رياض حسن بدا لولا سعودك لم ... تستجل يا مالك الدّنيا بدائعه
٩٠ في ليلة آنست مرأى ومستمعا ... لا شتّ من شملها بالأنس جامعه
نودّ فيها-وإن لم نعط ذلك-أن ... لو عرّس اللّيل أو مدّت هوازعه (١)
قد حجّب السّجف عنّا شهبها وبدت ... كواكب الشّمع إذ صفّت مشامعه
ولم يكن يا أمير المؤمنين بها ... إلا محيّاك من بدر نطالعه
بقيت للدّين والدّنيا تزينهما ... والملك ما صدع الإظلام صادعه
٩٥ وهاكها من خبايا الدّهر قافية ... تزهى على الدّر قد (٢) صفّت رصائعه
أهداكها فائق الإبداع باسمك ما ... رقت مباديه أو رقّت مقاطعه
وقد تعمّد فيها وصف معجبة ... أجاد في صنعها لا شكّ صانعه
لم ينعت البعض منها عن مشاهدة ... لكن بما هو في الأخبار سامعه
стр. 317
[٩٠/ب]
فإن أصاب فذاك اليمن سدّده ... قدما وإن لم يصب فالحلم واسعه
١٠٠ يتلى بحمدك من أمداحه كلم ... يبلى الزّمان ولا تبلى وشائعه
لو مرّ بابن خميس وفده لدري ... بأنّ ثمّ خميسا لا يماصعه
قضى له الدّهر تأخيرا ولا عجب ... تأخّر الشّمس عن فجر تتابعه!
وأنشدني أيضا لنفسه يمدحه، ويصف قتل الأسد بين يديه بقصره، والثور المقاتل للأسد، والأكرة (١)، والمخاتل، وغير ذلك مما يلعب به مع الأسد:
أسرى فهيّج لاعج البرحاء ... برق أضاء له من الجرعاء
أهدى-وقد نام الخليّ عن الحمى- ... خبرا وطار بطارق الإغفاء
وحكى به أنّ الثغور بواسم ... وضّاحة والبيض ذات مضاء
هرق الوميض وإنّ في كنف الحمى ... لشبيهة بالجونة الغّراء
стр. 318
٥ تجلو عن البدر اللّثام وإنّما ... تفترّ عن بدر وعن صهباء
عبث الصّبا بقوامها عبث الصّبا ... بالغصن [علّ] (١) بواكر الأنداء
زارت وجنح الليل معتكر ومن ... دون الزّيارة ملتقى الأعداء
والزّهر كالأزهار إلا أنّها ... نثرت خلال بنفسج الظّلماء!
والبدر يسبح في الغمام كأنّه ... مرآة هند وسط لجّة ماء
١٠ ضاءت بشهب حليّها شهب الدّجا ... وأتتك تمشي مشية الخيلاء
أنّى أمنت-هديت-غائلة السّرى ... والواشيين: تأرّج وضياء
لم ترهبي الآساد غلبا، والظّبا ... قضبا، وجبت مضلّة البيداء!
قالت: أما أحييت منك متيّما؟ ... أنّى أضلّ، ودنت بالإحياء؟
أيرى ضلال والخليفة فارس ... في الأرض أن يلفى على الغبراء؟
стр. 319
١٥ يمّمت علياء فما من منذر ... أخشى ولمّا أرّج ماء سماء
[٩١/أ]
صرّاف عادية، مزيح ضلالة ... فرّاج داهية، عظيم غناء
تجلو الأسرّة منه بدر مكارم ... ويفيض منه الجود بحر عطاء
وتهيج منه الحرب ليث ملاحم ... ويقرّ منه الحلم طود علاء
هلا سألت به الغيوث فإنّه ... مهما استهلّت فاضح الأنواء
٢٠ وسل اللّيوث تجبك صدقا؛ إنّها ... أدرى بفتكة عضبه المضّاء!
لله يوم في حماه مفضّض الـ ... ـإصباح منه، مذهّب الإمساء
رتعت به الأبصار بين عجائب ... رقّت فراقت كل طرف راء
وأجشّ منهرت اللها نهد الطّلا ... عبل الجزالة محكم الأنساء
طاوي الحشا، رحب المقدّم، عابس ... متطلّع عن جذوتي ظلماء
٢٥ بل كوكبين تقارنا بجبينه ... لحدوث ما نبأ من الأنباء!
стр. 320
وأرى الأهلّة في البدور وإنّما ... يعتدّها للأزمة الدّهماء
يفترّ لا لتبسّم يعتاده ... ويعانق الأقران لا لإخاء
قد طالما سهرت مخافة بأسه ... دون الخلال طلائع الأحياء
قذفت به الأقدار بين مخاتل ... ومكابد ومناجز ومناء
٣٠ رفعوا لموقت حتفه كرة فلم ... تبرز له إلا طويل شقاء!
جاؤوا بها شمسا تيمّم بيتها ... منه، وإنّ اللّيث (١) بيت ذكاء
عجبا لها جازت إليه النّور لم ... تجنح إلى السّرطان والجوزاء!
ومعدّلو الشّبكات بعد تردّد ... حكموا عليه بشدّة ورخاء
ألقوه في التّابوت ثم تعمّدوا ... إرساله؛ أبقوه لا لبقاء!
٣٥ لكنّ أرباب الصّفائح صمّموا ... فقضوا بداهية له دهياء
هذا وقد طلعت بوشك حمامه ... شهب الأسنّة، جمّة الأضواء
стр. 321
[٩١/ب]
يا نصبة حكمت على ليث الشّرى ... قسرا بقضّ المتن والأحشاء
لولا حظته عناية القمر الذي ... في البرج (١) أمّن طارق الأرزاء
... (٢) لمّا قضى إسلامه ... للسّمر والخطّية السّمراء
٤٠ والحارث الفتّاك بالأسد الذي ... لم يبق إشفاقا على الآباء
طلعت بمفرقه الأهلّة إنّها ... أبدا لها منه محلّ ثواء
يا ليث [لا تأمنة] (٣) ختلا إنّه ... ليكرّ بعد تحيّز وثناء
لا يطمعنّك إن أجدّ منكّبا ... لمّا دلفت له حثيث عداء
ما ذاك إلا لو علمت تأثّما ... من قطع أرحام وسفك دماء!
٤٥ وسل الجواميس البهيم أديمها ... تخبرك فهي له من الشّهداء!
стр. 322
فلقد شهدن أخاك لمّا أمّه ... كالسّهم قاسمه مدى المثناء
أنحى عليه بصدمة ثوريّة ... تركت أسامة واهي الأنحاء
وبطعنة نجلاء أنهر فتقها ... تحت الأديم عريضة جوفاء
شكّت فريصته [فولّى] (١) ناجيا ... يبغي النّجاة ولا حين نجاء!
٥٠ ثم استكان يردّد الزّفرات عن ... وهن وتلك شكاية الضّعفاء
حتى أتته العين عائدة وما ... إن كنّ قبل له من السّجراء (٢)
رحمته-وهي عداته-ولحادث ... متفاقم ما رحمة الأعداء!
فاحذر لمصرع تربك الماضي ولن ... يثني الحذار مقدّرا بقضاء
يا ليث سامتك (٣) الهوان بنو الوغى ... فاصبر لما سامت بنو الهيجاء
стр. 323
٥٥ تلك الأسنّة والقنا أتخالها ... أزهار قضب السّرحة الغيناء (١)
والبيض لامعة وما هي-فاتّئد- ... بجداول العرّيس (٢) ذي الأفياء
ومصارع الآساد ليست هذه ... بمصارع الإدلاج والإسراء!
[٩٢/أ]
دار الخلافة يمّمت ساحاتها ... صيد الملوك لخيفة ورجاء
راقت مراقي برجها بخليفة ... لم يعد هدي أئمّة الخلفاء
٦٠ متهلّل غمر النّوال مظاهر ... في بردتين: جلالة وبهاء
ترتاده الدّنيا فيرجع أهلها ... من غير سوء باليد البيضاء!
رحب المجال مناضلا ومناظرا ... ثبت اللّقاء مسدّد الإلقاء
حمل الورى رشدا وقد ضلّوا على ... نهج الهدى ومحجّة السّمحاء
لا تنكر الإرشاد منه إنّه ... لأبو المعالي، جهيذ العلماء
стр. 324
٦٥ يا فارس الهيجاء دمت لحكمة ... ومكارم وبسالة وسخاء
دوّخت أرض الرّوم منتقيما على ... شحط المزار ومنعة الأرجاء
وبعثتها غربان زجر لم تطر ... لهم بغير كريهة شنعاء!
لما بدت وبنو الوغى من فوقها ... والسّمر نازعة إلى الهيجاء
قالوا الرّبا والأسد في آجامها ... تختاض عرض اللّجة الخضراء
٧٠ جاسوا خلال ديارهم فكأنّها ... لم تغن بعد مزاهر وغناء
ونواقس تهدي الضّلال سميعة ... وكنائس وجآذر وظباء!
أمّا بلاد الشّرق نالت رشدها ... بوسيلتين: إنابة ووفاء
ألقت بمقلدها إليك ولم تزل ... من قبل ذات تمنّع وإباء
والعرب تجهد في رضاك وإنّما ... أخذوا بحظّهم من العلياء
٧٥ أنت الكرام، وعصر ملكك دهرهم ... والأرض-أجمع-حضرة (١) البيضاء!
стр. 325
ولك الخطاب الفصل والفضل الذي ... لم يختلف فيه ذوو الآراء
ولك القضاء العدل سدّده (١) الذي ... ولاّك إذ أولاك كلّ علاء
لا زلت تكلأ أمّة جبّارها ... يكلؤك في السرّاء والضرّاء (٢)
[٩٢/ب]
وبقيت للإسلام ما جرّ الدّجا ... لملاءة الإصباح فضل رداء
٨٠ واهنأ بعيد النّحر حلّى جيده ... سلكا فتوح واقتبال سناء
وإليكها عذراء تزهى نخوة ... بحلى محاسنها على العذراء
أسديّة لم تدر ما يمن ولم ... تنسب مجاورة إلى الأذواء!
أحكمتها صنعا فقال رواتها: ... عجبا أهذا الوشي من صنعاء؟!
طالت وأحشمها القصور فأقبلت ... من خجلة تمشي على استحياء
٨٥ إن لم أقلدها علاك فرائدا ... كالشّهب بعد سنا وحسن رواء
стр. 326
وأجيل في ميدان شكرك عربها ... غرّا فلست بشاكر النّعماء
فضحت يمينك كلّ جود وابل ... وثناي عرف الرّوضة الغنّاء
وعلى هذه القصيدة حكاية: وهي أن صاحبنا أبا العبّاس لما رفعها لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان، وافق المجلس أن الشريف أبا عبد الله محمد بن القاسم الحسيني العراقي رفع للمتوكل أبي عنان قصيدة مثلها في الوزن والقافية. فلما قرئت قال شيخ بني مرين وهو الحاج أبو مهدي عيسى بن الحسن بن علي بن يحيى بن منديل بن أبي الطّلاق العسكري لأبي عنان المتوكل: يا أمير المؤمنين! إن قصيدة الشريف أحسن من قصيدة ذلك الحضري! يعني صاحبنا أبا العباس بن عبد المنّان. فقال له أبو عنان المتوكل على الله: «ليس الأمر على ما ذكرت، اسكت، فإنك غير عارف بالشعر! إنّ قصيدة أحمد أبدع من قصيدة الشّريف!» وصاحبنا أبو العباس لهذا كلّه قائم بين يدي أبي عنان المتوكل يسمع ما قال السلطان، وما قال الشيخ أبو مهدي، فحقدها للشيخ أبي مهدي. فلمّا قام الشيخ أبو مهدي بجبل [٩٣/أ] الفتح من الأندلس على أبي عنان (١)، وقبض عليه، وسيق للمتوكل
стр. 327
أبي عنان سرّ صاحبنا أبو العباس بذلك، ونظم قصيدة ورفعها لأبي عنان يحرضه بها على قتله؛ فقتله بالرماح وأنا حاضر لقتله.
والقصيدة هي هذه:
محيّاك أبهى لا الهلال ولا البدر ... وريقك أشهى لا الزّلال ولا الخمر
ولحظك أنكى لا البواتر تنتضى ... وعرفك أذكى لا الأزاهر تفترّ
أيا مالك القلب الّذي جار في الهوى ... عليه، ترفّق، ربّما وهن الصبر
ويا باخلا حتّى بطيف خياله ... نشدتك: هل في الطّيف تبعثه وزر؟!
٥ أعندك أنّي منذ أضمرت هجرة ... هجرت الكرى سهدا سوى سنة تعرو؟
ولم يبق منّي السّقم إلا صبابة ... تردّد في أثنائها أنه نزر
وهل لي إذا لم أفن فيك صبابة ... بحكم الهوى العذريّ عند الهوى عذر
ألفت الهوى حتّى استهنت صعابه ... وحتّى تساوى عندي (١) الحلو والمرّ!
стр. 328
وقال وشاة الحبّ سحر أصابه ... فهل علموا من لحظ (١) من ذلك السّحر؟
١٠ لك الخير هذا نعت حالي جملة ... وشرحا فهل للعطف من بعده ذكر؟
بنفسي نشوان المعاطف عاطف ... كغصن النّقا، كالظّبي خامره ذعر
تجول صدور السّمر دون لقائه ... ويسحب من أذياله العسكر المجر (٢)
هو الظّبي إلا أنّ دوحته القنا ... هو البدر إلا أنّ مطلعه الخدر
له الودّ منّي والخلوص وعنده ... تجنّ كما تهوى الملاحة، أو هجر
١٥ ألا إنّ إنعام الخليفة فارس ... لنا الصّفو من فيّاضه وله الشكر
مليك ملوك الأرض أوحدها الذّي ... به علت العلياء وافتخر الفخر!
غمام النّدى الهطّال والجوّ أغبر ... وليث العدا والبيض قانية حمر
إذا ما تراءى البدر يوما ووجهه ... تحيّرت الأبصار أيّهما البدر!
стр. 329
[٩٣/ب]
تأخر عصرا في الملوك وإنّه ... إذا عدّ أملاك الزّمان هو الصدر
٢٠ إمام الهدى شكرا على النّعم الّتي ... يضيق إذا عدّدتها العدّ والحصر
لك الجود تردي المارقين جنوده ... بأقطارهم من قبل أن تمرح الشقر (١)
وغاو رمى في هوّة الملك قاذفا ... يد البغي، والرأي المضلّل، والغدر
أغار على الدّين الحنيف يهدّ من ... قواعده ما شاده القادة الغرّ
ملوك الهدى والقائمين بنصره ... قديما وسل فالبرّ ينبىء والبحر
٢٥ ورام مراما دونه النّجم ساريا ... ولم يدر جهلا أنّه المرتقى الوعر
وهيهات يأبى الله ذلك والعلا ... ودين الهدى والملك والبيض والسّمر
جنى ثمر (٢) الإيمان بالبغي واعتدى ... يؤمّل جهلا أن يؤيّده الكفر!
стр. 330
فيا عجبا بعد السّعادة ناله ... شقاء وبعد الرّبح حمّ له خسر
سعى راشدا شطرا [من الدّهر] (١) وافرا ... فلما تناهى السعي واكتمل العمر
٣٠ عصى الله في الشّطر الأقلّ، سفاهة ... ألا إنه ذاك الذّراع أو الشبر!
ورام غنى بالصفر (٢) أو سدّ خلة ... وهيهات يغني فقر ذي الخلّة الصّفر!
وأمّل في أعدادهم كتم نفسه ... وإضمارها منعا فأخرجها الجبر!
لعلك-عيسى-رمت باسمك برّهم ... وما كلّ عيسى حظّه منهم البرّ!
دعوتهم للغدر لمّا اتّخذته ... سبيلا فقالوا: بدعة أمرها إمر (٣)
٣٥ فكان النّصارى منك أوفى (٤) بذمّة ... وأكرم عهدا إنّ ذا لهو الوزر!
стр. 331
لئن رمت دنيا أنت قارونها الذي ... له الحرث والأنعام والخيل والتّبر
وإن كنت للأخرى جنحت ولم يكن ... أعد نظرا إن شئت، ما هكذا الأمر
أويت إلى تلك الرّبا غير صالح ... فأدركك الطّوفان وهو الظّبا البتر
وجرد كأمثال الروابي سوانح ... وغلب كأسد الغاب يقدمها النّصر
[٩٤/أ]
٤٠ وسعد إمام يخدم الدّهر سعده ... وتجري بما يومي به الأنجم الزّهر
ألا يا أمير المؤمنين الّذي اهتدى ... بنور هداه الباهر البدو والحضر
أطعت مليك الأرض ربّك فاغتدى ... يطيعك فيما رمت من أمرك الدّهر
وأنت الذّي جدّدت بعد دروسها ... مكارم قدما كان أخلقها العصر
مننت فأوسعت البلاد رغائبا ... ففي كلّ حيّ «حاتم» الجود أو «عمرو»
٤٥ تداعت لك الآمال من كلّ وجهة ... لغنم وعلم، ذا جزيل وذا غمر
стр. 332
تصد عن الأملاك دونه رغبة (١) ... ولا نجم يستهدى وقد طلع الفجر
كأنّي بأقطار البلاد منيبها (٢) ... ومن لم ينب قد قاده الطّوع والقسر
وأنّس أرجا تونس أمرك الذي ... هو العدل يرضي من له الخلق والأمر
وجاشت ببطحاها الجيوش وأصبحت ... «تقول بنو العبّاس قد فتحث مصر!»
٥٠ لعمري لقد زنت الخلافة فاغتدت ... يقصّر عن أوصافها النظّم والنّثر
وراقت بك الدّنيا جمالا وبهجة ... فإظلامها فرع وإصباحها بشر
وأنجمها حلي ونجوى نسيمها ... ثناء بما تولي وإيماضها ثغر
ودونكها عذراء أجلو عروسها ... عليك ومرجوّ القبول له مهر
لها نسب في السّحر تعربه النّهى ... وإن قالت الأسماع: والدها الشّعر
٥٥ وهنّئت عيد النّحر والفتح إنّه ... لك العيد منه، والعدا لهم النحر
بقيت لدين الله ردءا وعصمة ... فما غير علياك-الزمان-له ذخر!
стр. 333
وأنشدني أيضا لنفسه يمدحه ويصف قتل الأسد بين يديه (*) وكان السّلطان مولعا بقتل الأسود، فسيق إليه يوما أسد فقتل بين يديه بقصره من دار الإمارة المدينة البيضاء، والسّلطان المتوكل جالس بأعلى عليّة بالقصر ينظر للأسد. وأنا إذ ذاك جالس في ذلك [٩٤/ب] الموضع أتنزه في قتل الأسد، في جملة من حضر ذلك الموطن مع السلطان. ووصف فيها أيضا أكرة الأسد وهي أكرة مستدارة من خشب معدّة، ويدخل فيها رجل يحرّكها ويمشي بها، فيرى الأسد الرّجل فيهمّ به ويدور بها ويضرب الأكرة بيده فلا يكسرها لشدّتها. ووصف فيها أيضا شبكة صيد الأسد في الفلاة، نصبت في ذلك اليوم بالقصر، واصطادوا بها الأسد بين يديه.
ووصف فيها أيضا الثّور الذي كان من عادته قتل الأسود في ذلك الموطن ووصف فيها أيضا بعد فراغه من قتل الأسد النّاعورة الكبيرة، والنهر والروض المسمى بالمصارة، وهو بإزاء القصر.
وهي:
ألف الجوى مذ بان سكّان اللّوى ... صبّ يهيج غرامه نفس الصّبا
وشجاه أن قيل الألى قد ودّعوا ... شطّ المزار بهم (١) وعزّ الملتقى
стр. 334
حفظ الإله عهودهم وسقاهم ... صوب العهاد ولا سقى يوم النوى
ماذا أفادوا مصحرين بسحرة ... تظما وتضحى عيسهم رأد الضّحى
٥ ولقد كفتهم واكفات مدامعي ... لما ثووا من أضلعي بالمنحنى
قسما لما راعوا بوشك نواهم ... روعي (١) وقد عبثوا بشكوى من شكا
إلاّ وقد نذروا دماء حرّمت ... ظلما، أراق الظلم منها واللمى
وبمهجتي منهم محجبة حمت ... قلبي السّلوّ ومقلتي طيب الكرى
حسانة نجلاء باهرة السّنا ... خمصانة جيداء عاطرة الشّذا
١٠ وقوامها كالغصن إلاّ أنّه ... يهتزّ بين البدر حسنا والنّقا
قالت وقد ودّعتها متجملا (٢) ... إيه بعيشك عن فؤادك (٣) هل سلا؟
стр. 335
فأجبتها وأبيك لا أسلو ولا ... حلّ الفؤاد هوى سوى هذا الهوى
حتّى يرى فقر بساحة بلدة ... وبها الخليفة فارس مغني الورى!
[٩٥/أ]
ملك نمته إلى المكارم عصبة ... كرمت أواصرهم وعزّوا منتمى
١٥ ورث المعالي عن عليّ المجد عن ... عثمان عن يعقوب، أعلام الهدى
متهّلل ضاهى الغمام مواهبا ... ورغائبا فونى (١) الغمام وماونى
قطعا حبال رجاك ممّن دونه ... ملكا «فكل الصّيد في جوف الفرا»
ألق العصا بحماه وامتط سابقا ... (امدحه غرّا) (٢) فنعم الممتطى
وأت (٣) معارفه الجليلة إنّها ... بحر فرات لا تكّدره الدّلا
٢٠ والشّمس من أنواره والفجر من ... بتّاره والطّود من ذاك الحجا
стр. 336
والنّجم في ظلم الوغى من رمحه (١) ... ما ضلّ من أثنى عليه وما غوى
غمر جواد يستضاء بهديه ... وافى كما تهوى المكارم والتّقى
متوكل، بحر، وليس بجعفر ... أفضاله، بل زاخر جمّ اللهى
تتضاءل الأملاك دون مقامه ... والشّهب تخفى إن بدت شمس الضّحى!
٢٥ يخشى ويرجى عابسا أو باسما ... وكذاك ذو البأس المصّمم والنّدى
يا غيث أنت كجوده متبجّسا ... لكن خصصت وعمّ أقطار الدّنا!
يا بدر أنت كوجهه متهلّلا ... لكن نقصت ودام مكتمل السّنا!
كم من جواد راجيا أولى الغنى ... عفوا ولا كأبي عنان مرتجى!
ولكم يرى يوم الوغى من فارس ... وك «فارس» يوم الوغى ما إن يرى!
٣٠ ذلّت لبطشته الأسود وإنها ... لتذلّ لولا عزّ (٢) بطشته الطّلا
стр. 337
وضبارم رحب اللّبان تقلّه ... صهب متين خلقها، عبل الشّوا
يفترّ عن ناب كأطراف القنا ... بيضا (١) وينضو مخلبا حدّ الشبا
فتكت به بالقصر سمر رماحه ... بأكفّ أسد دوّخت أسد الشّرى
أمسى صريعا والدّماء سلافة ... أتراه سكرا مال من تلك الطّلا؟
[٩٥/ب]
٣٥ وثنى على زأراته كشحا وقد ... كانت يردّدها فرادى أو ثنى
لكنّ ألسنة القواضب أظهرت ... ما أضمرت جنباه من سرّ الحشا
ولقد رماه قبل مصرعه الرّدى ... من معضلات (مكابديه) بما رمى (٢)
ومخاتل في جوف دائرة طوت ... أضلاعها منه على شهم فتى
يحكي بها رألا ببيضة سبسب (٣) ... لم تنفرج عنه فأنفذها كوى (٤)
стр. 338
٤٠ يمشي الهوينا وسطها فتقلّه ... عدوا وما إن تشتكي ألم الوجى
حسب الغضنفر مرتقاها كعبة ... فدنا يطيل بها الطّواف وقد سعى
ولربّما ألقى عليها لامسا ... بأكفّه وسما وقبّل إذ سما
لكنه خبثت سرائره فلم ... يحمد على الإلمام منه بها الجزا
عجبا له ولجأش طفل لم يهب ... أسد الشّرى، وقد استشاط وقرددا
٤٥ هذا ولم يبصر هناك بملجأ ... واق وقد تركوه منفردا سدى
قد كان طلّ دم له لما رنا ... أسد العرين له غضوبا وارتمى
لو لم تقم بالثّأر منه أساود ... كانت هنالك كامنات لا ترى!
منهنّ فاغرة له أفواهها ... بأكفّ كركبة ومنها ما التوى
ومدّبر (١) الروقين أصفر فاقع ... راق النّواظر نظرة لما بدا
стр. 339
٥٠ ما زال يدعو للنّزال أسامة ... ولقد أشار بظلفه (١) لما دعا
ولقد أراه مكان مصرعه وقد ... أدمى بساح القصر ينكت في الثّرى
ولقد أطال وقوفه مستقبلا ... حذر الهزبر مبارزا حتى انبرى
وعدا له والظنّ يقضي أن يرى ... وقد اعتلاه (٢) فكان عكسا ما قضى!
جالت عليه صدمة من حارث ... تنسيك صدمة حارث يوم الوغى
٥٥ أعجب بها من صدمة قد عفّرت ... لبد الهزبر وأوهنت منه القوى
[٩٦/أ]
لا تلح روق الثّور إن أبصرته ... عن جانب اللّيث الطعين وقد نبا
ما كلّ دون كلاه لكن ساعة ... بقيت له ولكلّ عمر منتهى
فدعته في دعة إلى أمثالها ... ولتعذرنّ اللّيث يا ملك الهدى
أعدى فريسته عليه قولك «ابـ ... ـق» لذا وقولك للغضنفر «لا لعا»
стр. 340
٦٠ عاجلت ذا هلكا فلم يعجز وقد ... أبقيت ذا منّا فجانبه المنى
إنّ الإله قضى بأن يجري القضا ... طوعا كما شاء المطيع المرتضى
وعلاكم ما حارث بمقاوم ... لأبيه لولا أن أردت به الرّدى
ولقد رأت منه العيون عجيبة ... راقت وقد أبلى النّواظر والنّهى
فأبحه جنّات المصارة خالدا ... فيها فبالجنّات يجزى ذو البلا
٦٥ أحسن بها من روضة غنّاء قد ... غنّى الحمام بها طروبا أو شدا
حاكت لها الأنواء مطرف سندس ... أرج وشاه يد الرّبيع بما وشى!
وبجانب «البيضاء» منها مرتقى ... جبّارة الأرجاء سامية الذّرا
كرحى الصّياقل ما سعت لتديرها ... رجل ولا نسبت لأمهاء المدى (١)
أترى حسام النّهر جلّل متنه ... صدا فما تنفكّ تجلوه جلا؟
стр. 341
٧٠ ناعورة لا بل أبثك إنّه ... وغدت تكّنفه البروج وقد رقا
فلك مضى في الرّوض ما حكمت به ... أدواره والقطب منه وما اقتضى
فقضى برفع الماء إلا أنّه ... قد خفّض الأدواح عيشا والرّبا
حسن بديع في حمى ملك له ... حسن الزّمان، وقام في أبهى حلا
يا أيّها الملك الذي أضحى به ... دين الإله قرير عين والعلا
٧٥ هيهات لا يجدي عدوّك جدّه ... يأبى وحقك ذاك جدّك والقضا
وعلاك لو ناواك أجدل كاسر ... لتخطّفت أشلاءه كدر القطا!
[٩٦/ب]
إنّ الذي لمّا تزل متوكلا ... قدما عليه لكافل لك بالمنى
الله أولاك السّعادة فليفض (١) ... كمدا حسودكها ويأبى من أبى!
أغرق بطوفان الكتائب عصبة ... عاذت بمعتصم الجبال من العدا
стр. 342
٨٠ اشف (١) صدور السّمر واردة دما ... تلك الصّدور وسم هوانا من عتا
انهد لأرض الرّوم وارم غواتهم ... بالشّهب من أطراف ميّاد القنا
فكأنّني ببلادهم وأبحت ما ... لم يلف للإسلام منها للبلا
وسبيت بيض ظباهم قسرا على ... حكم الظّبا وتفرّقت أيدي سبا (٢)
واستشرفتك لمرتجى إنقاذها ... أعلام ذات النّهر حمص والقرى (٣)
٨٥ قسما لئن نسأ المهيمن لي مدى ... حتّى تحلّ بأفقها بدرا بدا
لتسوّغنّي من مريع (٤) جنابها ... ما بزّ آبائي بها فيما مضى
وإليكها دررا فإنّي منتق ... ما راق منها للنّظام وما غلا
مقصورة بخيام فكري أعرضت ... عمّن سواك وأمّمتك على حيا
стр. 343
حسناء يهوى كل عضو لو غدا ... أذنا وقد تليت تصيخ لمن تلا
٩٠ تثني عليك علا بأطيب نكهة ... ممّا به أثنى الرّياض على الحيا
لا زلت والأقدار جارية بما ... تهواه ما كرّ الصّباح على الدّجى
وبلغت ما ترجوه من أمل على ... عجل ودام لك السّعادة والبقا
стр. 344
الباب الحادي عشر
فيما بلغنا من شعر قضاة المغرب وفقهائها
الفقيه القاضي الخطيب محمد بن علي بن عبد الرزاق الجزولي
(*) [كنيته:]
يكنى أبا عبد الله وأدركته، ورأيته، ويعرف بابن عبد الرزاق وبابن الحاج [٩٧/أ] وهو من أهل فاس. وكان أبوه علي بن عبد الرزّاق فقيها متفننا محدثا حافظا صالحا. وله رحلة إلى المشرق قضى فيها فريضة الحج وأخذ عن علماء المشرق. وأبو عبد الله هذا ولي قضاء الجماعة بفاس في دولة أمير المسلمين أبي الحسن، وقدم للخطابة بجامع القرويين في فاس-﵀.
стр. 345
حاله-رحمه الله تعالى -:
كان من أولي المعرفة بالحديث، بصيرا بالقديم من القريض والحديث.
وأمّا الإنشاء، فكان يصوغ منه ما يشاء. وهو أمير حلبته، ورئيس طلبته!
فمن قوله هذه الأبيات والرسالة جاوب بها بعض أصحابه من الفقهاء والأعلام:
أما ومعان قد نظمت مقصّرا ... فأطلعتها غرّاء في أفق الفكر
وأودعتها من حلّ سحرك نفثة ... أحالت إلى التّحليل غائلة السّكر
لقد نسمت من روض علمك نفحة ... تناست بها الألباب عاطرة الشّحر (١)
وأهديت لي بكرا تكامل حسنها ... فأكرم بها حسناء عالية القدر
لها غزل ينسي اللبيب وقاره ... لها زجل بالحمد يغني عن الشّكر
تحيّي فتحيي من هوى النّفس داثرا ... يجدّد لي عهدا بما ضلّ عن فكري
стр. 346
سيدي! شرح الله له بالمعارف صدرا، ووضع عنه من ملاحظة الأغيار إصرا، ورفع له في مقامات العلماء العاملين ذكرا، ووهبه على مكابدة إبراز الموجب عليه في ذلك أجرا. ما زلت أرتقب صبح وصاله أن يتنفس ولا يتعوص، وآمل لحظة من إقباله أتميز بها مزية من اختصاصه وأتخصص. إلى أن تنفس ذلك الإصباح وتبلج، وتعطر الأفق بأنفاسه الكريمة وتأرج. فأطلع سيدي من مواصلته شمسا، وأوجد بملاطفته [٩٧/ب] المشعرة بالاختصاص أنسا، وخلع من حلاه ما أوجب لمحلاه أن قرّ عينا وطاب نفسا.
وجهز من بنات فكره عقيلة طالما تطاولت إليها الأعناق فجدت، (١) لنيل صلاتها الآمال فصدت. ووقفت بباب حملتها أعزة الخطاب منافسة في طلابها فرّدت. أرسل بها لا عدمت أفضاله متوددا، وارتضى لها بحسن اختياره حبا لم يزل حول حماها مترددا. أظنه أبقاه الله توسم خلوصه لها بأنوار خلوصه، وأمضى له من حكم استحقاقه ما ثبت لديه لزومه بأدلة نصوصه. وغير بدع من ذي بصيرة منيرة أن يتوسم، أو محب يجد الروح من تلقاء حبيبه إذا تنسّم. فابتهجت بورودها بشرا، وقبلت نفحة حسنها شفعا ووترا. وأخلقت بردها طيا ونشرا، ونذرت أن أصوم من أيام العمر عشرا! وكيف لا؟ وقد ألفيتها قد حليت من الدرر النفيسة بمنثور ومنظوم، وباحت لي من المعارف بسر عن غير أهله مكتوم. ونازعتني كأس خلوص أصبحت بنشوته أقعد وأقوم. شكر الله لمهديها إحسانه، ولا زالت العفاة تجد من إفضاله روحه وريحانه!
стр. 347
شيخنا الفقيه الخطيب القاضي محمد بن أحمد بن عبد الملك بن
شعيب بن عبد الله بن موسى بن مالك الفشتالي (*)
[كنيته:]
يكنى أبا عبد الله وأدركته ورأيته. وهو من أهل فاس، من بيت صلاح وعلم.
ووالده أحمد كان خطيبا بجامع قصبة فاس. واختطب أيضا بجامع مدينة سجلماسة في دولة ملكها أمير المؤمنين أبي علي عمر المريني، وكان شاعرا مجيدا. وعبد الملك والد أحمد ولي القضاء والخطابة بالمدينة البيضاء دار الإمارة في حضرة فاس، وبمحلة أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف المريني. وشعيب والد [٩٨/أ] عبد الملك كان فقيها ذا نعمة وثروة، ذا جاه من السلطان، من أهل الخير والدين. وعبد الله والد شعيب كان فقيها مفتيا مدرسا بفاس، صالحا ورعا زاهدا مكاشفا. وكان من الدين
стр. 348
والصلاح في المحل [الذي] لا يخفى، ومكاشفاته وعلو منزلتة أكثر من أن تحصى وموسى والد عبد الله كان من أهل الصلاح الفائق والورع العظيم.
ومالك والد موسى كان صالحا ملازما للخير.
وفشتاله، قبيلته، هم قاطنون بحوز فاس. وذكر فيهم ابن أبي زرع (١) في تاريخه أنهم فرع من صنهاجة من حمير، عرب الأصل.
وأبو عبد الله شيخنا هذا هو الآن قاضي الجماعة بفاس، وخطيب بالمدرسة التي بناها السلطان أبو عنان بإزاء باب المحروق (*). وهو أحد المفتين بفاس، ويدرس المدونة وغيرها بالمدرسة التي بالعطارين. وحضرت حلقته غير مرة وأخذت عنه وأجازني إجازة عامة.
حاله-سلمه الله -:
له علم بالتوثيق وصناعته، وطريق إلى صياغته في حلل براعته.
وهو مفت في المسائل الفقهية، ومتفنن في العلوم الأدبية، وله مشاركة في جميع العلوم النظرية والتعالمية. وله ذهن ثاقب، ونظر في ميدان البحث لا يجاريه فيه فقيه ولا طالب. واعتناء بالعلوم الشرعية، واقتناء بالمعالي البيانية. إلى وقار وبها، وثقوب فطنة ونهى، وهمّة سمت فوق السّها.
فمن قوله يمدح أمير المؤمنين المتوكل على الله أبا عنان (٢)
أيا إماما ندى كفّيه قد وكفا ... حسبي اعتصامي بحبل منكم وكفى!
стр. 349
وكيف أصرف وجه القصد عن ملك (١) ... ما صدّ عني سنا بشر ولا صرفا
ما إن شكوت بما أضنى تطلّبه ... إلا وجدت لديه من ضناي شفا
[٩٨/ب]
ولا وقفت عليه منتهى أملي ... إلا قضى وطرا منه وما وقفا
في كلّ يوم له تجديد عارفة ... مهما انقضت هذه لهذه ائتنفا
وليس ممّن يرى أن لا يتيح يدا ... حتّى يقام له بالشّكر ما سلفا
وكان قد بعث إليه ذو الوزارتين الحاجب القائد الرئيس الفقيه الخطيب الكاتب صاحب القلم الأعلى أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن سعيد بن الخطيب السّلماني، وزير أمير المسلمين أبي الحجّاج يوسف بن عم أبينا ووزير ابنه أمير المسلمين الغني بالله محمد المخلوع رسالة، وصدّرها بأبيات، كلّ ذلك من قوله، وهما (٢):
стр. 350
من ذا يعدّ فضائل الفشتالي؟ ... والدّهر كاتب آيها والتّالي
علم إذا التمسوا الفنون فعلمه ... مرعى المسيم ونجعة المكتال
نال الّتي لا فوقها من رفعة ... ما أمّلتها حيلة المحتال
وقضى قياس تراثه عن جدّه ... أنّ المقدّم فيه غير التّالي
قاضي القضاة! بماذا أثني على خلالك المرتضاة (١)؟ أبقديمك الموجب لتقديمك، أم بحديثك الداعي لتحمّل حديثك؟ وكلاهما غاية بعد مرماها، وحام التصور حماها، والضالع (٢) لا يسام سبقا، والمنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى؟ وما الظنّ بأصالة تعترف بها الآثار وتشهد، وأبوة صالحة كانت في غير ذات الله (٣) تزهد.
وفي نيل الاتصال به تجهد، ومعارف تقرر قواعد الحقائق وتمهد، وتهزم الشبه (٤) إذا تنهد. وقد علم الله أنّ جوارك لم يبق للدّهر جورا، ولاحت من غصني ورقا ولا نورا. هذا وقد زأر عليّ أسدا وحمل (٥) ثورا، فقد أصبحت في ظل الدولة التي وقف على سيدي اختيارها، وأظهر خلوص إبريزه معيارها. تحت كنف، وعزّ مؤتنف، [٩٩/أ] وجوار أبي دلف، وعلى ثقة من الله بخير خلف (٦). وما منع [من انتسابي لما لديه] (٧) من الفضائل رحلة لم يبرك بعد جملها،
стр. 351
ولا فرغ عملها، وأوحال حال بيني وبين مسوّر البلد القديم مهملها (١) ولولا ذلك لاغتبط الرّائد، واقتنيت الفوائد.
والله يطيل بقاءه حتى تتأكد القربة، التي تنسى بها الغربة.
وتعظم الوسيلة، التي لا تذكر معها الفضيلة. وأمّا ما أشار به من تقييد القصيدة التي نفّق سوقها استحسانه، وأنس باستطرافها إحسانه؛ فقد أعمل وما أهمل، والقصور باد إذا تؤمّل، والإغضاء أولى ما أمل.
فإنما هي فكرة أخمدت نارها الأيام، وغيرت آثارها اللئام. وكان الحق إجلال مطالعة سيدي عن خللها، وتنزيه رجله (*) عن تقييد مرتجلها. لكن أمره ممتثل، و «أتى من المجد أمر لا مردّ له» مثل! (٢)
فجاوبه بقوله:
وافت يجرّ الزهو فضلة بردها ... حسناء قد أضحت نسيجة وحدها
لله أيّ قصيدة أهديت لو ... يهدى المعارض نحو غاية قصدها (٣)
لابن الخطيب بها محاسن قارعت ... عنه الخطوب ففللّت من حدّها (٤)
стр. 352
سرّ البلاغة منه أودع حافلا ... قد صانه حتّى فشا من عندها
في غير ما عقد نفثت بسحرها (١) ... فلذا أتى سلسا منظّم عقدها
لم أدر ما فيها رقمت معنونا ... من طرسها أو معلما من بردها (٢)
حتّى دفعت بها لأبعد غاية ... باعي تقاصر في البلوغ لحدّها
حرّان من نظم ونثر آب من ... يلقاهما منها بذلّة عبدها
أولى يدا بيضاء موليها فما ... لي من يد في أن أقوم بحمدها
فبذلت شعري رافعا من برّها ... وهززت عطفي رافلا في بردها
ورفضت تكذيب المنى متشيّعا ... لعليّ مرآها بصادق وعدها!
[٩٩/ب]
خذها أعز الله جنابك، وأذلّ للأنس على الوحشة اغترابك.
كنغبة الطائر المتحفز، ونهبة السائر المستوفز (٣) ومقة اللحظ، قلقة
стр. 353
اللفظ (١) قد جمعت من ترامها وانقحامها (*) بين بطمة فند، وصلود زند، ونوّعت فعلي إقدامها وإحجامها إلى قاصر ومتعد (٢)، وليتني إذ جادت سحابة ذلك الخاطر الماطر الودق، وانجابت المعاني عن مزنة فكرتي (٣) بتقاضي الجواب انجياب الطرق، أيقنت أني قد سدّ علي باب القول وأرتج، وقلت هذه السالبة الكلية (٤) لا تنتج! فنبذت طاعة الداعية من تلكم الإمرة، ولم أفه إذ أعوزت الخلوة بالمرّة (٥)، لكني قلت وجد المكثر كجهد المقل، والواجب قد يقع الامتثال فيه بالأقل. فبعثت بها على علاتها، وأبلغتها عذرها في أن كنيت عن شوقها بلغاتها. وهي لم تعدم من سيدي إغضاء كريم، وإرضاء مليم (٦).
والله سبحانه يصل بالتأنيس الحبل، ويرد الألفة ويجمع الشمل.
والسّلام (٧).
وكتب إليه أيضا ذو الوزارتين محمد بن الخطيب المذكور إثر نكبة أنكبه أمير المسلمين المستعين بالله أبو سالم إبراهيم المريني، من غير ذنب فعله، أغرى به السلطان حسدا له:
تعّرفت أمرا ساءني ثم سرّني ... وفي صحّة الأيّام لا بدّ من مرض
تغمّدك المحبوب بالذات بعد ما ... جرى ضدّه والله يكفيه بالعرض
стр. 354
في مثلها-أبقى الله سيدي-يجمل الاختصار، وتقرر الأنصار وتطرق الأبصار. إذ لم يتعين ظالم، ولم يتبين يقظ ولا حالم. وإنما هي هدية أجر، وحقيقة وصل عقّبت مجاز هجر. وجرح جبار، وأمر ليس به اعتبار، ووقيعة لم يكن فيها إلا غبار! وعثرة القدم لا تنكر، والله يحمد في كلّ ويشكر. وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يشبه شائب، وحسن الولاية لم يعبه عائب، والرعي دائب، والجاني [١٠٠/أ] تائب، فما هو إلا الدهر الحسود لمن يسود، خمش بيد ثم سترها (؟)، ورمى عن قوس ما أصلحها-والحمد لله-ولا أوترها.
إنما باء بشينه، وجنى من مزيد النعمة سخنة عينه. ولا اعتراض على قدر أعقب بحظ مبتدر، وورد نغّص بكدر، ثم أنّس بأكرم صدر. وحسبنا أن نحمد الدفاع من الله والذّب، ولا نقول-مع الكظم- إلا ما يرضي الرب. وإذا تسابق أولياء سيدي في مضمار، وحماية ذمار، واستباق إلى برّ وابتدار، بجهد اقتدار، فأنا-ولا فخر-متناول القصبة، وصاحب الدّين من بين العصبة، لما بلوت من برّ أوجبه الحسب، والفضل الموروث والمكتسب، ونصح وضح منه المذهب، وتنفيق راق منه الرّداء المذهب. هذا مجمل (١) وبيانه عن وقت الحاجة مؤخر، ونبذة سرّه (؟) لتحقيقها يراع مسخر. والله أعلم بما انطوى عليه لسيّدي من إيجاب الحق، والسّير من إجلاله على أوضح الطّرق، والسلام.
فجاوبه بقوله:
وأيم الله إبرارا لأيم (٢) ... لقد جلّى كتابك كلّ غمّ
وساهم في الحوادث من رمته ... ففاز من الوفاء بخير سهم
стр. 355
يا سيّدي. أمدّ الله في أنوار تلكم الطريقة المثلى، وبارك.
وجزاها جزاء من ساهم على الحقيقة في الجلّى، وشارك. وصل كتابكم الصّادق الصفاء؛ الصادر عمن لم يرض من الوفاء باللّقاء.
فثأى (١) من صدع الأيام ورأب. ونأى في دفع الأوهام وقرب.
وهو الدّهر-أبقاكم الله-لا تثنى فلتاته. ولا يبني على عقد صفائه يوم لوى ولائه إلاّ كدره بالنّقض مفتاته. هذا ولو حاسب الإنسان نفسه لاستحقر ما استعظم. وعلم أنّ «ما لا يرى مما وقى الله أعظم». فآه آه! ومن جني عليه فليستغفر الله. فغفرا اللهمّ غفرا. وحمدا على السراء والضرّاء، وشكرا.
وسيدي-أعزّه الله-المشكورة أياديه، المبرورة غاياته الجميلة [١٠٠/ب] ومباديه. والله-سبحانه-يعين على واجبكم، ويشكر في حسن الإخاء جميل مواهبكم. والسّلام.
شيخنا الفقيه القاضي الحسن بن عثمان بن عطيّة بن موسى بن
يوسف بن عبد العالي التّجاني المعروف بالوانشريسي (*)
[كنيته:]
يكنى أبا عليّ، وأدركته، ورأيته.
وهو من أهل مكناسة الزيتون. ومولده بتاوريرت (٢) من حوز