أعجزت، وبلغت من البلاغة الغاية التي عزّت مناهضتها، وأعوزت، فلم أكن لأستهدف ثانيا لمضاضة الإعجاز، وأسجل على نفسي بالإفلاس والإعواز!
شيخنا الفقيه الخطيب فرج بن قاسم
ابن أحمد بن لب التغلبي (*).
[كنيته:]
يكنى أبا سعيد، وأدركته، وبعث لي بالإجازة العامة من غرناطة إلى فاس، وأنا قاطن بها في حضرة الملوك من مرين، حين أخرجنا عن الأندلس بنو عمنا الملوك من بني نصر. وهو من أهل غرناطة. وولاه الخطابة بجامعها الأعظم أمير المسلمين يوسف ابن عم أبينا. وهو الآن يخطب به على حاله-أعانه الله تعالى-.
стр. 177
[٥٣/أ]
حاله-نسأ الله في أجله -
هو معيد البلاغة ومبديها، وعالم الأندلس ومفتيها، ومظهر مشكلات العلوم ومجليها. وشيخها وفتاها، وحامل لواها، وفارس البراعة والمتلفع برداها. قد تحلى بالسكينة والتقوى، والتزم الطاعة في السر والنّجوى. إن حضر مع الفقهاء مجلسا، واحتل للأدباء مكنسا؛ فله يتبعون، وعلى قوله يعولون. وهو المصيب في كلامه ونظمه، بثقوب ذهنه واتساع علمه. مع باع مديد في النحو واللغة الغريبة، وحفظ للآداب والتواريخ العجيبة، ومعرفة شديدة، بالأصول والفروع والحديث، مصيبة. ونبل فائق في العروض والمنطق والبيان، وعلم الكلام والقراءات وتفسير القرآن. وهو (يرى)؟ (١) في كل لهذه (٢) العلوم قاريا، ولتدريسها ملازما، وعلى نهج تبيانها جاريا. وينظم القصائد النفائس، فتأتي كالقلائد في أجياد العرائس.
ولعمري ما تكلم مع أحد من الناس، في توجيه مسألة فقهية أو قياس؛ إلا كان له عليه الظهور، شهد له بذلك الخاصة والجمهور.
أنشدني لنفسه يمدح رسول الله ﷺ :
إذا البرق ثار أثار ادّكارا ... لقلبي فأذكى عليه أوارا (٣)
تروم جفوني لنار الهوى ... خمودا فتهمي دموعي غزارا
فماء جفوني يسحّ انهمالا ... ونار فؤادي تهيج استعارا
стр. 178
أطيل العويل صباح (١) مساء ... كئيبا ولست أطيق اصطبارا
٥ رقيت مراقي للحبّ شتى ... فأفنى مرارا وأحيى مرارا
أحنّ اشتياقا لريح مرت ... وأبدي هياما لبرق آنارا
[٥٣/ب]
حنينا وشوقا إلى معلم ... حوى شرفا خالدا لا يجارى
به أسكن الله أسمى الورى ... نبيّا كريما، وصحبا خيارا
هو المصطفى المنتقى المجتبى ... أرى معجزات وآيا كبارا
١٠ يحقّ علينا ركوب البحار ... وجوب القفار إليه ابتدارا
وأمّ ذراه فمن يعطه ... كفاه اعتلاء، أجل، وافتخارا
فيا فوز من فاز في طيبة ... بلثم المغاني جدارا جدارا
وألصق خدّا على تربها ... وأكمل حجّا بها واعتمارا
وأهدى السّلام لخير الأنام ... على حين وافى عليه فزارا
١٥ لأنت الوسيلة والمرتجى ... ليوم يرى الناس فيه سكارى
وما هم سكارى ولكنّهم ... دهتهم دواه فهاموا حيارى
ترى المرء للهول من أمّه ... ومن أقربيه يطيل الفرارا
وكل يخاف على نفسه ... فيكسوه خوف الإله انكسارا
فصلّى الإله-رسول الهدى- ... عليك، وأبقى هداك منارا
стр. 179
٢٠ وقدّس ربي ثرى روضة ... يعمّ الجهات سناها انتشارا
أعير شذى المسك منها الثّرى ... بل المسك منها شذاه استعارا
هنيئا لمن بهداك اهتدى ... ومغناك وافى وإيّاك زارا
قال إسماعيل بن الأحمر، مؤلف هذا الكتاب: أخبرني شيخنا أبو سعيد هذا، أنه عارض بقصيدته (١) هذه قصيدة الفقيه الإمام القاضي الرئيس شهاب الدين أبي الثناء محمود بن سليمان بن فهد الحلبي (*) صاحب «ديوان الإنشاء بالشام» التي هي:
وصلنا السّرى وهجرنا الدّيارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا
وهذه القصيدة نظمها الرئيس أبو الثناء بالحجاز الشّريف في طريق
стр. 180
المدينة شرفها الله-وعلى ساكنها السلام. وقد شرحتها، وشرحي لها أذكره هنا معها.
وحدّثني بالقصيدة شيخاي الفقيهان الإمامان العالمان المحصلان المفتيان القاضيان الخطيبان: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي قاضي الجماعة بفاس (١)، والشريف أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن الحسني المعروف بالمومناني الفاسي عن الفقيه الإمام المحدث الرواية المسند الحافظ الحاج الرحّال محبّ الدين أبي عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السّبتي (٢)، نزيل فاس. قال أنشدني لنفسه الفقيه الإمام العام العلامة الرئيس القاضي شهاب الدين أبو الثناء محمود ابن سليمان بن فهد الحلبي في سنة تسع وثمانين وست مئة بطريق المدينة:
وصلنا السّرى وهجرنا الدّيارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا
أتيناك نحدو البكا والرّكاب ... ونبعث إثر القطار القطارا
стр. 181
إذا أخذت هذه في الرّبا ... صعودا أبى ذاك إلا انحدارا
وإن فاض ماء لفرط الحنين ... ورجّع حادي السّرى عاد نارا
كأني به وهو يجري دما ... وقوفا على الخيف نرمي الجمارا
قال إسماعيل بن الأحمر مؤلف هذا الكتاب-لطف الله به-:
قوله «أتيناك نحدو» إلى آخره. الحادي هو السائق من خلف العيس منشدا لتقوى على السير. والهادي: السائق من أمام. والبكا يمد ويقصر بمعنى. وقيل البكاء (ممدود)، [٥٤/ب] هو العويل والصياح.
[والبكا] (مقصور) البكاء بالدمع من غير عويل. والركاب: الإبل تحمل القوم، ويقال لراكبيها وراكبي سائر الدواب: الرّكب، على وزن الضرب، والأركوب، بضم الهمزة، والركبان. ويقال في جمع راكب السفينة ركّاب بضم الراء، وإضعاف الكاف. والقطار الأول جمع قطر (مفتوح القاف، ساكن الطاء المهملة): الاسم لما يقطر من الماء. يقال قطر الماء (بالفتح) قطرا -بسكون الطاء-وقطرانا. والاسم القطر، والجمع القطار. والقطار الثاني تقطير الإبل على نسق حتى تكون كالسطر.
وقوله: «إذا أخذت هذه في الرّبا» إلى آخره. جمع ربوة، بضم الراء وهي الأكمة. والأجمة التل. ويقال: الرابية، والربوة، بكسر الراء.
والرّباوة على وزن الهراوة. و «الصّعود» بضم الصاد والعين المهملتين الارتقاء يقال: صعد، بكسر العين صعودا. أو أصعد-أيضا-على وزن أكرم، إذا ارتقى مشرفا، أي موضعا يشرف عليه. والصّعود-بفتح الصاد-
стр. 182
الطريق إليه. والجمع أصعدة. وقيل، يقال: صعد في الجبل، وأصعد في الأرض لا غير. والانحدار: الهبوط من علو إلى سفل.
يقول: إذا طلعت بهذه الإبل ربوة بعد ربوة زادت الدموع جريانا وهبوطا. يصف بذلك وبالبيتين بعده: الدمع.
أتيناك سعيا ننادي البدارا ... إلى سيّد المرسلين البدارا
إلى أشرف الخلق في محتد ... وحام (١) جوارا، وأعلى نجارا
إلى من به الله أسرى إليه ... وما زاغ ناظره حين زارا
ولمّا نزعنا شعار (٢) الرّقاد ... لبسنا الدّجى وادرّعنا النّهارا
نميل من الشوق فوق الرّحال ... كأنا سكارى ولسنا سكارى!
نجافي عن الطّيف أجفاننا ... فلا نطعم النّوم إلا غرارا (٣)
ونسري مع الشّوق أنّى سرى ... ونتبع حادي السّرى حيث سارا
ونسأل والدار تدنو بنا ... عن القرب في كل يوم مزارا
وما ذاك أنا سمعنا السّرى ... ولكن دنونا فزدنا انتظارا
إذا البرق عارضنا موهنا ... حسبنا سنى طيبة قد أنارا
فنفري بأذرع تلك النّياق ... أديم الفلا غدوة وابتكارا
ونرمي بهنّ صدور الفجاج ... كأنّا نشنّ عليها مغارا
قوله «موهنا» يريد ساعة مضت من الليل. يقال لذاك الوقت وهن؛
стр. 183
بسكون الهاء، وموهن؛ و «نفري»: نقطع. و «أذرع» جمع ذراع.
و «النّياق» جمع ناقة. و «أديم الفلا»: وجهها، أراد ظاهرها.
و «الغدوة»: بضم الغين المعجمة، معروفة. وبفتحها المرّة الواحدة من الفعل في ذلك الوقت. و «الابتكار» المضي بكرة، وكذلك البكور.
و «الإبكار» على وزن الإكرام اسم للبكرة. والفجاج: الطّرق الواسعة في أقبال (١) الجبال واحدها فجّ، بفتح الفاء وإضعاف الجيم. والأقبال: جمع قبل، وقبلك، على ما لم يسم فاعله، أي استقبل وجهك. «نشنّ» أي نبثّ خيلا. يقال شن وأشن. والمغار: اسم المصدر من أغار؛ هذا بفتح الميم، والاسم الغارة؛ وهو إتيان القوم للقتال.
إذا رقصت في الفلاة المطيّ ... جعلنا الدّموع عليها نثارا (٢)
تساند أرجلها في السّرى ... لديها وتشكو اليمين اليسارا
ونجمع بين السّرى والمسير ... ونجفو الكرى ونعاف القرارا
وكيف القرار إلى أن نراك ... وتدني المطيّ إليك المزارا
ومن كان يأمّل منك الدّنوّ ... أيملك دون اللّقاء اصطبارا؟!
ترى تنظر العين هذا البشير ... يريني على البعد تلك الدّيارا
стр. 184
[٥٥/ب]
لأعطيه روحي سرورا بها ... وأوطيه طرفي وخدّي اعتذارا
وأمسح عن أرجل اليعملات ... بأجفان عينيّ ذاك الغبارا
وأهدي-على القرب-منّي السّلام ... حسبي بها رتبة وافتخارا
وأكتب شوقي بماء الدّموع ... بسيطا إذا اللّفظ كان اختصارا
وأفدي بما طال من مدّتي ... بطيبة تلك اللّيالي القصارا
ترى هل أناجي هناك الرّسول ... جهارا كما أرتجي أو سرارا؟
وأعلم أنّي على بابه ... وقفت وقبّلت ذاك الجدارا
وماذا أقول وكلّ الورى ... نشاوى هنالك مثلي حيارى
وأنشد يا شافع المذنبين ... أجر من بباب حماك استجارا
أجرني فقد جئت أشكو الذّنوب ... إليك وأنت تقيل العثارا
فكن شافعي يوم لا شافع ... سواك يفكّ العناة الأسارى
стр. 185
فمالي سوى حقّ هذا الجوار ... لديك ومثلك يرعى الجوارا
وإني قطعت إليك القفار ... فقيرا أقلّ (١) ذنوبا كبارا
وفي قطعها لك فضل عليّ ... ولو خضت دون اللّقاء البحارا
ولو أستطيع قطعت الزّمان ... -وأنت المنى-حجّة واعتمارا
وما كنت أظعن إلا إليك ... إذا ما ملكت لروحي اختيارا
قوله: «اليعملات» هي الإبل التي تعمل حملا وركوبا وغير ذلك.
و «العناة» جمع عان، وهو الأسير. و «الظّاعن»: الشّاخص. يقال ظعن يظعن ظعنا، بفتح العين فيها، وظعونا على وزن خروج، إذا شخص. وشخص هنا صار من مكان إلى مكان، شخوصا.
حمىّ حلّ فيه نبيّ الهدى ... فأضحى به أشرف الأرض دارا
[٥٦/أ]
فيا فوز من كلّ عام أتاه ... ويا فوت من غاب عنه خسارا
شممنا الشّذى من مبادي الحجاز ... فخلنا العبير أعار العرارا (٢)
стр. 186
فواها (١) لها نفحة أذكرت ... هواي وأذكت بقلبي الشّرارا
إذا خطرت في الرّبا سحرة ... وجرّت ذيولا على الغار غارا
«الغار» هنا نبت طيب الريح. وغار: الماضي من «الغيرة». تقول غار الرّجل يغار غيرة وغارا فهو غيران. وامرأة غيور وغيرى، والجمع الغير على مثال السّرر، والغيارى على مثال الحيارى.
يمانية زانها أنّها ... بطيبة مرّت وجرت إزارا
على من سرت من حماه السّلام ... وحيّى الحيا ذلك الرّبع دارا
الفقيه الحاج محمد بن محمد بن الشّديد (*):
[كنيته:]
يكنى: أبا عبد الله. وأدركته، وهو من أهل مالقة؛ وارتحل عنها ويعرف بالشّديد.
حاله-رحمه الله تعالى -:
شاعر طلق اللسان، وأديب أحسن في القريض كلّ الإحسان. وسابق ركض في ميدان الفصاحة فجلّى، وأريب طلع في سماء البراعة فتجلى.
стр. 187
فإن مدح أصاب، وإن تغزل أهل المصاب (١). ولم تزل روضات إجادته ذات أزهار، وبدائع قصائده في سمو واشتهار. فمن شعره الذي يخبر بإجادته، ويدلّ على براعة أدبه ومجادته، قوله يمدح ابن عم أبينا أمير المسلمين أبا الحجاج:
لنا في كلّ مكرمة مقام ... ومن فوق النّجوم لنا مقام
روينا من مياه المجد لمّا ... وردناه (٢) وقد كثر الزّحام
فنحن هم وقل لي من سوانا ... لنا التّقديم قدما والكلام
[٥٦/ب]
لنا الأيدي الطّوال بكل ضرب (٣) ... يهزّ به لدى الرّوع الحسام
٥ ونحن اللابسون لكلّ درع ... يصيب السّمر منهنّ انشلام
بأندلس لنا أيّام حرب ... مواقعهنّ في الدّنيا عظام
ثوى منها قلوب (٤) الرّوم خوف ... يخوّف منه في المهد الغلام
حمينا جانب الدّين احتسابا ... فها هو لا يهان ولا يضام
стр. 188
وتحت الراية الحمراء منّا ... كتائب لا تطاق ولا ترام
١٠ بنو نصر وما أدراك ما هم ... أسود الحرب والقوم الكرام
لهم في حربهم فتكات عمرو ... فللأعمار عندهم انصرام
يقول عداتهم مهما ألمّوا: ... أتونا! ما من الموت اعتصام
إذا شرعوا الأسنّة يوم حرب ... فحقّق أنّ ذاك هو الحمام!
كأنّ رماحنا فيها نجوم ... إذا ما أشبه اللّيل القتام
١٥ أناس تخلف الأيام ميتا ... بحيّ منهم، فلهم دوام
رأينا من أبي الحجاج شخصا ... على تلك الصّفات له قيام
موفّى العرض، محمود السّجايا ... كريم الكفّ، مقدام همام
يجول بذهنه في كلّ شيء ... فيدركه وإن عزّ المرام
قويم الرّأي في نوب اللّيالي ... إذا ما الرّأي فارقه القوام
٢٠ له في كلّ معضلة مضاء ... مضاء الكفّ ساعدها الحسام
رؤوف قادر يغضي ويعفو ... وإن عظم اجتناء واجترام
تطوف ببيت سؤدده القوافي ... كما قد طاف بالبيت الأنام!
وتسجد في مقام علاه شكرا ... ونعم الرّكن ذلك (١) والمقام (٢)
[٥٧/أ]
أفارسها إذا ما الحرب أخنت ... على أبطالها ودنا الحمام
стр. 189
٢٥ وممطرها إذا ما السّحب كفّت ... -وكفّ أخي النّدى أبدا غمام! -
لك الذّكر الجميل بكلّ قطر ... لك الشّرف الأصيل المستدام
لقد جبنا (١) البلاد فحيث سرنا ... رأينا أن ملكك لا يرام
فضلت ملوكها شرقا وغربا ... وبتّ لملكها يقظا، وناموا!
فأنت لكلّ معلوة مدار ... وأنت لكلّ مكرمة إمام
٣٠ جعلت بلاد أندلس إذا ما ... ذكرت تغار مصر والشآم!
مكان أنت فيه مكان عزّ ... وأوطان حللت بها كرام
وهبتك من بنات الفكر بكرا ... لها من حسن لقياك ابتسام
فنزّه طرف مجدك في حلاها ... فللمجد الأصيل بها اهتمام
стр. 190
الفقيه الضرير:
محمد بن أحمد بن علي بن جابر الهواري (*):
[كنيته:]
يكنى: أبا عبد الله، ويعرف بابن جابر، وهو من أهل المرية. وارتحل عن الأندلس إلى المشرق، فحج، واستوطن مدينة حلب من الشام؛ ودرّس بها العلوم، وكان (١) أهل الفتيا فيها.
حاله-﵀ -:
تحلى بعلوم بارعة، ومحاسن لأشتات الفوائد جامعة، وهو سراج الأدب المتوقد الضياء، والمستولي على أمد المكارم والحياء. وشعره مهما فري يستلم، أرق وأجزل من شعر الرّضي بذي سلم (١). مع النثر البديع، الذي فاق به البديع، الذي نجم في الأندلس فسما بأدبه، وطلب العلوم فحازها بطلبه. وارتحل عن الأندلس للطلب، فاحتل من الشام بحلب. فدرس العلوم بها، [٥٧/ب] ونجح مطلوبه بسببها.
فمن قوله يمدح ابن عم أبينا أمير المسلمين أبا الحجاج:
عليّ لكل مكرمة ذمام ... ولي بمدارك المجد اهتمام
وأحسن ما لديّ لقاء حر ... وصحبة معشر بالمجد هاموا
стр. 191
وإني حين أنسب من أناس ... على قنن النجوم لهم مقام
يميل بهم إلى المجد ارتياح ... كما مالت بشاربها المدام
٥ هم لبسوا أديم اللّيل بردا ... ليسفر عن مرادهم الظّلام
هم جعلوا متون العيس أرضا ... فمذ عزموا الرّحيل فقد أقاموا
فمن كلّ البلاد لنا ارتحال ... وفي كلّ البلاد لنا مقام
وحول موارد العلياء منها ... لنا مع كلّ ذي شرف زحام
تصيب سهامنا غرض المعالي ... إذا ضلّت عن الغرض السّهام
١٠ وليس لنا من المجد اقتناع ... ولو أنّ النجّوم لنا خيام
أنزّه (١) عرضنا عن كل لؤم ... فليس يشين سؤددنا ملام
ونبذل، لا نقول: العام ماذا (٢) ... سواء كل خصب أو حطام
وإن حضر الكلام ففي يدينا ... ملاك أمورهم ولنا الكلام
وفينا المستشار بكلّ علم ... ومنّا اللّيث والبطل الهمام
١٥ فميدان الكلام لنا مداه (٣) ... وميدان الحروب بنا يقام
كلا الأمرين ليس له بقوم ... سوانا [عند] (٤) نازلة تمام
نريق دم المداد بكلّ طرس ... وليس سوى اليراع لنا سهام
стр. 192
ونكتب في المثقّفة العوالي ... بحيث الطّرس لبّات وهام!
[٥٨/أ]
إذا عبست وجوه الدّهر منّا (١) ... إليها فانثنت ولها ابتسام
٢٠ ومهما اعوجّت الأيّام كنّا ... لها في كلّ معضلة قوام
وجرّ لباسها لأمات حرب ... لهنّ بمحكم السّرد اتسّام
نجرّدها وحدّ السّيف كاس ... ونلبسها إذا عري الحسام
ونبسم والوجوه لها انقباض ... وننهض والسّيوف لها انثلام
ولولا صبرنا في كل حرب ... لكان لجانب الدّين اهتضام
٢٥ نحارب دونه الأعداء حتّى ... تذلّ لعزّه النّوب العظام
لقد علمت ملوك الرّوم أنّا ... أناس ليس يعوزنا مرام
وليس يضرّنا أنّا قليل ... لعمر أبيك ما كثر الكرام!
إذا ما الرّاية الحمراء هزّت ... فثمّ هناك للحرب ازدحام
وما احمرّت سدّى بل من دماء ... لهنّ على جوانبها انسجام
٣٠ نظلّل من بني نصر ملوكا ... حلال النوم عندهم حرام
فكم قطعوا الدّجا في وصل مجد ... وكم سهروا إذا ما النّاس ناموا
стр. 193
إذا بان العجاج بيوم حرب ... فما يدرى الوراء ولا الأمام
هدتهم نحو قصدهم وجوه ... لها من رائق البشر ابتسام
كتائب لا يفلّ لها اعتزام ... وليس يعيب مقدمها انهزام
٣٥ إذا ركبوا متون الخيل قالت ... عداتهم: على العمر السّلام!
رأوا أنّ العلا سيف وسيب ... فما لهم بغيرهما اهتمام
يعدّون السيوف فنون زهر ... ومن أغمادهنّ لها كمام!
فما غير الدّماء لهم مدام ... ولا غير الرّماح لهم مرام
[٥٨/ب]
وليس نجومهم إلا العوالي ... وليس سماؤهم إلا القتام
٤٠ وآكد ما عليهم بذل نعمى ... ومنهم تعرف النّعم الجسام
وما افتتحوا بغير النّصل أمرا ... ولا بسواه عندهم اختتام
فما لجميل شكرهم انتهاء ... ولا لجزيل جودهم انصرام
بنوا في المجد ما لم يبن قدما ... فما لمشيد مجدهم انهدام
يعوّض منهم ماض بآت ... له بحياة مجدهم اهتمام
٤٥ أقام لهم أبو الحجّاج ذكرا ... كأنّهم من الأجداث قاموا
تأمّل كل مكرمة لديه ... ففيه لنا نظام والتئام
فتى فضل الملوك بكل وجه ... ووافق خلقه خلق كرام
فبين الخلق والأخلاق منه ... جمال الرّوض باكره الغمام
تراه-مع الشباب-أعفّ شخص ... على كشحيه قد عقد الحزام
стр. 194
نقيّ (١) عرضه عن كلّ شين ... سليم فعله عما يذام (٢)
لقد نهضت جياد علاه حتّى ... غدا ولها على الأفق الزّحام
فموردها المجرّة لا بصدّى (٣) ... ومرعاها الكواكب لا الإكام (٤)
ومن بين البروج لها مجال ... وفي أيدي الرّياح لها زمام
بحقّك هل تقصّر من مراد ... جياد قادها ذاك اللّجام؟
٥٥ وما تركت مدى في المجد إلا ... عليه لها استباق واقتحام
فمن نسج النّجيع لها جلال (٥) ... ومن حبك السّماء لها حزام (٦)
هو البحر الذي لولا نداه ... لكان لكل ذي أمل أوام (٧)
فما لي ليس أنفق فيه شعري ... ولولاه لما نفق الكلام!
стр. 195
تحوم على محاسنه المعاني ... نعم وعلى محاسنه يحام
٦٠ وتزدحم القوافي في حماه ... وحول العذب قد كثر الزّحام
فمن (١) لا يعدّ المال إلا ... لحمد يقتنى وعلا يسام
جعلنا الحمد مبدأ كلّ مجد ... لعلمك أنّ ذاك له تمام
الفقيه الحاج
إبراهيم بن محمد الأنصاري الأوسي (*)
[كنيته:]
يكنى: أبا إسحاق ويعرف بالسّاحلي وبالطّويجن؛ بضم الطاء المهملة، وفتح الواو، وسكون الياء باثنتين من أسفلها وفتح الجيم. وأدركته وهو من أهل بلدنا غرناطة من بيت ثروة (٢) وصلاح وأمانة.
стр. 196
كان أبوه أمين العطارين بغرناطة. وكان مع أمانته من أهل العلم، فقيها متفننا. وله الباع المديد في الفرائض.
وأبو إسحاق هذا كان في صغره موثقا بسماط شهود غرناطة.
وارتحل عن الأندلس إلى المشرق. فحج ثم سار إلى بلاد السّودان (١) فاستوطنها، ونال جاها مكينا من سلطانها. وبها توفي، رحمه الله تعالى.
حاله-﵀ -:
طلع في سماء الأدب كوكبا وقادا. وقام في روض البراعة غصنا ميادا. وزها في النّحو على سيبويه، وفي اللغة على نفطويه. وفي الإنشاء على ابن العميد، كما أربى في البلاغة على عبد الحميد. وله مشاركة في المسائل الفقهية، وأبرع ما كان في الطريقة الأدبية.
وكان صاحب همّة سنيّة. ومن علوّ همّته، وجلالة رتبته أن أمير المسلمين أبا الحسن ملك المغرب الحسن، طلب منه أن يكتب في حضرته، ويكون من جملة خدّام دولته، [٥٩/ب] فتأبى منه وانحرف عنه، وأنف من ذلك، ولم يرض أن يكون أحد له مالك! وقال له: أيّد الله مولانا الخليفة، وأدام أيامه المنيفة! أقلني من هذا، وكن منه ملاذا. فقال الملك ولم، وقد عمتك النّعمى؟ قال: لا أرضى أن يرأسني عبد المهيمن (٢) الحضرمي! فتعجب منه السلطان، وأجزل عليه بذلك الإحسان! فانظر همة هذا الفقيه ما أعلاها، ونفسه النفيسة ما أزكاها!
стр. 197
فمن قوله-﵀-ما كتب به من أرض الحبشة للأندلس، إلى صديقه الفقيه الكاتب القاضي أبي القاسم بن أبي العافية.
لمن الرّكائب خضن رمل زرود (١) ... وسرين بين تهائم ونجود
وجرين في بحر السّراب سفائنا ... ألبسن قارا للّيالي السّود
ورأين وطء الأرض منقصة الهوى ... فوطئن فوق محاجر وخدود!
هنّ المطايا عوّضت من طائها ... يوم النّوى نونا لكل عميد
٥ وهفت بهيف عاقروا تحت الدّجا ... خمرين من أين (٢) ومن تسهيد
تركوك تستقري المنازل بعدهم ... وسروا بشلو فؤادك المفؤود (٣)
فبكلّ واد أنت رائد مربع ... وبكلّ ناد أنت ناشد غيد
سيرا فدون مناك قطع مهامه ... قطع النّياط بها نياط القود (٤)
стр. 198
طربي إذا جنّ الظلام لأنّه ... في ظهر عود (١) لا لرنّة عود!
١٠ كم من طلاح (٢) فوقها أمثالها ... لم تكتحل أجفانهم بهجود
كالسّمر هزت في أكفّ فوارس ... والبيض سلّت من بطون غمود
أنضاهم طول السّرى فتخالهم ... أوهام فكر في صدور البيد!
[٦٠/أ]
ساجلتهم تحت الدّجى بشملّة (٣) ... فطرت على التّأويب والتّسهيد (٤)
أهدت إلى سلع تحيّة حاجر (٥) ... وحثث على نجد تراب زرود
١٥ وكأنّما آثارها فوق الثّرى ... وطآت منشعب (٦) الجراح طريد
١٠ كفّاه كفّته (١) ليوم قنيصه ... وذراعه حبل لكلّ مصيد
ما بات منه قضاقض (٢) إلا على ... أشلاء لحم أو دم معقود
آوي إلي أجماته مستسلما ... وأهاب مأوى شامت وحسود!
أخشى المقيل بظلّه مستوفزا (٣) ... وأظلّ بين أساود (٤) وأسود
يا راكبا إمّا أنخت مقيّلا ... في ظلّ ضال (٥) بالعقيق (٦) نضيد
١٥ ورتعت من روض الجلال بباسق ... غضّ الأزاهر يانع الأملود (٧)
قل للّذي عاطيته ممحوضة ... من خالصي ودّي وحسن عهودي
أعلى الغنى أوجفت لا كان الغنى ... سبق القضاء برزقي الموعود
стр. 201
بل طرت ملء قوادمي نحو العلا ... طير القطاة تخاف فوت ورود!
فطلعت من أثناء كلّ ثنيّة ... وتركت مطلع أفقي المعهود
[٦٠/ب]
٢٠ هذا، وما نجديّة قد عارضت ... ضال العقيق وطلحه المخضود (١)
ولهاء تعترض الصّبا كلفا بما ... جرّت عليه من ملا وبرود
إن مسّها وخز الهجير تذكّرت ... ماء الحجاز وظلّه الممدود
أو عارضت شوقي ودمعي ساءلت ... عن برقه وسحابه المورود
بأشد من شوقي لنبع ركيّة (٢) ... علّت سراة بني أبي وجدودي
٢٥ قوم تناوبت النّوائب شملهم ... فنثرن سلك نظامه المعقود
صدعت لفقدهم الخطوب زجاجتي ... ولحت (٣) لبعدهم اللّيالي عودي
стр. 202
وأضلّ صبري طرقه، وهدى الأسى ... دمعي لمسلك خدّي المخدود
قد كنت أرتع من نداهم في حمى ... روض وأكرع في حياض برود
فإذا وردت وردت غير مزاحم ... وإذا صدرت صدرت غير مذود
٣٠ ولربّ سافرة النّقاب تبسّمت ... عن لؤلؤ من ثغرها منضود
نظمت من السّحر الحلال مكلّلا ... فضح القلائد في نحور الغيد
وتبسّمت عن روضة قد أقطفت ... بيض الأماني من سطور سود!
وأرتك من أنقاسها وحروفها ... شهبا تجلّت في بروج سعود
وأتت محاسنها بكل غريبة ... أغنت مقلّدها عن التّقليد
٣٥ وقف ابن حجر دونها وتخبّطت ... في نسج حلّتها أكفّ لبيد (١)
يا بنت من حلّت سوابق فضله ... وشأت بهم همم العلا والجود
стр. 203
أمّا حديثك فهو درّ كلّلّ ال ... أسماع حلي جواهر وعقود
أندى على الأكباد من وقع النّدى ... وألذّ من نغمات صوت العود!
أذكرتني-وأبيك-عصر شبيبة ... ذهب الزّمان بعيشه المحمود
[٦١/أ]
٤٠ وقصصت غير مطيلة أنباءه ... عودي لبدء حديثه، أو عيدي (١)
كان الشّباب دجىّ فمزّق ليله ... عن ضوء لا حسن ولا محمود
وإذا الجديدان (٢) استجّدا (٣) صحبة ... ذهبا بثوب للبيان مديد
جلت بديهتك التّي قد أعجلت ... عن موقف التّهذيب والتّجويد
ورمت مساجلك الجهالة في مدى ... شأو (٤) قصيّ الجانبين بعيد
стр. 204
فمتى دعوت لها القوافي أجفلت ... فعل الظّليم (١) وآذنت بشرود
فلو استطعت لغضت درّ بكيّتي (٢) ... وسترت بهرج قولي المنقود
ولويت ثنيا من عناني ناكصا ... عن مرقب أعيى إليه صعودي
لكنّها نفثات ملتهب الجوى ... وكلام مكلوم الحشا منجود! (٣)
٥٠ غطّى هواه عقله فاقتاده ... لمواقف التّهذيب والتّجريد
فجاوبه صديقه القاضي أبو القاسم بن أبي العافية، المذكور، بقوله:
أملي على كبري وطول عهودي ... رجع الشّبيبة والهوى المعهود
стр. 205
ودنوّ منتزح الدّيار رمت به ... كالسّهم مبريّا قسيّ القود (١)
فسرى كبدر الأفق يعترض الدّجا ... ويميط سجف (٢) رواقها الممدود
ترد القطا من سؤره (٣) حيث انتهت ... أسرابها بحفيفها المجهود
وتظلّه كالسّحب ريش قوادم ... من كلّ فتخاء الجناح صيود (٤)
والوحش تأكل فضل ما يغتال من ... صيد بديموم (٥) الفلاة وسيد
فقرى سباع الطّير شلو غريضة ... وقرى سباع الوحش شلو قديد (٦)
وله من الجنسين (٧) تحت وفوق ما ... يغنيه عن جيش وخفق بنود
стр. 206
[٦١/ب]
خاض البحار وجازها ثمّ ارتمى ... يفلي الفلا بنجيّة صيهود (١)
١٠ تفري (٢) الفريّ ولا تخاف خفافها ... من وحل ميثاء (٣)، ولا جلمود
الشّمس فوق قتودها حلّت فما ... غرب وشرق عندها ببعيد
يا ليتها حنّت إلى أعطانها (٤) ... من جوّ كاظمة ودوّ زرود (٥)
ولها علينا أن نعوّضها إذا ... رجعت مواطئ أعين وخدود!
تلك النّوى أجنت عليّ وكدّرت ... شربي ونغبة عيشي المثمود (٦)
стр. 207
١٥ هبني مقيما بعد أن رحل الهوى ... فالميت يوجد وهو كالمفقود!
قسما بأيّام الشّباب وطيبها ... وبنظم شمل أحبّتي وعهودي
وبما حدا الحادي بهم يوم النّوى ... من منتقى رجز وحرّ قصيد
وبمستمرّ جمالهم بجمالهم ... ما بين شهب قنا وغلب أسود
لأشدّ ما يلقى امروء من دهره ... شيئا وشيك نوى وطول صدود
٢٠ إلا مشيب العارضين فإنّه ... يدني الفتى من يومه الموعود
يا طائرا في الجوّ ملء جناحه ... لا سائرا في الدوّ فوق قعود (١)
أسرع لعلّك بعد دهر بالغ ... ما ليس يبلغه مطى بوخيد (٢)
وانشد فؤادي في المهامه إنّه ... رهن المطايا والسّرى والبيد
стр. 208
وإذا اعترفت القلب بلّغ سمع من ... هو في يديه ألوكة المفؤود (١)
٢٥ يا نازحا لعب المطيّ بكوره (٢) ... لعب الرّياح الهوج بالأملود
ورمت به للطيّة القصوى التّي ... ما وردها لسواه بالمورود
هلا حننت إلى معاهدنا التّي ... كنت الحليّ لنحرها والجيد!
ورياض أنس بالمشايح طارحت ... فيها الحمائم سجع صوت العود
ومبيتنا فيها؛ وصفو مدامنا ... صرف المودّة، لا ابنة العنقود
[٦٢/أ]
٣٠ والعيش أخضر والهوى يدني جنى ... زهرات ثغر أو ثمار نهود
والقضب رافلة يعانق بعضها ... بعضا، إذا اعتنقت غصون قدود
لهفي على ذاك الزّمان وطيبه ... وعلى مناه وعيشه المحمود
стр. 209
تلك اللّيالي لا ليالي بعدها ... عطّلن إلا من جوى وسهود
كانت قصارا ثمّ طلن فها أنا ... آسى على المقصور والممدود!
٣٥ وتحوّلت حلل التئام الوصل في ... سلك انتظام الشّمل للتّبديد
ومضى الشّباب كديمة قد أقلعت ... من بعد سقي تهائم ونجود
وأتى المشيب بمحله فأعاد ما ... أحيى الشّباب النضر عصف حصيد
لو يفتدى عهد الصّبا لفديته ... بتحلمي وبطارفي وتليدي!
لكنّها الأيّام أبخل شيمة ... من أن تعيد شبيبة لمعيد (١)
٤٠ آها أبا إسحاق من بعد المدى ... آها يزيد أسى على التّرديد
طارحت في تردادها من شاقها ... دعوى نزيع كالهديل فقيد (٢)
صنو الحمامة في الخضاب وطوقها ... وغنائها المترنّم الغرّيد
стр. 210
تأبى الصّيانة أن أصرّح باسمها ... واللّحن يفهم معترى المقصود (١)
وجبت مبرّتها عليك وكيف لا ... والشّرع ليس بشاهد مردود
٤٥ هذا الجناح وطر إليها قبل فو ... ت الأمر، ما ذي الدّار دار خلود
لو كنت مطّلعا، وقد طالعتها ... بخطابك المستعذب المورود
لأسيت ضعف أساك عند فراقها ... وحللت حبوة حلمك المعقود
هذا العتاب وبعده العتبى التّي ... تأسيسها يغني عن التّوكيد *
لله درّك من رئيس بلاغة ... حسن المآخذ بارع التّوليد
[٦٢/ب]
٥٠ حلّ العبارة في حلاوة زفّة (٢) ... كالخمر محبّتها مراشف غيد!
كالرّمح لان وبأسه في شدّة ... والسّيف يدعو (٣) في يد الصّنديد
стр. 211
أو كالغمامة أرعدت وتبسّمت ... فأرت مخايل موعد ووعيد!
أو كالتّي زأرت وغنّت ورقها ... فارتعت، ثمّ أنست بالتّغريد
روض من الآداب أينع قبل أن ... تفترّ زهرته لطيب العود
٥٥ بكر أتت تمشي على استحيائها ... تزهى بحلية مبسم وعقود
حوراء مقلتها سواد مدادها ... والسّحر في مقل العيون السّود!
سحبت على سحبان (١) فضل ردائها ... وعبيد (٢) استغشى ثياب عبيد
ولبيد (٣) انقلبت عليه حروفه ... فغدا بليدا! -وهو غير بليد-
نظمت من السّحر الحلال قوافيا ... أغنت مقلّدها عن التّقليد
٦٠ لكنّها عثرت بضالة طلحها ... فلعا (٤) لعثرة طلحها المخضود (٥)
стр. 212
وبهمزة الولهاء مدّت باعها ... فعجبت من مقصورها (١) الممدود!
لكنّها رقّت وراقت وانتمت ... للعلم راغبة عن التّقليد
فجعلت يوم قدومها عيدا، ومن ... (يحلى) (٢) مسرّته ليوم العيد
стр. 213
الباب العاشر
فيما بلغنا من شعر كتّاب بني مرين
الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى
عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن الحضرمي (*)
[كنيته:]
يكنى أبا محمد. وأدركته، ورأيته.
стр. 214
وهو من أهل سبته، وأصل سلفه من الأندلس، من بيت القضاة، والعلماء، [٦٣/أ] والإمارة. ولجدّه الأمير كريب بالأندلس ثورة.
وكان أبوه قاضي الجماعة بسبته. (١) قدّمه الأمير أبو طالب عبد الله بن الأمير أبي القاسم العز في اللّخمي.
وكتب عبد المهيمن هذا للأمير يحيى بن الأمير أبي طالب العزفي بسبتة.
وكتب قبل ذلك بالأندلس لخال جدّنا أمير المسلمين الغالب بالله الناصر لدين الله أبي عبد الله محمد المخلوع بن جدنا أمير المسلمين الغالب بالله أبي عبد الله محمد صاحب الدبّوس، ابن جدّنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر، ابن جدّنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن خميس بن نصر الخزرجي.
وكتب بالعدوة أيضا لأمير المسلمين السّعيد بفضل الله أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين المنصور بالله أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، العلامة. ثم كتبها لابنه أمير المسلمين المنصور بالله أبي الحسن علي-﵀-ولم يزل عليها إلى أن ارتحل السلطان أبو الحسن إلى تونس؛ فلما استقر بها أخّره عن العلامة، فمات بتونس سنة خمسين وسبعمئة.
حاله-رحمه الله تعالى -:
هو فخر الكتّاب والعلماء، وصدر الصّدور الكرماء. ذو همة سمت
стр. 215
فوق الكواكب، وذو بلاغة وذهن ثاقب. وقدره في العلماء معروف، وبيته بالنّسب الصّريح موصوف. صاحب رواية وحديث، وذاكر رجال في قديم من الزمان وحديث إلى تحصيل العلوم، ومعرفة بالمجهول منها والمعلوم. وأما كتاب سيبويه فكان بمسائله عارفا، وعلى قراءته بطول عمره مداوما وعاكفا. لم يكن له بالمعرفة به قرين، ولقد تصدّر لإقرائه وهو ابن عشرين. وقد دوّن الكثير من العلوم وصنف، وقرّط مسامع الفهوم وشنف.
[٦٣/ب] فمن قوله رحمه الله تعالى:
نفسي الفداء لعهد كنت أعهده ... وطيب عيش تقضّى كلّه كرم
وجيرة كان لي أنس بوصلهم ... والأنس أفضل ما في الوصل يغتنم
كانوا نعيم فؤادي والحياة له ... فالآن كلّ وجودي بعدهم عدم
بانوا فعاد نهاري كلّه ظلما ... وكان قربهم يمحى به الظّلم
٥ والعين منّي لا ترقا محاجرها (١) ... كأنّها سحب تهمي وتنسجم
تبكي عهود وصال منهم سلفت ... كأنّما هي في إنسانها حلم