← Тараджим

Тараджим · id 120143

أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن

ابن الأحمر

Полный текст (459 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أو كالغمامة أرعدت وتبسّمت ... فأرت مخايل موعد ووعيد! أو كالتّي زأرت وغنّت ورقها ... فارتعت، ثمّ أنست بالتّغريد روض من الآداب أينع قبل أن ... تفترّ زهرته لطيب العود ٥٥ بكر أتت تمشي على استحيائها ... تزهى بحلية مبسم وعقود حوراء مقلتها سواد مدادها ... والسّحر في مقل العيون السّود! سحبت على سحبان (١) فضل ردائها ... وعبيد (٢) استغشى ثياب عبيد ولبيد (٣) انقلبت عليه حروفه ... فغدا بليدا! -وهو غير بليد- نظمت من السّحر الحلال قوافيا ... أغنت مقلّدها عن التّقليد ٦٠ لكنّها عثرت بضالة طلحها ... فلعا (٤) لعثرة طلحها المخضود (٥)

стр. 212

وبهمزة الولهاء مدّت باعها ... فعجبت من مقصورها (١) الممدود! لكنّها رقّت وراقت وانتمت ... للعلم راغبة عن التّقليد فجعلت يوم قدومها عيدا، ومن ... (يحلى) (٢) مسرّته ليوم العيد

стр. 213

الباب العاشر فيما بلغنا من شعر كتّاب بني مرين الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن الحضرمي (*) [كنيته:] يكنى أبا محمد. وأدركته، ورأيته.

стр. 214

وهو من أهل سبته، وأصل سلفه من الأندلس، من بيت القضاة، والعلماء، [٦٣/أ] والإمارة. ولجدّه الأمير كريب بالأندلس ثورة. وكان أبوه قاضي الجماعة بسبته. (١) قدّمه الأمير أبو طالب عبد الله بن الأمير أبي القاسم العز في اللّخمي. وكتب عبد المهيمن هذا للأمير يحيى بن الأمير أبي طالب العزفي بسبتة. وكتب قبل ذلك بالأندلس لخال جدّنا أمير المسلمين الغالب بالله الناصر لدين الله أبي عبد الله محمد المخلوع بن جدنا أمير المسلمين الغالب بالله أبي عبد الله محمد صاحب الدبّوس، ابن جدّنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر، ابن جدّنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن خميس بن نصر الخزرجي. وكتب بالعدوة أيضا لأمير المسلمين السّعيد بفضل الله أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين المنصور بالله أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، العلامة. ثم كتبها لابنه أمير المسلمين المنصور بالله أبي الحسن علي-﵀-ولم يزل عليها إلى أن ارتحل السلطان أبو الحسن إلى تونس؛ فلما استقر بها أخّره عن العلامة، فمات بتونس سنة خمسين وسبعمئة. حاله-رحمه الله تعالى -: هو فخر الكتّاب والعلماء، وصدر الصّدور الكرماء. ذو همة سمت

стр. 215

فوق الكواكب، وذو بلاغة وذهن ثاقب. وقدره في العلماء معروف، وبيته بالنّسب الصّريح موصوف. صاحب رواية وحديث، وذاكر رجال في قديم من الزمان وحديث إلى تحصيل العلوم، ومعرفة بالمجهول منها والمعلوم. وأما كتاب سيبويه فكان بمسائله عارفا، وعلى قراءته بطول عمره مداوما وعاكفا. لم يكن له بالمعرفة به قرين، ولقد تصدّر لإقرائه وهو ابن عشرين. وقد دوّن الكثير من العلوم وصنف، وقرّط مسامع الفهوم وشنف. [٦٣/ب] فمن قوله رحمه الله تعالى: نفسي الفداء لعهد كنت أعهده ... وطيب عيش تقضّى كلّه كرم وجيرة كان لي أنس بوصلهم ... والأنس أفضل ما في الوصل يغتنم كانوا نعيم فؤادي والحياة له ... فالآن كلّ وجودي بعدهم عدم بانوا فعاد نهاري كلّه ظلما ... وكان قربهم يمحى به الظّلم ٥ والعين منّي لا ترقا محاجرها (١) ... كأنّها سحب تهمي وتنسجم تبكي عهود وصال منهم سلفت ... كأنّما هي في إنسانها حلم

стр. 216

لئن ضحكت سرورا بالوصال لقد ... بكيت للبعد حزنا والدّموع دم «هم علّموني البكا ما كنت أعرفه ... يا ليتهم علّموني كيف أبتسم!» الفقيه الرئيس الحاجب الكاتب صاحب القلم الأعلى محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن أبي عمرو التميمي (*): [كنيته:] يكنى أبا عبد الله وأدركته ورأيته. وهو من أهل تلمسان. وأصل سلفه من الأندلس. من بيت أصالة وتعيين (١). ومحمد والده كان من أهل العلم التام. درّس العلوم بتلمسان وأفتى بها

стр. 217

وكان من عباد الله الصالحين، ومن الأولياء المخلصين. وحسبه من ورعه أنه ولي القضاء بتلمسان سنين طائلة، فلما توفي لم يوجد له غير قطيفة، ووسادة صوف، نفع الله به. ومن سعة علمه أنه رتب التبصرة للإمام أبي الحسن اللخمي وأتى بها نسقا على أبواب التهذيب؛ ومسائله اعتنى بها فقهاء الأمصار وعرفوا بها قدره في العلوم. وقدّمه على قضاء الجماعة بتلمسان أمير المسلمين المنصور بالله أبو الحسن علي المريني، فأظهر من التصميم في الحق وإقامة منار الشريعة ما يكل اللسان عن وصفه. وأحمد والد محمد كان أيضا [٦٤/أ] من أهل العلم البارع، ودرّس العلوم، وأفتى، وولي قضاء الجماعة في بعض بلاد إفريقية. وكان علي والد أحمد إماما عالما مدرسا مفتيا محدثا حافظا، وولي قضاء الجماعة بتونس لأمير المؤمنين المستنصر بالله، المنصور بفضل الله أبي عبد الله محمد بن الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص الموحّد؛ وقدمه المستنصر بالله هذا على حجابته، وقلده خطّة علامته. ونسبه في تميم، ويقال إنه من بني الأغلب التميميين، ملوك إفريقية. والحاجب أبو عبد الله هذا كان ملازما لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان المريني في الصّحبة بتلمسان (١)، في إمارته حين قدمه

стр. 218

أبوه أمير المسلمين المنصور بالله أبو الحسن عاملا عليها، فلما بويع بها المتوكل على الله أبو عنان، وسار منها إلى فاس مقعد الملك المريني، قدمه حاجبا له وصاحب علامته، وبلغ لديه جاها عظيما لم يبلغه غيره. وكان أحد الأجواد لا يقاس إلا بمن تقدّم من البرامكة وأمثالهم. وكان قد أعطاه مخدومه السّلطان أبو عنان بعد أن حجبه عشرة من الطّبول وعشرة من البنود، وقدمه أميرا ببجاية (١) وقسنطينة (٢) فظهر له هنالك من الآثار الجميلة ما أنسى بها من تقدمه من الحجاب والأمراء. وببجاية توفي في سنة ست وخمسين وسبعمائة، وسيق منها فدفن بتلمسان. فوجد لفقده السّلطان أبو عنان حزنا عظيما أداه ذلك لأن بعث أعز بنيه عنده-وهو الأمير أبو زيان محمد-لبحضر جنازته بتلمسان، وأخرجه حزنه أيضا عليه لأن رثاه بقوله: ألمّا بأجداث العلى والمناصب ... تحيي ثراها واكفات السّحائب وعوجا بأكناف الضّريح الذي حوى ... من الجود والإفضال أسنى المراتب ألا بكّيا غيث المواهب والجدا ... وليث الشّرى نجل السّراة الأطايب

стр. 219

[٦٤/ب] وجودا بوبل الدّمع تهمي شؤونه ... كما هتنت مزن الغيوث السّواكب ٥ وبوحا بأنّ المجد أقوت ربوعه ... وزلزل منه مشمخرّ الأهاضب فيا رجل الدّنيا وواحدها الذّي ... تحثّ لمغناه مطيّ الرّكائب لقد كنت لي أنسا وخلاّ وصاحبا ... فبنت ولم تثن العنان لصاحب وقد أنشبت فيك المنيّة ظفرها ... وما غادرت يوما منيع الجوانب سقتك صروف الدّهر كاسات حتفها ... وجرّعت منها مفظعات المشارب ١٠ ولاقيت مكروه الحمام وقد سرى ... عبير ثناك في الرّبا والسّباسب رزئت أبا عبد الإله بفقدكم ... فها أنا ذا أشكو بريب النّوائب مسعّرة نار الجوى في جوانحي ... تذكّرني عهد النّصيح المراقب لقد رزئت فيك السّماحة والنّدى ... وضعضع منها جانب أيّ جانب

стр. 220

وما كنت إلا الطّود والبحر والسّنى ... تضيء ضياء الزّاهرات الثّواقب ١٥ وما كنت إلا حائزا كلّ شيمة ... من الفضل سبّاقا لبذل الرّغائب فما اختصّت الأملاك مثل محمّد ... ولا خصّت الأملاك منه بحاجب ولا نالت الأشراف ما نلت من علا ... وما هي ندّ في النّهى والمناصب وإن خصّ منهم ماجد بمزيّة ... فقد حزت في العليا جميع المناقب نمتك إلى المجد الأثيل خصائص ... يقصّر عنها نجل زيد وحاجب (١) ٢٠ ظعنت من الدّنيا حميدا مقرّبا ... وسرت بريئا من ذميم المثالب وتالله ما دمع براق (٢) وإنّما ... أكفكف منه كالعهاد الصوائب (٣) تغمّدك الرّحمن منه برحمة ... وبلّغك الزّلفى وأقصى المآرب

стр. 221

وبوّاك من أعلى الجنان قصوره ... تحيّيك فيها مسبلات الذّوائب [٦٥/أ] عليك سلام الله ما لاح بارق ... وما سجعت ورق الحمام النّوادب حاله-رحمه الله تعالى -: هو القرم الذي حاز الجلالة، والجواد الذي لم تزل مواهبه منثاله. قدم للحجابة ففخرت به الدّولة، وقلد الرئاسة فكانت له الصّولة. من عظيم أياديه وسموّ ناديه، وكريم أواخر فضله ومباديه. ولا مرية في أنه ساد بجوده، كما فخر الزّمان بوجوده. وزها بنسبه الطّاهر من الأكدار، وسما بأفعاله الخالصة من الأغيار. ونجم في الدولة الفارسية (١) نجوم البدر في السماء، وتلاعب بسياستها تلاعب الأفعال بالأسماء!. وحين غيّبته الصفائح، وعدم جداه الفائح؛ رثاه العافون، وتوجّع لفقده المبتلون والمعافون! فمن رثاه الفقيه الكاتب أبو عبد الله محمد بن محمد بن جزيّ الكلبي (*) بقوله: لعمر المعالي ما وفى بحقوقها ... من النّاس من لم يرث لابن أبي عمرو

стр. 222

فتى جمعت فيه المحاسن كلّها ... ولا بدّ من نقص فكان من العمر! وفي رثانه أنشدني صاحبنا الفقيه الكاتب أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن عبد المنّان الأنصاري الخزرجي لنفسه (*) من كان يبكي ماجدا فليجد ... بالمدمع السّكب على الحاجب يمّم وجه المجد فاغتاله ... صرف الرّدى لم يخش من حاجب عين أصابته ويا قربها ... في الوجه بين العين والحاجب! وإذ قد فرغنا مما رثي به فلنذكر شعره، وهو ما كتب به لمخدومه أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان: أنا حاجب لفظا، ومعنى ... ليس لي منها نصيب فمتى دعيت بحاجب ... فالحقّ ألا أستجيب بالعجز عن ضرر العدوّ ... وعن موالاة الحبيب فأنا البعيد حقيقة ... وعلى المجاز أنا القريب

стр. 223

فجاوبه أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان بقوله: لئن استقمت كما أمر ... ت وترعوي فلك النّصيب ومتى دعيت بحاجب ... فعليك حقّا أن تجيب فلقد جمعت خصالها ... بفعائل الفطن اللّبيب ونصحت مالكك الذي ... ما مثله لك من طبيب فاشكر لما أولاكه ... شكرا به أبدا تصيب الفقيه القاضي الخطيب الكاتب صاحب القلم الأعلى عبد الله ابن يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان ابن يوسف بن رضوان النجاري الخزرجي (*):

стр. 224

يكنى أبا القاسم. وأدركته، ورأيته. وهو من أهل مالقة، وأصل سلفه من قرطبة، من بيت أصالة وتعيّن، وعم جدّه القريب رضوان، وهو أبو عبد الله محمد بن رضوان، كان لجدي الرئيس الأمير أبي سعيد فرج بن جدنا الأمير أبي الوليد إسماعيل بن جدنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر بن جدنا السلطان أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي، وزيرا ورئيس كتابه وذلك حين كان جدنا الرئيس الأمير أبو سعيد فرج (١) المذكور أمير مالقة (٢) والجزيرة الخضراء (٣) وسبتة من بر العدوة.

стр. 225

والفقيه أبو القاسم هذا [٦٦/آ]. كان قد استنابه في القضاء الفقيه القاضي أبو إسحاق ابراهيم بن أبي يحيى التسولي قاضي حضرة السلطان أبي الحسن المريني. وبابن رضوان يعرف، ونشأ ببلده مالقة على أحسن حال، كان شاهدا عدلا بسماط شهودها. وارتحل عنها إلى بر العدوة فاستنابه القاضي إبراهيم ابن أبي يحيى المذكور. ثم استكتبه بالحضرة المرينية أمير المسلمين أبو الحسن، ثم اختطب به بتونس حين ملكها من يدي الموحدين آل أبي حفص، ثم استكتبه ابنه أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان في حضرته. ثم قلده خطة العلامة ولم يزل عليها حتى الآن في حضرة الملوك من بني مرين. حاله-نسأ الله في أجله -: هو سديد الرأي شديد الفهم، بارع الإنشاء رقيق النظم. متلفع ثوب الفصاحة، ورافع راية البهاء والصّباحة. قد امتطى صهوة طرف النّهى، وتقلد نجاد سيف حسن الرّواء. وباعه في المشاركة في العلوم مديد، وله معرفة بطارفها والتّليد. وهو الآن في الدولة المستنصرّية (١)، والإمارة المرينية، كاتب سرها ورئيس كتابها، والمعظم في وزرائها وحجابها. تحت برّ وإكرام، وسيب إنعام. وما ذاك إلا للذي حاز من علا ... ومن مكرمات ما لها في الورى محص

стр. 226

فمن قوله يمدح ملك المغرب أمير المسلمين أبا فارس عبد العزيز المريني (١): وهي مولدية (٢) ورفعها له في عام ثلاثة وسبعين وسبعمائة: قف بالدّيار فهذه أعلامها ... يهدى إليك مع النّسيم سلامها وإذا وقفت بها فحيّ ربوعها ... وذر المدامع يستهلّ غمامها لنجود هاتيك النجّود وننتحي ... تلك التّهائم بالدّموع سجامها (٣)

стр. 227

[٦٦/ب] فتعود روضا دبّجته يد الحيا ... ويميل ريّا أثلها وبشامها (١) ٥ يا نظرة أرسلتها في عبرة ... بين الطّلول فشاقني آرامها وأطلت بين كناسها وعرينها ... لهفي فطال بأينقي إرزامها (٢) ذكرى حبيب ما ذكرت عهوده ... إلا وصال على الضلوع هيامها عهدي بها الحيّ الجميع ودونه ... أسد الشّرى ومن القنا آجامها لم ترن عين الشّمس هالة بدرها ... إلا وضلّل بالقتام خيامها ١٠ فمن المزاور والأسنّة والظّبا ... متوقّد حول القباب ضرامها ومن المؤمّل غير طيف خيالها ... لو كان يحظى بالجفون منامها! فاليوم بعد نوى الأنيس مقوّضا ... أقوت معالمها وصخّ وسامها؟ (٣)

стр. 228

واستوحشت أرجاؤها، وتجاوبت ... أصداؤها، ودعا الهديل حمامها أقوى (١) ملاعبها التي جدّ الهوى ... لما تضوّع رندها وخزامها وجدي على تلك الظّباء وقد نأى ... منها المزار فما استعيد لمامها (٢) إنّي ليحرقني أوار صبابتي ... ويهيجني للآبجات غرامها (٣) فلكلّ لمحة شارق أو بارق ... أهفو فتغلب مهجتي آلامها يا صاحبيّ عن الرّكائب حدّثا ... فزمامها ما تعلمان ذمامها ودعا حديث اللّوم عنّي إنّه ... يذكي لهيب العاشقين ملامها لما بصرت بطالعات الشّيب في ... شعرات رأسي واستنار ظلامها وذكرت ما أسلفته فيما مضى ... من موبقات راعني إجرامها

стр. 229

أقبلت أطّلب المتاب وإنّه ... صعب على هذي النّفوس فطامها! أين الرّجال وصدقها في زعمها ... هيهات يضمن صدقها تزعامها لولا النّبيّ الهاشميّ محمّد ... خير الأنام شفيعها وإمامها [٦٧/آ] لقضى على النّفس الظّلوم إياسها ... ولحمّ من خوف الجحيم حمامها لولا النبيّ الأبطحيّ محمّد (١) ... لم تعرف الكفّار ما إسلامها! كم أمّة ممحوّة آثارها ... كم شرعة منسوخة أحكامها كم عصبة مغلوبة أنصارها ... كم ملّة مكسورة أصنامها أيقظتها بهداك يا صبح الهدى ... من رقدة لعبت بها أحلامها في فترة أخفى الشرائع ليلها ... وسطا على إشراقها إظلامها

стр. 230

والجاهليّة تعتدي كي تعتلي ... سفها ويخضع للصّليب طغامها عميت بها الأبصار عن إدراكها ... سبل الرّشاد وظلّلت أحلامها وأتيت يا علم النّبوة صادعا ... بالحقّ تأبى أن يزيغ قوامها وأتيت يا نور الإله مبصّرا ... أهل العماية فاهتدت أفهامها وحملت في ذات الإله شدائدا ... راعت سواك وما زهتك جسامها ناجزتهم بالمعجزات شواهدا ... يفري حجاج المبطلين حسامها أعجب بناطقة الجمادات التّي ... ما كان يفصح ناطقا إعجامها أعجب بتكثير القليل براحة ... يكفي الألوف شرابها وطعامها أعظم بإنزال الكتاب كرامة ... أربى على الرّتب العلى إكرامها فالعرب خاضعة الزّمام لعزّه ... إذ عزّها بمثاله إلمامها

стр. 231

والبدر شقّ وعادت الشّمس التي ... غابت فأشرق نورها وقسامها (١) وبليلة الإسراء أكبر آية ... جلّت مكانتها وعزّ مرامها شاهدت والتّقريب يشهد أنه ... بعلوّ قدرك مؤذن إعلامها بك شرّف الله النبوّة فاعتلت ... وسما على سمك السّماك مقامها فالأفق ملتمع الضّياء بنورها ... والأرض طاب وهادها وإكامها [٦٧/ب] إن تسر في الأنصار سارية لها ... حذرا ليوم تروعها آثامها فإليك أكرم شافع إنجادها ... وإليك أكبر مرسل إتهامها لم تقض حقّ المجد إلا عصبة ... أمّت معاهدك الكرام كرامها يا مصطفى الرّحمن كم من آية ... بهرت بصدقك واستبان تمامها أوصاف مجدك لا يحيط بمدحها ... ذكر ولا حصر به إتمامها

стр. 232

ماذا يقول المادحون ودرّها ... في الوحي أنزل فذّها وتؤامها (١) لله مولدك الكريم وفادة ... وإفادة يروي الظّماء جمامها (٢) هو أكبر الأعياد بشرى آذنت ... أن [لا يودع؟] شهرها أوعامها (٣) وافى ربيع الخير منه بليلة ... عن وجه ذاك البدر حطّ لثامها طفئت بها نيران فارس بعدما ... لم [تطف] (٤) ألفا عدّدت أعوامها والنهر غاض وكان بحرا زاخرا ... وتداعت الشّرفات يسجد هامها هي ليلة فاق اللّيالي فضلها ... وتشرّفت بزمانها أيامها أبدى الكريم إمامنا تعظيمها ... وله يحقّ بواجب إعظامها (٥) فهو المليك الصّالح العلم الرّضا ... محيي الشريعة؛ عزّها ونظامها

стр. 233

وهو الخليقة وارث الملك الذّي ... منع الخلافة أن ينال مضامها (١) حامي الحقيقة فاعلا أو قائلا ... فخر الملوك إمامها وهمامها هو للغواة شتاتها، هو للعفا ... ة حياتها، هو للعداة سهامها عزّ انتصارا للّذين بعزّه ... لاذوا وألصق بالغواة رغامها في اللّيث من وثباته وثباته ... شبه يقرّ بفضله ضرغامها في الغيث من جدوى يديه مشابه ... لو لم يشق سحب الحيا إنجامها [٦٨/آ] تندى غضارة بشره فكأنّما ... حامت على ورد النّعيم حيامها وتريك أفواف الرّياض يمينه ... مهما جرت في رقّها أقلامها لم يثنه الملك العظيم عن التي ... ضمن الثّواب بخطّه إحكامها هذا وللخطّي منها هولة ... في الحرب تهزأ بالدّروع سطامها (٢)

стр. 234

يا ابن الملوك وإنّهم لملائك ... في الصّالحات علت بها أقدامها لله فيك سرائر شهدت بها ... آثار عدلك صادقا إفهامها تلك الخلافة من مرين أصبحت ... والدّين والدّنيا لديك قوامها فلعزّ نصرك دائما إسراجها ... وعلوّ أمرك دائما إلجامها إنّ الليالي أنتم قوّامها ... إن الهواجر أنتم صوّامها إنّ المعارف منكم استهداؤها ... إن العوارف منكم استتمامها فرغت ثنايا المأثرات حسانها ... فرعت مراعي المكرمات سوامها لك صدق وعد الله في إظهاره ... للدّين أنت لها، وأنت عصامها! (١) لك في الجهاد سريرة أخلصتها ... لله فلينشر عليك علامها لك راحة في الجود راحتها وكم ... كف بمنع نوالها إفعامها!

стр. 235

ولك المواضي الفاتكات صفاحها ... ولك الأيادي المالكات جسامها ولك الإيالة شاهدا إقبالها ... إن السّعود بها يكون دوامها هامت بها مصر فلو واصلتها ... لرأت شبيهة عمرها أهرامها! ولو أنّ بغدادا أردت وجلّقا ... لهوى إليك عراقها وشآمها إن الفتوح عليك يخفق بندها ... ولديك فيما ترتضيه قيامها وعداك عوّدك الإله بأنّها ... إن لم تطعك تحط بها آثامها [٦٨/ب] تلك العطاية عبيد الواد لم ... يرفع لها علم ولا أقوامها (١) نامت لهم عين الحوادث برهة ... فاستيقظت من بعد ذاك نيامها لا تحسبنّ لها غناء في الوغى ... فوراؤها عند الهياج أمامها! إن الإله قضى لها مهما بدت ... تخفى، وعند وجودها إعدامها (٢)

стр. 236

أنت الّذي ترث البلاد وأهلها ... منها سوى ما حازه أرجامها! (١) لك من سعود «المشتري» ما شئته ... ولها نحوس ذلّها بهرامها (٢) إن الشّقيّ وإن تولّى مجفلا ... في النّازحات كما يراع نعامها لتسوقه الأعراب خادمة به ... ويقود ناقته إليك زمامها! ويحلّ حيث مضى الذّين، تقدّموا ... طوع السّيوف هوى بهم إلحامها مولاي يا عبد العزير ومن له ... تحدى الرّكائب والرّجاء خطامها يا ابن الإمام عليّ الملك الذّي ... دانت إليه من الملوك ضخامها نجل الإمام أبي سعيد ذي النّهي ... والكفّ تطمع بالعطاء رهامها (٣) نجل الرّضا يعقوب ذي الملك الّذي (٤) ... ملك البسيطة فاستقام أثامها

стр. 237

خذها إليك مدائحا أهديتها ... كالزّهر يطلع زهرها أكمامها حملت شذا أوصافك الغرّ الّتي ... أرجت (١) بعرف ثنائها أيّامها واهنأ بميلاد الرّسول مسرّة ... خفقت على دين الهدى أعلامها واخلد ودم ما خلّدت أمداحه ... كالمسك ينفح بدؤها وختامها الفقيه الكاتب القاسم بن يوسف بن رضوان ﵀ (*): [كنيته:] يكنى أبا الفضل. وأدركته، ورأيته. ومولده بمالقة، بلده، وكتب لأمير المؤمنين [٦٩/أ] المتوكل على الله أبي عنان فارس. حاله-﵀ -: كان بالحديث عارفا، وعلى درسه عاكفا، ولرجاله واصفا. مع معرفة بالأصول والفروع، ومشاركة في النحو واللغة تروع. إلى بهاء وصباحة، وحسن رواء وسماحة.

стр. 238

فمن إنشائه البارع، ما كتب به المخدومه أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان، والتزم في كل منها بالسين. تقدست أسماء السّميع. سعود سيد السلاطين متساعده، وسريرته لسنن السّنّة السّمحة مساعده، وسنا سنائه (١) استنار الإسلام بحسن سيرته السّنيّة، وسرى بالبسيطة سيب سحاب إحسانه وسماحته السخية، وسما بسنام سفح السّؤدد بحسامه الناسخ سبيل البأس والبؤس، وسبق بنفسه النفيسة سطور العساكر، وعساكر الطّروس، فحسبك استنباط السفن بالمراسي المحروسة، وإسعاف الرّسل بسوابغ الحسنات الجسيمة المغروسة. فيستفتح بأسنّة سمره، وسمر أسنته رسوم الأندلس الدارسة، وبه يسلك سبيل سلفه (. . .) (٢)، المستنيرة بسناهم السّدف الدّامسة. فشمس السرور بسماء مسرّته مستنيرة، وسعد السعود بتسنّي سؤله ساطعة مستديرة. ومجالس أنسه منفسحة الآساس والمسالك، وسلسبيل السول بساحة سماحته يستحليها الناسك والسالك. وسائل إسعافه السّابغ، القاسم سليل يوسف (٣) مسترق سلطانه ومستمنح إحسانه. ساعد سلطته السامية الإسعاد وساعفها السّرور المستفاد. والسلام المتسق السلك، المنتسم المسك يسري للمجلس السعيد الأسمى [٦٩/ب].

стр. 239

الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى وكاتب الأشغال السلطانية علي بن محمد بن أحمد بن موسى بن سعود الخزاعي (*). [كنيته:] يكنى أبا الحسن، وأدركته ورأيته. ومسقط رأسه تلمسان، وأصل سلفه من الأندلس من بني سعود. والقادم من الأندلس على تلمسان أبوه محمد. ووالد جده الفقيه موسى بن سعود ولي قضاء أدله (١) بالأندلس في دولة أسلافنا الملوك بني نصر. ثم ولي بها القضاء بعده ابنه الفقيه أحمد؛ ثم ارتحل أحمد إلى غرناطة فاستوطنها، واستخدمه جدّنا أمير المسلمين أبو عبد الله محمد الفقيه ابن جدنا أمير المسلمين الغالب بالله أبي عبد الله محمد صاحب الدبوس ابن جدنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر ابن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي، في الأشغال السلطانية، ثم ارتحل عن الأندلس إلى بر العدوة، واستقر بتلمسان هو وولده محمد، فاستوطنها إلى أن توفي بها. واستكتب الملوك من بني زيان بحضرتهم من تلمسان لولده محمد وقلده

стр. 240

وزارته السلطان أبو زيان محمد بن السلطان عثمان ابن السلطان يغمراسن بن زيان. ثم قلده منهم كتابة الأشغال السلطانية أمير المؤمنين العادل بالله أبو تاشفين عبد الرحمن، ثم استكتب بنو زيان بحضرتهم ابنه الفقيه أبو الحسن (١) علي هذا وقلده منهم خطة الأشغال السّلطانية أمير المسلمين المتوكل على الله أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن الأمير يحيى بن أمير المسلمين يغمراسن بن زيان. واستكتبه أيضا في الأشغال السلطانية بالحضرة المرينية أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان فارس بن أمير المسلمين أبي الحسن علي بن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، وابنه أمير المؤمنين السعيد بالله أبو يحيى أبو بكر، وعمه أمير المسلمين المستعين بالله أبو سالم إبراهيم، وهو الذي قلده خطة القلم الأعلى مضافة إلى الأشغال [السلطانية] (٢) [٧٠/أ] بطول دولته. وقلده أيضا منهم الأشغال أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو زيان محمد، وعمه أمير المؤمنين أبو فارس عبد العزيز، وابنه أمير المسلمين السعيد بالله أبو زيان محمد. حاله-أكرمه الله -: هو فارس ميدان الحساب، وحامل راية الآداب والأنساب، ورئيس النحويين وعلم اللغويين. ولديه من الأصول حظ وافر، كما وجه الفروع له سافر. وخطه ينسي ابن مقلة في تنميقه، وشعره يسكت المرقش في تزويقه. وقدمه في الكرماء أرسخ من أبي قبيس وفضله ينسى فضل الأمير دبيس!

стр. 241

أنشدني لنفسه يمدح ملك المغرب أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان (١): هو الدّين عزّ اليوم بالنّصر جانبه ... وذلّ مناويه وهان مناصبه وكنّا من الإشفاق في مدلهمّة ... تجلّت بمرآك السّني غياهبه وربّ غويّ كان يخفي نفاقه ... وفي ساعة (الإيجاف) (٢) دبت عقاربه أذقهم وبال البغي إنّ قتالهم ... جهاد ولا عهد لديهم تراقبه وأرسل عليهم من جيوشك عارضا ... بصائبة النشّاب يمطر حاصبه هو اللّيل والزّرق الطّوال نجومه ... هو السّيل (٣) والبيض القصار مذانبه إذا أمّ أرضا دوّختها سلاهبه ... وإن رام أمرا وصّلته قواضبه وقد وثقت طير الفلاة بغارة ... لحوم الأعادي فهي ممّن تصاحبه

стр. 242

وكم لك من يوم أبدت به العدا ... بألسنة الأغماد تتلى مناقبه ١٠ إذا خطّ رمح الخطّ في معرك الوغى ... أتاك ظهير الفتح والنّصر كاتبه أقام بك الله الخلافة بعد ما ... وهت وعماد الدّين إذ هدّ جانبه وناضلت عن دين الهدى غير مقصر ... فعزّ، ولولا أنت عزّ مغالبه [٧٠/ب] فتنتجع الأملاك غيث يمينكم ... فيرجع كل مثنيات حقائبه وكم ملك سوغته الملك منعما ... فلما بغى قامت عليه نوادبه! ١٥ تسالم من قد أوجب الشّرع سلمه ... وتقطع في نصر الهدى من يناصبه فيا سعد من سالمتموه فقد نجا ... ويا ويل من كانت مرين تحاربه فهل من قبيل لم يسده أميرهم ... وهل من بلاد لم تسدها كتائبه أجلّتك أملاك الزّمان لعلمهم ... بأنّك شمس والملوك كواكبه! وأنفذ كل رسله لمقامكم ... ونيل رضاكم سؤله ومآربه

стр. 243

٢٠ فدم لرجا راج وتأمين خائف ... ونصرة مظلوم تضيق مذاهبه وأيّدك الرحمن فيما ترومه ... ويسّر من قهر العدا ما تطالبه الفقيه الكاتب محمد بن عبد الحكيم بن تادرارت (*). [كنيته:] يكنى أبا عبد الله، وأدركته، ومسقط رأسه مالقة، وأصل نسبه من تونس. وعبر البحر من الأندلس إلى العدوة يكتب في الحضرة المرينية في دولة أمير المسلمين أبو الحسن. حاله-﵀ -: كان ممن برز في الكتابة، وأصاب في النّصح كل الإصابة. وارتقى من المفاخر مرقى لا يطرق. وحاز من الكمال ما ليس يلحق، مع البهاء البهي، والجلاء الجلي، وحسن الصحبة وكرم الخيم، وطهارة النسبة. فمن قوله، وكتب به من إطرابلس إلى صاحبه الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى أبي القاسم بن رضوان النجاري (١):

стр. 244

سل قلبك المصدوع من بعدي ... ماذا لقيت لحادث البعد [٧١/آ] فلديه من ذاك الحديث-متى ... تسأله-ما أخفي وما أبدي وإذا شرقت بملح دمعك من ... أسف عليّ علمت ما عندي! الفقيه الكاتب أحمد بن شعيب الجزنائي (*). [كنيته:] يكنى أبا العباس، وأدركته. وكتب في حضرة أمير المسلمين أبي الحسن علي ملك المغرب.

стр. 245

حاله-رحمه الله تعالى -: كان عالما بالحساب، حافظا بالأنساب، عارفا بالطبّ والنّجوم، كما كان له في الشعر النّجوم! فمن قوله: يا غائبا في الضّمير ما برحا ... إني محل (١) الهوى وإن نزحا لم تضمر الصّبر عنك جارحة ... ولا فؤادي لسلوة جنحا مستعبر المزن فيك أدمعه ... يظلّ يبكيك كلّما سنحا ولا أرى البرق عاد مبتسما ... بعدك بل زند شوقه قدحا وما تغنّى الحمام من طرب ... بل يعلن النّوح كلّما صدحا الفقيه الكاتب محمد بن عبد الله بن أبي مدين شعيب العثماني (*): [كنيته:] يكنى أبا الحسن، وأدركته، ورأيته، وكتب للملوك من بني مرين بحضرتهم. وكان أبوه عبد الله (**) هو الذي نجم في بني أبي مدين في خدمة الملوك من بني مرين. قلدوه الحجابة ورياسة الكتاب، وكان أحد الموصوفين

стр. 246

بالكرم الفائق، كانت عطاياه هنيدات (١). أخبرني بفاس غير واحد ممن رآه أن عطاياه كانت من خمسين دينارا ذهبا، إلى مائة دينار مثلها، إلى أكثر من ذلك. ومولده بقصر كتامة (٢)، ونشأ بمكناسة الزيتون (٣)، وبها قرأ القرآن وتفقّه؛ فتعلق بخطة [٧١/ب]، التوثيق، وسكنها مدة. ثم ارتحل عنها إلى فاس فأقام بها موثقا بسماط شهودها، وكان أصل قربه من دار السلطان أن الوزير أبا علي عمر بن الوزير السعود بن خرباش الحشمي (٤) طلب من قاضي مكناسة في حينه كاتبا لنفسه يكون حسن الحظ، فعرفه بعبد الله هذا؛ فاستكتبه. وانتقل بعد وفاة الوزير عمر بن السعود لقراءة الحزب بدار أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ. ثم تعلق بخدمة السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ على يد (٥). . . من كتاب الحضرة السلطانية اليعقوبية على يد صاحب قلمها الأعلى أبي عبد الله محمد الكناني. فلما توفى الكناني قدمه السلطان أبو يوسف للعلامة فكان يعلم، وأبو الطيب الكناني أخو المتوفى يعلم، وأبو عبد الله محمد بن الربيب الكتامي يعلم، وأبو عبد الله

стр. 247

محمد العمراني يعلم؛ من حضر منهم علم. فمات السلطان أبو يوسف، وولي بعده السلطان أبو يعقوب يوسف فبقي كاتبا كما كان، إلى أن استبد بأمور أبي يعقوب كلها، وقلده الحجابة ورياسة الكتاب، ولم يزل كذلك إلى أن توفي أبو يعقوب، وولي بعده حفيده ابن ابنه، أبو ثابت عامر. فبقي على ذلك إلى أن مات أبو ثابت وولي أخوه لأبيه أبو الربيع سليمان، فبقي على ذلك إلى أن قتله أبو الربيع في عام عشرة وسبع مئة. وأبو مدين شعيب والد عبد الله كان منخرطا في سلك المتصلحين، فصيح اللسان، وكان يصلي في بعض الأوقات بالسلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق. وليس هو أبو مدين شعيب بن الحسين (١) الأنصاري الاشبيلي الأندلسي

стр. 248

وليّ الله تعالى، الذي دفن بالعبّاد (١) من مدينة تلمسان؛ وإنما اتفق الاسمان. وهو من بني عثمان، قبيلة، يسكنون بقصر كتامه. وأبو الحسن هذا كتب في حضرة أمير المسلمين أبي الحسن ملك المغرب المريني. وكتب أيضا في حضرة أمير المؤمنين [٧٢/أ] المتوكل على الله أبي عنان. حاله-﵀ -: كان قد تابع والده في هديه، ولم يتخطه (٢) في أمره ونهيه. وحاكاه في بذل العطايا، ولم يحد عن تلك السّجايا. وكان للقرآن حافظا، وعلى أوقات

стр. 249

قراءته محافظا. لا تراه إلا تاليا، كما كان للفواحش قاليا. وأبوه عبد الله هو الذي أشاد المعالي في قومه، وأيقظ لهم جفن الفخار من نومه. وساد بما أشاد من المفاخر، ونشر بعطائه رداء السيادة الفاخر. أعطى وما أبطأ، وأصاب في ذلك وما أخطأ (*). وسطا في حجابته بالظلام، ورفع في رياسته من وضعته الأيام. وكان مكرما بالشرفاء (١)، رفيقا بالضعفاء. عظيم الصدقات، حليما في السكون والحركات. كثير التواضع، قليل التصانع. أنشدني أبو الحسن المذكور لنفسه-رحمه الله تعالى-يتشوق: يا سقى الله دهرنا المستقضّي ... من شآبيب دمعي (٢) المرفض لو بملك العراق أسعف دهري ... ما رضيت المقام في غير أرضي! يا رسول الهوى (٣) تحمّل سلامي ... للذي حال بين جفني وغمضي وإذا ما أتيته فتأدّب ... فعلى الحسن حاجب غير مغض! بديار الحبيب قلبي مقيم ... وبدار النّوى القصيّة بعضي شيمة الدّهر فرقة وتلاق ... كلّ ما فيه مؤذن بتقضّ

стр. 250

إن مضى عهد قربنا وتولى ... فزمان البعاد لا شكّ يمضي! وأنشدني أبياتا كتب بها لأبيه الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى أبو محمد صالح بن حجاج (*) وهي: يا سيّدي لم أنم البارحه ... من فكرة سانحة بارحه إذ باتت النّفس لأوطانها ... شيّقةّ، ونحوها جانحه وكان في صحبة من قد مضى ... لي أمل وهمّة طامحه حتّى إذا ولّوا وأضحت بهم ... ركابهم غادية رائحه قنطت حتّى لم أجد سلوة ... إلا بتلك الغرّة الواضحه كذاك حالي إن نأت سلوتي ... بكم أردّ سلوتي النازحه وإنّما المقصود يا سيّدي ... جوابكم فكن إذن مانحه بالنّظم أو بالنّثر إن شئتم ... تلك فعال كلّها صالحه!
следующие страницы →