← Тараджим

Тараджим · id 120143

أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن

ابن الأحمر

Полный текст (459 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولا فرغ عملها، وأوحال حال بيني وبين مسوّر البلد القديم مهملها (١) ولولا ذلك لاغتبط الرّائد، واقتنيت الفوائد. والله يطيل بقاءه حتى تتأكد القربة، التي تنسى بها الغربة. وتعظم الوسيلة، التي لا تذكر معها الفضيلة. وأمّا ما أشار به من تقييد القصيدة التي نفّق سوقها استحسانه، وأنس باستطرافها إحسانه؛ فقد أعمل وما أهمل، والقصور باد إذا تؤمّل، والإغضاء أولى ما أمل. فإنما هي فكرة أخمدت نارها الأيام، وغيرت آثارها اللئام. وكان الحق إجلال مطالعة سيدي عن خللها، وتنزيه رجله (*) عن تقييد مرتجلها. لكن أمره ممتثل، و «أتى من المجد أمر لا مردّ له» مثل! (٢) فجاوبه بقوله: وافت يجرّ الزهو فضلة بردها ... حسناء قد أضحت نسيجة وحدها لله أيّ قصيدة أهديت لو ... يهدى المعارض نحو غاية قصدها (٣) لابن الخطيب بها محاسن قارعت ... عنه الخطوب ففللّت من حدّها (٤)

стр. 352

سرّ البلاغة منه أودع حافلا ... قد صانه حتّى فشا من عندها في غير ما عقد نفثت بسحرها (١) ... فلذا أتى سلسا منظّم عقدها لم أدر ما فيها رقمت معنونا ... من طرسها أو معلما من بردها (٢) حتّى دفعت بها لأبعد غاية ... باعي تقاصر في البلوغ لحدّها حرّان من نظم ونثر آب من ... يلقاهما منها بذلّة عبدها أولى يدا بيضاء موليها فما ... لي من يد في أن أقوم بحمدها فبذلت شعري رافعا من برّها ... وهززت عطفي رافلا في بردها ورفضت تكذيب المنى متشيّعا ... لعليّ مرآها بصادق وعدها! [٩٩/ب] خذها أعز الله جنابك، وأذلّ للأنس على الوحشة اغترابك. كنغبة الطائر المتحفز، ونهبة السائر المستوفز (٣) ومقة اللحظ، قلقة

стр. 353

اللفظ (١) قد جمعت من ترامها وانقحامها (*) بين بطمة فند، وصلود زند، ونوّعت فعلي إقدامها وإحجامها إلى قاصر ومتعد (٢)، وليتني إذ جادت سحابة ذلك الخاطر الماطر الودق، وانجابت المعاني عن مزنة فكرتي (٣) بتقاضي الجواب انجياب الطرق، أيقنت أني قد سدّ علي باب القول وأرتج، وقلت هذه السالبة الكلية (٤) لا تنتج! فنبذت طاعة الداعية من تلكم الإمرة، ولم أفه إذ أعوزت الخلوة بالمرّة (٥)، لكني قلت وجد المكثر كجهد المقل، والواجب قد يقع الامتثال فيه بالأقل. فبعثت بها على علاتها، وأبلغتها عذرها في أن كنيت عن شوقها بلغاتها. وهي لم تعدم من سيدي إغضاء كريم، وإرضاء مليم (٦). والله سبحانه يصل بالتأنيس الحبل، ويرد الألفة ويجمع الشمل. والسّلام (٧). وكتب إليه أيضا ذو الوزارتين محمد بن الخطيب المذكور إثر نكبة أنكبه أمير المسلمين المستعين بالله أبو سالم إبراهيم المريني، من غير ذنب فعله، أغرى به السلطان حسدا له: تعّرفت أمرا ساءني ثم سرّني ... وفي صحّة الأيّام لا بدّ من مرض تغمّدك المحبوب بالذات بعد ما ... جرى ضدّه والله يكفيه بالعرض

стр. 354

في مثلها-أبقى الله سيدي-يجمل الاختصار، وتقرر الأنصار وتطرق الأبصار. إذ لم يتعين ظالم، ولم يتبين يقظ ولا حالم. وإنما هي هدية أجر، وحقيقة وصل عقّبت مجاز هجر. وجرح جبار، وأمر ليس به اعتبار، ووقيعة لم يكن فيها إلا غبار! وعثرة القدم لا تنكر، والله يحمد في كلّ ويشكر. وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يشبه شائب، وحسن الولاية لم يعبه عائب، والرعي دائب، والجاني [١٠٠/أ] تائب، فما هو إلا الدهر الحسود لمن يسود، خمش بيد ثم سترها (؟)، ورمى عن قوس ما أصلحها-والحمد لله-ولا أوترها. إنما باء بشينه، وجنى من مزيد النعمة سخنة عينه. ولا اعتراض على قدر أعقب بحظ مبتدر، وورد نغّص بكدر، ثم أنّس بأكرم صدر. وحسبنا أن نحمد الدفاع من الله والذّب، ولا نقول-مع الكظم- إلا ما يرضي الرب. وإذا تسابق أولياء سيدي في مضمار، وحماية ذمار، واستباق إلى برّ وابتدار، بجهد اقتدار، فأنا-ولا فخر-متناول القصبة، وصاحب الدّين من بين العصبة، لما بلوت من برّ أوجبه الحسب، والفضل الموروث والمكتسب، ونصح وضح منه المذهب، وتنفيق راق منه الرّداء المذهب. هذا مجمل (١) وبيانه عن وقت الحاجة مؤخر، ونبذة سرّه (؟) لتحقيقها يراع مسخر. والله أعلم بما انطوى عليه لسيّدي من إيجاب الحق، والسّير من إجلاله على أوضح الطّرق، والسلام. فجاوبه بقوله: وأيم الله إبرارا لأيم (٢) ... لقد جلّى كتابك كلّ غمّ وساهم في الحوادث من رمته ... ففاز من الوفاء بخير سهم

стр. 355

يا سيّدي. أمدّ الله في أنوار تلكم الطريقة المثلى، وبارك. وجزاها جزاء من ساهم على الحقيقة في الجلّى، وشارك. وصل كتابكم الصّادق الصفاء؛ الصادر عمن لم يرض من الوفاء باللّقاء. فثأى (١) من صدع الأيام ورأب. ونأى في دفع الأوهام وقرب. وهو الدّهر-أبقاكم الله-لا تثنى فلتاته. ولا يبني على عقد صفائه يوم لوى ولائه إلاّ كدره بالنّقض مفتاته. هذا ولو حاسب الإنسان نفسه لاستحقر ما استعظم. وعلم أنّ «ما لا يرى مما وقى الله أعظم». فآه آه! ومن جني عليه فليستغفر الله. فغفرا اللهمّ غفرا. وحمدا على السراء والضرّاء، وشكرا. وسيدي-أعزّه الله-المشكورة أياديه، المبرورة غاياته الجميلة [١٠٠/ب] ومباديه. والله-سبحانه-يعين على واجبكم، ويشكر في حسن الإخاء جميل مواهبكم. والسّلام. شيخنا الفقيه القاضي الحسن بن عثمان بن عطيّة بن موسى بن يوسف بن عبد العالي التّجاني المعروف بالوانشريسي (*) [كنيته:] يكنى أبا عليّ، وأدركته، ورأيته. وهو من أهل مكناسة الزيتون. ومولده بتاوريرت (٢) من حوز

стр. 356

مكناسة. وهو من قبيلة تجّين. وآباؤه كلّهم فرسان أولو شجاعة. وجدّه عطيّه هو الذي ارتحل منهم عن بلاد التّجانيّة، واستقر ببلاد مرين ملوك المغرب في دولة السّلطان أبي يعقوب يوسف، وكان فارسا شجاعا، فاستخدمه ملوك مرين ثمّ تخلّى عن الخدمة السلطانية وأقبل على طلب الآخرة؛ وسكن بحوز مكناسة. وكان له أولاد نجباء فقهاء وهم: عثمان-وهو أكبرهم-وهو والد شيخنا القاضي أبي عليّ هذا. وعبد الله-وهو الذي يليه-والحسن. وهؤلاء الثلاثة أشقاء. ويونس وإبراهيم. وكلهم فقهاء. وأمّا الحسن منهم فهو فقيه متفنّن حافظ بمسائل الفقه بصير (١) بالفروع واللغة والحديث والتاريخ؛ وهو أحد المفتين بفاس. وأما (٢) كتاب الإمام العالم المفتي المدرّس الصالح أبي إسحاق إبراهيم ابن عبد الله بن عبد الرحيم اليزناسني وغيره من فاس يسمّونه ابن رشد لحفظه لمسائل الكتاب المذكور (٢). وهو-مع معرفته بالعلم- (٣) متورّع، متواضع، حسن الأخلاق، صادق اللهجة، شديد في الحقّ. وولي القضاء ببادس (٤) في دولة السلطان أبي الحسن المريني. وهو الآن في هذا الوقت الذي ألّفت فيه كتابي هذا بفاس يقرئ بجامعها الأعظم المسمّى بالقرويين: المدوّنة والجلاّب والرسالة وكل ذلك لم أغب عن حلقته لاقتباس [١٠١/أ] علمه وبركته، وذلك حين

стр. 357

مقامي بفاس لمّا أخرجنا عن بلادنا الأندلسيّة بنو عمنا الملوك بنو (١) الأحمر من بني نصر. نرجع إلى ذكر شيخنا القاضي أبي عليّ الحسن المذكور. كان قد برز عدلا-في صغره-في سماط شهود مكناسة. ثم ارتحل إلى فاس، فاستنابه في القضاء شيخنا القاضي الخطيب الإمام المفتي المدرّس أبو عبد الله الفشتالي (٢). ثم قدّمه السلطان أبو فارس عبد العزيز المريني على قضاء بلده مكناسة. ثم أنقله (٣) منها، وولاّه القضاء بسلا. ثم تخلّى عن القضاء. وهو الآن في سماط شهود فاس عدل. ويقرئ في هذا الوقت بجامع القرويّين كتاب ابن الحاجب الفرعي. وهو أحد شيوخ حضرت حلقته في كتاب ابن الحاجب. وأجازني إجازة عامّة. حاله-سلّمه الله تعالى -: له باع في الفرائض والفروع جسيم، وسماوة همّة وذكاء وسيم. وشعره فيه حلاوة، وكلامه فيه عذوبة وعليه طلاوة. كان قاضي الجماعة الفشتالي بفاس قد استنابه، فأظهر في الحقّ صلابه. ثمّ استقضاه السّلطان بمكناسة وسلا؛ فجدّ في إقامة الشّرع ولا الحقّ سلا. ولم ير له ما يستقبح في أحكامه، بطلول أيامه.

стр. 358

كنت قد تفكرت يوما في ذنوبي-وأنا بفاس-حين مقامي بها -في حضرة الملوك من بني مرين-فرأيتها جمة أعظم من أن أحصيها، فأحزنني ذلك، وساءني، فبعثت له بقولي: يا أوحد الفقهاء والكبراء ... وأخي التّقى والفضل والعلياء قل لي وقاك الله كل مساءة ... وحباك كلّ مسرّة وبهاء! - كيف الخلاص من الهوى وأنا له ... تبع مدى الإصباح والإمساء؟ فجاوبني بقوله: يا ابن الملوك الأكرمين ذوي العلى ... أهل الوفاء وملجأ الضّعفاء هذا قريضك قد أتاني منبئا ... عن بعض ما أودعت من علياء [١٠١/ب] وطلبت ما ينفي متابعة الهوى ... وينيل كلّ مسرّة وبهاء فاعلم فدتك النّفس أني أشتكي ... فوق الذي تشكو من البرحاء ولعلّ مولانا ينيل جميعنا ... عزّ التّقى في زمرة السّعداء أمسكت رقعتك التي وجّهتها ... من كونها خصّت بحسن ثناء وعليك مني ألف ألف تحيّة ... في ضعفها تترى بكلّ ثناء ***

стр. 359

شيخنا الفقيه القاضي الخطيب الحاج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الفقيه الامام القاضي أبي الوليد محمد الحفيد بن الفقيه القاضي أبي القاسم أحمد بن الفقيه الامام القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأموي (*). [كنيته:] يكنى أبا القاسم، وأدركته ورأيته. وأجازني في القصيدة الموسومة بالبردة التي أولها: *أمن تذكّر جيران بدي سلم* نظم الفقيه أبي عبد الله محمد شرف الدين البوصيري. ومولده بسجلماسة (١) «وأصل سلفه من الأندلس. وهو من ولد الحفيد ابن رشد، وبابن الحفيد يعرف. واستوطن مدينة فاس في بعض الأحيان. واستقضاه بأصيلا (٢) السلطان أبو فارس عبد العزيز المريني. واختطب في بعض بلاد النصارى بالرّجل (٣).

стр. 360

حاله-أكرمه الله -: هو آخذ من اللغة بأزكى نصيب، وسهمه من النحو مسدد مصيب. ينظم من الشعر الأبيات الحسنة، ويتكلم في الفقه بمسائل في البراعة ممكنة. وباعه في الحديث مديد، كما هو بصير بالطارف من التاريخ والتليد. وأما الفصاحة فهو ابن بجدتها، وأما البلاغة فهو عين نجدتها. أنشدني لنفسه [١٠٢/أ]: وذي شنب متى أنظر بطرفي ... إليه استلّ من لحظ ذبابا (١) تبسّم عن عقيق فوق در ... فخلت الخمر قد حملت حبابا أذوب إذا بدا شوقا إليه ... ولو زارته أنفاسي لذابا فإن أزرى به شيطان واش ... أحلت عليه من حرقي شهابا وأنشدني أيضا لنفسه مواطئا (٢) على البيت الثالث: تحام بلاد الغرب ما عشت إنّها ... ظلام وحزن دائم وحروب! وخيّم بلاد الشرق تلق بها المنى ... فللخير أنواع بها وضروب «ففي الشّرق من أجل الشّروق مسرّة ... وفي الغرب من أجل الغروب كروب!»

стр. 361

صاحبنا الأستاذ النحوي المقرىء عبد الرحمن بن علي بن صالح المكودي (*): [كنيته:] يكنى أبا زيد، وهو من أهل فاس، وبها رأيته، وصحبته. حاله: هو شاعر مجيد، ومبدىء في البلاغة ومعيد. قد فاق في النحو، وسلم نظمه من الحشو. مقرىء للعلوم الأدبيّة، بنفس مطاوعة غير أبيّه. وكنت قد سألته شيئا من نظمه، لأنشر رداء معرفته وفهمه. فأبطأ عليّ بالجواب دهرا، حتى جمع من شعره نزرا. وكتب ذلك في أوراق، وذيّل بكلامه الذي راق. وذكر في أول كلامه اسمي، وطرزه برسمي. لما توالى تكرار السؤال عليه، ودؤب الطلب مما من النظم لديه. وبعث بذلك إلي، وألقى زمامه في يديّ. واخترت منه ما يعلمه (١) باتساع باعه، وانطباع طباعه. وهذا ما كتب في صدر كلامه، وما ذيل به عند ذكر نظامه:

стр. 362

«يقول عبد الرحمن بن علي بن صالح المكودي-لطف الله به- سألني صاحبنا الشهير بالنبل والذكاء، وسروة الهمّة والبهاء. الضابط لفنون الآداب، العالم بعيون التاريخ والأنساب. رافع راية القريض، وناشر لوائه الطويل العريض. علم الرؤساء [١٠٢/ب] ودرّة أبناء الأمراء أبو الوليد إسماعيل بن الرئيس أبي الحجاج يوسف بن الأحمر الخزرجي أن أقيّد له شيئا من شعري فلم أسعفه بمطلوبه، ولا عجّلت له بمرغوبه؛ استحقارا لشعري، واستضعافا لما صدر من نظمي ونثري. وهجرا للأدب وطريقته، وقلى لمجازه وحقيقته. طريقة كثر قائلها وقلّ نائلها! فلو أمكن أن يجتمع في زماننا هذا أبو تمام باغترافه من بحره، وأبو الطّيب باقتطافه من زهره، وأبو العلاء بنحته من صخره، على استخراج درهم واحد من أهل زماننا لما حظوا منهم بنائل، ولا وقفوا في أمورهم على طائل! دهر وقى الله من حوادثه سيّان ذو الجهل فيه والعالم. ولما كان السائل المذكور ممن لا يسعني خلافه، ولا يمكنني إلا إسعاده وإسعامه؛ قيدت له شيئا من شعري، مع نبذ من نثري. وليتخير من ذلك ما يستجيده، وينتخب ما يريده. والله يعصمنا من الزّلل، ويهدينا إلى صالح القول والعمل». قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب: فمما اخترت من كلامه الرائق ونظامه العذب الفائق؛ قوله يمدح رسول الله ﷺ ، وهي القصيدة (١)

стр. 363

التي ضربت في البلاغة بسهم، وحازت من الفصاحة أوفر سهم: أرّقني بارق نجد إذ سرى ... يومض ما بين فرادى وثنى أهّبتي إذ هبّ منه موهنا ... ما سدّ ما بين الثريّا والثّرى شممت من أرجائه إذ شمته ... ريح صبا أطوع من ريح الكبا فيا له من بارق ذكّرني ... من الهوى ما كنت عنه في غنى! ٥ أثار شوقا كان مني كامنا ... بين ضلوع طالما فيها ثوى [١٠٣/أ] فكان قلبي المجتوى إذ هاجه ... كالزّند إذ أوراه مور فورى وسحّ سحب مقلتي فما بقي ... نوع من الدّمع بها إلا همى ما كنت أدري قبل أن أنفده ... أنّ البكا يمنعني من البكا! وليلة سبحت في ظلمائها ... إذ سحبت فضول أذيال الدّجا ١٠ ألفت فيها كل ما ألفيته ... يوهي القوى إلا التّسلي والكرى طالت وما أطلّ بازي صبحها ... إلا باغيا (١) ما لديها من جوى قد وقفت نجومها في أفقها ... وقفة حيران طويل المشتكى جبت بها وحدي قفرا سبسبا ... ليس به إلا النّعام والمها نائي الزّيازي (٢) والفلا، داني الصّفا ... خالي الفيافي والذّرى، خافي الصّوى (٣)

стр. 364

١٥ قطعتها ببازل ذي مرّة ... ينوّع السير بأنواع المشى فتارة يعمل فيها الهيدبى ... وتارة يعدو عليها الخيزلى كأنّ رحلي إذ علوت ظهره ... فوق متين المتن وجريّ القوى من وحش مهمه بعيد غوره ... ذي أكرع أصلب من صمّ الصّفا يقذف بي من فدفد لفدفد ... وينتهي بي من فلا إلى فلا ٢٠ حتّى إذا انتضى الصباح نصله ... وقدّ جلباب الدّياجي فانفرى كأنّه كتائب قد نشرت ... راياتها على الإكام والرّبى أحسّت الشّهب بها فأجفلت ... وأمّت الغرب وجدّت في السّرى إذا أنا ببقعة غيطانها ... جرى بها سلسال نهر وانحنى كأنّه معصم خود غادة ... على رداء قد وشاه من وشى ٢٥ وظلّ روض راضه صوب الحيا ... فاعتمّ من نور حلاه واكتسى باكره وسميّه فانفتحت ... كمامه عن زهر طيّب الشّذا وهزّ أيدي الرّيح منه قضبا ... غنّى بها الطّير الأغنّ وشدا [١٠٣/ب] أحسن به روضا نميما عرفه ... معطّرا داني القطوف والجنى

стр. 365

قد نثرت شمس الغداة أيدعا (١) ... فيه وقد بلله قطر النّدى ٣٠ وقفت طرفي بإزاء دوحه ... أسرح طرفي في مبانيه العلا وأشتكي دهرا دهاني صرفه ... لمّا قضى بالبين فيما قد قضى منازل كانت بنا أواهلا ... نلنا بها حينا أساليب المنى كم بتّ في أفنائها أجري إلى ... غاياتها بطرف جد ما كبا وكم سحبت إذ صحبت غيدها ... بروضها ذيل السّرور والهنا ٣٥ وكم مددت من سرادق على ... ضفّة نهر أرج رحب الذّرى وكم سعدت إذ صعدت صهوة ... لمنزه منزّه عن الخنا وكم هصرت فيه من غضن نقا ... من قدّ ظبي أهيف طاوي الحشا وكم لثمت زهر ثغر أشنب ... من شادن عذب الثنّايا واللّمى وكم رشفت من رضاب سلسل ... يفعل بالألباب أفعال الطّلا ٤٠ أيّام أزهار المنى مونقة ... والدّهر ذو وجه منير المجتلى تزفّني من الأماني دائبا ... عرائس ذوات حلي وحلى

стр. 366

أنى أرجّي لفؤادي سلوة ... من بعد بعد المونقات المجتنى؟ يا ليت شعري والأماني خدّع ... هل يرجع الدّهر لنا ما قد مضى؟ وهل لنا من عودة لمعهد ... صبوت فيه جلّ أيّام الصّبا؟ ٤٥ إذ لا مشيب فوق فودي يرعوى ... من شينه، ولا رقيب يختشى! أيّام أنس أسرعت في خطوها ... كذا اللّذاذات سريعات الخطا يا قلب لا تجزع فأنت قلّب ... وأنت عندي ذو دهاء وحجا فلا يهولنّك صرف الدّهر في ... ما قد جنى عليك من خطب النّوى [١٠٤/أ] فكلّ وصل ينتهي لفرقة ... تفرى العرى منه وإن طال المدى ٥٠ والدّهر في صروفه ذو عجب ... يدني بها كلّ جديد للبلى يبكي إذا أضحك يوما أهله ... ويعقب الكرب إذا العيش صفا كم ملك ذي نجدة في ملكه ... يضيق عن جنوده رحب الفضا

стр. 367

قد ملك الأرض وراض صعبها ... وشيّد القصور فيها والبنى أخنى عليه دهره وعاقه ... عن كلّ ما شيّده وما بنى ٥٥ أين الألى شادوا وساسوا ملكهم ... كمثل ساسان وعاد وسبا دارت على أدؤرهم (١) دوائر ... وجرّعوا كاس المنايا والرّدى! وأين باني إرم وجيشه؟ ... صاروا رميما تحت أطباق الثّرى! وملك كسرى حين تمّ أيده ... أوهته أحداث اللّيالي فوهى ولم تقصّر عن ملوك قيصر ... حتّى أبادتهم وطاحوا في التّوى (٢) ٦٠ ولم تدع من ملك غسّان فتى ... سامى المعالي في ذراها وسما وكم ملوك قهروا بملكهم ... أسد الشّرى صاروا حديثا في الدّنى هذي هي الدّنيا فلا يغررك ما ... تراه فيها من سرور وهنا! فانفض يديك من عراها وارمها ... وابرأ بها (٣) إن كنت من أهل النّهى!

стр. 368

وظنّ بالإخوان شرّا واخشهم ... وصيّر الأحباب منهم كالعدا ٦٥ وإن أردت خبرهم فاخبر فما ... خبر قوما أحد إلا قلا! وسرّك اكتمه عن الخلق ولا ... تطلع عليه أحدا من الورى واقنع-على عزّ-بما يكفي ولا ... تحرص فإنّ الحرص ذلّ للفتى وساير الناس على أخلاقهم ... وساعد المسعد واحمل من جفا وصافهم وإن أساؤوا نيّة ... فإنّما لكلّ شخص ما نوى [١٠٤/ب] ٧١ كم من صديق مظهر لودّه ... لكن له قلب على الحقد انطوى يشكر في وجهك إن لاقيته ... وإن تغب يغتبك في كلّ ملا يذيع ما يراه من قبح وإن ... رأى جميلا منك أخفى ما رأى فاترك إخا من هذه سيرته ... واهجره في الله ودعه والعمى ولا تهابنّ ذوي الجهل وإن ... راقك منهم منتدى ومنتمى ٧٥ كم من أناس كالأناسي منظرا ... فهم إذا أشبه شيء بالدّمى وكم رجال في الدّنى ليس لهم ... من العلا إلاّ الأسامي والكنى يرون أنّ المجد والعلياء في ... ما ينتقى من أبّهات وكسا ليس العلا والمجد إلاّ لامرىء ... رقا إلى أفق المعالي وارتقى

стр. 369

وصمّم العزم على ترك الهوى ... وجدّ في طلاب ما يجدي الثّنا ٨٠ وانتعل الشّهب الدّراري رفعة ... وامتهد البدر المنير واعتلى وما المعالي غير علم رائق ... يصيّر المرء على أعلى السّها طوبى لمن برّز في ميدانه ... وابتدر السّبق لديه وجرى وجدّ فيه وحماه جدّه ... حتّى ارتقى منه بأسنى مرتقى ودان بالدّين القويم والعلا ... وازدان بالخلق الجميل والتّقى ٨٥ لله قوم قارعوا أنفسهم ... عن الهوى إذ قرعوا باب الرّضا عابوا نفيس الدّرّ والعقيان إذ ... باعوا نفوسهم بأنفاس علا وأنت يا نفس شغلت بالهوى ... حتّى هويت منه في قعر هوى! فرّطت إذ أفرطت في اكتساب ما ... يردي ولم أسلك سبيل من نجا كم خضت في بحر المعاصي جامحا ... لا أرعوي نصحا للحي من لحا [١٠٥/أ] ٩٠ وكم تعبت إذا تبعت أملا ... قد انقضت لذّته وما انقضى! واحسرتا قد مرّ عمري ضائعا ... بين خزعبلات لهو وهوى هلكت في الهلاّك لولا أنّني ... ذخرت ذخرا (١) أرتجي به الهدى

стр. 370

وليس ذخري غير مدح أحمد ... سيّد أهل الأرض طرّا، وكفى محمّد أسمى النّبيّين علا ... ومن كأحمد النّبيّ المصطفى ٩٥ أكرم مبعوث لخير أمّة ... فضّلها الله به على الورى توراة موسى قد أتت ببعثه ... وصدّق الإنجيل ما فيها أتى قد أكثرت في كتبها الأحبار من ... ما أخبرت (١) من فضله فيما مضى وأشرقت بنوره الآفاق في ... مولده، وشرقت منه اللها فالملك كسرى قد تداعى صرحه ... وانقضّت الأرجاء منه وهوى ١٠٠ وفارس قد خمدت نيرانها ... وألف عام سعرت فيها خلا وغار نهر ساوة (٢) فساءها ... ما لقيت من ظمأ ومن صدى وخرّت الأوثان يوم بعثه ... وظهر الذّلّ عليها وبدا وانبعثت ثواقب الشّهب ترى ... محرقة للجنّ في جوّ السّما وكم له من آية بيّنه ... ومعجزات مثل إشراق الضّحا ١٠٥ منهنّ نطق الذّيب في تصديقه ... والعير أيضا والذّراع والرّشا

стр. 371

ومن عظيم المعجزات أنّه ... قد سبّحت في كفّه صمّ الحصا والجذع إذ فارقه حنّ كما ... تحنّ ثكلى هاجها حرّ الجوى (١) والسّرح بالشّام لها أعجوبة ... إذ عفّرت أغصانها على الثّرى والأيك إذ أمرتها فأقبلت ... وما بقي عرق بها إلاّ انفرى (٢) ١١٠ وقلت عودي فكأنّ أصلها ... ما زال عن موضعه ولا نأى [١٠٥/ب] والشاة إذ مسحتها عادت به ... بعد الهزال ذات نحض يشتهى (٣) فروّت الرّكب بشكر (٤) ضرعها ... إذ سحّ منها الضرع ذرّا وانهمى وفي انشقاق البدر أيّ آية ... بانت وما كانت حديثا يفترى وكم مشت من فوقه غمامة ... تقيه حرّ الشّمس حيثما مشى

стр. 372

١١٥ وآية الغار مع الصّديق إذ ... تواريا في جوفه عن العدا قال له الصّديق كيف نختفي ... ونحن فيه عرض لمن يرى؟ فقال: لا تحزن، فإنّ الله قد ... حجبنا عن كلّ ضر وأذى فحاك فيه العنكبوت سادلا ... ببابه في الحين سجفا قد ضفا وسترت وجه النبيّ سرحة ... جاءت إلى الغار بأغصان علا ١٢٠ وحام في الحين الحمام حاميا ... كأنّه مذ أزمن فيه ثوى وليلة المعراج أجلى آية ... إذ سار من مكّة ليلا وسرى فاخترق السّبع الطّباق صاعدا ... حتّى انتهى منها لأعلى منتهى وائتمّ سكان السّماوات به ... من ملك ومن نبيّ مجتبى سايره جبريل حتّى أشرفا ... معا على بحار نور وسنا ١٢٥ فقال جبريل تقدّم راشدا ... هذا مقامي في السّماوات العلى

стр. 373

فاخترق الأنوار يمشي وحده ... والحجب تنجاب له حيث انتمى وقامت الأملاك إجلالا له ... أمامه يسعون حيثما سعى ناداه في ذاك المقام ربّه ... يا صفوة الخلق ادن مني، فدنا فكان منه قاب قوسين فما ... كذب إذ ذاك الفؤاد ما رأى ١٣٠ خلا به حتّى حباه آية ... ما زاغ فيها بصر ولا طغى وكان هذا كلّه في ليلة ... لم يستلبها الصّبح أثواب الدّجا [١٠٦/ب] وفي نزول الغيث عام المحل ما ... سرّ نفوس الخلق طرّا وجلا إذ أمسك القطر عن الأرض ولم ... ينل بها غيث ولا هبّت صبا! حتّى دعا الله ليسقي أرضه ... فسحّت السّحب بهطّال الحيا ١٣٥ وبقيت سبعا تريق ريّقا ... راق به نور البطاح والرّبا فأفرط الوبل على الخلق، فلم ... يقلع ولا انجاب الحيا حتّى دعا والصّاع اتّسعت به ألفا كما (١) ... أرويت نصف الألف والألف معا

стр. 374

وعاد بعد شبع القوم كأن ... لم (ينتقص) (١) منه طعام بل نما وقصّة الزّوراء فيها عجب ... إذ روي الجيش جميعا من إنا ١٤٠ وضع فيه كفّه فانهلّ من ... أنملها ماء نمير وجرى وكان جيشا من ثلاث مئة ... فكلّهم غرف منه وارتوى وفي نزول الوحي أمر هال إذ ... أعجز أرباب البيان والحجا أنزل في عصر البيان فتلي ... على الجميع في البوادي والقرى طلبتهم في سورة من مثله ... فكلّهم إذ ذاك للعجز انتمى ١٤٥ فقام منهم كاذب معارض (٢) ... هذى بعيّ غيّه وما هدى جاء بقول هلهل مقبّح (٣) ... وفاه فيه بفرى لا ترتضى تمجّه الآذان (٤) عند سمعه ... نظم ركيك النسج، إفك مفترى كأنّه منطق ورها (٥) مسّها ... خبل من الجنّ ففاهت بالهرا

стр. 375

وردّه عين قتادة كما ... كانت فعادت ذات حسن وبها ١٥٠ وكم أنالت كفّه من نعم ... وكم أزالت من وبال وعنا وكم له من غزوة ذلّت له ... فيها رقاب المشركين والعدا قاد بها من صحبه عساكرا ... عزّ بهم دين الإله وسما [١٠٦/ب] من كل شهم مكم (١) بحزمه ... وممتط للعزم أسنى ممتطى يسقي كؤوس الحتف في يوم الوغى ... كلّ عدوّ ضلّ فيها وغوى ١٥٥ بكلّ رمح نافذ بادي السّنا ... وكل نصل باتر ماضي الشّبا أسد لدى الهيجاء لكن مالهم ... غاب سوى ظلّ القتام والقنا كم زاولوا الأوراد في ظلمائهم ... وقاتلوا الأبطال يوم الملتقى فهم إذا جنّ الظلام سجّد ... وبالنّهار مضرمو نار الوغى ريع بهم فؤاد كلّ مشرك ... من كلّ شاك عاث كفرا وعثا (٢) ١٦٠ كم صدموا أقيال كلّ جحفل ... وكم أداروا بينهم كاس الرّدى ومن يكن نصيره محمّد ... خير الورى تجم له أسد الشّرى

стр. 376

سل عنهم بدرا وسل أبطالها ... ما فعلوا إذ بلغ السّيل الزّبى جاءت جيوش الشرك في عساكر ... بسبق تعدو بهنّ الجمزى (١) قادوا خميسا غصّت الأرض به ... من كلّ ضرغام وليث قد سطا ١٦٥ فجاء جبريل بأملاك لهم ... خيل من الكدن سريعات الخطا بعدد ذي كثرة وعدد ... ما حاك خلق نسجها ولا حكى جند حمى الله به نبيّه ... أكرم بمحميّ به ومن حمى وكان من آيات بدر أنّه ... رمى جيوشهم بكف من حصى أصبت منهم أعينا فعميت ... وامتلأت حين رميت بالقذى ١٧٠ وما رميت إذ رميت أعينا ... منهم به، ولكن الله رمى فكلّهم عقل عن حراكه ... وجاش ممّا قد دهاه وجثا موضع حتف حان فيه حينهم ... ورويت أقطاره من الدّما فكم قتيل خرّ مبتور المعا ... وكم طريد فرّ مذعور الحشا [١٠٧/أ] وكم أسير مثخن في قدّه ... إمّا إلى المنّ وإما للفدا ١٧٥ وغزوة الخندق فيها عجب ... إذ ابتلى الله بها من ابتلى

стр. 377

أقبل مشركو قريش كلّهم ... وجيّشوا الأحزاب من كلّ ملا حرّضهم بنو النّضير إذ بغوا ... وغيرهم من اليهود والعدا وصارخوا من غطفان عسكرا (١) ... عرمرما من [كل] جبّار عصى (٢) راموا بجيش المسلمين نقمة ... إذ جيّشوا برومة؟، ونقما ١٨٠ أكثر من عشرة آلاف لهم ... في معضلات الحرب مكر ودها من قيس عيلان ومن نجد ومن ... تهامة وغيرهم ممّن طغا هنالك ابتلي كلّ مؤمن ... وزلزلوا لما دهاهم ما دها فأرسل الله على عدوّهم ... ريحا أراحت منهم كلّ عنا وأنزلت عليهم ملائك ... من السّماء بجنود لا ترى ١٨٥ لمّا رأوا أن البلاء عمهم ... وفرّقوا، تفرّقوا أيدي سبا جلاهم دون قتال ربّنا ... إذ كفّ عنه المؤمنين وكفى وانقرضت قريظة بالقتل إذ ... خانوا وخالوا أنّهم ذو ونهى! ما بين سبعمئة ونيّف ... قد ضربت بالسّيف منهم الطّلى لم يقهم من المنايا والرّدى ... ما شيّدوه من حصون وبنى ١٩٠ فما حيي حييّ بن أخطب ... بما جنى عمدا ولا كعب نجا! راحت غداة غودروا رهن التّوى ... أرواحهم من الدّنى إلى لظى!

стр. 378

وقد فشت أخبار أرض خيبر ... إذ خربت بما أتاها من توى حلّ بهم جيش النّبيّ غدوة ... وعمّهم من جأشه خطب دهى فاستفتحوا حصونهم، واستأصلوا ... أعيانهم بالمرهفات والقنا [١٠٧/ب] ١٩٥ وفي علي إذ أراد بعثه ... [لخيبر] معجزة لمن يرى (١) كان بعينيه أذى من رمد ... فتفل النّبيّ فيها فبرا وسار في الحين إليهم ناشرا ... رايته يجوب بالجيش الفلا قلع باب خيبر فما عصى ... راحته كأنّه فيها عصا أقامه عن ترسه فلم يزل ... بيده حتى جرى ما قد رجا ٢٠٠ فاستفتح الحصن الحصين واعتلى ... به على الأديان دين المجتبى وحين تمّ المصطفى افتتاحه ... لخيبر سار إلى وادي القرى حاصرهم لياليا وآب من ... غزوته تلك بعلق مقتنى وفي افتتاح مكّة عز غدا ... مذلّ كلّ كافر فيها عدا إذ جاءها يزحف في عساكر ... ضاق بها رحب الأراضي والفلا ٢٠٥ كتائب كأنها كواكب ... وهو بها كأنّه (٢) بدر الدّجى ملأتها خيلا ورجلا منهم ... بين جبال وبطاح وربى جبت بهم ظلماء نقع ما لها ... ثواقب إلا أسنّة القنا عشرة آلاف كرام ألّفت ... قلوبهم طرّا على سبل الهدى

стр. 379

قبائل علت على قبائل ... من كلّ شهم في الحروب متّقى ٢١٠ وكلّ ضرغام بصير بالوغى ... قد سلّ نصل العزم فيها وانتضى أقبلت في كتيبة خضراء قد ... حفّ بها التأييد من ربّ العلا عنّت بها ركائب كأنّها ... مراكب في لجّ قمقام طما وأنت يا خير الورى تقدمها ... كأنّما أنت بها شمس الضّحا أتيت في جند الإله رافلا ... في ثوب تأييد ونصر قد صفا ٢١٥ والخيل من خلفك تختال بها ... والعيس تنثال ثناء وثنى [١٠٨/أ] قد انطويت من تواضع على ... رحلك لمّا أن وصلت ذا طوى (١) خشعت من تحت لواء العزّ إذ ... علا بك الدّين كمالا وسما فاهتزّت الأرض به من فرح ... وزهو إذ حلّ بها عيش حلا عزّ نبيّ عقد الله له ... لواءه (٢) فوق السّماوات العلا ٢٢٠ وحين حطّ رحله ببكّة ... كبا بها كل عدو وبكى لم يبق إذ ذاك بها من مشرك ... إلا اختفى خوفا بها، أو انجلى

стр. 380

فما أفادت «ابن حرب» حربه ... حتى أتاه صاغرا فيمن أتى ولا حمى فيها «حماسا» حزمه ... حتى نجا منهزما فيمن نجا فكان من فضل النّبيّ المجتبى ... يومئذ أن كفّ عنهم وعفا ٢٢٥ وطاف بالبيت العتيق شاكرا ... لله ما أعطاه فضلا وحبا ومرّ بالأصنام إذ طاف به ... يشير نحوها فخرّت للثّرى فبعضها خرّ على الوجه لما ... أصابه، وبعضها على القفا! فأصبح الدّين القويم قيّما ... سما على الأديان طرّا وعلا وعاد برق الشّرك برقا خلّبا ... -من بعد ما أومض حينا-وخبا ٢٣٠ وفي حنين حان حين حارث ... وملك مالك بن عوف قد عفا! دارت عليهم إذ أتوا دوائر ... وأسلموا «دريدهم» إلى الرّدى لما أتاهم ما حبا الله به ... نبيّه من الفتوح والغنى غاظهم فجمعوا من حينهم ... عساكرا ممّن تولّى وغوى وجمعت «هوازن» قبائلا ... ممن زها عقلا بها حتى هوى ٢٣٥ جاؤوا بأطفال وأموال لهم ... من ذي بكاء ويعار (١) ورغا!

стр. 381

فخرج النبيّ في عساكر ... من كلّ صنديد كريم المنتمى [١٠٨/ب] عساكر تتبعها عساكر ... كلّ له عزم إذا الخطب عرا لما تراءى العسكران أقبلت ... جيوش أهل الشّرك تعدو الخيزلى ففرّ جيش المسلمين هاربا ... فما ثنى عنانه منهم فتى! ٢٤٠ فأنزل الله على نبيّه ... سكينة شام بها برق المنى فقام في الجيش لهم مناديا ... أنا محمّد النبيّ المصطفى ثم دعا العبّاس جهرا فانثنى ... إليه أنصار النبيّ إذ دعا فاجتمعت عليه نحو مئة ... ممّن به في المعضلات يهتدى وأيّدوا بعسكر عرمرم ... أنزله الله من املاك السّما ٢٤٥ فانهزمت جيوش أهل الشّرك إذ ... حمى جيوش المسلمين من حمى فخذلوا طعنا وضربا إذ جثوا ... بين عوامل الرّماح والظّبا نصر إلهي قضى الله به ... من قبل خلق الخلق فيما قد مضى نبيّ صدق صادق في زهده ... ما فوقه لمعتل من معتلى عنت له شمّ الجبال ذهبا ... طوع يديه من دنا ومن قصى ٢٥٠ وراودته برهة عن نفسه ... فما اشرأبّ نحوها ولا رنا كم وقف الليل الطويل قانتا ... لم يغتمض بسنة ولا كرى

стр. 382

حتّى اشتكت رجلاه ما قد نالها ... وشفّها من ورم ومن (مأى) (١)؟ فأنزلت (طه) له تكرمة ... وزال عنه ما اعتراه من شقا؟ وكم طوى إنابة لربّه ... على الحجار كشحه من الطّوى ٢٥٥ لولاه ما كانت سماوات ولا ... أضاء نجم من دراريها العلا هو الحبيب الآمر النّاهي الذي ... ليس يضاهيه نبيّ مجتبى هو الشّفيع في المعاد للورى ... منقذنا في الحشر من نار لظى [١٠٩/أ] هو المرجّى (٢) للخطوب كاشفا ... ومن سواه للخطوب يرتجى؟ هو الذي من أمّه مستشفعا ... مستمسكا بحبله فقد نجا ٢٦٠ هو الذي فاق النّبيين معا ... في خلقه وخلقه منذ بدا فكلّهم مسلّم لفضله ... والعلم والحلم جميعا والندى وكلّهم من بحره مغترف ... معترف بأنه خير الورى وكلّهم دون علاه واقف ... في حدّه ملتمس منه الرّضا وكل ما جاؤوا به من آية ... فأصله من النّبي المصطفى ٢٦٥ فانسب له ما شئته من شرف ... واثن بما شئت عليه من ثنا فلا ترى تبلغ منه غاية ... وكيف يحصي أحد عدّ الحصا!؟ وما عسى تثني عليه مادحا ... وحامدا لفعله وما عسى؟ وربّه في محكم القرآن قد ... أثنى عليه وحباه بالهدى

стр. 383

يا أيّها المبعوث فينا رحمة ... أنقذنا الله بها من الرّدى ٢٧٠ خدمتكم بمدحتي هذي وإن ... كنت من الإحسان نائي المنتأى (١) أقصرت إذ كنت بها مقصرا ... أو لم أجئ فيها بمعنى منتقى لكنّني طرّزتها من مدحكم ... بحلل ذات بهاء وحلا مقصورة، لكنّها مقصورة ... على امتداح المصطفى خير الورى ما شبتها بمدح خلق غيره ... لرتبة أحظى بها ولا جزا ٢٧٥ فاقت (٢) علاء كلّ ذي مقصورة ... وإن هم نالوا الأيادي واللها فحازم قد عدّ غير حازم (٣) ... وابن دريد (٤) لم يفده ما درى فإن أكن ملقى الغنى من غيره (٥) ... فلن يفوت مملقا منه الغنى وإنّما قصدي أن أحظى بما ... يبقى من الذّكر الجميل والتّقى

стр. 384

[١٠٩/ب] وأستجير من ذنوب أثقلت ... ظهري وأوهى ثقلها منه القوى ٢٨٠ وأقعدتني مقعدا قد غضّني ... كأنّني منه على جمر الغضا يا أكرم الخلق علاه وندا ... يا سيّد الرّسل الكريم المنتمى يا صاحب الحوض الذي من أمّه ... يظفر بورد لم تكدّره الدّلا باع المعالي (١) واشترى غيّ الهوى ... يا نعم ما باع وبئس ما اشترى! فكم أضاع في الدّنا سبل الهدى ... وكم أطاع في الهوى غيّ الصّبا ٢٨٥ فكن شفيعي يوم لا يغني امرءا ... ما ضمّ من مال الدّنا وما حوى يا ربّ بالمختار من أرومة ... قصّر عنها كلّ أصل قد زكا ومن له كلّ فخار انتمى ... ومن به كلّ نبي اقتدى خذ بيدي وامنن بلطف منك في ... ديني ودنياي وجد لي بالرّضا واغفر بعفو منك ما اجترمته ... واصفح عن الزلاّت يا ربّ العلا ٢٩٠ واجل صدا قلبي وهب لي توبة ... أمحو بها آثام قلب قد قسا

стр. 385

فلست ألفى لسواك راجيا ... ومن سواك يا إلهي يرتجى؟ وارحم محمّدا وآل بيته ... وصحبه الغرّ الكرام المنتمى صلّ صلاة منك تترى أبدا ... عليه ما هبّت على الرّوض الصّبا صاحبنا الفقيه الأستاذ النحوي المقرىء عبد الله بن محمد البكري . [كنيته:] يكنى: أبا محمد، وهو من أهل فاس. وبها رأيته وصحبته، وأصل سلفه من الأندلس. وبالأندلسي يعرف. حاله: له معرفة بالعربية، وثقوب ذهن في الطريقة الأدبية. قد أخذ من المنطق بأوفى سهم، وضرب في الفصاحة بسهم. وحوى الجود والعفاف [١١٠/أ] وقنع في دنياه بالكفاف! أنشدني لنفسه: رعيا لبدر قد ثوى بالحشا ... ربّاه (١) مستنشقه ان مشى (؟) قد غالني واستلّ من لحظه ... نبلا فصاد القلب هذا الرّشا اللّحظ منه فاتر باتر ... والحسن من نشأته قد نشا صاحبنا الفقيه الأستاذ النحوي المقرىء محمد بن عمر بن توقرت الموحد التينملي: [كنيته:] يكنى: أبا عبد الله وهو من أهل فاس. وبها رأيته وصحبته.

стр. 386

ويعرف بالمصمودي وكان والده عمر يكتب للوزير أبي زيان فارس ابن ميمون بن ودرار الحشمي ولحقته ورأيته. وأبو عبد الله هذا توفي في إبان الشبوبيّة، وله اثنتان وعشرون سنة. حاله ﵀: هو بحر الآداب، ورئيس النحو والحساب، وأما القراءات فبز فيها أهل عصره، كما كان في النبلاء وحيد مصره، عفّ الإزار، جم الحيا والوقار. كنت قد أنشدته بيتين أنشدنيهما لنفسه شيخنا الفقيه القاضي الفرضي أبو علي الحسن بن عثمان بن عطية الوانشريسي. وسبب نظمه للبيتين أنه بلغه عن بعض الطلبة أن أحدهم نظم أبياتا في غاية اللحن والكسر فاستهزؤوا به وسخروا منه، فخاطبهم بالبيتين ليكفوا عن ذلك، وهما: كفّوا عن اللهو والمزاح ... وامضوا على الجدّ والصّلاح فالجدّ أهل لكلّ خير ... يقود للنّجح والفلاح فلما سمعهما مني استحسنهما، ونظم أبياتا وبعثها مع نثر له إلى شيخنا القاضي أبي علي المذكور، وهي: دعوت للخير والفلاح ... إذ قلت كفّوا عن المزاح وذاك أقصى مدى المعالي ... ورتبة الرّشد والنّجاح [١١٠/ب] وبعض أهل اليراع يلهو ... وليس [في] ذاك من صلاح فعش هنيئا قرير عين ... ما اعتقب اللّيل مع صباح ولما وقفت على البيتين ورأيتهما في البراعة توأمين، حملتني دعابة

стр. 387

الأدب، واستهواني عند سماعهما الطرب، على أن قلت ما جمعت فيه بين (الحسنتين فلم ينتج كالشذرتين) (١) على أني لو كنت أشعر من العرجي وأحفظ من الأصمعي، وأبلغ من عبد الحميد وأجمع للحكم من لبيد، لقصرت عن ذلك المنهج، ولقيل لي «ليس هذا عشّك فادرج»! لكن الإغضاء من شيم الأصدقاء. فلا غرو أن يغضي الكريم إذا رأى ... مساوىء خل فالكريم الذي يغضي! والسّلام. صاحبنا الفقيه الكاتب أبو العباس أحمد بن الشيخ الصوفي الصالح أبي عبد الله محمد الأنصاري الخزرجي الشهير بالدباغ (*) هو من أهل فاس. ونسبه في الخزرج؛ ينتمي لقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي. ورأيته بفاس، وصحبته، وكان يكتب الخراج بفاس. وامتدح ابن عمّنا الرئيس إسماعيل بن الأمير فرج بن أمير المسلمين إسماعيل عم أبينا بن جدّنا الرئيس أبي سعيد فرج بن جدّنا الأمير إسماعيل بن جدّنا الأمير يوسف الشهير بالأحمر بن جدّنا السلطان المنصور محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي بقصائد بديعة عارض بها قصائد أبي القاسم ابن هانئ الأندلسي، وانقطع بها إلى ابن عمّنا المذكور.

стр. 388

حاله-سلمه الله تعالى -: هو فارس هذا الميدان، وإنسان عين الزمان. له نظم رائق جمع فيه بين الجزالة والحلاوة، ونثر فائق عليه رداء الطّلاوة. وباع عظيم في نقد الأدب، ومشاركة [في] (١) فنون شتى من الطّلب. وغزله ألذّ من الماء القراح، ومدحه أمضى من السيف [١١١/أ] في الكفاح. قد أقرّ له بالتقدّم [في] القريض، كل من نشر لواءه العريض، لو رآه العماد، والصّاحب بن عبّاد لسلّما إليه في فصاحة لسانه وبلاغة بيانه، ولشغفا به وكانا من جملة أخدانه. وماذا عسى أن يحدث لساني، أو يكتبه (٢) بناني من وصف حاله، وكريم خلاله. وذاك بحر، ليس له قعر! وأثبت هنا من نظمه ما يدلّك على حسن فهمه. كنت قد طلبت منه شيئا من شعره الذي امتدح به ابن عمّنا الرئيس إسماعيل فبعث به إليّ، وجاوبني بقوله: «الجلال الذي يقصر عنه الواصف ولو أطال، والجمال الذي يأوي إليه المعتفي والخائف فيبلغان الآمال. جلال مولانا الرئيس أبي الوليد إسماعيل ابن مولانا الرئيس أبي الحجاج يوسف بن مولانا السلطان أمير المسلمين القائم بإذن الله أبي عبد الله محمد بن مولانا علم الأمراء ووالد الملوك الكبراء الرئيس الأمير أبي سعيد فرج بن مولانا الأمير أبي الوليد إسماعيل بن مولانا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر بن مولانا السلطان أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي الذي ملك عنان الفضائل المأثورة، ورفع لواء المخايل المشكورة. واحتوى على غرر الشمائل المبرورة، قطب الرئاسة الذي عليه

стр. 389

مدار أفلاكها، ودرّة المجد الذي بها فخار أسلاكها. لا بل حدقة المعاني وإنسانها، وحديقة السّيادة وبستانها. من إذا ذكر رائق الآداب فنسيج وحده، وإذا ردّد فائق الأحساب فأبيه وجدّه. المنتمي من العصبة القحطانيّة إلى أكرمها نجارا، وأعّزها جوارا. وأعلاها مآثر وأغمرها إيثارا. الآخذ من طرفي الرياسة من سيف وقلم، والمستولي على كلتا السّجيّتين من حلم وكرم. بيد أنه من بيت الملوك الرّحب الفنا، الجليّ السّناء والسّنا. الذي شمخت ذروته، ورسخت بنيته. وقامت على تقوى الله دعائمه، وعظمت في ذاته [سجاياه (١) [١١١/ب] و. . .]. ملك قطعت دابر الشّرك تدابيره الصائبة. وذبّت عن الملّة الحنفيّة ذباباته القاضبة (٢). ملك خبت نار النّفاق مهابة ... لجلاله لمّا بدت أعلامه ألبسته بنو نصر آل الأحمر حمر المطارف. وأمّدته بسوابغ الخيرات من تالد وطارف. فشامته جلّة الملوك برقا يخيل. وأعدّته لكافّة شؤونها أسنى معوّل وأوفى متكل. ومن هذا البيت الكريم بيت أسلافه، فلا يتعدى بالمدح لخلافه، ولا يعدل به عن أوصافه. بل يستعمل فيه الفكر، على كل من نظم أو نثر. على أنه لو مدحه شاعر كنده، وبذل نظامه جهده؛ وعمد تلقاء ذلك ابن العميد، وقدامة وعبد الحميد؛ لما حصلوا منه على غاية، ولا تواصلوا إلى نهاية. لكنه بفضله يقبل ما يسنح، ويغضي فيستملح.

стр. 390

وقد بلغني-أبقى الله جنابه منيع الحمى، رفيع المنتمى-أنه شرع في تأليف كتاب ترجمه ب «أسنى الوسائل في مختار الشعر والرسائل» يحتوي على غرر ما تخير ونقد، وأورده على ثاقب ذهنه فورد. كل ذلك مما أحدثه أهل العصر، من بديع نظم وبليغ نثر. وأنه عند تصفحه أشعار الناس، وعرضها على ذكائه الذي عجزت عن لحاقه فطرة إياس؛ ووقفت دونه وقوف الطامع بين الرجاء والياس. وكان من بعض ما اقتضته حقيقة تأويله، وعقدت بصحته جملة تفصيله؛ أن يجعل أشعاري من أحظى الأشعار لديه، وأرفعها وأعزها عليه. وليس ذلك لغرابة في ألفاظها ومعانيها، لكن لقرابة لا يمكنه إلا صلة رحمها وتدانيها. وذلك أنه لما نظر بعين فطنته، وميز بذكائه وسالم فطرته؛ تبين أنها من الفائق الذي لا يلحق، والشاهق الذي لا يطرق. ولعمري إنها لذلك، وإن قصرت عن شأو الشعراء نظاما، وضعفت عن ذلك [١١٢/أ] المسلك حلولا وإلماها، فقد أحرزت بممدوحها جلالا وإعظاما؛ ومالت به في دوحة البلاغة غصنا ناعما، وطلعت في سماء البراعة بدرا تماما. ولا غرو أن المنازل تشرف بسكانها، وتغلو وترخص بجيرانها. وعلى هذا الدأب دأب، وإلى هذا المذهب ذهب وبه تمذهب. والله تعالى يبقي بركته ويديم عافيته. ويتمم ما جنحت إليه طباعه، وسارع إلى تهذيبه من التواليف الشريفة والتصانيف المنيفة يراعه. والسلام الأتم يعتمد كماله، ورحمه الله وبركاته. من معظم قدره أحمد ابن محمد الدباغ.
следующие страницы →