بالكرم الفائق، كانت عطاياه هنيدات (١).
أخبرني بفاس غير واحد ممن رآه أن عطاياه كانت من خمسين دينارا ذهبا، إلى مائة دينار مثلها، إلى أكثر من ذلك.
ومولده بقصر كتامة (٢)، ونشأ بمكناسة الزيتون (٣)، وبها قرأ القرآن وتفقّه؛ فتعلق بخطة [٧١/ب]، التوثيق، وسكنها مدة. ثم ارتحل عنها إلى فاس فأقام بها موثقا بسماط شهودها، وكان أصل قربه من دار السلطان أن الوزير أبا علي عمر بن الوزير السعود بن خرباش الحشمي (٤) طلب من قاضي مكناسة في حينه كاتبا لنفسه يكون حسن الحظ، فعرفه بعبد الله هذا؛ فاستكتبه. وانتقل بعد وفاة الوزير عمر بن السعود لقراءة الحزب بدار أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ. ثم تعلق بخدمة السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ على يد (٥). . . من كتاب الحضرة السلطانية اليعقوبية على يد صاحب قلمها الأعلى أبي عبد الله محمد الكناني. فلما توفى الكناني قدمه السلطان أبو يوسف للعلامة فكان يعلم، وأبو الطيب الكناني أخو المتوفى يعلم، وأبو عبد الله محمد بن الربيب الكتامي يعلم، وأبو عبد الله
стр. 247
محمد العمراني يعلم؛ من حضر منهم علم. فمات السلطان أبو يوسف، وولي بعده السلطان أبو يعقوب يوسف فبقي كاتبا كما كان، إلى أن استبد بأمور أبي يعقوب كلها، وقلده الحجابة ورياسة الكتاب، ولم يزل كذلك إلى أن توفي أبو يعقوب، وولي بعده حفيده ابن ابنه، أبو ثابت عامر. فبقي على ذلك إلى أن مات أبو ثابت وولي أخوه لأبيه أبو الربيع سليمان، فبقي على ذلك إلى أن قتله أبو الربيع في عام عشرة وسبع مئة.
وأبو مدين شعيب والد عبد الله كان منخرطا في سلك المتصلحين، فصيح اللسان، وكان يصلي في بعض الأوقات بالسلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق. وليس هو أبو مدين شعيب بن الحسين (١) الأنصاري الاشبيلي الأندلسي
стр. 248
وليّ الله تعالى، الذي دفن بالعبّاد (١) من مدينة تلمسان؛ وإنما اتفق الاسمان.
وهو من بني عثمان، قبيلة، يسكنون بقصر كتامه. وأبو الحسن هذا كتب في حضرة أمير المسلمين أبي الحسن ملك المغرب المريني. وكتب أيضا في حضرة أمير المؤمنين [٧٢/أ] المتوكل على الله أبي عنان.
حاله-﵀ -:
كان قد تابع والده في هديه، ولم يتخطه (٢) في أمره ونهيه. وحاكاه في بذل العطايا، ولم يحد عن تلك السّجايا. وكان للقرآن حافظا، وعلى أوقات
стр. 249
قراءته محافظا. لا تراه إلا تاليا، كما كان للفواحش قاليا. وأبوه عبد الله هو الذي أشاد المعالي في قومه، وأيقظ لهم جفن الفخار من نومه. وساد بما أشاد من المفاخر، ونشر بعطائه رداء السيادة الفاخر. أعطى وما أبطأ، وأصاب في ذلك وما أخطأ (*). وسطا في حجابته بالظلام، ورفع في رياسته من وضعته الأيام. وكان مكرما بالشرفاء (١)، رفيقا بالضعفاء. عظيم الصدقات، حليما في السكون والحركات. كثير التواضع، قليل التصانع.
أنشدني أبو الحسن المذكور لنفسه-رحمه الله تعالى-يتشوق:
يا سقى الله دهرنا المستقضّي ... من شآبيب دمعي (٢) المرفض
لو بملك العراق أسعف دهري ... ما رضيت المقام في غير أرضي!
يا رسول الهوى (٣) تحمّل سلامي ... للذي حال بين جفني وغمضي
وإذا ما أتيته فتأدّب ... فعلى الحسن حاجب غير مغض!
بديار الحبيب قلبي مقيم ... وبدار النّوى القصيّة بعضي
شيمة الدّهر فرقة وتلاق ... كلّ ما فيه مؤذن بتقضّ
стр. 250
إن مضى عهد قربنا وتولى ... فزمان البعاد لا شكّ يمضي!
وأنشدني أبياتا كتب بها لأبيه الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى أبو محمد صالح بن حجاج (*) وهي:
يا سيّدي لم أنم البارحه ... من فكرة سانحة بارحه
إذ باتت النّفس لأوطانها ... شيّقةّ، ونحوها جانحه
وكان في صحبة من قد مضى ... لي أمل وهمّة طامحه
حتّى إذا ولّوا وأضحت بهم ... ركابهم غادية رائحه
قنطت حتّى لم أجد سلوة ... إلا بتلك الغرّة الواضحه
كذاك حالي إن نأت سلوتي ... بكم أردّ سلوتي النازحه
وإنّما المقصود يا سيّدي ... جوابكم فكن إذن مانحه
بالنّظم أو بالنّثر إن شئتم ... تلك فعال كلّها صالحه!
стр. 251
فأخبرني أن أباه جاوبه بقوله:
شممت من ريحانها رائحه ... لمسك دارين غدت فاضحه
أبيات شعر أشعرت أنّها ... لذي وداد خالص مادحه
قد نفثت سحرا ولكنّها ... صادحة بالبثّ بل بائحه!
وراعني خطّ يراع غدا ... مقلّما زند الأسى قادحه
لا أهل بالبين ولا مرحبا ... جراحه ما غادرت جارحه
يا فارقا من فرقة غربة ... أمست لها سلوته نازحه
هوّن على نفسك ما هالها ... فإنّ عتبى صبرها ناجحه
ستحمد الحالة يا صالح ... عمّا قريب وترى صالحه
بفضل رب قادر لم تزل ... ألطافه غادية رائحه
стр. 252
ابن عمه الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى محمد بن محمد ابن
أبي مدين (*):
[كنيته:]
يكنى أبا المجد، وأدركته، ورأيته. وكتب في الحضرة المرينية. ثم كتب العلامة [٧٣/أ] لأمير المسلمين أبي الحسن علي المريني في حين كان بجبل عامر بن محمد الهنتاتي.
حاله: -رحمه الله تعالى -:
كان شاعرا أريبا، وطالبا لبيبا. ذا سمت جسيم، وظرف شكل وسيم.
أنشدني لنفسه:
عزّ صبري ولم أكن بالجهول ... عندما آذنوا لشدّ الحمول
ها أنا في الطّلول أرسل دمعا ... ليس إلا به شفاء العليل
لم تكن أدمعي بأوّل دمع ... طلّه العاشقون بين الطّلول
فدموعي الغزار طوفان نوح ... وضلوعي الحرار نار الخليل!
стр. 253
٥ لهبوب الشّمال ملت ارتياحا ... فكأني شربت كأس شمول
والتزام الرّبوع صيّر جسمي ... مشبها منهم لكلّ نحيل
آه ممّا أضرّ بي من غرامي ... واشتياقي ولوعتي وغليلي
سادتي هل إلى الوصال سبيل؟ ... إننّي لم أجد له من سبيل!
إن أمت في الهوى فغير نكير ... كم لها في ذوي الهوى من قتيل!
١٠ فارحموا من شكا لغير رحيم ... بعدكم واستنال غير منيل
نال عزّا بكم وذلّ لديكم ... فاعجبوا منه للعزيز الذّليل!
وبشوقي بعثت قلبي رسولا ... فارفقوا؛ لا يحلّ قتل الرّسول
أنا عبد لكم على كلّ حال ... كنتم؛ ليس لي بكم من بديل!
стр. 254
أخوه الفقيه الكاتب شعيب بن محمد ابن أبي مدين شعيب بن مخلوف العثماني (*):
[كنيته:]
يكنى أبا مدين، وأدركته.
وهو ابن أخي الفقيه الوزير الحاجب الكاتب صاحب القلم الأعلى عبد الله بن أبي مدين المذكور أولا. وكان أبوه محمد قد كتب [٧٣/ب] العلامة لأمير المسلمين أبي سعيد عثمان بن أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق.
وشعيب هذا كتب في الحضرة المرينية، وامتحنه أمير المسلمين أبو الحسن-﵀-وأسكنه دار السجن سنين طائلة.
حاله-رحمه الله تعالى -:
كان ممن أصفق الإجماع على براعة نظمه، وتوقع في الأسماع إجادة فهمه.
كثير الارتياح إلى الآداب، شديد الكلف بمعرفة الأنساب. عظيم الثروة، عميم الحظوة. وكان في الدار السلطانية رفيع الجاه، ثم إن الدهر أضاعه وألجاه. والدّهر لا يبقي على حال، وتصرفاته كم لها من قبيح أفعال. وقلب له المجنّ، وأورثه بجوره المحن! وسكن السجن من قبل السلطان، لأمر أبغضه الله، وأحبه الشيطان!
стр. 255
فمن قوله-رحمه الله تعالى-:
كم بات طيفك بالزوراء يغريني ... وأسهم الوجد لا تخطي وتصميني
لياليا سلفت نادمت سدفتها ... يغيب في اللّيل أحيانا ويبريني
كم وقفة لي في أطلالهم سحرا ... حيّيت فيها نسيما كان يحييني
ونشقة من نسيم الرّند نمّ بها ... عرف الصّبا نفحت بالخرّد العين
٥ رصدتّهم في النّقا والجزع من إضم ... رصد العبيد لأبواب السّلاطين!
آها لها نظرة ما إن شعرت بها ... حتّى عراني حبل غير مأمون
يا ساكن الجزع أعياني النّدا فمتى ... أراك يوما من الدّنيا تلبّيني؟
من لي بنظرة خلس في محاسنه ... أجني بها الورد بل كلّ الرّياحين
ظبي تفلّت من نعمان ثم غدا ... يزري بأهل النّهى والعقل والدّين
١٠ لو أنّني بعت دنياي وزخرفها ... بنظرة منه ما بيعي (١) بمغبون!
стр. 256
ولو بذلت له نفسي وما ملكت ... للمحة عرضت ما كان بالدوّن
[٧٤/أ] فقيس ليلى وغيلان وشيعته ... وكلّ ما رسموا من وجدهم دوني (١)!
ابنه الفقيه الكاتب حمزة بن شعيب ابن محمد بن أبي مدين شعيب (*):
[كنيته:]
يكنى أبا يعلى، وأدركته، ورأيته، وكتب في حضرة أمير المؤمنين المتوكّل على الله أبي عنان فارس ملك المغرب، ونال لديه جاها مكينا. ثم امتحنه بسبب الحاجب الرئيس الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى أبي عبد الله محمد بن أبي عمرو التميمي المحنة العظيمة التي أدخلته رمسه، واعتقله بالسجن، وبه مات مقتولا في عام اثنين وخمسين وسبع مئة.
حاله-﵀ -:
كان من أهل البراعة في الكتاب، ومن أولي (٢) النظم البديع اللّباب.
صفت موارد شعره، ورق نسيم نثره. وتدفقت جداول بلاغته، واعتنقت نواسم فصاحته. ولا مرية في أنّ بهاءه يختلب العقول اختلابا،
стр. 257
وسناه يجتلب النّفوس اجتلابا. ومع ذلك فكان مجانبا للّغو، وفي براعة الخط بعيد الشأو.
أنشدني لنفسه:
ألي في سدرة (١) الوادي مقيل ... غداة شكت لبينهم الطّلول
حداة العيس رفقا بالمطايا ... فقد أودى بها السّير الذّميل (٢)
وعوجي بي على العلمين حتّى ... يروّي تربها الدّمع الهمول
لقد رمت التصبّر يوم شطّوا ... وإثرهم نأى الصّبر الجميل
٥ وقد بانوا فلم يقض اجتماع ... ولم يشف بقربهم الغليل
وإن ذقت الهوى مرّا فقلبي ... تجرّع منه علقمه «جميل»!
فلست بأوّل الباكين فقدا ... على الأحباب مذ قرب الرّحيل
стр. 258
[٧٤/ب]
أحبّهم وأعجب ما تراه ... قتول ظلّ يهواه القتيل
فلا تسلنّي (١) كيف الحال صحبي ... فشرح الحال بعدهم يطول
١٠ أحبّتنا احفظوا قلبا لديكم ... غدا ما بين أرجلكم يجول!
أقمت عن الرّحيل بلا اختيار ... وقصّر عنكم الطّرف الكليل
ألا يا ليت شعري أيّ يوم ... يرى للظّاعنين به قفول
فبعدكم تشكّى الصّبّ وجدا ... وقلّ له المساعد والكفيل
الفقيه القاضي الكاتب علي بن محمد
ابن عبد الحق بن الصباغ العقيلي (*)
[كنيته:]
يكنى أبا الحسن، وأدركته، ورأيته.
стр. 259
وهو من أهل غرناطة؛ من بيت أصالة وخدمة لأسلافنا الملوك من بني نصر في محلّ الوزارة.
وكان أبوه محمد قائد المناهل بمرج غرناطة في دولة أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل عمّ أبينا بن جدّنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج بن جدّنا الأمير أبي الوليد إسماعيل بن جدّنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر بن جدّنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس ابن نصر الخزرجي.
وابنه الفقيه أبو الحسن علي هذا أبرز عدلا في سماط الشّهود من غرناطة واستنابه بعض قضاة الأندلس فأبدى هنالك جزالة وصلابة في الحق، شهدت له بالجلالة.
أخبرني مخبر صدق أنه لم يقبل شهادة بعض عدول ذلك الموضع، فعظم ذلك عند الناس، وأكبروا هذا الموقع، فقيل له في ذلك، فقال: كل يعمل على ما يتقرر عنده!. ثم انتقل إلى العدوة-لأشياء حذفناها لطولها-فتلقى هنالك من ملكها أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان رتبة التبجيل والقبول، واستعمله في أعمال ظهرت فيها نجدته، وشكرت خدمته، وارتسم [٧٥/أ] في ديوان كتابه، حتى إن أمير المؤمنين، المتوكل على الله أبا عنان حين طلع إلى بلاد إفريقية في عام ثمانية وخمسين وسبع مئة تركه بالمدينة البيضاء-دار الإمارة-مع ولده الأمير أبي زيد عبد الرحمن ناظرا له في أموره. وكانت كتب أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان ترد عليه من فلان إلى فلان. أطلعني على ذلك ابنه (١) الفقيه العدل أبو عبد الله محمد صاحبنا.
стр. 260
حاله-رحمه الله تعالى -:
واحد الدّنيا رجلة ووفاء، ومعول الأصحاب عزما ومضاء، وأطيبهم ذكرا وأضوعهم ثناء، وأصدقهم لهجة وصحبة وولاء.
كاتب ناظم، وبحر علوم موجه متلاطم. (ما شئت) (١) من إيضاح معقول، توقل (٢) طود له إشكال، واشتباه حقّق نقطه والأشكال.
وتأييد في الهام، لتنوير الأفهام. واسترقاق لألباب بحلال السحر اللباب.
ولرقاب بأياد لا تعفيها تعاقب الأحقاب. شاهدت من تكلمه في تأليفه المترجم ب «جليس الأديب، وأنيس الغريب» ما ينبئ عن رسوخ قدمه، وتقدمه.
وأخبرني والدي-﵀-من أصالته ما شهد به الاختيار على قدمه فإنه من بيت نباهة ووزارة، وخدمة من القيادة لأسلافنا بادية الإنارة.
وأبو الحسن هذا هو الذي (٣). . . وبرز مع حذاق مديري قرقفه (٤). عكف ببلده على كتب الشروط إبان الشبيبة، وبرز عدلا مع أعلام تلك الكتيبة.
واستنابه بعض قضاة وطنه، فأثار العدل من مكمنه، وقهر المتكبر في مأمنه.
عبر البحر قاصدا حضرة السلطان أبي عنان، بعد ذكره بذلك المكان، في غرض الإصابة والإحسان. فترقى لديه من الحظوة مرقاة، واستنارت ذاته من اعتنائه بمشكاة. واستعمله [٧٥/ب] في الرسالة تنبيها على ماله من
стр. 261
الجلالة. وتوفي في خدمته منوها، ومن لحظه مرفها. امتدحه بقصائد غر، وأثنى عليه ثناء يفوق الزّهر والزّهر.
فمن ذلك ما أنشدني له ابنه محمد، ونقلتها أيضا من خطه، يمدح أمير المؤمنين، المتوكل على الله أبا عنان فارس عند وقيعته بسلطان بنى عبد الوادي أمير المسلمين المتوكل على الله أبي سعيد عثمان (١)، وأنشدها إياه ليلة يوم الإثنين التاسع لذي حجة ثلاث وخمسين وسبع مئة:
بشرى لدولتك الغرّاء في الدّول ... حيطت بها الملّة البيضاء في الملل
أنت الذي صنعت أيدي القضاء له ... ما ليس تصنع أيدي البيض والأسل
يا خير منتصر بالله معتصم ... عليه، معتمد في الأمر متّكل
لله منك أمير المؤمنين علا ... بدت بأحسن (٢) مرأى الشّمس والحمل
٥ وطلعة أطلعت سعد السّعود لنا ... ورتبة الملك تعلو عن ذرى زحل
مؤيد العزم والآراء محكمة ... تزينت بسداد القول والعمل
стр. 262
ملك تصوّر في شكل الورى وله ... خليقة الملأك المخصوص بالرّسل!!
فرحمة لأولي التّقوى تعمّهم ... ونقمة لذوي العدوان والخطل
كم فتنة أخمدت نيرانها يده ... بما أراقت عليها من دم هطل
١٠ ونعمة سدلتها لم تدع بشرا ... حلّت فلم تحص بالتّفصيل للجمل
وضيقة فرّجتها عن صدورهم ... عزائم منه ما خامت (١) ولم تحل
ومن مسيء وستر العفو يؤمنه ... من المخاف فلم يذعر ولم يسل
ومن جيوش أزيلت عن مواقفها ... حتى رأته فلاذت منه بالجبل
كم ثبّت الله من جأش بموقفه ... وخلّص الله من هول ومن وهل
١٥ وسل بني عابدي الوادي غداة عتوا ... وقد أتوا بعظيم المكر في الأصل (٢)
стр. 263
[٧٦/أ]
هم جادلوا الحقّ بغيا واعتدوا فتووا ... والسّيف يذهب رسم البغي والجدل
كانوا تصدّوا لملك لم يكن لهم ... حقّا وكيف وهم من جملة الخول
راموا-وقد خاب ما راموا-فما حليت ... آمالهم بسوى قرب من الأجل
٢٠ لاقتهم من أكفّ العزّ معملة ... غراري العضب لا تؤتى من الملل
فللكماة-ولا عيب بهم-نهم ... إذ جدّ جدّهم في الموقف الجلل
ترميهم ببروق من أسنّتها ... رمي الملائك هذا الجنّ بالشّعل
فالسّمر تهتزّ في الأشلاء من قرم ... والبيض تحمرّ في الأعناق من خجل
حتّى ارتدوا بجلابيب الظّلام وكم ... أبقوا بمعترك الأقران من ظلل
٢٥ وخلّفوا من يتيم أو من ارملة ... يذرون دمعا بمنهلّ ومنهمل
تّقطّعوا أمرهم عذلا فما انتفعوا ... والسّيف عند التّلاقي سابق العذل
стр. 264
لله عين رأتهم في اللّقاء وما ... أذلّت الحرب منهم بالقنا الذّلل
وسهم عزمك لم يترك بهم رمقا ... بالضرب للهام في القيعان والقلل (١)
فابعث لما أسأر الخطّي جيش وغىّ ... يشربه سؤرا غدا أشهى من العسل
٣٠ هم ضيّعوا الحزم إذ جاؤوا مقاتلة ... عمى البصائر أدهى من عمى المقل!
لو ساعدتهم سعود الجدّ لاتّبعوا ... مواطئ الخيل خيل الله بالقبل
كيما يجرّوا ذيول الأمن سابغة ... بحسن عفوك ما جرّوا من الوجل
لكن دعتهم أمانيّ تمين (٢) بهم ... ليس الجبان إذا يدعى من البطل
من كان تخدمه الأقدار مسعدة ... فهل يعارضه مستشعر الزّلل
٣٥ أو من يقوم لنصر الله محتسبا ... يلقاه من قام بالإفساد والخلل
وكيف يخذل من قد جاء متّكلا ... على الإله وما بالحقّ من حول
стр. 265
[٧٦/ب]
هذا شمائل (١) من طابت شمائله ... وأورث الملك من آبائه الأول
ملك خلائقه ماء السّحاب إذا ... جاء الخلائق لم يشكو من الغلل (٢)
بل أصبحوا في ذرى أمن وعافية ... وستر عدل وما شاؤوه من جذل
حلم وعدل وإقدام وجود يد ... ورحمة وهدى للنّاس والسّبل
فهنّأ الله هذا الملك فارسه ... فهو الذي شاده بالعدل يوم ولي
ومن إنشائه البارع، مما رفع لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان فارس المذكور يطلب منه الإنعام بخط الازواج المنعم بها عليه بقرية آجلى من حوز فاس مما كان لعبد الله بن يوسف بن محمد الينجاسني المريني، والتزم في كل كلمة السّين:
«أسدّد سهم الاستعطاف لقرطاس الإسعاف باسم القدّوس.
وأسترفع بالسّلام للمستودع لسيّد باس البوس. وأستوهب السلام -سبحانه-لسلطان المسلمين، المستخلف، السّامي، السّني السّني، المستمنح، المستعطف، فارس؛ ولسلالته سلامة الجسوم وسرور النّفوس.
أسترفعها لسابع المستخلفين في السّنين السّوالف، وسامع سؤال السّول للإسعاد بالسّول بسامعي المساعد المساعف.
الفقيه الكاتب يحيى بن إبراهيم ابن
زكريا الأنصاري الأوسي (*)
[كنيته:]
يكنى أبا عمرو، وأدركته، ورأيته.
وهو من أهل غرناطة من بيت أصالة ورفعة وعلم وقضاء وكتابه.
وكان أبوه إبراهيم قد كتب لجدّنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج ابن جدنا الأمير أبي إسماعيل بن جدّنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر ابن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد ابن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي، في حين سار جدنا أبو سعيد من دار إمارته مالقة إلى بر العدوة وملك مدينة سبتة ودخلها عنوة على أميرها أبي طالب العزفي، في دولة أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق.
وأبو عمرو هذا كتب لبني عمنا الملوك من بني الأحمر، ثم عبر البحر إلى الحضرة المرينية، فكتب [٧٧/ب] لملوكها.
حاله-رحمه الله تعالى -:
كان ذا وجه حسن، وذلاقة لسن. حسن الشارة، بارع الفهم والعبارة.
موصوفا بالرّجولية والمروءة الفائقة، ونزاهة النفس والهمة الرائقة. مع براعة في إنشاء الرسائل، ونظم أحلى من وصل ذات الغلائل!
стр. 268
أنشدني لنفسه-وكتب بها لابن عمنا الرئيس أبي الوليد إسماعيل ابن جدنا الأمير أبي سعيد فرج بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل عم أبينا بن جدنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج (١) صدر من عمنا له، وكان السفير بينهما فيه خديم لابن عمنا اسمه فارح:
خبر الرّوض طيّ واني النّسيم ... سل خبيرا عن سرّه المكتوم
أبكى المزن رحمة بعيون ... من سحاب وشقّ جيب الغيوم؟
فريا حينه تحلّى بدرّ ... وتعلّ الشّراب من تسنيم
وثغور الأقاح ذات ابتسام ... قد غذاها النّدى بماء النّعيم
٥ وقدود الغصون مالت بلين ... حملت أنجما هوت برجوم!
واختلاف الفنون فيها بديع ... فقسيم غدا إزاء قسيم
قطع لم تدع زخارف زين ... ما حوى حصرها عروض نديم
فبسيط أمدّ بحر مديد ... وطويل وكامل ولزومي
стр. 269
أبدعتها الطّيور تجنيس لحن ... في أساليبه حلى التّرنيم
١٠ أسمعتني الطّباق عن صوت طبع ... يحمل السّجع في المساق السّليم
عجزت عن أدائه في المثاني ... «نعم» وهي غاية التّحكيم
فمتى غنّت الحمام «برمل» ... زمّ رحلي فنحت في «المزموم»
شوّقتني ولم أكن بخلّي ... من خليل مفارق وحميم
[٧٨/أ]
أغرت الوجد فاستطال ملحّا ... يطلب القلب باشتياق لريم
١٥ طارحتني أصيل يوم إلى أن ... صارف الأفق شمسه بالنجوم
صبّها الشّرق وهي في الغرب تحصى ... عددا في وعائه المضموم
نثر اللّيل زهرها فغدت في ... ـه عيونا في أحسن التّقويم!
فقطعت الدّجا بنير حزم ... منجد قد أثار شدّ الحزيم
стр. 270
أمسح الأرض لا أقرّ بحيّ (١) ... قد كفتني السّروج ذلّ المقيم
٢٠ إن جفاني أبو الوليد بعمد ... وقديما مكنّته من شكيمي (٢)
وادّخرت العتاد منه حساما ... ماضيا عدّة لكلّ جسيم
فعدمت ادّخار دهر طويل ... يوم إذ صرت في زمان عديم
يا وحيد (٣) العلا وفذّ المعالي ... لم [أكن؟] (٤) بالبعاد جدّ عليم
كنت ألقى الخطوب منك بواق ... لم أكن أحتسبه بالمعدوم
فهتكت احترام حبّي ونصحي ... وابتذلت المصون وجه الكريم (٥)
وقطعت الدّنوّ وهو رجاء ... فأنا مذ عدمته في جحيم!
ثمّ لمّا أعدته يوم بين ... نال مني النّوى فأدمى كلومي
стр. 271
ومتى ما أعيد شرّ حديث ... والذي نلت من عذاب أليم
ثار وجدي وأحوجتني أمور ... ضقت منها بفادح من هموم (١)
٣٠ ما لصبري على ابتلاء وفاء ... إذ أتى فارح (٢) وضاع قديمي
موقف جرّع العداة فظيعا ... هو عندي أجلّ خطب عظيم
فأثار الأسى وعزّ التّأسي ... إذ رماني بمقعد ومقيم!
ثم لمّا خصصتني بسلام ... -وهو أسنى هديّة التتميم-
برّح الوجد بي وذبت اشتياقا ... عندما عاد عهدكم للصّميم
[٧٨/ب]
٣٥ قلت والله شاهد سرّ سرّي ... عالم حقّ قولي المحتوم
ألزم القلب بعدها شرط طوع ... أن يرى الذّل فيك غير ذميم!
فاحتكم في الأنام إنّك ملك ... ولك الحمد يا أمنّ رحيم
стр. 272
ويحيّيك بالسّلام فؤادي ... ولساني تحيّة التّكريم
وعليك الثّناء يترى جديدا ... فجديدا مواصل التّنعيم!
ومن إنشانه-﵀-هذه الرسالة الزانية والتزم في كل كلمة منها حرف الزاء المعجمة، وبعث بها من سبتة حين شيع منها بنيه لوطنهم الأندلسي، لمزعج دعاه لفراقهم اضطرارا لا اختيارا، لأمير المسلمين أبي فارس عبد العزيز المريني طالبا منه أن يرده لكتابته بالحضرة حين أخره عنها لسعاية بعض الحسّاد:
بعزّة العزيز منزل الرزق ومجزله، واللازم الزاكي (١) للمزمل الحجازي الزمزمي، الممتاز من زمرة زهرة. بمزية التنزيل والمعجزات، ولحزبه الفائزين بجزيل الجزاء يزول مزعج جزعي بهز عزمات هزبر مأزق الزبون.
محرز المزية، مزيح الأزمات، مزيل الزائغين بحز حجزهم، الفائز بزلفى الغزو، وميزاب مزن الرزق، كنز الزائرين، ز هو زناتة، وطرازها الزاهر عبد العزيز. لا زال زمانه في ازدياد زينة ليلزم رزقي زمام مزمعيه المزدحمين.
لاعزب اعتزائي لزرافاتهم (٢) زهوه، في زهو ينزه زائيتي، كزين الزمان بعبد العزيز، وفزت برزق مزيد جزيل وحرز حريز وعز عزيز.
زففتها بزينتها الزخرفية الزبرجدية. فأزمعت في زي انحفاز، زاهية كالزّهر، مزدرية بالزّهر، زعيمة بجزيل الجزاء، والفوز بإنجاز الإعزاز
стр. 273
للمعزى لزكريا، مزجي ملتزمها الزائي، أجزل من الجزيئية منزعا، وأعز مغزى، وأحزم عزم جزم من منزل كالجزيرة يوازي الجزيرة في زمان النيروز وزفير الزمهرير!
الفقيه الكاتب محمد (*) بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله
ابن يحيى بن الأمير أبي بكر عبد الرحمن الثائر بجيان (١) بن يوسف
ابن سعيد بن جزيّ الكلبي الأغرناطي، المتوفى بفاس في عام
ثمانية وخمسين وسبع مئة.
[كنيته:]
يكنى أبا عبد الله، وأدركته، ورأيته.
وهو من أهل بلدنا غرناطة. وكان أبوه أبو القاسم محمد أحد المفتين بها، علم الأندلس الصائرة فتياه منها إلى إطرابلس؛ وقتل شهيدا في المعترك
стр. 274
في الوقيعة التي كانت للنصارى-دمرهم الله-بطريف على المسلمين في سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، بعد أن أبلى بلاء حسنا.
وأبو عبد الله محمد هذا كتب بالأندلس في حضرة ابن عم أبينا أمير المسلمين أبو الحجاج (١) يوسف وله فيه أمداح عجيبة، ولم يزل كاتبا في الحضرة الأحمرية النصرية إلى أن امتحنة أمير المسلمين أبو الحجاج ابن عم أبينا، فقوض الرّحال عن الأندلس واستقر بالعدوة، فكتب بالحضرة المرينية لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان إلى أن توفي بها؛ رحمه الله تعالى.
حاله-﵀ -:
طلع في سماء العلوم بدرا مشرقا، وسارت براعته غربا ومشرقا. وسمى بشعره فوق الفرقدين كما أربى بنثره على الشّعرى والبطين، له باع مديد في التاريخ والحساب، واللغة والنحو والبيان والآداب. بصير بالأصول والفروع والحديث، عارف بالماضي من الشعر والحديث. إن نظم أنساك أبا ذؤيب برقته، ونصيب (٢) بمنصبه ونخوته. وإن كتب أربى على ابن مقلة بخطه، وإن أنشأ رسالة أنساك العماد بحسن مساقها وضبطه. وهو رب هذا الشأن، وفارس هذا الميدان. ومع تفننه في العلوم فهو في الشعر قد نبغ، وما بلغ أحد من شعراء عصره البحر الذي منه قد بلغ بل سلموا التقدم فيه إليه، وألقوا زمام الاعتراف بذلك في يديه، ودخلوا تحت راية الأدب الذي حمل، إذ ظهر ساطع [٧٩/ب] براعته ظهور الشمس بالحمل.
أنشدني لنفسه: يمدح أمير المسلمين أبا الحجاج يوسف بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل عم أبينا بن جدنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج ابن جدنا أبي الوليد إسماعيل
стр. 275
ابن الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر ابن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي، هذه القصيدة البارعة، وحذف منها الرّاء المهملة (١):
قسما بوضّاح السّنا وهّاج ... من تحت مسدول الذّوائب داج
وبأبلج بالمسك خطّت نونه ... من فوق وسنان اللّواحظ ساج
وبحسن خدّ دبّجت صفحاته ... فغدت تحاكي مذهب الدّيباج
وبمبسم كالعقد نظّم سلكه ... ولمى حكى الصّهباء دون مزاج
٥ وبمنطق تصبو القلوب لحسنه ... أنسى المسامع نغمة الأهزاج
وبمائس الأعطاف تثنيه الصّبا ... فيميس كالخطّي يوم هياج
ومنعّم مثل الكثيب يقلّه (٢) ... مستضعف يشكو من الإدماج!
وبموعد للوصل أنجز فجأة ... من بعد طول تمنّع ولجاج
стр. 276
وبأكؤس أطلعن في جنح الدّجى ... شمس السّلافة في سماء زجاج!
١٠ وحدائق سحب السّحاب ذيوله ... فيها وبات لها النّسيم يناجي
وجداول سلّت سيوفا عندما ... فجئت بجيش للصّبا عجّاج
وبأقحوان قد تضاحك إذ بكت ... عين الغمام بمدمع ثجّاج
وقدود أغصان يملن كأنّها ... تخفي حديثا بينها وتناجي
وحمائم يهتفن شجوا بالضّحى ... فهد يلهنّ لذي الصّبابة شاج
١٥ إن المعالي والعوالي والنّدى ... والبأس طوع يدي أبي الحجّاج
ملك تتوّج بالمهابة عند ما ... لم يستجز في الدّين لبس التاج
[٨٠/أ]
وأفاض حكم العدل في أيّامه ... فالحقّ أبلج واضح المنهاج (١)
стр. 277
هو منقذ العاني ومغني المعتفي ... ومذلّل العاتي وغوث اللاجي
ماضي العزيمة والسّيوف كليلة ... طلق المحيّا والخطوب دواج
٢٠ علم الهدى والنّاس في عمياء قد ... ظلّوا لوقع الحادث المهتاج
غيث النّدى والسحب تبخل بالحيا ... والمحل يبدي فاقة المحتاج
ليث الوغى والخيل تزجى بالقنا ... والبيض تنهل في دم الأوداج
يتقشّع الإظلام إذ يبدو له ... وجه كمثل الكوكب الوهّاج
من آل قيلة من ذؤابة سعدها ... أعلى بني قحطان دون خلاج (١)
٢٥ حيث العلا ممدودة الأطناب لم ... تخلق معالمها يد الإنهاج
والأعوجيّات السّوابق تمتطى ... فتظلّل الآفاق سحب عجاج
стр. 278
والبيض والأسل العوامل تقتضي ... مهج الكماة بأبلغ الإزعاج!
مجد ليوسف جمّعت أشتاته ... أعيى سواه بعد طول علاج
مولاي هاك عقيلة تزهو على ... أخواتها كالغادة المغناج
إنشاء عبد خالص لك حبّه ... -ومن العبيد مداهن ومداج-
آوى إلى أكناف نعماك التي ... ليست إليه صلاتها بخداج (١)
سبّاق ميدان البلاغة والوغى ... لشعاب كلّ منهما ولاّج
جانبت أخت الزّاي (٢) منها عامدا ... فأتت من الإحسان في أفواج
فافتح لها باب القبول وأول من ... أهداكها ما يبتغي من حاج!
стр. 279
وأنشدني أيضا لنفسه يمدح أمير المؤمنين المتوكل على الله أبا عنان فارس ملك المغرب (١): [٨٠/ب]
إنّ قلبي لعهدة الصبر ناكث ... عن غزال في عقدة السّحر نافث
أضرم النّار في فؤادي وولّى ... قائلا: لا تخف، فإنّي عابث!
ورماني من مقلتيه بسهم ... ثم قال: اصطبر لثان وثالث!
كم عذول أتى يناظر فيه ... كان تعذاله على الحبّ باعث
٥ ويمين آليتها بالتّسلي ... فقضى حسنه بأنّي حانث
جبر الله صدع قلب عميد ... صدعت شمله صروف الحوادث
فهو يهفو إلى البروق ويروي ... عن نسيم الصّبا ضعيف الأحادث!
سلبته الأشجان إلا بقايا ... من أمان حبالهنّ رثائث
وبكاء على عهود مواض ... ملأت صدره هموما حدائث
١٠ لست وحدي أشكو بلية (٢) وجدي ... إنّ داء الغرام ليس بحادث
يا مضيع العهود-والله يعفو ... عنك-أنّى ارتضيت خطّة ناكث؟
غرّني منك والجمال غرور ... وظبا اللّحظ في القلوب عوابث
مقل يقتسمن أعشار قلبي ... بالرّضى منّي اقتسام الموارث!
стр. 280
كيف غيّرت بانتزاحك حالي ... وتغيّرت لي ولست بحارث (١)
١٥ فرط حبّي وفرط بخلك إلا ... أن عينيك بالفتون نوافث
وندى فارس وحسبك رّدا ... قول من قال سدّ باب البواعث
ملك البأس والنّدى فهو بالسّيف ... وبالسّيب عائث أو غائث!
محرز المجد والثّناء فهذا ... سائر في الورى وذلك لابث
أوطأ الشّهب رجله وترقّى ... صاعدا في سموّه غير ماكث
فدرار تسري وما لحقته ... ونجوم خلف القصور لوابث
وله المقربات لا بل هي العقبان ... من فوقها اللّيوث الدّلاهث (٢)
[٨١/أ]
مطلعات من كل نعل هلالا ... فلهذا تجلو دجا كلّ حادث
إن ترافقن فالجبال الرّواسي ... أو تسابقن فالغيوث الحثائث (٣)
والمواضي كأنّها قد أعيرت ... حدّة الذّهن منه عند المباحث
٢٥ هي نار محّرقات الأعادي ... وهي ماء مطهّرات الخبائث
فيردن الوغى ذكورا عطاشا ... ثم يصدرن ناهلات طوامث (٤)
من معاليه (٥) قد رأينا عيانا ... كلّ فضل ينصّه من يحادث
стр. 281
خلق كالنّسيم مرّ سحيرا ... بالأزاهير في البطاح الدّمائث
في سبيل الإله يقصي ويدني ... ويوالي في ذاته ويناكث
٣٠ شرف الملك منه سام وحام ... ففدته سام وحام ويافث!
هاكها من بنات فكري بكرا ... ليس يسمو لها من الناس طامث
ذات لفظ لا يعتريه اختلال ... ومعان لا ينتحيها المباحث (١)
زعماء القريض أبقوا بقايا ... كنت دون الورى لهنّ الوارث
من أراد انتقادها فهي (هذي (٢)) ... عرضة البحث فليكن جد باحث
وأنشدني-أيضا لنفسه-يمدحه:
لعلّك لي عن حسن عهد مكافئ ... فيسرع نحوي ودّك المتباطئ
فديتك لا يذهب بك البعد للّتي ... يسرّ بها منّا حسود وشانئ
كما وسع الإحسان من كان محسنا ... أما يسع الغفران من كان خاطئ (٣)
وما ضرّ لو ربّ (٤) الصّنيعة منعما ... وتمّم بالإفضال من هو بادئ
على أنني لم يصرف اليأس ساحتي ... وإن راعني خطب من الهجر فاجئ
فكم طالب أمرا تسنّت عواقب ... له بعد ما أعيت عليه مبادئ
لئن ريع بالأشجان روعي لطالما ... تحامت حماي النّائبات الطوارئ
стр. 282
وإن أمس قد شابت ذوائب لمّتي ... فطعن الهوى في حجر قلبي ناشئ
[٨١/ب]
وليلاء ملء الأفق روعا وظلمة (١) ... فلا نظر هاد ولا قلب هادئ
ظللت يعاطيني بها (٢) أكؤس السّرى ... حبيب على ما شئت منه ممالئ
ولا صبح إلا وجهه متطلّع ... ولا برق إلا ثغره متلألئ
إذا غار منها نجمها وهلالها ... بدت غرر من خيلنا ومواطئ
وبيداء لم تفر السّراة أديمها ... ولم تخترقها اليعملات النّواجئ
كأن السّراب الجون في جنباتها ... حياض ملاء أو سحاب نواشئ
بعثت لها عزمي وخضت عبابها ... كما خضت بحرا لا يرى منه شاطئ
وأجريت ذكر الجود من كفّ فارس ... بها فارتوى في الرّكب من هو ظامئ
وإن امرأ يروي الصّدا ذكر جوده ... لتحسد جدواه الغمام النّواشئ
هو البدر لكنّ السّعود مطالع ... هو البحر لكنّ العلوم لآلئ
لعلياء تمّ الفخر بالعلم والنّدى ... إذا اقتسم العلياء قان وقارى
стр. 283
لئن كان معنى الجود منه مبيّنا ... فلفظ الورى في شكره متواطئ
لك الخير كم هيجاء جلّيت غمّها ... وقد عجز الدّاري وكعّ المدارئ (١)
تطاول فيها المرهفات إلى العلا ... فتعنو لها من هيبة فتطاطئ
تركت بها الأبطال صرعى كأنّهم ... ندامى عقار سكرهم متكافئ
فأطعمت ذؤبان الفلا وهي جوّع ... وروّيت بيض الهند وهي ظوامئ
حسامك مهما نظّم الرّمح ناثر ... ورمحك مهما مزّق السّيف رافئ
رفعت لواء العدل والدّهر جائر ... وأغريته بالجدّ إذ هو هازئ
فنام الرّعايا تحت ظلّ كلأته ... وعزمك يقظان وحزمك كالئ
وأمّن مذعور وأعتب مذنب ... وأغني معتر وقرّب لاجئ
[٨٢/أ]
مساع من العلياء وفّيت حقّها ... وربّك عن تلك المساعي مكافئ
стр. 284
ومن إنشانه البارع موريا بالكتب ودفعها لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان فارس بن أمير المسلمين المنصور بالله أبي الحسن علي بن أمير المسلمين السعيد بفضل الله أبي سعيد عثمان بن أمير المسلمين المنصور بالله أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق يهنئه بابلال ولده وولي عهده الأمير أبي زيان محمد من مرض:
ماذا عسى أدب الكتّاب يوضح من ... خصال مجدك وهو الزّاهر الزّاهي؟
وما الفصيح بكليّات موعبها ... كاف فيأتي بأنباء وإنباه
أبقى الله تعالى مولانا الخليفة ولسعادة (١). . . القدح المعلى، ولزاهر كماله التاج المحلّى. تجلى من حلاه نزهة الخاطر، ويسير بعلاه المثل السائر. ويتّسق من ثنائه العقد المنظّم، ويتضح بهداه القصد الأمم، ولا زالت مقدّمات النصر له مبسوطة، ومعونة السعد بإشارته منوطة. وهدايته متكلفة بإحياء علوم الدين، وإيضاح منهاج العابدين. وإرشاده يتولى تنبيه الغافلين، ويأتي من شفاء الصدور بالنور المبين. وميقات الخدمة ببابه مطمح الأنفس، وملخص الجود من كفه بغية الملتمس. قد حكم أدب الدين والدنيا بأنك سراج الملوك، لما أتت عوارفك بالمشروع السّلسل ومعارفك بنظم السلوك. ووضحت معالم مجدك وضوح أنوار الفجر، وزهت بعدلك المسالك والممالك زهو خريدة القصر. فلك في جمهرة الشرف النسب الوسيط، ومن جمل
стр. 285
المآثر الخلاصة والبسيط. وسبل الخيرات لها برعايتك تيسير، ومحاسن الشريعة لها بتحصيلك تحبير. وأنت حجة العلماء الذي تقصّر عن تقصي مآثره فطن الأذكياء، إن انبهم [٨٢/ب] التفسير ففي يديك ملاك التأويل، أو اعتاص تفريع الفقه فعندك فصل البيان له والتحصيل. وإن تشعب التاريخ فلديك استيعابه، أو تطاول الأدب ففي إيجاز بيانك اقتضابه. وإن ذكر الكلام ففي انتقائك من برهانه المحصول، أو المنطق ففي موجز أماليك لبابه المنخول. وليس أساس البلاغة إلا ما تأتي به من فصل المقال، ولا جامع الخير إلا ما حزته من تهذيب الكمال. ولذلك صارت حرمتك غاية المطلوب، وحبك قوت القلوب. ولا غرو أن كنت من العلياء درتها المكنونة، فأسلافك الكرام هم جواهرها الثمينة.
بحماستهم أصيبت مقاتل الفرسان، وبجود جودهم تسنى ريّ الظمآن، وبتسهيل عدلهم وضحت شعب الإيمان. وأنت المنتقى من سمط جمانهم، والواسطة في قلائد عقيانهم. عنك تؤثر سيرة الاكتفاء، وعن فروعك السعداء تروى أخبار نجباء الأبناء. فهم لمملكتك العلية بهجة مجالسها، وأنس مجالسها؛ وقطب سرورها، ومطالع نورها. وولي عهدك درتهم الخطيرة، وذخيرتهم الأثيرة.
لا زال كامل سعادته بطول مقامك محكما، وحرز أمانته بالجمع بين الصحيحين: حبك ورضاك معلما! وقد وجبت التهنئة بما كان في حلية (١) برئه من التّيسير، وتهيّأ في استقامة قانون صحته من نجح التدبير.
ولم يكن إلا أن بعدت به عنك المسالك. وأعوز نور طرفه