأنت الوسيلة والمرتجى ... ليوم يرى الناس فيه سكارى وما هم سكارى ولكنّهم ... دهتهم دواه فهاموا حيارى ترى المرء للهول من أمّه ... ومن أقربيه يطيل الفرارا وكل يخاف على نفسه ... فيكسوه خوف الإله انكسارا فصلّى الإله-رسول الهدى- ... عليك، وأبقى هداك منارا

стр. 179

٢٠ وقدّس ربي ثرى روضة ... يعمّ الجهات سناها انتشارا أعير شذى المسك منها الثّرى ... بل المسك منها شذاه استعارا هنيئا لمن بهداك اهتدى ... ومغناك وافى وإيّاك زارا قال إسماعيل بن الأحمر، مؤلف هذا الكتاب: أخبرني شيخنا أبو سعيد هذا، أنه عارض بقصيدته (١) هذه قصيدة الفقيه الإمام القاضي الرئيس شهاب الدين أبي الثناء محمود بن سليمان بن فهد الحلبي (*) صاحب «ديوان الإنشاء بالشام» التي هي: وصلنا السّرى وهجرنا الدّيارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا وهذه القصيدة نظمها الرئيس أبو الثناء بالحجاز الشّريف في طريق

стр. 180

المدينة شرفها الله-وعلى ساكنها السلام. وقد شرحتها، وشرحي لها أذكره هنا معها. وحدّثني بالقصيدة شيخاي الفقيهان الإمامان العالمان المحصلان المفتيان القاضيان الخطيبان: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي قاضي الجماعة بفاس (١)، والشريف أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن الحسني المعروف بالمومناني الفاسي عن الفقيه الإمام المحدث الرواية المسند الحافظ الحاج الرحّال محبّ الدين أبي عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السّبتي (٢)، نزيل فاس. قال أنشدني لنفسه الفقيه الإمام العام العلامة الرئيس القاضي شهاب الدين أبو الثناء محمود ابن سليمان بن فهد الحلبي في سنة تسع وثمانين وست مئة بطريق المدينة: وصلنا السّرى وهجرنا الدّيارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا أتيناك نحدو البكا والرّكاب ... ونبعث إثر القطار القطارا
следующие страницы →