← Тараджим

Тараджим · id 120143

أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن

ابن الأحمر

Полный текст (459 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب، فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان، قال: هذا كلام لم يغب عنه ابن أبي قحافة (١)، يعني أبا بكر الصديق نضر الله وجهه. -يعني ببني بنت مخزوم: عبد الله وأبا طالب والزبير بني عبد المطلب ابن هاشم، أمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم وأخواتهم (٢) وأميمة [٨/ب] والبيضاء جدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضوان الله عليه، أم أمه أروى بنت كريز. وقوله: ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام، يعني حمزة وصفية أم الزبير بن العوام ﵁، أمهما هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة (٣). وقوله: ولست كعباس، ولا كابن أمه، أم العباس نتيلة (٤) من النمر ابن قاسط وأخوه ضرار بن عبد المطلب. وقوله «وإن امرءا كانت سمية أمه وسمراء؛ سمية أم أبي سفيان، وسمراء أم أبيه، وليس هذا موضع إطناب في رفع الأنساب، تحاميا على الطول. والعاقل لا ينكر أن الشعر جائز إنشاده واستنشاده. وقد قدمنا من الأدلة الناصعة والبراهين الواضحة على ذلك ما لا يسع ردّه. ومن الدليل أيضا على ذلك أن الخلفاء الراشدين الأربعة، وهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وعلي أبو السبطين ﵈ قالوا الشعر، وقاله أيضا جملة من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم الصلاح.

стр. 37

قال أبو بكر-﵁ (١) -. أمن طيف سلمى بالبطاح الدّمائث ... أرقت أو امر في العشيرة حادث وهي طائلة، وفيها يقول: ونحن أناس من ذؤابة غالب ... لنا العز منها في الفروع الأثائث وفيها يقول: فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم ... فإنّي من أعراضكم غير شاعث وقال: أمير المؤمنين عمر ﵁ (١) هوّن عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيّها ... ولا قاصر عنك مأمورها وقال أمير المؤمنين عثمان ﵁ (٢): تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبّتها ... لا خير في لذة من بعدها النار وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه [٩/أ]: إذا عقد القضاء عليك أمرا ... فليس يحلّه إلا القضاء (٣) فما لك قد أقمت بدار ذل ... وأرض الله واسعة فضاء تبلّغ باليسير فكلّ شيء ... من الدنيا يكون له انقضاء

стр. 38

وقال: أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵉ (١) ومارست هذا الأمر خمسين حجة ... وخمسا أرجّي قابلا بعد قابل (٢) فلا أنا في الدنيا بلغت جسيمها ... ولا في الذي أهوى علقت بطائل وقد أشرعت فيّ المنايا سهامها ... وأيقنت أني رهن موت معاجل وقال أمير المؤمنين الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵄ في بنته سكينه، وأمها امرأته الرباب بنت امرئ القيس الكلبية (٣): لعمرك إنني لأحبّ بيتا ... تحل به سكينة والرباب أحبهما وأبذل جل مالي ... وليس لعاتب عندي عتاب ولست لهم-وإن عتبوا-مطيعا ... حياتي، أو يغيّبني التراب وقال حمزة بن عبد المطلب-﵁ (٤): عشية ساروا حاشدين وكلنا ... مراجله من غيظ أصحابه تغلي فلما تراءينا أناخوا فعقّلوا ... مطايا وعقلنا مدى غرض النبل وقلنا لهم حبل الإله نصيرنا ... وما لكم إلا الضلالة من حبل! فثار أبو جهل هنالك باغيا ... فخاب ورد الله كيد أبي جهل وما نحن إلا في ثلاثين راكبا ... وهم مئتان بعد واحدة فضل وقال أخوه العباس بن عبد المطلب، رضي الله تعالى عنه (٥) ألا هل أتى عرسي مكرّي وموقفي ... بوادي حنين والأسنة تشرع

стр. 39

[٩/ب] وقولي إذا ما النفس جاشت لها قري ... وهام تدهدى والسواعد تقطع وكيف رددت الخيل وهي مغيرة ... بزوراء تعطي باليدين وتمنع نصرنا رسول الله في الحرب تسعة ... وقد فر من قد فرّ عنه وأقشعوا (١) وقال عبد الله بن عباس ﵄ (٢): إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى ... وأعمل فكر الليل والليل عاكر وباكرني في حاجة لم يجد لها ... سواي، ولا من نكبة الدهر ناصر فرجت بمالي همّه من مقامة ... وزايله همّ طروق مسامر وكان له فضل عليّ بظنه ... بي الخير، إني للذي ظنّ شاكر! قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب، وحسب من ذم (٣)، أن من قدمنا من الصحابة قد قالوه وكانوا (٤) يتمثلون به، ولا يرون أنه مذموم. فإن احتج عاطل من حلية الآداب وقال: إن النبي- ﷺ -لم يقل الشعر، وأن الله تعالى قال فيه وَماعَلَّمْناهُ اَلشِّعْرَ وَمايَنْبَغِي لَهُ (٥) قلت: لو كان النبي ﷺ شاعرا لكان متهما بالقرآن ولقيل إنه من عنده، وإنه اختلقه؛ فيكون ذلك نقصا في حقه، ومدخلا للطعن في نبوّته. فمنعه الله من قوله، ونزّهه عن ذلك. وهذه معجزة في حقه ﵇. وقد قيل للإمام القاضي عبد الوهاب إن النبي ﵇ لم يقل الشعر فقال له: ذلك في حقه معجزة، وفي حقك معجزة (٦).

стр. 40

وإن احتج بقوله تعالى وَاَلشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغاوُونَ (١) الآية. قلت: قد قال الضحاك (٢) إنها نزلت في رجلين أحدهما أنصاري، مع كل واحد منهما غواة قومه-وهم السفهاء-وقال به ابن عباس: وعنه أنهم الرواة (٣). وعنه أنهم كفار الجن والإنس. قال أبو عبد الله هم الذين يشعرون (٤) [ولا يتبعون سنن الحق]، [١٠/أ] وأراد بهؤلاء شعراء الكفار عبد الله بن الزبعرى، وهبيرة ابن أبي وهب ومسافع (٥) بن عبد مناف وأبا عزة الجمحي وأمية بن أبي الصلت كانوا يهجون النبي ﵇، ويتبعهم الكفار. وقال غضيف من أصحاب النبي ﵇، قال النبي ﷺ : «من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه». وقال ابن عباس: (٦) لما فتح النبي ﷺ مكة رنّ إبليس رنة فاجتمعت إليه ذريته فقال: ايأسوا أن ترتد أمة (٧) محمد على الشرك بعد يومكم هذا، ولكن أفشوا فيها-يعني مكة (٨) الشعر والنّوح.

стр. 41

يخرج من هذا كله أن (الغاوون) هم السفهاء، أو هم الكفار من الجن والإنس أو هم الرواة. فإذا كان هذا كذلك، فأي ذم يلحق شعراء الإسلام إذا لم يهجوا؟ لا سيما والنبي ﵇ قال لشاعره كعب بن مالك لما سأله رأيه في الشعر حين أنزل الله فيه هذه الآية: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل (١)، فإذا كان شاعر الإسلام لا يهجو إلا الكفار فهذا هو المطلوب. وفي هذا الحديث تقرير الشعراء على قول الشعر على الوجه الجائز إذا حملنا خطاب النبي ﵇ عموما على ما يرد في بعض الأحكام الشرعية، أن يكون الخطاب لشخص والحكم متوجه على الجملة (٢). وأما إن كان الذم المفهوم من قوله تعالى وَاَلشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغاوُونَ ليس على عمومه بل كما قيده أبو عبد الله بالشعراء الكفار، فلا مدخل للإسلاميين فيه؛ وبالله التوفيق. وإن احتج أيضا بقول النبي ﷺ «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء شعرا» (٣). قلت: الجواب ما قاله الإمام أبو عبد الله المازري والقاضي عياض في ذلك الحديث، ونقلته من الإكمال

стр. 42

[١٠/ب] للقاضي أبي الفضل، وهذا نصه «قال الإمام، قال أبو عبيد قال الأصمعي»: هو من الوري، على مثال «الرّمي»، وهو أن يورى جوفه، يقال منه: رجل موري، مشدد غير مهموز: هو أن يأكل القيح جوفه. قال صاحب الأفعال: وري الإنسان والبعير ورى، دوى جوفه، ووراه الداء وريا: فسد جوفه. ووري الكلب: سعر أشد السعار. قال أبو عبيد: وقوله ﷺ «خير له من أن يمتلئ شعرا». قال بعضهم: يعني من الشعر الذي هجي به رسول الله ﷺ ، ولو كان شطر بيت لكان كفرا. فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه، فقد رخص في القليل منه. ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه من أيّ الشعر كان. فإذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوف هذا عندنا بممتلئ من الشعر. وقال القاضي عياض في الإكمال: ذكر مسلم استنشاد النبي ﷺ الشريد بن سويد شعر أمية بن أبي الصلت (١)، وقوله هيه إلى أن أنشده مئة بيت؛ وقوله إن كاد ليسلم، فيه جواز سماع أشعار الجاهلية، وأخبارها، والتحدث بها، وإنشادها. و (هيه) مكسورة الهاء، ساكنة الياء والهاء الآخرة كلمة للاستزادة أي: زد. وأصلها إيه، فهي استزادة لما تعرف. وفيه أن الشعر بنفسه ليس بمنكر، وإنما المنكر منه المذموم: الإكثار منه، أو ما يتضمنه من الهجاء للمسلمين وقذف المحصنات، والتشبيب بالحرم، وذكر أوصاف الخمر وأنواع الباطل [مما يهيج] المرتكبين لذلك، ويجرئهم على المعاصي. وقد جاء من ذلك أشياء في شعر حسان وكعب وغيرهما مما

стр. 43

مدح به النبي ﷺ [١١/أ] في وصف الخمر والتشبيب (١) بغير معيّن (٢)، جريا على عادة العرب فيستحب منه القليل ولم ير أصحابنا بمثل هذا رد شهادة الشاهد، ولا جعلوه جرحا فيه. وقال أيضا: القاضي عياض فيه-في الإكمال-وإنه كالكلام فحسنه حسن، وقبيحه قبيح (٣)؛ كما روي عن الشافعي. وقد روينا هذا الكلام مرفوعا للنبي ﵇، وقد أنشد النبي ﵇ الشّعر وتمثل به واستنشده؛ وقاله أصحابه، وحضّهم على قوله في هجاء المشركين. وقد روي عن الخلفاء، وأئمة الصحابة، وفضلاء السلف في استشهادهم به وإنشاده (٤)، وقولهم الجيد منه (٥). قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب: ولا مرية في جواز إنشاد الشعر والتمثل به، وإنما المذموم منه ما قدمنا للإمام المازري، وللقاضي عياض من هجاء المسلمين وقذف المحصنات وغير ذلك مما قالا، رحمهما الله تعالى. وأما إن كان الشعر في مدح رسول الله ﷺ ، أو في هجاء المشركين، أو غزل بغير معيّن، فذلك جائز لا مطعن فيه. وحسبك ما قدمنا على فضله وجوازه من الأدلة، وقول القاضي عياض. وقد أنشد النبي عليه

стр. 44

السلام الشعر؛ وتمثله به صحيح أخرجه أهل الصحة. ولكنه ﷺ ، مهما أنشد الشعر وتمثل به لا يذكره إلا غير موزون، لكونه لم يكن في طبعه، وقد قدمنا سبب ذلك. فكان ﵇ يتمثل بقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ينشده غير موزون، يقول، (ويأتيك من لم تزود بالأخبار) (١) فيقول [١١/ب] أبو بكر الصديق: ليس هكذا يا رسول الله وإنما هو (ويأتيك بالأخبار من لم تزود) فيقول له ﵇، إني لست بشاعر ولا ينبغي لي قوله، ﵇. «ولا ينبغي لي» أي ما هو بحسن في حقه، لأنة لو كان يقول الشعر لكان يورث الشبهة في الطعن فيما أتى به من القرآن، ولقيل إنه من عنده. وقد قال المشركون فيه: شاعر، ولم يكن بشاعر. قال الله تعالى: وَماعَلَّمْناهُ اَلشِّعْرَ وَمايَنْبَغِي لَهُ (٢) فنزّهه عن ذلك. انظر قولهم، وهو ليس بشاعر، فما ظنك لو كان شاعرا؟. وقال الحسن (٣): كان النبي ﷺ يتمثل بهذا البيت «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا»؛ فقال أبو بكر: يا نبي الله إنما قال الشاعر: *كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا (٤) * فقال أبو بكر وعمر (٥): أشهد أنك رسول الله؛ لقوله تعالى ﴿وَماعَلَّمْناهُ

стр. 45

اَلشِّعْرَ وَمايَنْبَغِي لَهُ﴾. وقال الحكم: كان النبي ﷺ يتمثل بقول العباس بن مرداس (١): أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين الأقرع وعيينة فقالوا يا رسول الله إنما قال: بين عيينة والأقرع، فأعادها فقال: بين الأقرع وعيينة. فقام إليه أبو بكر فقبل رأسه فقال: وَماعَلَّمْناهُ اَلشِّعْرَ وَمايَنْبَغِي لَهُ. قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب: وإذ قد فرغنا من ذكر جواز الشعر وفضله، والأدلة على ذلك، فلنشرع في بعض ما يتعلق به من علم البديع؛ من تجنيس وترصيع وغير ذلك مما يندرج تحته. فمن ملك زمام ذلك فهو المقدم لحمل راية الأدب، ومن كان خليا منه فباعه في الإجادة (٢) لا محالة قصير، إذ لم يمتع من ذلك بقليل ولا كثير. ولا بد للشاعر (٢) من معرفة اللغة والعربية، فإن كان قاصرا عنهما كان شعره دون من يكون بهما عالما لا محالة. [١٢/أ] والعربية أهم للشاعر من اللغة لأنه إن تكلم بشعر أو غيره لم يلحن، وإن خلا منها لحسن ضرورة. واللحن من أقبح الأشياء. أتى عمر بن الخطاب، ﵁، على قوم يرمون رشقا لهم، فأساؤوا الرمي (٣). يا أمير المؤمنين نحن قوم متعلمين!

стр. 46

فقال عمر ﵁ لإساءتكم في لحنكم شر من إساءتكم في رميكم أو رشقكم، رحم الله امرءا أصلح من لسانه. وقال أيضا: تعلموا العربية فإنها تثبت العقل. ولا بد له من معرفة العروض، وعلم القوافي، إذ بالعروض يقيم صغا (١) الأوزان الموجودة للعرب. ومن كان جاهلا به، والوزن في طبعه، ربما وقع في غير أوزان العرب، وخرج للأوزان الطبيعية من الدوائر وغيرها مثل أوزان الموشح وغيره. ولولا مخافة التطويل لذكرنا دوائره وبحوره، وأعاريضه، وضروبه، وتفعيلاته في التقطيع. ولنذكر ما عليه يبنى علم البيان (٢) -ولا بد أيضا للشاعر من معرفته-وهو أربعة أشياء: الكناية والاستعارة، والتمثيل والإشارة. فالكناية على نوعين (٣): النوع الأول أن تريد إثبات معنى فتترك اللفظ الموضوع له، وتأتي بتاليه وجودا لتوميء به إليه، وتجعله شاهدا له ودليلا عليه. مثاله: فلان كثير رماد القدر، وطويل النّجاد. فهذه الكناية أبلغ من التصريح. النوع الثاني: أن تأتي بالمراد منسوبا إلى أمر يشتمل على من هي له حقيقة. مثاله قول زياد الأعجم (٤): إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج

стр. 47

والاستعارة (١) وهي مأخوذة من العاريّة؛ لأن الشاعر يعير المعنى ألفاظا غير لفظه الموضوع له، كقول بشار بن برد (٢): كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وكقول بعضهم: (٣) وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان والتمثيل (٤) وهو إنما يكون مجازا إذا جاء على حد الاستعارة. وقد جاء به القرآن، مثاله من القرآن قوله تعالى ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ اَلذُّلِّ مِنَ اَلرَّحْمَةِ﴾ (٥) وقوله تعالى وَاِشْتَعَلَ اَلرَّأْسُ شَيْباً (٦). وقد جاء به الحديث، وهو قول رسول الله ﷺ (٧) «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء». وقد جاء في كلام العرب، وهو قولهم للمتحير (٨): «فلان يقدم رجلا

стр. 48

ويؤخر أخرى». وقد جاء في الشعر؛ قال عمرو بن كلثوم: ألا أبلغ النعمان عنّي رسالة ... فمجدك حولي (١) ولؤمك قارح وقال العباس بن الأحنف: (٢) قد سحب الناس أذيال الحديث بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا فكاذب قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا والاشارة (٣) قال قدامة: هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة باللمحة الدالة. قال زهير بن أبي سلمى (٤): فإني لو لقيتك فاجتمعنا ... لكان لكل منكرة كفاء وقال امرؤ القيس (٥): على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كزّ ولا واني ذكر ألقاب في صناعة البديع (٦) وهي ستة وعشرون لقبا: التجنيس، والترصيع، والاشتقاق، والتطبيق، ولزوم ما لا يلزم، والتضمين المزدوج، والالتفات، والاعتراض،

стр. 49

واللف والنشر، والتفسير، والتعديد، والتخييل، والمتواتر، ورد العجز على الصدر، والمساواة، والعكس والتبديل، والاستدراك، والرجوع، والاستطراد، والاستهلال، والتلخيص، والترديد، والتتميم، والتفويف، والتجاهل، والهزل المراد به الجد، والتنبيه. أما التجنيس (١) فهو مناسبة بين لفظين فأكثر، في كل حروفهما، أو في أكثرهما، مع اختلاف المعنى؛ وسواء اتفقت الصيغ أو اختلفت. من ذلك قول ابن المعتز: وإني للثغر المخوف لكالئ ... وللثغر يجري ظلمه لرشوف انظر ما أحسن هذا البيت، كيف جمع فيه بين الشجاعة والغزل. وأما الترصيع (٢) فهو أن تكون الكلمات متقاربة في الأوزان، متفقة الأعجاز، مثاله قوله تعالى (٣) إِنَّ إِلَيْناإِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْناحِسابَهُمْ. وقول الخنساء (٤): حامي الحقيقة محمود الطـ ... ـريقة نفّاع وضرار [وقولها] جوّاب قاصية، جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية، للخيل جرّار

стр. 50

وأما الاشتقاق (١) فهو أن تأتي بألفاظ يجمعها أصل واحد، يكون معناه مشتركا، كما [تكون] (٢) حروفه [١٣/ب] الأصول مشتركة، ويزيد على معنى الأصل بوجه مع تغاير اللفظين. مثاله: ضرب، ويضرب، واضرب، وضارب، ومضروب، وضروب، وضرّاب، ومضراب، ومضرب، فإن ذلك كله مشتق من الضرب. ومنه قوله تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ اَلْقَيِّمِ (٣). ومنه قوله ﷺ : «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها». ومنه قول الشاعر (٤): ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم؟! فكأن الشاعر يقول: ينبغي أن يكون (بدر) سمي بهذا الاسم من ابتدار سيوفنا فيه إليكم، وإن كان الاسم سابقا. وأما التطبيق (٥) فهو أن تأتي بالشيء وضده، كقوله تعالى (٦) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً. وكقول دعبل الخزاعي (٧): لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى!

стр. 51

وقول زهير بن أبي سلمى (١): ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا ... ما كذّب الليث عن أقرانه صدقا وقول عبد الله بن الزبير الأسدي (٢): فرد شعورهنّ السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا وأما لزوم ما لا يلزم (٣) فهو ما في الاصطلاح أن الناظم أو الناثر يضيق على نفسه في التزامه مؤاخاة ألفاظ التسجيع. مثاله قوله تعالى فَأَمَّا اَلْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا اَلسّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (٤). وفي قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضوان الله عليه «لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا». ومنه قول ذي الوزارتين الأمير أبي بكر [١٤/أ] محمد بن عمار المهري في وصف هبوب نسيم السّحر على الرياض (٥): بحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم يبلغّنا أنفاسه فتردّها ... بأعطر أنفاس وأذكى مناسم وأما التضمين المزدوج (٦) فهو أن يقع في أثناء قرائن النثر أو النظم لفظان مسجعان مع مراعاة حدود الأسجاع الأصلية التي يسميها الأكثر الفقر. مثاله قوله تعالى ﴿وَجِئْتُكَ

стр. 52

مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ (١). ومنه قوله بعض الشعراء البلغاء، وهو ابن نباته. قال: (٢) «أيها الناس: احضروا .......... بصفاء الأذهان ........ لعظات الزمان. فقد لخصها على قدمه ....... لمستمعيها. وتدبروا .......... قوارع القرآن ............. ببصائر الإيمان. تكتفوا بزواجر ................ نواهيها. وادرؤوا .......... سوابق العصيان ......... بلواحق الإحسان. تسلموا من دوائر ............ مهاويها. وعلى هذا الأسلوب أنشأ الفقيه القاضي الكاتب أبو الحسن علي بن القائد أبي عبد الله محمد بن الصباغ العقيلي الأندلسي خطبة كتابه المترجم بجليس الأديب وأنيس الغريب، وهي: الحمد لله معتمد الإنسان ....... بعميم الإحسان ............. عناية. لا تحد، ....... ولطفا. ومعلمه من البيان ............... وملهمه إلى التبيان ........... رعاية. لا تصد، ....... ولا تجفى. عجز عنه كلّ لسان ........... فلو اجتمع الإنس والجان ...... نهاية. فالردّ ........... أن لم يبلغوا حرفا. أحمده، حمد من أقر على نفسه، أنه أولاه نعمه، إنعاما وافى فوفى وأشكره شكر من أمر على طرسه، بذكر مولاه قلمه، فما قنع ولا استكفى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعدّها:

стр. 53

شهادة تخلد في جنته لنا قرارا يؤنسنا بحلمه فنأمن خوفا وإفادة تجدد من منّته لنا جوادا يلبسنا حليّه الرائقة شنفا. وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله: أفضل، مخصوص، بقوله، وخطابه، والخاتم، لمصطفيه، أقرّ بها ألفا. وأجل منصوص على فضله من كتابه، بالمكارم، تصار إليه، ليست بهرجا ولا زيفا. وأصلي عليه، وعلى آله وصحبه، وعترته، وحزبه. صلاة تامة أجدها وقاية يوم لا أملك لنفسي عدلا ولا صرفا. وأما الالتفات (١) فهو أن تعدل من الخطاب إلى الإخبار، ومن الإخبار إلى الخطاب، أو من الغيبة إلى التكلم مثاله قوله تعالى (٢): مالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ. إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ. وقوله تعالى (٣): هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي اَلْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ حَتّى إِذاكُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ. ومنه، قال إسحاق الموصلي قال لي الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت: لا. فأنشدني (٤): أتنسى إذا تودّعنا سليمى ... بفرع بشامة، سقي البشام ألا تراه مقبلا على شعره، ثم التفت إلى البشام؟ و [منه] قول جرير (٥):

стр. 54

متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام! والاعتراض (١) هو أن يكون الشاعر آخذا في معنى، فيعدل عنه آخذا في غيره، قبل أن يتم الأول. ثم يعود إليه فيتممه، فيكون ما عدل إليه مبالغة في الأول وزيادة في حسنه: قال النابغة: -وقيل للجعدي- (٢) ألا زعمت بنو عبس بأني ... ألا كذبت كبير السنّ فان و [منه] قول كثير (٣): لو انّ الباخلين-وأنت منهم- ... رأوك تعلّموا منك المطالا وقال الآخر: فإني إن أفتك يفتك منّي ... -فلا تسبق له-علق نفيس وأما اللف والنشر (٤) فهو أن تذكر شيئين، ثم ترمي بتفسيرهما جملة، ئقة بأن السامع يردّ كل تفسير إلى اللائق به؛ كقوله تعالى (٥): وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ولم تقل الطائفتان ذلك؛ وإنما قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا اليهود، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا النصارى.

стр. 55

وأما التّفسير (١) فهو أن تذكر شيئا ثم تقصد تخصيصه فتعديه مع ذلك المخصص؛ مثاله قوله تعالى (٢): فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ثم قال: فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنّارِ لَهُمْ فِيهازَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وَأَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ الآية. وقول طريح (٣): إن حاربوا وضعوا أو سالموا رفعوا ... أو واعدوا ضمنوا، أو حدّثوا صدقوا وأما التعديد فهو إيقاع الألفاظ المفردة على سياق واحد. مثاله قوله تعالى (٤): لا إِلهَ إِلاّ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ. وأمّا التّخييل فهو تصوير حقيقة الشيء حتى يتوهم أنه ذو صورة تشاهد أنه مما يظهر في العيان. مثاله قوله تعالى (٥): وَاَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ وَاَلسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ. وأما المتواتر (٦) فهو أن يتفق آخر الكلمتين اللتين بهما تكمل القرينتان وزنا ولفظا في الحرف الأخير. مثاله قوله تعالى (٧): فِيهاسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ.

стр. 56

وأما رد العجز على الصدر (١) فهو أن يلاقي آخر الكلام أوله بوجه؛ مثاله قوله تعالى (٢): وَتَخْشَى اَلنّاسَ وَاَللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ. [١٥/ب] وقول الشاعر: سكران سكر هوى وسكر مدامة ... أنّى يفيق فتى به سكران؟! وأما المساواة (٣) فهو أن يكون اللفظ مساويا للمعنى من غير زيادة ولا نقصان؛ مثاله قول زهير (٤): ومهما تكن عند امرئ من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وأما العكس والتبديل (٥) فهو كل ما كان من قبيل ما يحمل على غيره لقصد المدح أو الذم فتجعل ما ينبغي أن يوصف به موصوفا، وما ينبغي أن يكون موصوفا صفة؛ مع إجرائهما على الأصل في ذلك الكلام. مثاله: وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّرّ حسن وجهك زينا! وأما الاستدراك والرّجوع (٦) فهو أن يعود المتكلم على ما سبق من كلامه بالنقض والإبطال. مثاله: أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل

стр. 57

وأما الاستطراد (١) فهو كل كلام خرجت منه، وأخذت في غيره مما يناسبه ويلابسه، مع أنه دخيل فيما عقد له التصدير. ومنه: قال البحتري أنشدني أبو تمام يهجو عثمان بن إدريس الشامي (٢) وسابح هطل التّعداء هتّان ... على الجراء أمين غير خوّان أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه ... فخلّ عينيك في ظمآن ريّان فلو تراه مشيحا والحصى فلق ... تحت السنابك من مثنى ووحدان حلفت إن لم تثبّت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان! ثم قال: ما هذا الشعر؟ قلت: لا أدري؛ فقال هذا هو الاستطراد. فقلت: فما معنى ذلك؟ [١٦/أ] قال: يريك وصف الفرس، وهو يريد هجاء عثمان. فأخذها البحتري فقال: (٣) يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت ... صيدا وينصبّ انصاب الأجدل ما إن يعاف قذّى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول! وقال بشار بن برد (٤) خليليّ من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنّه ... مخافة أن يرجى نداه حزين (٥) إذا جئته في حاجة سدّ بابه ... فلا تلقه إلا وأنت كمين!

стр. 58

وأما الاستهلال (١) فهو أن تبتدئ بما يدل على الغرض. مثاله قول الخنساء (٢) وما بلغت كفّ امرئ متناولا ... من المجد إلا والذي نلت أطول وما بلغ المهدون للنّاس مدحة ... وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل وأما التّخليص (٣) فهو أن تخرج من التغزل إلى ذكر الممدوح مع امتزاج بين النوعين بحيث يتلاءمان تلاؤم أجزاء النوع الواحد. مثاله قول محمد بن وهيب: (٤) ما زال يلثمني مراشفه ... ويعلّني الإبريق والقدح حتى استردّ الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح وبدا الصّباح كأن غرّته ... وجه الخليفة حين يمتدح! وأما الترديد (٥) فهو أن تعلق لفظة بمعنى ثم تردها بعينها، وتعلقها بمعنى آخر. وأكثر ما يستعمله المحدثون. ومنه قول أبي حية النميري (٦)، وهو المقدم في ذلك، إذ أجمعوا أنه [١٦/ب] سبق إلى الإحسان جميع من تقدمه أو تأخر عنه (٧):

стр. 59

ألا حيّ من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يملّ التّقاضيا كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا وقال الخليع الباهلي: لقد ملئت عيني بحسن محاسن ... ملأن فؤادي لوعة وهموما وأما التّتميم (١) فهو أن تأخذ في بيان معنى، فلا تترك شيئا يتم به ذلك التبيين ويتكامل الإحسان معه فيه إلا أتيت به. مثاله قول ابن الرومي (٢): آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم وقول طرفة (٣): فسقى بلادك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي وأما التفويف (٤) فهو أن تصف المذكور بما يدل على مدحه من صفات المكارم مثلا، ثم يدل على ذمه؛ لكن تقرن بذلك الذم ما يرشد بأنه مديح، مثاله قول جرير (٥): هم الأخيار منسكة وهديا ... وفي الهيجا كأنّهم صقور بهم حدب الكرام على الموالي ... وفيهم عن مساءتهم فتور خلائق بعضهم فيها كبعض ... يؤمّ كبيرهم فيها الصّغير عن النّكراء كلّهم غبيّ ... وبالمعروف كلهم بصير

стр. 60

وأما التّجاهل (١) فهو أن تسأل عن شيء تعرفه، موهما أنك لا تعرفه، وأنه مما داخلك فيه الشك، وخالجك لقوة شبه حصل بين المذكورين. مثاله (٢): أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم وأما الهزل الذي يراد به الجدّ (٣) فهو أن تعلم لمن أتاك يفاخرك عيبا، فتعرض له إذا فاخرك بذلك العيب. مثاله: (٤) إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا، كيف أكلك للضب؟! وأما التّنبيه فهو أن تطلق كلاما للانتقاد فيه متسع، ثم تنيطه بما [يدفع] ذلك ويدل على استقامته، مثاله: هو الذيب، أو للذيب أوفى أمانة ... وما منهما إلا أزل خؤون وقال الآخر: إذا ما ظمئت إلى ريقها ... جعلت المدامة منه بديلا

стр. 61

الباب الثاني فيما بلغنا من شعر كتّاب بني مرين (*) ملوك المغرب أمير المسلمين أبو الحسن علي بن أمير المسلمين عثمان بن أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق (١).

стр. 62

حاله-﵀ - (هو) (١) محرز قصب سبق الكمال، المستولي على أمد الإجمال. له المناقب الجليلة، والآثار الجميلة من العدل في الرعية، وبذل الغيرة المرعية، واتباع الأحكام الشرعية. وحسبك من فضائله الجسيمة، ومحامده الجمة الوسيمة، أنه ما تناول من الخمر كاسا؛ ولا اتخذ منه خماسا. ولا حل مآزره على حرام، بل تبرأ من الفحش والآثام. فمن قوله يفتخر-﵀ (٢): أرضي الله في سرّي وجهري ... وأحمي العرض من دنس ارتياب وأعطي الوفر من مالي اختيارا ... وأضرب بالسيوف طلى الرّقاب

стр. 63

ابنه أمير المؤمنين المتوكل على الله فارس ﵀ (*) [كنيته:] يكنى أبا عنان. ورأيته، وكنت في حضرته بفاس تحت إيالته، وسيب إنعامه مدة حياته. وأعطى عني صداق ابنة عمي حين تزوجتها، محبة منه إلي-رحمه الله تعالى-. وكان كمثل أبيه سمتا وهديا، و (؟) ضخامة الملك واتساع البلاد. ملك من السوس إلى إطرابلس وبلاد إفريقية مدة. وحين ارتحل إلى أرض إفريقية من فاس ليملكها في عام ثمانية وخمسين وسبع مئة سرت معه، فأتاحني من العطايا ما قرت به عيني، ولم أزل معه تحت بره، حتى فرق الدهر بيننا بموته، ﵀. حاله-﵀ -: هو الملك العالم بالمفروض والمندوب. الهمام الذي لم يزل لأذيال الشهامة سحوب. من أشرقت ببهائه، وظهر بظهور روائه، غياهب الظلم. ونجم بتدقيق ذكائه، وتحقيق آلائه، مأثور العلم والكرم. فلا جهة من جهات البر إلا عم علمه لديها، ولا ناحية من نواحي الفقر إلا غطى كرمه عليها. وكانت الملوك تبجله، ومقصده تعجله ولا تؤجله؛ لما كان أسدهم الهصور، وفارسهم المنصور.

стр. 64

ومن قوله في الحكمة: وإذا تعرّض للرّياسة خامل ... جرت الأمور على الطّريق الأعوج! [١٨/أ] وكنت يوما جالسا معه بمقعد ملكه من المدينة البيضاء من فاس [فدخل] (١) عليه رجل من المنخرطين في سلك المتصلحين، فلما نظر إلى المتصلح قال بديهة: تراهم في ظواهرهم كراما ... ويخفون المكيدة والخداعا! وأخبرني الفقيه الإمام المفتي المدرس قاضي الجماعة بفاس، وقاضي الحضرة المرينية المدينة البيضاء أبو عبد الله محمد القرشي المعروف بالمقري (٢)، بفتح الميم، كنت يوما عند أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان، فقال لي يا أبا عبد الله، كنت يوما بقصري، وكان في يدي تفاحة، فحضرت عليّ جارية من جواري، كنت أحبها حبا مبرحا فأرميتها (٣) بالتفاحة، وقلت على البديهة: خذها إليك هدّية ... من كفّ ملك مالك يبدي العطايا دائبا ... ويبيد شمل الفاتك (٤)

стр. 65

أخوه لأبيه أمير المسلمين عبد العزيز-﵀ (*) - [كنيته:] يكنى أبا فارس. ورأيته. وكنت بحضرته وتحت إيالته، وكاد أن يكون كأبيه المنصور بالله وكأخيه-أبا عنان-المتوكل على الله في هديهما وضخامة ملكيهما، لو لم تخترمه المنية. حاله-﵀ - هو الملك المتحلي بالتقوى، المستمسك في ذلك بالحبل الأقوى. ظهر له في الدين ما بهر به العقول، وخرج عن الحد والمعقول. وسار بسيرة المنصور أبيه، ولم يقصر في ذلك عن مدى المتوكل أخيه. وجد في نجوم الحق وعدل؛ وعن سنن الطاعة ما عدل. فمن قوله-﵀؛ زادها [على قول] أبيه؛ قال والده ﵀ [١٨/ب] أرضي الله في سرّي وجهري ... وأحمي العرض من دنس ارتياب (١) وأعطي الوفر من مالي اختيارا ... وأضرب بالسّيوف طلى الرّقاب

стр. 66

فقال هو-﵀ وأرغب خالقي في العفو عنيّ ... وأطلب حلمه يوم الحساب وأرجو عونه في عزّ نصر ... على الأعداء محروس الجناب وعبدك واقف بالباب فارحم ... عبيدا خائفا ألم العقاب ابن عمه الأمير منصور (*) ابن أمير المسلمين أبي علي عمر بن أمير المسلمين السعيد بفضل الله أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين المنصور بالله يعقوب بن عبد الحق. [كنيته:] يكنى: أبا علي، ورأيته. وكان قد بعثه ابن عمه أبو عنان إلى الأندلس مع إخوانه الأمير المؤيد بالله عبد الحليم، والأمير عبد المؤمن، والأمير الناصر. فلم يزل بغرناطة تحت إيالة بني عمنا الملوك بني الأحمر إلى أن بعثه ابن عمنا السلطان أمير المسلمين الغالب بالله، المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بن أخي أبينا الرئيس الأمير أبي الوليد إسماعيل بن جدنا أبي عبد الله محمد بن جدنا أبي سعيد فرج، مع أخيه السلطان المؤيد بالله عبد الحليم، حين قدّم ابن عمنا عبد الحليم المؤيد بالله أميرا، وجوزه البحر لطلب ملك آبائه بني مرين بالعدوة. فلما استقر الأمير منصور بغساسة قبض عليه، وسيق لابن عمه أمير المؤمنين

стр. 67

المتوكل على الله أبي (١) [زيان] محمد (٢) بفاس، فقتله بالسيف. حاله-﵀ - كان يوصف بالكرم الفائق، والنبل الرائق. مع الفصاحة في اللسان، والبلاغة في البيان. ومشاركة في العلوم، ومعرفة بالمجهول والمعلوم [١٩/أ] وسمت ووقار وكلام ألذ من كاسات العقار. لا تراه إلا جائدا بالجدا (٣). . . عن البخل في كل منتدى. أخبرني صاحبنا الفقيه الكاتب أبو الحسن علي بن محمد ابن معاود البلوي، قال خرجت يوما مع الأمير أبي علي منصور لمتنزّه بخارج بلدنا غرناطة (فلقينا) (٤) وسيما، فقال فيه بديهة: لو اطلّعت على قلبي رأيت به ... من لحظ عينيك أو من ثغرك الأثرا الشيخ أبو الحسن علي بن بدر الدين ابن موسى بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الأمير عبد الحق المريني ، كان ببلادنا الأندلسية، وقدمه على جيوشه الغزاة شيخا ابن عمنا أمير المسلمين الغني بالله، أبو عبد الله محمد بن أمير المؤمنين أبي الحجاج يوسف، بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل أخي جدنا، بن جدنا الرئيس أبي سعيد فرج، ابن جدنا الأمير إسماعيل بن جدنا الأمير يوسف الشهير بالأحمر، بن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي.

стр. 68

وهو من بيت الملك المريني. وبالأندلس ولد هو ووالده. وجده موسى ابن عبد الرحمن هو الداخل إلى الأندلس فرّ من بر العدوة أمام ابن عمه أمير المسلمين، الناصر لدين الله يوسف المكنى بأبي يعقوب بن عبد الحق إلى الأندلس خوفا من الملك. فقدمه شيخا على الغزاة جدنا أمير المسلمين أبو عبد الله محمد الفقيه ابن جدنا أمير المسلمين الغالب بالله أبي عبد الله محمد صاحب الدبوس، ابن جدنا الأمير يوسف الشهير بالأحمر ابن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله محمد بن خميس ابن نصر الخزرجي. حاله-﵀ - (كان) (١) بالشجاعة موصوفا، وبالبراعة معروفا. وله في الأدب باع مديد [١٩/ب] ورأيه مستعمل سديد. وفعاله وسيمه، وصنائعه جسيمه. وكان عارفا بالتعديل، لم يكن له عديل. وخط بيده من التقاويم الحسنة ما يخبر بتحويل كل سنة. أنشدني لنفسه-﵀-ملغزا في مملوك له وسيم من أبناء الروم يسمى فارحا: اسم فلان هيّن ... يصبي النّهى تقريبه حروفها ثلاثة ... ثلثها مقلوبه (٢) وأنشدني أيضا لنفسه ملغزا، يقرأ أول كل بيت فيخرج: اشتقول لمن يحبك؟ أرقت وقد نام الخليّ المسلّم ... وبي من أليم الشّوق ما ليس أكتم شهودي نجوم راكدت كأنّما ... عدت عن طريق القصد والليل مظلم (٣)

стр. 69

تذكرّني من قد بليت بحبه ... وفي القلب والأحشاء نار تضرّم قضيب من الريحان غصن منعّم ... ولكنه بالوصل لي ليس ينعم وضعت له خدّي وقلت لعبرتي ... همي فوق خدّي عله لي يرحم لزمت البكا والشوق بعد فراقه ... وقلت لذي بثّ ودمعي يسجم له مقلة ترمي إذا اللحظ نالها ... وثغر كمثل الدرّ حين ينظّم مريض عليل الطرف من غير علة ... فما أحد من سحر عينيه يسلم! نهيت فؤادي عنه فازداد لوعة ... وهل يستطيع الصبر صبّ متيّم؟ يسرّك يا مولاي إن متّ بالهوى ... وحسبك ما ألقاه والله أعلم حكمت على قلبي فعذّبت مهجتي ... وللحبّ سلطان على الصبّ يحكم بعينيك ما ألقاه فيك من الأسى ... وإني في حبي إليك مصمّم كتبت فخذ من كلّ بيتي أوّلا ... ودبّره أحيانا لعلك تفهم!

стр. 70

الباب الثالث في شعر ملوك بني الأحمر من بني نصر قومي وأبنائهم (*) أمير المسلمين الغالب بالله المتوكل على الله محمد (**)

стр. 71

ابن عمنا الرئيس الأمير الذي بويع بالطشاتين (١) أبي الوليد إسماعيل، ابن جدنا السلطان أمير المسلمين القائم بإذن الله أبي عبد الله محمد، ابن جدنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج ابن جدنا الأمير أبي الوليد إسماعيل، ابن جدنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر؛ ابن جدنا السلطان أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي. [كنيته:] يكنى أبا عبد الله، وأدركته. وهو ملك الأندلس وهو ابن أخي أبي ﵀. حاله-رحمه [الله] - وصفته في كتابنا (فريد العصر من شعر بني نصر) ما نصه: «هو الملك الذي قدح زند الفضائل فأورى. وأعاد على الملة المحمدية عهد الشباب وقد أصبح ماؤه غورا؛ والبهمة الذي تحدث الركبان بشجاعته نجدا وغورا؛ الأريحي الذي جاد بجراه (٢) رياض الآمال فراق نضرة ونورا. المتألق عطر ذكره تألق الصبح، والذي كان له في تجارة الجهاد أوفر ربح. فإن ذكر الكرم فهو ابن بجدته، وإن وصف الإقدام فهو عين نجدته:

стр. 72

حدّث به عن حاتم يوم النّدى ... واسمع بزيد الخيل يوم المغنم ولا مرية في أنه بحر الجود المتلاطم الأمواج. ومنتهى الآمال حين تضيق بالمعتفين المسالك والفجاج. جادت من سماء جوده على العلماء كل هاطلة ثره؛ وجرت أنهار عطائه لهم لأنهر المجره. أنسى-حقا-ما يؤثر عن الطائي، ووسع -صدقا-بإشاره القريب والنائي. فعادت أخباره أحلى من الأناشيد، وأملك للقلوب [٢٠/ب] من الأغاريد، ومنادمته الفراقيد (١)، وأعذب من ماء العناقيد. وحين خطبته الخلافة ليكون لها بعلا، لما تخيرته كفؤا وأهلا، زهد في زهرة الدنيا وخاف النار؛ وتسربل حلل السكينة والوقار. وأمر بإراقة الخمور، وقطع الملاهي؛ فكان وجه الإمارة يشرق به ويباهي. لما أظهر من الحلم والعفاف، وغمر المعتفين في إمارته من الإسعاد والإسعاف. مخالفا لشهوات قلبه؛ في مرضاة ربه. لا يثني العنان لريبة، ولا يأسف-في غير الدين-على مصيبة. عفيف الفرج والبطن عما يشينها من الحرام، متبرئا من كل موبقة تجلب له الآثام. مضى في إحياء الشريعة على سبيل الخلفاء الراشدين، وأربى في الشجاعة على من عاصره أو تقدمه من المتقدمين؛ فكانت النصارى تفرق من خوفه، وترى أن الحتف ملك لكفه. فحليت تأليفي هذا بما انتهى إليّ من مآثره المألوفة، ومكارمه الجمة الجميلة الموصوفة؛ لكونه زهد حين أقبلت عليه دنياه، ولم يستفزه هواه. وكان يقتدي بالسلف الصلح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولبس ثياب الصوف. ولولا قصدي الإيجاز والاختصار لألفت في آثاره ومآثره أسفار (٢). فتىّ جمعت فيه الفضائل كلّها ... ولا بدّ من نقص فكان من العمر!

стр. 73

فمن قوله-وكتب به مجاوبا-. قل للتي نبّأتك هذا ... قد صح هذا ب «صح هذا» (١) فلا تبالي صدود قوم ... يروم في صدّك التذاذا (٢) وسلّم الأمر والمقاضي ... لخير قاض قضى بهذا وعلى هذا الأبيات حكاية. وذلك أن كاتبه الفقيه أبا القاسم (٣) محمد ابن قطبة [٢١/أ] الدوسي طلب منه أن يقلده رياسة كتابه، وخطة العلامة. وكانت علامة كتبه، وكتب آبائه الملوك بني الأحمر من بني نصر: (صح هذا) تكتب بقلم غليظ القطة. فكتب له ابن قطبة هذا، في ذلك، بقوله (٤): تقول ليلى-وقد رأتني ... كسيف بال-: فديت، ماذا؟ فقلت مهلا، فعن قريب ... يصحّ هذا ب «صحّ هذا»! فجاوبه ابن عمنا السلطان الغالب بالله، المتوكل على الله، أبو عبد الله المذكور بأبياته المتقدمة.

стр. 74

الرئيس إسماعيل بن الأمير أبي سعيد فرج (١) ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل، عم أبينا بن جدنا الرئيس أبي سعيد فرج، ابن جدنا الأمير أبي الوليد، ابن جدنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر، ابن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر، ﵀. [كنيته:] يكنى أبا الوليد. ورأيته، وصحبته، وبيني وبينه وداد عظيم. حاله-﵀ - وصفته في كتابنا «فريد العصر من شعر بني نصر» بما نصّه: طلع في مماء البراعة نجما. وبرز في ميدان البلاغة ضيغما شهما. وحاز من الفصاحة مالم يحزه سواه، ومن الذكاء ما هو ألذ من الشهد في الأفواه. ومن الهمة ما يسمو أدناها فوق الشاهد، ومن الفكاهات ما يلتذ بسماعها الغائب والشاهد. ومع ذلك فهو بالأدب عارف، وعلى محبته عاكف. وربما نظم القصائد فتأتي كالقلائد في أجياد الخرائد. وتشبيهاته في الأدب ملوكية، تلوح عليها مخايل العروبية. ومن علو همته وجلالة رتبته أن نفسه شغفت بحب الإماره؛ ولا يتكلم في غيرها ليله ونهاره. قد تمكن من قلبه هواها، ولا يميل في دنياه لشيء سواها. فانظر [٢١/ب] همة هذا الندب ما أسماها، ونفسه النفيسة ما أسماها. وهو فتى الجلالة ومحلّي جيدها، ومبدئ أسرار الفضائل لموعودها (٢).

стр. 75

أنشدني لنفسه-﵀ أردّد في ليلى فرائد فكرتي ... فيحسبني صحبي بليلى مولّعا ولو علموا ما يقتضي بعد همّتي ... لخرّوا أمامي كلمّا لحت ركّعا ولعت بحمراء البلاد ولم يكن ... فؤادي بحمراء الخدود ليولعا! أراد بحمراء البلاد دار الملك بغرناطة. وأنشدني لنفسه أيضا-﵀-وكان قد بلغه عن أحد بني عمه -وهو الرئيس أبو عبد الله محمد الأبكم-كلام قبيح في جنابه فقال يفتخر: يقولون إنيّ بالبطالة مولع ... ولست، وربّ البيت، أعرفها بتّا ولكنّهم لمّا رأوني سدتهم ... وكان جوابي في مجالسهم صمتا تقوّل كل في جنابي ضلّة ... وما عرفوا وصفا لذاتي ولا نعتا وأنشدني أيضا لنفسه: يتوق لمن يهواه قلبي صبابة ... فيمنعني عمّا أحبّ حياء وأرسل طرفي محاسن وجهه ... فيمنعني عن قصده الرّقباء فلاحول لي قد ضاق ذرعي والهوى ... إذ البعد عنّي واللقاء سواء وأنشدني أيضا لنفسه، يداعب شاعره الفقيه الكاتب أبا العباس أحمد بن محمد الأنصاري الخزرجي المعروف بالدباغ عند زواجه، وكان قد تزوج امرأة مسنة: أما العجوز فقد شغلت بكلها ... عن مدحنا والسين دون اللام فاقصر وقصّر ما استطعت فإنها ... باب السّقام ومنتهى الآلام (لا تكثرنّ من النكاح فإنه ... ماء الحياة يراق في الأرحام)
следующие страницы →