ويعرف بالمصمودي وكان والده عمر يكتب للوزير أبي زيان فارس ابن ميمون بن ودرار الحشمي ولحقته ورأيته. وأبو عبد الله هذا توفي في إبان الشبوبيّة، وله اثنتان وعشرون سنة.
حاله ﵀:
هو بحر الآداب، ورئيس النحو والحساب، وأما القراءات فبز فيها أهل عصره، كما كان في النبلاء وحيد مصره، عفّ الإزار، جم الحيا والوقار. كنت قد أنشدته بيتين أنشدنيهما لنفسه شيخنا الفقيه القاضي الفرضي أبو علي الحسن بن عثمان بن عطية الوانشريسي. وسبب نظمه للبيتين أنه بلغه عن بعض الطلبة أن أحدهم نظم أبياتا في غاية اللحن والكسر فاستهزؤوا به وسخروا منه، فخاطبهم بالبيتين ليكفوا عن ذلك، وهما:
كفّوا عن اللهو والمزاح ... وامضوا على الجدّ والصّلاح
فالجدّ أهل لكلّ خير ... يقود للنّجح والفلاح
فلما سمعهما مني استحسنهما، ونظم أبياتا وبعثها مع نثر له إلى شيخنا القاضي أبي علي المذكور، وهي:
دعوت للخير والفلاح ... إذ قلت كفّوا عن المزاح
وذاك أقصى مدى المعالي ... ورتبة الرّشد والنّجاح
[١١٠/ب]
وبعض أهل اليراع يلهو ... وليس [في] ذاك من صلاح
فعش هنيئا قرير عين ... ما اعتقب اللّيل مع صباح
ولما وقفت على البيتين ورأيتهما في البراعة توأمين، حملتني دعابة
стр. 387
الأدب، واستهواني عند سماعهما الطرب، على أن قلت ما جمعت فيه بين (الحسنتين فلم ينتج كالشذرتين) (١) على أني لو كنت أشعر من العرجي وأحفظ من الأصمعي، وأبلغ من عبد الحميد وأجمع للحكم من لبيد، لقصرت عن ذلك المنهج، ولقيل لي «ليس هذا عشّك فادرج»! لكن الإغضاء من شيم الأصدقاء.
فلا غرو أن يغضي الكريم إذا رأى ... مساوىء خل فالكريم الذي يغضي!
والسّلام.
صاحبنا الفقيه الكاتب أبو العباس أحمد بن الشيخ الصوفي الصالح أبي عبد الله محمد الأنصاري الخزرجي الشهير بالدباغ (*)
هو من أهل فاس. ونسبه في الخزرج؛ ينتمي لقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي. ورأيته بفاس، وصحبته، وكان يكتب الخراج بفاس. وامتدح ابن عمّنا الرئيس إسماعيل بن الأمير فرج بن أمير المسلمين إسماعيل عم أبينا بن جدّنا الرئيس أبي سعيد فرج بن جدّنا الأمير إسماعيل بن جدّنا الأمير يوسف الشهير بالأحمر بن جدّنا السلطان المنصور محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي بقصائد بديعة عارض بها قصائد أبي القاسم ابن هانئ الأندلسي، وانقطع بها إلى ابن عمّنا المذكور.
стр. 388
حاله-سلمه الله تعالى -:
هو فارس هذا الميدان، وإنسان عين الزمان. له نظم رائق جمع فيه بين الجزالة والحلاوة، ونثر فائق عليه رداء الطّلاوة. وباع عظيم في نقد الأدب، ومشاركة [في] (١) فنون شتى من الطّلب. وغزله ألذّ من الماء القراح، ومدحه أمضى من السيف [١١١/أ] في الكفاح. قد أقرّ له بالتقدّم [في] القريض، كل من نشر لواءه العريض، لو رآه العماد، والصّاحب بن عبّاد لسلّما إليه في فصاحة لسانه وبلاغة بيانه، ولشغفا به وكانا من جملة أخدانه. وماذا عسى أن يحدث لساني، أو يكتبه (٢) بناني من وصف حاله، وكريم خلاله. وذاك بحر، ليس له قعر! وأثبت هنا من نظمه ما يدلّك على حسن فهمه.
كنت قد طلبت منه شيئا من شعره الذي امتدح به ابن عمّنا الرئيس إسماعيل فبعث به إليّ، وجاوبني بقوله:
«الجلال الذي يقصر عنه الواصف ولو أطال، والجمال الذي يأوي إليه المعتفي والخائف فيبلغان الآمال. جلال مولانا الرئيس أبي الوليد إسماعيل ابن مولانا الرئيس أبي الحجاج يوسف بن مولانا السلطان أمير المسلمين القائم بإذن الله أبي عبد الله محمد بن مولانا علم الأمراء ووالد الملوك الكبراء الرئيس الأمير أبي سعيد فرج بن مولانا الأمير أبي الوليد إسماعيل بن مولانا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر بن مولانا السلطان أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي الذي ملك عنان الفضائل المأثورة، ورفع لواء المخايل المشكورة. واحتوى على غرر الشمائل المبرورة، قطب الرئاسة الذي عليه
стр. 389
مدار أفلاكها، ودرّة المجد الذي بها فخار أسلاكها. لا بل حدقة المعاني وإنسانها، وحديقة السّيادة وبستانها. من إذا ذكر رائق الآداب فنسيج وحده، وإذا ردّد فائق الأحساب فأبيه وجدّه. المنتمي من العصبة القحطانيّة إلى أكرمها نجارا، وأعّزها جوارا. وأعلاها مآثر وأغمرها إيثارا. الآخذ من طرفي الرياسة من سيف وقلم، والمستولي على كلتا السّجيّتين من حلم وكرم. بيد أنه من بيت الملوك الرّحب الفنا، الجليّ السّناء والسّنا. الذي شمخت ذروته، ورسخت بنيته. وقامت على تقوى الله دعائمه، وعظمت في ذاته [سجاياه (١) [١١١/ب] و. . .].
ملك قطعت دابر الشّرك تدابيره الصائبة. وذبّت عن الملّة الحنفيّة ذباباته القاضبة (٢).
ملك خبت نار النّفاق مهابة ... لجلاله لمّا بدت أعلامه
ألبسته بنو نصر آل الأحمر حمر المطارف. وأمّدته بسوابغ الخيرات من تالد وطارف. فشامته جلّة الملوك برقا يخيل.
وأعدّته لكافّة شؤونها أسنى معوّل وأوفى متكل. ومن هذا البيت الكريم بيت أسلافه، فلا يتعدى بالمدح لخلافه، ولا يعدل به عن أوصافه.
بل يستعمل فيه الفكر، على كل من نظم أو نثر. على أنه لو مدحه شاعر كنده، وبذل نظامه جهده؛ وعمد تلقاء ذلك ابن العميد، وقدامة وعبد الحميد؛ لما حصلوا منه على غاية، ولا تواصلوا إلى نهاية. لكنه بفضله يقبل ما يسنح، ويغضي فيستملح.
стр. 390
وقد بلغني-أبقى الله جنابه منيع الحمى، رفيع المنتمى-أنه شرع في تأليف كتاب ترجمه ب «أسنى الوسائل في مختار الشعر والرسائل» يحتوي على غرر ما تخير ونقد، وأورده على ثاقب ذهنه فورد. كل ذلك مما أحدثه أهل العصر، من بديع نظم وبليغ نثر.
وأنه عند تصفحه أشعار الناس، وعرضها على ذكائه الذي عجزت عن لحاقه فطرة إياس؛ ووقفت دونه وقوف الطامع بين الرجاء والياس. وكان من بعض ما اقتضته حقيقة تأويله، وعقدت بصحته جملة تفصيله؛ أن يجعل أشعاري من أحظى الأشعار لديه، وأرفعها وأعزها عليه. وليس ذلك لغرابة في ألفاظها ومعانيها، لكن لقرابة لا يمكنه إلا صلة رحمها وتدانيها. وذلك أنه لما نظر بعين فطنته، وميز بذكائه وسالم فطرته؛ تبين أنها من الفائق الذي لا يلحق، والشاهق الذي لا يطرق. ولعمري إنها لذلك، وإن قصرت عن شأو الشعراء نظاما، وضعفت عن ذلك [١١٢/أ] المسلك حلولا وإلماها، فقد أحرزت بممدوحها جلالا وإعظاما؛ ومالت به في دوحة البلاغة غصنا ناعما، وطلعت في سماء البراعة بدرا تماما. ولا غرو أن المنازل تشرف بسكانها، وتغلو وترخص بجيرانها. وعلى هذا الدأب دأب، وإلى هذا المذهب ذهب وبه تمذهب.
والله تعالى يبقي بركته ويديم عافيته. ويتمم ما جنحت إليه طباعه، وسارع إلى تهذيبه من التواليف الشريفة والتصانيف المنيفة يراعه.
والسلام الأتم يعتمد كماله، ورحمه الله وبركاته. من معظم قدره أحمد ابن محمد الدباغ.
стр. 391
أنشدني لنفسه-نسأ الله في أجله-يمدح ابن عمنا الرئيس أبا الوليد إسماعيل ابن الأمير أبي سعيد فرج بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل عمّ أبينا ابن جدّنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج بن جدّنا الأمير يوسف الشهير بالأحمر ابن جدّنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي:
عجبا أيتّخذ السّلوّ خليلا ... من ليس يأمل أن يبين نحولا
جهل العواذل ما به فتجاذبوا ... طرف الحديث عليه والتّأويلا
هيهات لو صحّت بصائرهم لما ... قالوا تسلّى حين صار عليلا!
دع ما ادّعوه وخذ حقيقة أمره ... ومن الدّليل تفهّم المدلولا
٥ لو كان يركن للسلوّ لما بكى ... شوقا وحنّ صبابة وغليلا
واستطرف السّقم المبرّح مطرفا ... واستعذب التّعذيب والتّنكيلا!
والسّقم أفضح فاضح لذوي الهوى ... وكفى بذلك شاهدا مقبولا
يا أيّها المعذور في شأن الهوى ... هنّئت، إنّي لم أزل معذولا!
стр. 392
أنا من عهدت، أخو الهوى وخدينه ... ما زلت معروفا به مسئولا
[١١٢/ب]
١٠ لم أمنح السّلوان بعض وفاي (١) لا ... وأبيك ما خنت الغرام فتيلا
ولربّما أصبحت مشغوفا بمن ... يمسي ويصبح بالجفا مشغولا
وسنان بتّ به سمير كواكب ... يطوي السّماء بها الدّجى ترحيلا
وكأنّه تاج لمفرق بدرها ... وكأنّها نظمت له إكليلا
في ليلة قصرت على أبراجها ... أنسا، وحلّت عقد صبري طولا
١٥ رقّ السّها فيها لما لاقيته ... وجدا فأخفاه ضنى وذبولا
[لا يبعد] (٢) الله التي تركت دمي ... أسفا على أطلالها مطلولا
وتحمّلت وهي العليمة أنّ لي ... قلبا فويق حمولها محمولا
стр. 393
أتبعتها يوم استقّلت عيسها ... دمعا يسحّ ولا عجا مشغولا
فمتى ظمت روّيتها، أو أظلمت ... أجّجت دون مطيّها قنديلا!
٢٠ يا هذه إن كنت ظاعنة فلا ... تستثقلي جسدا غدا مهزولا
أو ليس أضحى في قبابك قلبه ... ملقى، وأمسى عقله معقولا؟!
ولئن بخلت فما عليك ملامة ... حق لمثلك أن يكون بخيلا!
ما لي وللدّعج المراض تنوشني ... وأبيت ولهانا بها مخبولا؟!
وأخاف آراما برامة رتّعا ... وأخال منها كل شعب غيلا!
٢٥ حتى كأني نجل إسماعيل قد ... رميت جزيرته بإسماعيلا
ملك ألان الدّهر بعد قساوة ... وأعاده بعد الجماح ذلولا (١)
ملك براه الله يكفل خلقه ... وكفى به كهفا لهم وكفيلا
ملك إذا ما حلّ أرضا ظنّه ... -لجلاله-سكانها جبريلا!
стр. 394
حتى إذا فاضت (١) أنامله ندى ... قالوا أتاح الله ميكائيلا!
٣٠ وإذا امتطى منه المطهّم قال من ... شهد الوغى عاينت عزرائيلا!
[١١٣/أ]
راقبه يوم الرّوع إذ تنبو الظّبا ... وترى الأسنّة عطّلت تعطيلا
والجوّ قد ضرب الظلام عليه من ... نسج القتام سرادقا وسدولا
وعلى متون الجرد كلّ سميدع ... قد عاد من بعد المضاء كليلا
لترى المهابة والجلالة والعلا ... والبأس والإنعام والتّفصيلا (٢)
٣٥ هذا ابن وحي الله تأخذ هديها ... معه الملائك بكرة وأصيلا
ذو (٣) النّور توليه النبوّة والعلى ... شكرا كنائله الجزيل جزيلا
لا مثل يوم فيه يوم أدلّة ... يهدي إلى المتفقّهين عقولا
في موسم البحر الشنيع يروقني ... وأغضّ طرفا عن سناه كليلا
стр. 395
والجوّ يعثر في الأسنّة والظّبا ... والأرض راجفة تميل مميلا
٤٠ والخافقات على الوشيج كأنّما ... يطلبن عند المعصرات ذحولا
والأسد فاغرة تمطّى بينها ... والدّهر يندب شلوه المأكولا
والشّمس حاسرة القناع وودّها ... لو تستطيع القرب والتّنقيلا
وعلى أمير المؤمنين غمامة ... نشأت تظلّل تاجه تظليلا
نهضت بثقل الدّر ضاعف نسجها ... وجرت عليه عسجدا محلولا
ذعرت مواكبه الجبال فأعلنت ... هضباتها التّكبير والتّهليلا
أمديرها من حيث دار لطالما ... زاحمت تحت ركابه جبريلا!
قد ضمّ قطريها العجاج فما ترى ... بين السّنان وكعبه تحليلا
رفعت له فيها قباب لم تكن ... ظعنا بأجراع الحمى وحمولا
وتباشر الفلك المدار كأنّما ... يبغي بهنّ إلى السّماء رحيلا
стр. 396
٥٠ يدني إليها البخت كلّ عذافر ... يهوي إذا سار المطيّ ذميلا (١)
تتعرّف الهضب المواثل حوله ... نسبا، وينكر «شدقما» * و «جديلا»
[١١٣/ب]
وتجنّ منه كل وفرة لبدة ... ليثا، ويحمل كلّ عضو فيلا!
وتظنّه متخبّطا من كبرة ... وتخاله متنّمرا ليصولا
وكأنّما الجرد الجنائب خرّد ... سفرت تشوق متيّما متبولا
٥٥ يبدو عليها للمعزّ تواضع ... فيكون أكثر مشيها تعجيلا (٢)
ويحلّ عنها قدره حتّى إذا ... راقته كانت نائلا مبذولا
من كلّ يعبوب يجيد فلا ترى ... إلا قذالا ساميا وتليلا
وكأنّ بين عنانه ولبانه ... رشأ، يريغ إلى الكناس، خذولا
стр. 397
لو تشرئب له عقيلة ربرب ... ظنّته جؤذر رملها (١) المكحولا
٦٠ جذلان أقبل ماشيا متنصيّا ... عدوان أدبر خاضبا إجفيلا (٢)
تتبيّن اللحظات فيه مواقعا ... فتظنّ فيه للغرام محيلا
تستنزل الأروى (٣) على صهواته ... ويبيت في وكر العقاب نزيلا!
يهوي بأمّ الخشف (٤) بين فروجه ... ويقيّد الأدمانة العطبولا
صلتان (٥) يعنق في البروق لوامعا ... ولقد يكون لأمّهنّ سليلا
يستقرب الشأو البعيد مسابقا ... ويجىء سابق حلبة مشكولا
هذا الذّي ملأ القلوب مهابة ... هذا الذي ترك العزيز ذليلا!
فإذا نظرت نظرت غير مشبّه ... إلا التفاتك راية ورعيلا
стр. 398
إن تلتفت فكرادسا ومغانيا ... أو تستمع فتغمغما وصهيلا
يوم تجلى الله في ملكوته ... فرآه في المرأى الجليل جليلا
٧٠ وتحلّت الدّنيا بسمطي درّها ... فرأيتها شخصا لديك جميلا
حليّت فيه بمقلة فمنحته ... نظرا بيوم غيره مشغولا
ورقيت منبرك المعلّى واجفا ... من تحت عقد الرّايتين مهولا
[١١٤/أ]
مسدول ستر جلالة أنطقته ... فرفعت عن حكم البيان سدولا
وقضيت حقّ العام مؤنفا وقد ... ودّعت عاما للجهاد محيلا
٧٥ وشفعت في وفد الحجيج كأنّما ... نفّلتهم إخلاصك المقبولا
وصدرت تحبو الناكثين مواهبا ... هزّت قؤولا للسّماح فعولا
وهي الجرائم والرّغائب ما التقت ... إلا لتصبح قادرا ومنيلا
стр. 399
قد جدت حتى أمّلتك أميّة ... لو أنّ وترا لم يضع تأميلا!
عجبا لمنصلك المقلد كيف لم ... تسل النّفوس عليك منه مسيلا
٨٠ لم يخل جبّار الملوك بذكره ... إلا تشحط في الدّماء قتيلا
وكأنّ أرواح العدا شاكلنه ... فإذا دعا لبّى الكميّ عجولا!
وإذا استضاء شهابه بطل رأى ... صور الوقائع حوله تخييلا
فإذا رأيناه رأينا علّة ... للنّيّرات، ونيّرا معلولا
بك حسنه متقلدا، وبهاؤه ... متنكبا، رمضاؤه مسلولا
٨٥ فإذا غضبت علته دونك ربدة ... يغدو لها طرف النّهار عجيلا
وإذا انطويت على الرّضا أهدى إلى ... شمس الظهيرة عارضا مصقولا
سمّاه جدّك ذو الفقار وإنّما ... سمّاه من عاديت عزرائيلا!
كتب الفرند عليه بعض صفاتكم ... فعرفت فيه التّاج والإكليلا
стр. 400
قد كان ينذر بالوعيد لطول ما ... أصغى إليك، ويعلم التأويلا
٩٠ وكأن به لم يبق وترا صائلا (١) ... في كربلاء ولا دما مطلولا
أو ما سمعتم عن وقائعه التي ... لم تبق إشراكا ولا تبديلا
سارت به شنع (٢) القصائد شرّدا ... فكأنّما كانت صبا وقبولا
حتى قطعن إلى العراق الشام عن ... عرض وجزن الى الفرات النّيلا
[١١٤/ب]
طلعت على الطّلقاء بالسّير التي ... سيرتها غررا لكم وحجولا
٩٥ أجلين من فكري إذا لم يسمعوا ... لسيوفهنّ المرهفات صليلا
ولقد هممت بأن أفكّ قيودها ... لمّا رأيت المحسنين قليلا
حتى رأيت قلائدي منحولة ... والقول في أمّ الكتاب مقولا
ولئن سلمت لأجلينّ لعزها ... ميدان يشفي مقصرا ومطيلا
стр. 401
حتى كأني ملهم وكأنّها ... سور أرتّل آيها ترتيلا
١٠٠ ولقد ذعرت لما رأيت فغودرت ... تلك المهّندة الرّقاق فلولا
ولقد رأيتك لا بلحظ عاكف (١) ... فرأيت من شيم النّبي شكولا
ولقد سمعتك لا بسمعي هيبة ... لكن وجدتك جوهرا معقولا
أبني النّبوة هل تغادر آية ... ويقال فيكم غير ما قد قيلا
إنّ الخبير بكم أبان بفضلكم ... غيبا وأنزل فيكم التّنزيلا
١٠٥ وأتاكم القدس الذي لم يؤته ... بشرا وأنفذ فيكم التفصيلا
إنّا استلمنا ركنكم ودنوتم ... حتى استلمتم عرشه المحمولا
فوصلتم ما بينه وأمدّكم ... برهانه [بفنائه] (٢) موصولا
ما عذركم ألا تطيب فروعكم ... ولقد رسختم في السماء أصولا
أعطتكم شمّ الأنوف مقادة ... وركبتم ظهر الزّمان ذلولا
١١٠ خلّدتم في العبشميّة لعنة ... خلقت-وما خلقوا لها-تعجيلا!
راعتهم بكم البروق كأنّما ... جرّدتموها في السّماء نصولا
فيمن تظنّون الأئمّة منهم ... إن حصلت لعناؤهم تحصيلا
من أهل بيت لم ينالوا (بغية؟) ... من فاضل عدلوا به مفضولا
لا تعجلوا إني رأيت أناتكم ... وطأ على كتد (٣) الزّمان ثقيلا
[١١٥/أ]
١١٥ أمتوّج الخلفاء حاكمهم وإن ... كان القضاء بما تشاء كفيلا
стр. 402
والكتب لولا أنّما لك شهّد ... ما فصّلت آياتها تفصيلا
الله يجزيك الذّي لم يجزه ... -فيما هديت-الجاهل الضّليلا
ولقد براك فكنت موثقه الذي ... أخذ الكتاب وعهده المسؤولا
حتى إذا استرعاك أمر عباده ... أدنى إليك أباك إسماعيلا
١٢٠ من بين حجب النور حيث تبوّأت ... آباؤه ظلّ الجنان ظليلا
وورثته البرهان والتّبيان ... والقرآن والفرقان والإنجيلا
وعلمت من مكنون علم الله ما ... لم يؤت جبريلا وميكائيلا
لو كنت آونة (١) مبشّر أمّة ... نشرت لمبعثك القرون الأولى!
أو كنت نوحا منذرا في قومه ... ما زادهم بدعائه تضليلا
١٢٥ لله فيك خفيّة لو أعلنت ... أحيا بذكرك قاتل مقتولا!
لو كان آتى الخلق ما أوتيته ... لم يخلق التّشبيه والتّمثيلا!
لولا حجاب دون علمك حاجز ... وجدوا إلى علم الغيوب سبيلا!
لو لم تكن (٢) سبب النّجاة لأهلها ... لم يغن إيمان العباد فتيلا
لولاك لم يكن التّفكر واعظا ... والعقل رشدا والقياس دليلا
١٣٠ لو لم تعرّفنا بذات نفوسنا ... كانت لدينا عالما مجهولا
стр. 403
لو لم يفض لك في البريّة ما حل ... كانت مفوّفة الرّياض محولا
لو لم يكن فيك اعتبار للورى ... خلوا فلم يكن الدّليل دليلا!
نبّه لنا قدرا نغيظ به العدا ... فلقد تجهّمنا الزّمان خمولا
لو كنت قبل نكون جامع شملنا ... ما نيل من حرماتنا ما نيلا!
[١١٥/ب]
شيخنا الفقيه عبد الغفار بن موسى البوخلفي (١):
[كنيته:]
يكنى: أبا محمد. وهو من أهل فاس. وبها رأيته، وأجازني في التاريخ والآداب.
حاله-رحمه الله تعالى -:
هو فقيه نبيه، ومعظّم عند الناس ووجيه. حافظ للتواريخ القديمة والحديثة، يستعذب المجالس له نظمه وحديثه. قد انقادت له أزمة مطايا الإنشاء، فيصوغ (٢) منها ما يحب وما يشاء. وميدان الفصاحة عنه غير ممنع، إذ لا يتكلم أكثر أوقاته إلا بكلام مسجع. وكان قد رأى
стр. 404
غزالا ذكره أيام غزله، وأنهضه الى عصر التصابي بدوله، فأنشد مرتجلا، وفي ذلك الغزال متغزلا!
وشادن مثل وجه البدر غرّته ... سبى فؤادي فما أبقى ولا تركا
جسمي له دارة والقلب مركزه ... فحيثما دار كانت مهجتي فلكا
له لحاظ تصيد العاشقين ولم ... تخف عقابا بما صادت ولا دركا
وثغره كوميض البرق تبصره ... يلوح من شفتيه كلّما ضحكا!
فاعجب لظبي غدا للأسد مقتنصا ... مستعملا من ظبا ألحاظه شركا
أهوى رضاه وأهوى أن يعذّبني ... فمسلكي في هواه حيثما سلكا!
وأتى يوما لدار بعض أصحابه ليستدعيه، إلى أدب يرويه، أو خبر طيب يعيه، فخرج إليه وقد اشتد نار ولوعه، وهو يؤجّجها بفض دموعه! فتعجب مما دهاه من الداهية الدّهماء، ومن النار المتأججة بالماء، فسأله عن لوعته، فأخبره بعظيم فجعته، لما أصيب بولده محمد الملقب بأبي نور؛ الذي يحسده الغصن في تمايله ويظل البدر منه غيور (١)،
стр. 405
فاسترجع ثم قال ليسليه، من الكرب الذي انغمس فيه، ويؤدي من حق التعزية ما يجب للمؤمن من حق أخيه:
[١١٦/أ]
ما المرء في هذه الدّنيا بمسرور ... فيا أخا الحزم صبرا عن أبي نور
واعلم بأنّ سهام الموت صائبة ... تقضي على آمر منّا ومأمور
وقل كقول رسول الله محتسبا (١) ... نعم، وما إن بقول الرسل من زور:
إنّ الفؤاد لمحزون وليس لنا ... إلا رضى الله لا نرضى بمحذور
شيخنا الفقيه الأستاذ النحوي المقرىء محمد بن محمد بن محمد ابن داود الصنهاجي (*):
[كنيته:]
يكنى: أبا عبد الله، ويدعى بأبي المكارم منديل؛ ويعرف بابن آجروم. وهو من فاس، وبها رأيته، وأخذت عنه العربية. وأجازني إجازة عامة.
стр. 406
وأبوه أبو عبد الله محمد كان فقيها متفننا، أستاذا، نحويا، لغويا، مقرنا، شاعرا، بصيرا بالقراءات. ولم يكن في أهل فاس في وقته أعرف منه بالنحو (*).
ومن قوله في (من) حلق رأسه:
ما شانه شينا حلاقة رأسه ... بل زاد أضعافا بذاك جماله
فالبدر أضوأ ما يكون إذا نأت ... عنه السّحاب ويستبين كماله
والشمع أنور ما يكون ضياؤه ... للناظرين إذا يقطّ ذباله
ومحمد (١) والد محمد كان فقيها، فرضيا، صالحا، ورعا.
وشيخنا محمد بن محمد بن محمد-المدعو بمنديل هذا-كنت أحضر حلقته حين كان يقرىء مقامات الحريري بجامع القرويين من فاس أنا وابن عمي الرئيس إسماعيل. وكان يحضر في جملتنا شاب وسيم من أبناء مرين وهو عمر بن عبد المؤمن بن عمر الينجناسني. وكان شيخنا منديل هذا يميل إليه (٢) ويظهر أنه خلي. . . فكتبت له بقولي:
من مبلغ الأستاذ عنّا أنّه ... شغل الخواطر، والنواظر سهّدا
جئنا لنقتبس الهدى من نوره ... لمّا أضاء بقطرنا وتوقّدا
стр. 407
فإذا به-والله يجزل أجره! - ... يجلو فتون السّحر في بيت الهدى
[١١٦/ب]
ومن العجائب أنّه ذو فطنة ... وأراه عن فهم الفتون تبلّدا
وبزعمه لم يهو إلاّ روضة ... أدبيّة قد راد منها موردا
وأنا أقول بضدّ ما قد قاله ... والحقّ ليس بممكن أن يجحدا!
وبعث له ابن عمنا الرئيس-سميي-معرّضا بذلك الوسيم بقوله:
أبا المكارم ذا الأحاجي والحجا ... وابن الجهابذ جلّة النّفّاذ
لا أعتبنّ على الصّبابة بعد أن ... فتكت ظبا الألحاظ في أفلاذ (١)
ولقيت من عمر الذي لا قيته ... ولطالما أكثرت منه عياذي!
أومى إليّ بمقلة ريميّة ... قد عزّني وزري لها وملاذي
فرجعت عن دين الملام لأجلها ... وعجبت كيف تصبرّ الأستاذ!
حاله-﵀ -:
كان حسن المشاركة في العربية، حافظا للطريقتين التاريخية والأدبية.
стр. 408
حسن المخايل، لطيف الشمايل. مع ذكاء لا يوجد في سواه، وكلام أحلى من الشهد في الأفواه. ونظم كالقلائد، في أجياد الخرائد: ونثر بارع مستعذب، أرق من مرّ النسيم وأطيب، بل هو أحلى من الشهد وأعجب!.
أنشدني لنفسه في الفخر والتعريض لبعض أهل العصر:
من المشيب على فوديه يشتعل ... فكيف باللهو في دنياه يشتغل؟!
وكيف يحرص في طول المقام بها ... من كان يعلم أن لا بدّ يرتحل
صحّ الذّي خرّج الشيخان من نبأ ... عن النّبيّ وما في قوله خطل
إن الفتى إن يشب مسودّ مفرقه ... تشبّ منه اثنتان: الحرص والأمل
[١١٧/أ]
٥ إنّي لأعجب ممنّ ساءه عمر ... وسرّه أنّ أمر النفس ممتثل
لكنّ أعجب منه مبتغي رتب ... ولا لديه بها علم ولا عمل!
شتّان ما بين من رقّاه محتده ... وخامل كسل أودى به الكسل
قل للمناوي بإفك المين من حسد ... أيستوي الكحل في العينين والكحل؟!
стр. 409
نحن الألى فرعوا للمجد ذروته ... وفي ظلال تلاع العزّ قد نزلوا
١٠ إن كان ذو نهل للعلم أو علل ... فعن أبي كان ذاك النّهل والعلل
لم نتّكل في ارتفاع الصيّت قطّ على ... إشادة الصّوت من زيد-كما اتكّلوا-
ولم نبع أجر تعليم القرآن (١) بما ... يفنى من السّوم في الدّنيا-كما فعلوا-
يقرّ بالفضل إنصافا لصاحبه ... ويسبق السّيف في أعدائنا العذل
وليس ظهري لباغي الضّيم محتملا ... كما سوانا إليه-الدّهر-يحتمل
١٥ لا نبتغي غير هذا في الدّنى صفة ... قفوا لشنشنة دانت بها الأول
ما طلب أصل له فالفرع يتبعه ... وليس عن طبعها الأشياء تنتقل
لو أسقيت بمجاج النّحل حنظلة ... لم يعذب الطّعم منها ذلك العسل
بسيبويه نسينا كلّ فائدة ... في صنعة النّحو لا «الكرّاس» و «الجمل»
وفي مسائل «إيضاح» لنا وضحت ... من التّصرّف شمس بيتها الحمل
стр. 410
٢٠ وعندي «حرز الأماني» شاهد فطن ... إذ أحرزت بحمانا تلكم السّبل
وكم لنا في «عروض الشعر» من نكت ... يدري بذلك عنا «الزّحف» و «العلل»
«بالشعر» نفعل إن نشرع أسنّته ... ما ليس تفعله الخطّية الذّبل
إن كنت تجهل هذا فلتعد نظرا ... ما العالمون كمن للشّيء قد جهلوا!
وطلب منه صاحبنا الفقيه أبو العلى إدريس بن أبي زيد التونسي [١١٧/ب] (١) أن يصنع (غداء) لكسكسو (٢)
стр. 411
(فصنعه) له، وأحضره بين يديه في منزله و (طلب؟) منه أن يحضر معهم صاحبنا الفقيه أبو عبد الله الماجري المغيلي. فبعث شيخنا منديل إليه [ببطاقة دعوة فيها] (١):
. . .
فإنّ عندي أبا العلى وله ... إرادة أن يراك في الوقت
قد جعلت القرى لمقدمه ... الكسكسو بالقديد واللّفت
(لو جئت) مستعجلا لتجمع من ... حضورنا مطلبين في سمت
سمعك للحين من قصائدنا ... والأكل أكل (الحضور؟) للسحت!
فأتى أبو عبد الله الماجري-أكرمه الله تعالى-وقد نظم أبياتا للجواب أسرع من طرفة العين، والتزم فيها التجنيس بين كل قافيتين، فقال:
يا من بآدابه البديعة قد ... أخمل ذكر البديع والبستي (٢)
стр. 412
وسيّدا (١) من يشم شمائله ... يقل فرى (؟) ذا الجمال والبست
لبّيك يا من دعا أحبّته ... ل «كسكسو» بالقديد واللّفت
قد كنت عقلي (٢) ب «كسكسو» وأنا ... ألفت من نهمتي أخو لفت ٣
وقد قلى ذكر (٣) القديد فإن ... حمّ لقاه فغاية البخت
وكدت لمّا سمعت ذا فرحا ... (أطير؟) (٤) يا سيّدي من البخت
فليهننا عندكم تألفّنا ... مؤمّنا من غوائل الشّت
نقطف من دوحة المنى ثمرا ... أحلى وأغلى من الحلى السّت!
قوله «قد كست عقلي» أي رفعته، من قولهم «كاس الفرس» إذا رفع إحدى قوائمه. . . (٥). وقوله: «أخو لفت» من قولهم لفثّ فلانا ألفته إذا (لويته وصرفته) (٦).
стр. 413
وأنشدني (١) لنفسه (في؟) منديل بن زنبق:
. . . فاعمل على. . . فإنك ميت ... حين ابتليت بخطة «العقار»
وكان العقار المذكور قدم صاحب الصلاة، فعاجلته قبل تمام الشهر الوفاة. وقدم ابن زمور بعده، ثم عزل قبل أن يأخذ للأمر عدة.
ولما عزل ابن زمور، ورجع بعده منديل بن زنبق قال فيه صاحبنا الفقيه أبو العلى إدريس ابن أبي زيد التونسي:
إن ابن زنبق جار في أحكامه ... وسطا (على) الفقراء والضعفاء
فالله ينزع عنه ستر مصانه ... نزع الدّنانر من يد السّفهاء
(فرميت) سهمي في صميم فؤاده ... والحتف يصحب أسهم الشعراء
فعزل بعد أيام قلائل.
وطلبت من شيخنا منديل هذا أن يبعث لي بشعر أبي بحر صفوان بن إدريس (٢) في رثاء الحسين بن علي-﵄ وأرسلت له في ذلك أبياتا من قولي، وهي:
стр. 414
أيّها الأستاذ يا من ... هو قوت للقلوب
والسّريّ النّدب ذو الـ ... ـمجد وذو الفضل الرّحيب
ابعثن لي بقريض ... لأبي بحر الأديب
في رثا المولى حسين ... ذي العلى الأزكى الحسيب
دمت (في كل) جديد ... آمنا (ضر) الكروب
فجاوبني بقوله (. . .) (١):
شعر صفوان بن إدريـ ... ـس أخي (الفهم؟) العجيب
يندب المولى حسينا ... بنحيب ووجيب
سلم الله عليه ... في شروق وغروب
(فجزى) الرّحمن خيرا ... من رثاه من أديب!
وأنشدني لنفسه يعزي الفقيه القاضي الخطيب الرئيس الكاتب صاحب القلم الأعلى أبا القاسم محمد بن الفقيه الصالح أبي زكريا يحيى الغساني البرجي الأندلسي (٢) في بنت توفيت:
تأسّ أبا القاسم في الذي ... أصبت به من ممات البنات
بقول النّبي ﵇ ... دفن البنات من المكرمات
стр. 415
فذيل عليها صاحبنا الفقيه الكاتب أبو عبد الله محمد بن حزب الله الطائي الوادي آشي بيتا لأجل التجنيس، وكان كثيرا ما يعني به، فقال:
وقد كنت تخشى بها المكر من ... غوائل صهر، فها المكر مات!
وهذا المعنى نظير قول أبي القاسم السّجزي من شعراء اليتيمة (١).
يا ماكرا بي وبخلانيه ... مهلا فما المكر من المكر مات
عليك بالصحّة فهي التي ... تحيا فتحييك إذا المكر مات!
وأنشدني لنفسه يمدح أمير المؤمنين (المتوكل على الله) أبا عنان المريني ملك المغرب-رحمه الله تعالى- (. . .) (٢) ومنها:
*ألا لله هاتيك الليالي* (٣)
كأن الشمع سهم من نضار ... يقدّ الدّجن أو عصب يمان
كأن ذبالها لسن الأفاعي ... إذا نضنضن أو قلب الجبان
كأن القطر منها دمع ثكلى ... تواتر، أو نثار من جمان. . .
[١١٩/أ]
كأنّ الزّهر زهر غبّ قطر ... تبسّم ثغره بالأقحوان. . .
كأنّ الشّمس مشرقة محيّا ... أمير المؤمنين أبي عنان!
стр. 416
وأخبرني أنه اجتمع مع بعض أصحابه ليلة إعراس عند بعض إخوانه، فاستبطأهم الطعام فقال:
يا معرسا عرس الجمال بخدّه ... روضا بهار (رائع) وشقيق
بادر-فديتك-للذين دعوتهم ... بالمرجفين: الطّست والإبريق!
صاحبنا الأستاذ النحوي المقرىء (اللغوي) علي بن محمد بن
عمر الصنهاجي:
[كنيته:]
يكنى: أبا الحسن، وهو من أهل فاس. وبها رأيته وصحبته، ويعرف بالقصار.
حاله:
هو واسطة عقد النحويين، وصدر أولي المعرفة من اللغويين.
وفصيح الأذكياء، ووحيد النبلاء. وهو فرد في (رفع؟) النادرة، وصاحب فكاهة متبادرة.
وكان قد قلب-وهو واقف في صلاة التراويح-بجامع الأندلس من فاس. وكان قد وقع بينه وبين شيخنا الأستاذ النحوي منديل بن آجروم (وحشة) في شعبان أربع وأربعين وسبع مئة. فلما بلغ لابن آجروم شيخنا عنه (أنه قلب) أدركته عليه [١١٩/ب] فرقة الصحبة والمودة وكتب إليه متفجعا لما اتفق عليه، بأبيات وهي:
أبا حسن إني وحقّك في كرب ... لما قد دهاك الدّهر من حادث القلب
وقد ساءني-والله-منذ سمعته ... فلا أذني سرّت بذاك ولا قلبي
стр. 417
ففي كبدي للحزن نار تأجّجت ... ومن مقلتي للدّمع سكب على سكب
لو انّ الأسى يجدي على كلّ فادح ... لكنّا لزمناه على ذلك الخطب
ولكنّ أمر الله في الخلق نافذ ... ولا وزر عن كلّ ما خط في الكتب
وخير الأمور الصّبر عند ملمّة ... عليك به، تعطى الثّواب من الرّبّ
وكن حذرا (١) مما يضرّك قربه ... وبعدك عنه فاجعلن عوض القرب
فكم ذي قلى غرّتك منه صداقة ... يقدّ أديم العرض بالهجر والعتب
وربّ خليل خلتموه أخا قلى ... ينيلكم محض الوداد بلا خبّ
أبا حسن هذي وصيّة ناصح ... محبّ فخذها بالقبول وبالحبّ
وعد للذي قد كان قبل من الصّفا ... فروض ودادي فيك ما زال ذا خصب!
فجاوبه بقوله:
خليلي يا منديل من دون ما ريب ... أتتني قواف عن ودادكم تنبي
стр. 418
وهذا هو المعتاد منكم، جزيتم ... على رعي ودّي ما تشاؤون من ربي
أخو المرء من يرعى المودّة نائيا ... وليس عجيبا أن تراعى مع القرب
مؤاخاتنا لا يعتريها تقاطع ... وفرض اعتقاد لا يصير إلى النّدب
٥ فتبّا لمن كان انقطاع إخائنا ... على يده لا زال في الويح والتبّ
أقول لصحبي ما قضى الله كائن ... رضيت بفعل الله من سهل او صعب
قضى الله لمّا أن تجاور نوننا ... لباء الأعادي أن يسكّن بالقلب!
فروّعني من بعد ما كنت آمنا ... ولولا بقاء العمر حان بها نحبي!
[١٢٠/أ]
فقمت سريعا مستغيثا بسبّه ... وما نلت في ذاك المقام سوى السّبّ
١٠ إذا كان ذا بالمسجد الجامع الذّي ... يصلّى به ماذا يكون لذى الدّرب؟!
فيا ليت شعري ما دعاه لفعله ... وهل لمنوني جاء أم سلب الثّوب؟!
стр. 419
ويا ليت شعري هل فعلت له أذى ... فعاملني من أجل ذلك بالضّرب
وهل كان ذاك الفعل منه تعمّدا ... فآخذ حذري بالسّنان وبالعضب
حمدت إله العرش إذ خاب سعيه ... وإذا لم يضرني ما دهاه من الخطب
١٥ وما أسفي إلا الّذي قد جهلته ... وجهلي به-والله-قد زاد في كربي
وتالله إني ما ظننت بخاطري ... عدوّا يرى من بعض ما يشتهي رعبي!
فإنّي لم أعرف أخا الضّغن والقلى ... ولا مال طبعي بالإخاء لذي خبّ
وما ذاك إلا من ذنوب تقدّمت ... وسطّرها الأملاك في الصحّف والكتب!
فيا ربّ إني آيب لك تائب ... فحطّ بها الأوزار يا قابل التّوب
٢٠ عليك سلام الله-منديل-ما بدت ... لنا منك أبيات تدلّ على الحبّ!
стр. 420
الشيخ الفقيه الصوفي محمد بن أحمد بن شاطر الجمحي (*)
[كنيته:]
يكنى أبا عبد الله، وأدركته، ورأيته، وصحبته بفاس. وهو من أهل مراكش، وأصل سلفه من الأندلس واستوطن مدينة فاس. وبها توفي-رحمه الله تعالى-.
حاله-رحمه الله تعالى -:
هو الذي زهرت في روضات العرفان أزهار علومه، وبهرت في دوحات الإحسان آثار فهومه. وهو رئيس المتصوفين، وصدر أعلام المحققين.
وبحر الجلالة الذي لا يكرع في عبابه، وهزبر الذكاء الذي لا يقرع ببابه.
لا تلقاه إلا ذاكرا، ولا تراه إلا شاكرا. سريع الدمعة، مجانب للسمعة، ذو بلاغة وفصاحة، وصاحب حكم وفصاحة. مليح الشّيبة، حسن الحضور والغيبة.
أنشدني لنفسه يتغزل [١٢٠/ب] وقالها في صباه في (من) اسمه سعد:
يا سعد صل دنفا بوصلك مغرما ... أعيى الأواسي طبّه بل أعجما
ما ضرّ لو رحم الحبيب فربما ... أحيا العليل بوصله يا نعم ما
يا ريم عزّ طلابه قسما بما ... لو نبتغي نفقا له أو سلّما
قطب المحاسن فرقد قمر السما ... الشمس أنت ففقت رقت الأنجما!
стр. 421
صاحبنا الفقيه العدل محمد بن أحمد بن ابراهيم بن موسى الكومي
[كنيته:]
يكنى أبا عبد الله. وهو من أهل تازا (١). ورأيته بفاس، وبها توفي.
وأخبرني أنه من ولد أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي الموّحد؛ ويعرف بالنّيار. وبرز عدلا بسماط شهود مدينة فاس.
حاله:
هو خازن العلم وواعيه، الذي توفرت لديه دواعيه. ورئيس العدالة ومبداها، ومعدن المروءة ومنتهاها. الباسط جناح الود للإخوان، ورافع جناح العتب عمن أساء إليه بما سوّل له الشيطان. ظهر له في الآداب باع أي باع، وكان لمحاسنه جلاّء ولثناياه طلاّع. وقاد أعنته وأزمّته، وتقلد حسامه وامتطى صهوته.
أنشدني لنفسه يداعب. .
الآن آنت توبة للتّائب ... من بعد ما اخضرّ النبات بشارب
كلا وقد خلع العذار خلائعا ... ما العذر فيه براجع أو آيب
يا معرضا عنّا ومالك أن ترى ... أبد الزمان القلب فيك براغب
ومعرّضا بمنابه ومتابه ... ما هذه حال المنيب التائب
لو كان ذا قبل العذار فربما ... أخفيت تزوير المقال الكاذب
فمتاب من ظهر النبات بخدّه ... كمغرغر أبدى المتاب بحاجب
стр. 422
[١٢١/أ] وأخبرني-رحمه الله تعالى-أنه اجتمع ببلده تازا مع الفقيه ابن الملون وعبد الحق الزيات في بستان لنزهة فتذاكروا أمر رجل من أهل تازا يتشبّه بالفقيه الأستاذ المقرىء أبي العباس أحمد بن محمد بن علي الزّواوي (١) في قراءته وملبسه وعمّته. فأنشد أحد الرجلين على لسان المتشبّه:
أنا الزّواوي وهذا مكتبي ... لحرفة التّعليم والتأدّب
لا أمنع التعليم من يرغبه ... وأجدر العلم الذي لم يرغب!
عندي-فديت-لحية طويلة ... سوداء تحكي ليلة المكتئب
وشارب يجري لعابي تحته ... كالماء يبدو من خلال الطّحلب
وحاجبان أكحلان اقترنا ... خلتهما بعض حواشي الحجب!
وعمّة كبيرة هائلة ... كهالة قد أحدقت بكوكب
يقول بعض الناس فيها أصطب (٢) ... والله ما في عمّتي من أصطب
وطيلسان حسن خلّفه ... من بعده بعض قضاة المغرب
ودرّة كذنب السرحان في ... طول، وفي عرض، وفي تقلّب
تلحق سوطي من غدا مقتربا ... وتلحق الكرّة من لم يقرب
لا غضب يميل بي ولا رضى ... إني لممزوج الرّضى بالغضب!
وزاد عليها صاحبنا أبو عبد الله هذا-وما أحسن زيادته-:
وفي الرّقا عندي كلام عجب ... نقلت ذاك من صحيح الكتب
стр. 423
كم بيضة للفطم قد كتبتها ... وكم رقيت من نفاس صعب
فسهلت عسر النّفاس رقوتي ... وبيضتي قد فطمت كل صبي!
وكان عند شهود فاس في وقته اصطلاح، يسمون الدرهم بالغزّي- بسكون اللام، وضم الغين المعجمة وكسر الزاء المعجمة-على جهة المداعبة فإذا [١٢١/ب] لقي أحدهم صاحبه يقول له: هل جاءك اليوم الغزّي، أو: رأيته؟ وأنشدني في ذلك-لنفسه-:
أعرض الغزّيّ عني ... هكذا ما كان ظنّي!
ما على الغزّيّ لوم ... وكذا بلّغه عني
كلّ من تلقى معنّى ... فإلى الغزّيّ يعني
يقرب الغزّيّ طورا ... وبه طورا يغنّي
منشدا في كل وقت: ... «يا حبيب القلب: صلني!»
وكان الفقيه العدل الخطيب أبو يحيى بن عبد الله بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الصّبر الجاناتي يساق له كل يوم غداؤه لحانوته بسماط شهود فاس: إمّا كنثاء (١) وإما حريرة (٢)، فقال له في ذلك:
اسقني شربة لذيذة طعم ... ليس فيها كرويّة وخميره
ولتكن بالفتات والبيض حسوا ... إن طعم الفتات أحسن سيره
стр. 424
لا حساء ولا حريرة قمح ... إن طبعي يمجّ شرب الحريره!
وقعدت أنا معه في حانوته بسماط شهود فاس لعلم أقتنيه، فتكلمت معه بحثا في مسألتين: فقهية وأدبية، فرزقني الله حسن الفهم فيهما، واستحن ذلك مني-﵀-فقال لي جليسه الفقيه العدل أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن بلال الأشعري بعد أن قبّل رأسي: بارك الله في عمرك يا سيدي الرئيس على براعة فهمك.
أنا أمدحك الساعة بأبيات. فقلت له: افعل. فما كان إلا يسيرا وقد نطق بهذا الكلام، الذي حسبه نظام! وهو خارج على الوزن والمعنى في غاية اللحن والفساد، ودفعه إلي، وهو في ذاك في غاية العجب به وهو:
هنيئا لكم يا بني خزرج ... أنتم السّادة الخميرا
فإنّ منكم السلطان المؤيّد ... الرئيس ابن الأحمرا
فإنّ من أوصافه له ... وجه حسن ولحية معتدلة للقصرا
[١١٢/أ]
إذا شئت أن تراه وغاب عنك ... وجهه فانظر إلى القمرا
لكن في ليلة في الشهر ... خصّت ليلة أربعة عشرا
فواجب عليّ أن أذكر من ... بعض أوصافه لولا ما كنت أخضرا
ولكن أقول قدر جهدي وأتمنّاه ... في برّ الأندلس سلطانا مؤمّرا!!
ويستحقّ والله ذلك ويستأهـ ... ـله فهو الملك المعنبرا!
стр. 425
فحين قرأتها ضحكت من لحنها وفسادها الخارج عن الحد، ومن استحسانه لها. ونظمت على البديهة بيتين معرضا له بفسادها، ولعله أن يرجع عن تعجبه بها فلم يفهمها، لجهله بل تمادى على حاله، وهما:
بشعرك يا أيّها الأشعري ... تفوق ابن أوس مع البحتري
فحيّاك ربّ العلا من فتى ... من اللّحن في شعره قد بري!
ولما قرأ أبياته صاحبنا الفقيه أبو عبد الله هذا نسخها وقال على البديهة يخاطبه ويصف فسادها:
فبيت طوله سبعون شبرا ... تخيّله-رشاء حول بير
وبيت لا يجاوز ربع شبر ... كهدب الثّوب أو عرف الحمير!
وذاعت أبياته-بزعمه-بسماط شهود فاس. واستنسخها أكثرهم فلما بلغت إلى صاحبنا الفقيه العدل القارىء أبي زيد عبد الرحمن بن محمد المليلي بعث إليه ببيتين له وهما:
ألا قل لشاعرنا الأشعري ... شعرت وليتك لم تشعر!
تخيّلت نظمك إذ جاءني ... خراء بحانوتكم قد خري
وزاد عليهما الفقيه أبو محمد عبد الغفار البوخلفي:
أو الرّيح لمّا سرت دائما ... على الخلق من فمك الأبخر!
...
الفقيه الصوفي محمد بن [١٢٢/ب] أحمد المكودي ﵀:
[كنيته:]
يكنّى أبا عبد الله. وهو من أهل فاس، وبها رأيته. وكان من أولي الثروة بها. وكان أبوه أحمد يستخدمه الملوك من بني مرين في شهادة الولاية المخزنية، وأبو عبد الله هذا توفي بفاس في سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.