← Адаб

Адаб · id 120146

أنس المسجون وراحة المحزون

صفي الدين الحلبي

Полный текст (256 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا تضيقنّ في الأمور، فقد ... يكشف غماؤها بغير احتيال ربّما تجزع النّفوس من الأمر ... لها فرجة كحلّ العقال ٢٧٣ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: عليكم بالصّبر، فإنّه به يأخذ العاقل، وإليه يرجع الجاهل. ٢٧٤ - وأصيب جرير بن عبد الله البجلي (١) بمصيبة، فعزّي عنها فقال: ما وقع شيء بقلبي مما عزّيت به حتى دخل عليّ مجوسيّ، فقال: انظر إلى ما كنت تعزّي به النّاس فعزّ به نفسك، واحتسب. ٢٧٥ - وأنشد عمر بن عبد العزيز: اصبر هديت فإنّ الصّبر مكرمة ... وإن جزعت فحظّ الجازع الجزع ٢٧٦ - وقال بعض الرّهبان: متى عدم الإنسان الصّبر والرّجاء، عدم السّكون والفرج. ٢٧٧ - وقال الجاحظ: رأيت بهلول المجنون (٢) بجامع الكوفة يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: أنا جائع. فقلت: عليك بالصّبر. فقال منشدا: يقولون لي في الصّبر روح وراحة ... ولا عهد لي بالصّبر مذ خلق الصّبر ولا شكّ أنّ الصّبر كالصّبر طعمه ... وإنّي رأيت الصّبر ممتنع وعر ثم عطف وأنشد: الصّبر جارك فاحتفظ بجواره ... عند الحوادث والملمّ النّازل

стр. 107

فلتعطينّ جزاءه متعجّلا ... ولتحمدنّ ثوابه في الآجل ٢٧٨ - وحكي عن أنوشروان العادل (١) أنّه قال: جميع مكاره الدّنيا تنقسم على قسمين وضربين: فضرب فيه حيلة والاضطراب دواؤه، وضرب لا حيلة فيه والصّبر شفاؤه. ٢٧٩ - نصر بن الحسن (٢): أحسن إلى النّاس ما واتتك مقدرة ... واستصحب الصّبر يوما إن أسا عات فصبر قلبك مكف كلّ معضلة ... ونصر ربّك آت بعد ساعات ٢٨٠ - آخر: وعوّدت نفسي الصّبر حتّى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصّبر (٣) وصيّرني يأسي من اليأس واثقا ... بحسن صنيع الله من حيث لا أدري (٤) ٢٨١ - أعرابي: خلقان لا أرضى فعالهما ... تيه الغنى ومذلّة الفقر

стр. 108

فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدّهر واصبر فلست بواجد خلفا ... أدنى إلى فرج من الصّبر ٢٨٢ - الشريف الرضي (١): إذا سيم ضرّا زاد صبرا كأنّه ... هو المسك ما بين الصّلاية والفهر (٢) لأنّ فتيت المسك يزداد طيبه ... على السّحق والحرّ اصطبارا على الضّرّ ٢٨٣ - وقيل: قدم عروة بن الزّبير (٣) على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمّد (٤)، فدخل محمد دار الدّوابّ فرمحه دابة فمات، ووقع بعد ذلك في رجل عروة الأكلة (٥) -نسأل الله العافية منها-إلى ساقه. فقيل له: اقطعها وإلاّ انفسد جميع جسدك، فقطعها بمنشار، وهو شيخ كبير، ولم يمسكه أحد، ومع ذلك أجمع، لم ير به جزع، ولا قطع ورده تلك الليلة إلاّ أنّه قال:

стр. 109

لَقَدْ لَقِينامِنْ سَفَرِناهذانَصَباً [الكهف:٦٢]. وقدم على الوليد في تلك الأيام قوم من عبس وفيهم رجل ضرير محطوم الوجه، فسأله الوليد عن حاله. فقال: بتّ ليلة في بطن واد وأنا لا أعلم أنّ في بني عبس رجلا أكثر مني مالا. فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، وما بقي لي غير بعير واحد وابن صغير، وكان البعير صعب القياد فندّ (١)، فأقعدت الصّبيّ وتبعت البعير لأردّه فما بعدت حتّى سمعت صياح الصّبيّ فانصرفت فإذا رأس الذّئب في بطنه وقد مات، فرجعت إلى البعير لآخذه فلمّا دنوت منه رمحني فأصاب وجهي فحطمه وذهب بعينيي (٢)، فأصبحت ولا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر. فقال الوليد: انطلقوا بهذا الرّجل إلى عروة ليخبره بخبره، حتّى يعلم أنّ في الأرض من هو أعظم بلاء منه. فانطلقوا به وأخبره. ثم إنّ عروة شخص إلى المدينة، فأتته قريش والأنصار يعزّونه في ولده ورجله، فقال له عيسى بن طلحة (٣): أبشر، فإنّ الله يعوّضك من ذلك أعظم الأجر وأجزل الثّواب (٤). فقال عروة: كانوا أربعة -يعني بنيه-فأبقى الله ثلاثة، وأخذ واحدا. وكنّ أربعا-يعني يديه ورجليه- فأخذ واحدة وأبقى ثلاثا، فلئن أخذت يا ربّ لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. ثم نظر إلى النّاس، وقال: إن كنتم تعدّونني للسّباق والصّراع فقد

стр. 110

فاتني ذلك، وإن كنتم تعدّونني للّسان والجاه فقد أبقى الله خيرا كثيرا. ٢٨٤ - وأنشدوا: صبرا فكم مدركا بالصّبر بغيته ... من حيث لم يحتسب أو حيث يحتسب ما دام خير ولا شرّ على أحد ... يوما وللدّهر حالات ومنقلب ٢٨٥ - ولمؤلفه عيسى بن البحتري عفا الله عنه: إنّي أقول لنفسي حين ألبسها ... ريب الزّمان لباس الخوف والفرق صبرا على نكبة أوهتك شدّتها ... وحادث حدث منه قوى الحرق ٢٨٦ - قال بعض الرّهبان: عند حلول النّعمة اعمل الخير، واشكر الله وفي الإضافة واظب على الدّعاء والاستقالة (١). ٢٨٧ - ولبعضهم: إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التّفريط في زمن البذر إذا شئت أن تستقرض المال منفقا ... على شهوات الدّهر في زمن العسر فسل نفسك الإقراض من ليس صبرها ... عليك وإنظارا إلى زمن اليسر فإن فعلت كنت الغنيّ وإن أبت ... فكلّ منوع بعدها واسع العذر ٢٨٨ - أبو تمام الطائي: خلقنا رجالا للتّجلّد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم (٢)

стр. 111

ومن قبله ما قد أصيب نبيّنا ... أبو القاسم النّور المبين بقاسم (١) وقال عليّ في التّعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم ٢٨٩ - أبو عبادة البحتري يخاطب محمد بن يوسف الثّغري (٢): جعلت فداك الدّهر ليس بمنفكّ ... من الحدث المشكوّ والنّازل المشكي (٣) وما هذه الأيّام إلاّ منازل ... فمن منزل رحب إلى منزل ضنك وقد هذّبتك الحادثات وإنّما ... صفا الذّهب الإبريز قبلك بالسّبك أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظّلم والإفك (٤) أقام جميل الصّبر في السّجن برهة ... فآل به الصّبر الجميل إلى الملك ٢٩٠ - وقيل إنّ الإسكندر أصيب بمصيبة فحضره أرسطاطاليس معزّيا، فقال له: أيّها الملك، لم آتك معزّيا لكن متعلّما الصّبر منك لعلمي أنّ الصّبر على الملمات فضيلة، وطبيعتك منافية لكلّ رذيلة، فكيف تحضّ على عادتك، وتعلّم سنّتك؟.

стр. 112

٢٩١ - ولبعضهم: اصبر على مضض الزّما ... ن وإن رمى بك في اللّجج (١) فلعلّ طرفك لا يعو ... د إليك إلاّ بالفرج ٢٩٢ - آخر: أيّها المغترّ (٢) صبرا ... إنّ بعد العسر يسرا كم رأينا اليوم حرّا ... لم يكن بالأمس حرّا لزم الصّبر فأمسى ... مالكا خيرا وشرّا ٢٩٣ - آخر: اصبر لدهر نال من ... ـك فهكذا مضت الدّهور فرح وحزن واقع ... لا الحزن دام ولا السّرور ٢٩٤ - آخر: سأصبر للزّمان وإن رماني ... بأحداث تضيق لها الصّدور وأعلم أنّ بعد العسر يسرا ... يدور به القضاء ويستدير ٢٩٥ - ابن التلميذ (٣):

стр. 113

لا تشكونّ من الخمول فربّما ... كان الخمول إلى السّلامة سلّما واصبر ففي بعض الحوادث عصمة ... فالعين يؤمنها من الرّمد العمى ٢٩٦ - وآخر: رضينا بالخمول فما استرحنا ... فهل بعد الخمول سبيل ذلّ ومع ذا ضيّقوا والله صدري ... أيرضى مثلها بالله قل لي ٢٩٧ - وقال بعضهم: السّلامة في الخمول خير من العطب في المعالي. ٢٩٨ - وقيل: عزّى رجل كسرى فقال: أغناك الله عن الحاجة إلى الصّبر بحسن العزاء، ولا أنساك مصيبتك بأعظم منها، ولا أحرمك جزيل الثّواب عليها. ٢٩٩ - ولأبي الحسن الأطروش المصري من أبيات: ما زلت أدفع شدّتي بتصبّري ... حتّى استرحت من الأيادي والمنن فاصبر على نوب الزّمان تكرّما ... فكأنّ ما قد كان منها لم يكن ٣٠٠ - لا تقنطنّ وثق بالله [إنّ له] ... لطفا يدقّ عن الأفهام وا [لفطن] يأتيك من لطفه ما ليس [تعرفه] ... حتّى كأنّ الذي قد كان لم يكن

стр. 114

٣٠١ - وقيل إن إنسانا رأى في نومه علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه وهو ينشد أبياتا فانتبه، ولم يبق على خاطره من الأبيات إلاّ قوله: وحميد ما يرجوه ذو أمل ... فرج (١) يعجّله له الصّبر ٣٠٢ - أبو العتاهية: الدّهر لا يبقى على حالة ... لا بدّ أن يقبل أو يدبرا (٢) فإن تلقّاك بمكروهه ... فاصبر فإنّ الدّهر لا يصبرا (٣) ٣٠٣ - آخر: ولله لطف يرتجى ولعلّه ... سيعقبنا من كسر أيدي الأذى خيرا (٤) ٣٠٤ - ولمؤلفه: لا تجزعن من حادث إن عرا ... واقن عزاء فهو عين الصّلاح واصبر وإن طالت ليالي الأذى ... فالصّبر مفتاح لباب النّجاح ٣٠٥ - آخر: والدّهر كالطّيف بؤساه وأنعمه ... من غير قصد فلا تمدح ولا تذم لا يحمد الدّهر في بأساء يكشفها ... فلو أردت دوام البؤس لم يدم

стр. 115

٣٠٦ - قيل: كان ابن شبرمة (١) إذا نزلت به نازلة قال: سحابة صيف عن قليل تقشّع (٢) ٣٠٧ - وكان يقال: أربع من كنوز الجنّة: كتمان المصيبة، وكتمان الصّدقة، وكتمان الفاقة، وكتمان الوجع. ٣٠٨ - ولصالح بن عبد القدوس: (٣) إن يكن ما به أصيب جليلا ... فذهاب العزاء عنه أجلّ (٤) كلّ آت لا شكّ آت وذو الجه ... ـل معنّى والغمّ والحزن فضل ٣٠٩ - علي بن أبي طالب: إن يكن نالني الزّمان ببلوى ... عظمت شدّة عليّ وجلّت وأتت بعدها نوائب أخرى ... خضعت دونها الرّقاب وذلّت وتلتها قوارع نازلات ... سئمت عندها الحياة وملّت فاصطبر وانتظر بلوغ مداها ... فالرّزايا إذا توالت تولّت ٣١٠ - وقيل: دخلت أمّ جعفر على المأمون عند قدومه بغداد، فقالت: الحمد لله الذي ادّخرك لي بعد ما أثكلني بولدي. فقال المأمون: ما ظننت أنّ

стр. 116

أحدا جبل على جلدها، وحسن عزائها، وصبرها. ٣١١ - وأنشد الثّوريّ (١) يقول: يمثّل ذو العقل في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان في نفسه مثّلا وذو الجهل يأمن أيّامه ... وينسى مصارع من قد خلا فإن نكبته صروف الزّمان ... ببعض نوائبه أعولا ولو قدّم الحزم في أمره ... لعلّمه الصّبر عند البلا (٢) رأى الهمّ يفضي إلى آخر ... فصيّر آخره أوّلا (٣) ٣١٢ - وقال بعض الرّهبان: كلّ يوم لا يعرض فيه للعبد وجع أو غمّ فيقبله بالصّبر ويحمد الله عليه فلا يحسبه من أيّام حياته. ٣١٣ - ولأبي دلف (٤):

стр. 117

صبرت عن اللّذّات حتّى تولّت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرّت وما النّفس إلاّ حيث يجعلها الفتى ... فإن أطمعت تاقت وإلاّ تسلّت ٣١٤ - وقيل: وقف عليّ بن أبي طالب ﵁ على قوم قد أصيبوا بمصيبة، فقال: إن تجزعوا فحقّ الرّحم بلغتم، وإن تصبروا فحقّ الله أدّيتم. ٣١٥ - ومن خطبه كرّم الله وجهه: يا قوم، الصّبر على طاعة الله خير من الصّبر على عذاب الله. ٣١٦ - ولمحمود الورّاق: صابر الصّبر على كرّ النوائب ... من كنوز البرّ كتمان المصائب والبس الدّهر على علاّته ... تجد الدّهر مليّا بالعجائب ٣١٧ - قال بعض الرّهبان: من لم يؤدّب في الدّنيا، وقع به الضّرر الوجيع في الآخرة. ٣١٨ - وقيل: الصّبر مفتاح الفرج. ٣١٩ - ولبعضهم: إنّي رأيت وفي الأيّام تجربة ... للصّبر عاقبة محمودة الأثر وقلّ من جدّ في أمر يحاوله ... واستصحب الصّبر إلاّ فاز بالظّفر

стр. 118

٣٢٠ - وقيل: وصف مالك بن أسماء بن خارجة (١) بالحلم والصّبر، فأراد قوم من الشّام امتحانه، فكتبوا إليه على لسان بعض أهله: إنّ ولديك قد توفّيا. فأخذ الكتاب وهو محتب فقرأه ووضعه من يده، ولم يحلّ حبوته ولم يبين ذلك فيه. فقيل له: ما في هذا الكتاب؟ فقال: أخبرت أنّ ولديّ نزلا منزلا سبقاني إليه، وأنا لا بدّ نازله.

стр. 119

الفصل الرّابع في السّجن والتّعويق ومن خرج إلى سعة من ضيق ٣٢١ - قيل: إنّ السّجن محكّ العقول، وتجربة المأمول، به يمتحن الصّبر من الأحرار، ويكشف مكنون العقل والوقار. ٣٢٢ - وقيل: السّجن قبور الأحياء، ومنزل أهل البلوى، وشماتة الأعداء، وتجربة الصديق. ٣٢٣ - ومما قيل فيه عن الشّيخ عمر ابن الشّحنة الموصلي (١): الحبس أصبح مثل النّار مضرمة ... والحرّ فيه إذا فكّرت كالذّهب يصلى بنار هموم في جوانبه ... تنفي المآثم من جدّ ومن لعب ٣٢٤ - لإبراهيم ابن المدبّر (٢):

стр. 120

تسلّ فليس طول الحبس عار ... وفيه لنا من الله الخيار فلولا الحبس ما بلي اصطبار ... ولولا اللّيل ما عرف النّهار فما الأيّام إلاّ معقبات ... وما السّلطان إلاّ مستعار وعن قدر حبست فلا تراعي ... فما يغني من القدر الحذار سيفرج ما ترى عمّا قليل ... معقبه وإن طال الإسار ٣٢٥ - وقيل: كتب أبو محمّد القاسم بن يحيى المريميّ إلى أبي البشر كاتب أبي الجيش ابن طولون (١)، وهو في الحبس: هي الأيّام من نعمى وبوس ... وكرّات السّعود على النّحوس فلا تجزع فليس الحبس عارا ... وهل عار بتأديب الرّئيس فبدر الأنبياء غدا عزيزا ... عظيما ملكه بعد الحبوس ٣٢٦ - لعمر ابن الشّحنة: لا عار في السّجن للأحرار إن سجنوا ... بغير جرم ولكن سجنهم شرف كالسّيف والدّرّة الزّهراء سجنهما ... خوفا وضنّا بها الأغماد والصّدف ٣٢٧ - ولمؤلفه عيسى بن البحتري لما حبس مخدومه: إن يحجبوك عن الأبصار لا عجب ... اللّؤلؤ الرّطب قد تكتنّه الصّدف أو يظلموك فصبرا وانتظار غد ... فإن ربّ الورى لا شك ينتصف ٣٢٨ - وقيل: وجد في صدر الحبس بالبصرة مكتوب: لا تيّأسنّ من الفرج ... من كان قبلك قد خرج

стр. 121

٣٢٩ - أبو الحسين بن أبي البغل (١): حزنت وذو الأحزان يحرج صدره ... ألا ربّ حزن جاء من بعده الفرج كأنّك بالمحبوب قد لاح نجمه ... وباليسر من بين المضائق قد خرج ٣٣٠ - وقيل: حبس الحجّاج إبراهيم التّيمي (٢) بواسط، فلمّا دخل السّجن وقف على مكان مشرف، ونادى بأعلى صوته: يا أهل بلاء الله في عافيته، ويا أهل عافية الله في بلائه، اصبروا. فنادوه جميعا: لبيك لبيك لبيك. ٣٣١ - وللأمير أحمد بن عضد الدولة (٣) وهو يومئذ في الحبس: هل الدّهر أرضاني وأعتب صرفه ... وأعقب بالحسنى من القيد والأسر فمن لي بأيام الشّباب الذي مضت ... ومن لي بمن قد فات في الحبس من عمري (٤) ٣٣٢ - ولعلي بن الجهم الأبيات المشهورة:

стр. 122

قالوا (١): حبست. فقلت: ليس بضائري ... حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد ٣٣٣ - وقيل: إنّ أنو شروان حبس بزرجمهر بن البختكان الحكيم-وكان وزيره-عند غضبه عليه في بيت كالقبر ظلمة وضيقا، وصفّده بالحديد، وألبسه الخشن من الصّوف، وأمر أن لا يزاد كلّ يوم على قرصين خبزا شعيرا وكفّ ملح جريشا وشربة ماء، وأن تحصى ألفاظه فتنقل إليه. فأقام بزرجمهر شهورا لا يسمع له كلمة. فقال أنوشروان: أدخلوا إليه أصحابه ومروهم أن يسألوه، ويفاتحوه الكلام، واسمعوا ما يجري بينهم وعرّفونيه. فدخل إليه جماعة من المختصّين به، فقالوا: أيّها الحكيم، نراك في هذا الضّيق والحديد والصّوف والشّدة التي دفعت إليها، ومع هذا فإن سحنة (٢) وجهك، وصحّة جسمك على حالهما لم يتغيّرا، فما السّبب في ذلك؟ فقال: إني عملت جوارش (٣) من ستّة أخلاط [آخذ منه كلّ يوم شيئا] (٤) فهو الذي أبقاني على ما ترون. قالوا: فصفه لنا، فعسى أن نبتلى بمثل بلواك أو أحد من إخواننا فنصفه له، أو نستعمله. قال: الخلط الأوّل: الثّقة بالله تعالى. الثاني: علمي بأنّ كلّ مقدور كائن. الثالث: الصّبر خير ما استعمله الممتحن. الرّابع: إن لم أصبر فأيّ شيء أعمل. الخامس: قد يمكن أن أكون في شرّ ممّا أنا فيه. السّادس: من ساعة إلى ساعة فرج.

стр. 123

٣٣٤ - المبرّد: إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصّدر الرّحيب وأوطنت المكاره واطمأنّت ... وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضّرّ وجها ... وقد أعيا بحيلته الأريب (١) أتاك على قنوط منك غوث ... يمنّ به اللّطيف المستجيب فكلّ الحادثات وإن تناهت ... فمقرون بها فرج قريب (٢) ٣٣٥ - ولسلم بن قتيبة لمّا حبسه مصعب بن الزّبير من أبيات: تحدّث (٣) من لاقيت أنّك عائذ ... بل العائذ المظلوم في سجن عازم (٤) فما ورق الدّنيا بباق لأهلها ... ولا شدّة الدّنيا بضربة لازم (٥) ٣٣٦ - آخر: يضيق صدري بغمّ عند حادثة ... وربّما خير لي في الغمّ أحيانا

стр. 124

وربّ يوم يكون الغمّ أوّله ... وعند آخره روحا وريحانا ما ضقت ذرعا بغمّ عند حادثة ... إلاّ ولي فرج قد حلّ أو حانا ٣٣٧ - وقال الحسن بن يحيى الكاتب: لقيت محمّد بن العلوي الحمّاني بعد خلاصه من حبس الموفّق (١) فهنّأته بالسّلامة، وقلت: قد عدت إلى وطنك الذي تألفه، وإخوانك الذين تحبّهم. فقال: يا أبا علي، وكيف!؟ وقد ذهب الأتراب والأصحاب والشّباب، ثمّ أنشد: هبني بقيت على الأيّام والأبد ... ونلت ما شئت من مال ومن ولد من لي برؤية من قد كنت آلفه ... وبالشّباب الذي ولّى ولم يعد ٣٣٨ - وقال الشّيخ عمر ابن الشّحنة: كنت آوي إلى كوخ أيّام محبسي بقلعة الموصل، فسمعت حمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، وعارضني عارض وجدت معه راحة بالبكاء، فقلت لله درّ غيلان (٢) كأنّما أوحي إليه حيث يقول (٣): لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحة ... من الوجد، أو يشفي نجيّ البلابل (٤)

стр. 125

ومثله: فقلت لها: إنّ البكاء لراحة ... به يشتفي من ظنّ أن لا تلاقيا وعملت في الحال أبياتا، وكتبتها على حائط ذلك الموضع وهي: وحمائم غنّين في دار الضّحى ... طربا فقلت مقالة المحزون غنّين فالوجد الذي تبدينه ... وجدي المكتّم والشّجون شجوني ما جامدات الدّمع كالجاري ولا ... حال الطّليق كحالة المسجون ٣٣٩ - ولأبي فراس بن حمدان في أسره، وقد سمع حمامة تهتف على شجرة عالية: أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتي هل بات حالك حالي (١) معاذ الهوى ما ذقت طارقة النّوى ... ولا خطرت منك الهموم ببال (٢) أيحمل محزون الفؤاد قوادم ... إلى غصن نائي المسافة عال (٣) أيا جارتي ما أنصف الدّهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي تعالي تري روحا لديّ ضعيفة ... تردّد في جسم يعذّب بال أيضحك مأسور وتبكي طليقة ... ويسكت محزون ويندب سال لقد كنت أولى منك بالدّمع مقلة ... ولكنّ دمعي في الحوادث غال ٣٤٠ - ولبعضهم:

стр. 126

إلى الله فيما نابنا نرفع الشّكوى ... ففي يده كشف المصيبة والبلوى (١) خرجنا من الدّنيا ونحن من اهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا (٢) إذا دخل السّجان يوما لحاجة ... فرحنا وقلنا: جاء هذا من الدّنيا (٣) ٣٤١ - آخر: ما يدخل السّجن إنسان فنسأله ... ما بال سجنك؟ إلاّ قال: مظلوم ٣٤٢ - لمؤلفه ابن البحتري: ما حلّ بالسّجن امرؤ ساعة ... إلاّ وكانت بالأذى ألف عام ولا غدا ألفا أخو غبطة ... إلاّ وكانت غبطة كالمنام ٣٤٣ - وله: جزى الله ربع السّجن عني كرامة ... وأخلى ببعدي عن حماه مكاني فإنّ له حقّا عليّ لأنّني ... كشفت به أهلي وصحبي وإخواني

стр. 127

٣٤٤ - وقيل: دخل الفرزدق على يزيد بن المهلّب وهو في الحبس فأنشده: أصبح في قيدك السّماحة وال ... جود وحمل الدّيات والإفضال (١) فقال له: أتمدحني وأنا على هذه الحال؟ فقال: نعم، وجدتك رخيصا فأسلفتك. ٣٤٥ - ولمؤلفه ابن البحتري: بكت حرقة لما رأتني مقيّدا ... وقد قلّ مني جمعها وعديدها فقلت لها: لا تحزني ويك وانظري ... إلى فرجة تؤدي ليحسن سعودها فإنّ خلاليل النّساء تزينها ... وزينة سوق الأوفياء قيودها ٣٤٦ - وقيل إن عبيد الله بن زياد (٢) أتي برجل فشتمه، وقال: أحروريّ أنت (٣)؟ فقال الرجل: لا والله، ما أنا بحرويّ. فقال: أما والله لأفعلنّ بك

стр. 128

ولأصنعنّ، انطلقوا به إلى السّجن، فانطلقوا به، فلمّا ولّى سمعه ابن زياد وهو يهمس بشيء، فردّه وقال له: ماذا قلت؟ قال: عنّ لي بيتان من الشّعر. قال: إنّك لفارغ، أنت قلتهما أم شيء سمعته؟ قال: بل أنا قلتهما. قال: ما قلت؟ قال: عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر إذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنّه ... قضى الله أنّ العسر يتبعه يسر (١) قال: فسكت ابن زياد ساعة، ثم قال: قد أتاك الله بالفرج، خلّوا سبيله. ٣٤٧ - وللأعرابي: قلّ وجه يضيق إلاّ ... ودونه مذهب فسيح من فرّج الله عنه هبّت ... من كلّ وجه إليه ريح ٣٤٨ - ولسعيد بن بيضاء الأسدي: فما نوب الحوادث باقيات ... ولا البوسا تدوم ولا النّعيم كما يمضي سرورك وهو جمّ ... كذلك ما يسؤوك لا يدوم فلا تهلك على ما فات وجدا ... ولا تعروك بالأسف الهموم ٣٤٩ - وقيل: كان المأمون غضب على فرج الرّخّجيّ (٢)، وحبسه فكلمه

стр. 129

عبد الله بن طاهر (١)، ومسرور الخادم (٢) في أمره وسألاه إطلاقه، فأمر بذلك. قال فرج: بتّ ليلتي تلك وأنا مفكّر، إذ أتاني آت في منامي فقال لي: لمّا أتى فرجا من ربّه فرج ... جئنا إلى فرج نبغي به الفرجا فلمّا أصبحت لم أشعر إلاّ واللّواء عقد لي على الأهواز وفارس ولاية، وأطلق لي معونة خمس مئة ألف درهم، وإذا أبو الينبغيّ (٣) الشّاعر قائم على باب داري، وقد كتب هذا البيت في رقعة ودفعها لي. فقلت له: متى قلت هذا البيت؟ فقال لي: في هذا الوقت الذي رضي عنك. فازددت بذلك تعجّبا، وأمرت له بعشرة آلاف (٤) درهم. ٣٥٠ - ولمولاي ركن الدّين أحمد بن قرطاء (٥)، وهو يومئذ محبوس:

стр. 130

أأحبابنا ذاك المتيّم مالكم ... على البعد والتّفريق لا تذكرونه تناسيتم مذ طال في السّجن عهده ... كأنّكم ما كنتم تعرفونه لئن خنتم منه الوداد فإنّه ... مقيم على العهد الذي تعرفونه ٣٥١ - ولمؤلفه: قالت حبيبة قلبي حين أحزنها ... وقد رأت سجنا في السّجن مأسور في محبس لا يرى حيّا يلمّ به ... من لم يعش فيه يوما فهو معذور في السّجن أوطنت أو في القبر؟ قلت لها ... سيّان عندي مسجون ومقبور إذ ساكن القبر قد حلّت سكينته ... وساكن السّجن مرعوب ومذعور والنّاس في ترك من بالسّجن مسكنه ... كترك من هو وسط القبر محصور وجاهل ظنّ سكنى السّجن عن زلل ... قبحا له ذاك في المقدور مقدور غاض الوقار ومات الجود قاطبة ... فالغدر متّبع والجود مهجور والخلّ في اليسر معك الدّهر منتظم ... وفي الشّقاوة سلك الودّ منثور جرّب جميع الورى تحظى (١) بتجربة ... فكلّ خلّ إذا جرّبته زور ولا تعرّج عن العلياء خوف ردى ... فليس في الموت تقديم وتأخير والله في كلّ ما يجري القضاء به ... إن ساء أو سرّ محمود ومشكور ٣٥٢ - ولأبي فراس بن حمدان وهو مأسور: مصابي جليل والعزاء جزيل ... وظنّي بأنّ الله سوف يديل (٢) جراح تحاماها الأساة مخوفة ... وسقمان باد منهما ودخيل (٣)

стр. 131

وأسرا أقاسيه وليل نجومه ... أرى كلّ شيء غيرهنّ يزول تطول به السّاعات وهي قصيرة ... وفي كلّ دهر لا يسرّك طول (١) تجافاني الأصحاب إلاّ عصيبة ... ستلحق بالأخرى غدا وتحول (٢) ومن ذا الذي يبقى على العهد إنّهم ... وإن كثرت دعواهم لقليل أقلّب طرفي لا أرى غير صاحب ... يميل مع النّعماء حيث تميل فيا حسرتي من لي بخلّ موافق ... أقول بشجوي مرّة ويقول (٣) ٣٥٣ - وذكر موسى بن عبد الملك (٤) قال: رأيت وأنا في الحبس [كأنّ] (٥) قائلا يقول لي: لا زلت تعلو بك الجدود ... نعم وحفّت بك السّعود أبشر فقد آن ما تريد ... يبيد أعداءك المبيد (٦) لم يمهلوا ثم لم يقالوا ... والله يقضي بما يريد فاصبر فصبر الفتى حميد ... والشكر ففي شكرك المزيد قال: فما مضت عليّ تلك الأيام حتّى أطلقت. ٣٥٤ - وحدّث خالد بن يزيد قال: حدثنا عبد الله بن يعقوب بن داود قال:

стр. 132

قال أبي (١): لمّا حبسني المهديّ في بئر، وبنى عليّ قبّة، فمكثت فيها خمس عشرة (٢) سنة حتّى مضى صدر من خلافة الرّشيد، وكان يدلّى لي في كلّ يوم رغيف وكوز ماء، وأوذن بأوقات الصّلاة، فلمّا كان في رأس ثلاث عشرة (٣) حجّة أتاني آت في منامي فقال: حنا على يوسف ربّ فأخرجه ... من قعر بئر وجبّ حوله غمم قال: فحمدت الله تعالى وقلت: أتى الفرج. قال: فمكثت حولا لا أرى شيئا، فلمّا كان في رأس الثاني أتاني ذلك الآتي فقال: عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر (٤) ثم أقمت حولا لا أرى شيئا، ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول الثالث فقال: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه الفرج القريب فيأمن خائف ويفكّ عان ... ويأتي أهله الرّجل الغريب (٥) فلمّا أصبحت نوديت، فظننت أنّي أوذن للصّلاة، ودلّي لي حبل، فقيل: شدّ به وسطك. ففعلت ما قالوا، وأخرجوني من البئر، فلمّا تأمّلت

стр. 133

الضّوء عشي بصري، فانطلقوا بي، فلمّا دخلت على الرّشيد، قيل لي: سلّم على أمير المؤمنين. فقلت: السّلام عليك يا أمير المؤمنين [ورحمة الله] (١) وبركاته، المهديّ. قال: من أمير المؤمنين؟ قلت: المهديّ. قال: لست به. فقلت: الهادي؟ قال: لست به. قلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين [ورحمة الله] (١) وبركاته الرّشيد؟ فقال الرّشيد: يا يعقوب بن داود، إنّه والله ما شفع إليّ فيك أحد، غير أنّي حملت البارحة صبيّة لي على عنقي، فذكرت حملك إيّاي على عنقك فرثيت لك من المحلّ الذي كنت فيه فأخرجتك. قال: ثم أكرمني وقرّب مجلسي، فتنكر يحيى بن خالد (٢) كأنّه خاف أن أغلب على الرّشيد دونه، فخفته، واستأذنت في الحجّ، فأذن ولم أزل مقيما بمكة. ٣٥٥ - ولبعضهم: لا تيأسنّ فربّما ... عظم البلاء وفرّجا قد ينسخ الخوف الأما ... ن ويغلب اليأس الرجا ٣٥٦ - لسعد بن محمد بن [علي المعروف ب] الوحيد (٣):

стр. 134

إن راعني منك الصّدود ... فلعلّ أيامي تعود ولعلّ عهدك باللّوى (١) ... يحيا فقد تحيا العهود فالعود ييبس تارة ... وتراه مخضرّا يميد إنّي (٢) لأرجو عطفة ... يبكي لها الواشي الحسود فرجا تقرّ به العيون ... فينجلي عنها السّهود ٣٥٧ - وقال عبد الله بن المعتز (٣): لما أمر المكتفي بحبسي في بغداد، نالني خوف عظيم، وبقيت محبوسا إلى أن قدم المكتفي إلى بغداد، وازداد خوفي بقدومه ولم أنم تلك الليلة خوفا وقلقا بوروده، فمرّت بي في السّحر طيور، فتمنّيت أن أكون مخلّى مثلها، لما يجري عليّ من النّكبات، ثمّ فكّرت في نعم الله تعالى، وما حازه لي من الإسلام، والقربة من رسول الله ﷺ ، وما أؤمّله من البقاء الدّائم في الآخرة. وقلت في الحال: يا نفس صبرا فإنّ الخير عقباك (٤) ... خانتك من بعد طول الأمن دنياك مرّت بنا سحرا طير فقلت لها ... طوباك يا ليتني إيّاك طوباك لكن هو الدّهر فالقيه على حذر ... فربّ مثلك تنزو تحت أشراك (٥) فما أصبحت إلا قد سأل المكتفي عنيّ، وأمر باطلاقي، وأطلق لي مالا.

стр. 135

وأنشدت لمعاوية بن أبي سفيان متمثّلا بقوله: فلا تيأسن واستغن بالله إنّه ... إذا شاء [يوما] حلّ عقد تيسرا (١) ٣٥٨ - لأبي العتاهية: إنّما الدّنيا هبات ... وعوار مستردّه (٢) شدّة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدّه ٣٥٩ - وروي عن أحمد بن أبي دواد قال: كنت بحضرة المعتصم، وقد أحضر تميم بن جميل الطّوسي (٣) مصفّدا بالحديد، وقد بسط له النّطع وانتضي السّيف وأمر بضرب عنقه. وكان رجلا جسيما وسيما، فأحبّ المعتصم أن يستنطقه لينظر أين مخبره من منظره (٤)، فقال له: تكلّم. فقال أما إذ أذن لي أمير المؤمنين في الكلام: فالحمد لله اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [السجدة:٧] يا أمير المؤمنين، جبر الله بك صدع الدّين، ولمّ بك شعث المسلمين. إنّ الذّنوب تخرس الألسنة، وتخلع الأفئدة، وايم الله لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجّة، وساء الظّنّ ولم يبق إلا عفوك وإبقاؤك (٥). ثم قال:

стр. 136

أرى الموت بين السّيف والنّطع كامنا ... يلاحظني من حيث ما أتلفّت وأكبر ظنّي أنّك اليوم قاتلي ... وأيّ امرىء ممّا قضى الله يفلت وأيّ امرىء يدلي بعذر وحجّة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت وما جزعي أنّي أموت وإنّني ... لأعلم أنّ الموت حقّ موقّت (١) ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت كأنّي أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خدشوا تلك الخدود وصوّتوا (٢) فإن عشت عاشوا خافضين (٣) بغبطة ... أذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا فاستعبر المعتصم، وقال: قد عفوت عن الهفوة، ووهبتك للصّبية، ثم أمر به ففكّ قيده، وخلع عليه، وعقد له على سقي الفرات (٤) ٣٦٠ - أبو العتاهية: هي الأيام والغير (٥) ... وأمر الله ينتظر أتيأس أن ترى فرجا ... فأين الله والقدر ٣٦١ - وقيل: كان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصّابئ (٦) محبوسا فزاره أبو الفرج الببّغاء (٧) في محبسه، وخفّف الزّورة عنده، فكتب أبو إسحاق من

стр. 137

الحبس إليه (١): أبا الفرج (٢) اسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدّهر حظّا إذا نقص مضت مدّة تستام ودّي غاليا (٣) ... فأرخصته والبيع غال ومرتخص وآنستني في محبسي بزيارة ... شفت قرما من صاحب لك قد خلص (٤) ولكنها كانت كحسوة طائر ... فواقا كما يستفرص السّارق الفرص وأحسبك استوحشت من ضيق محبسي ... وعادك عيد من تذكّرك القفص (٥) كذا الكرّز اللمّاح ينجو بنفسه (٦) ... إذا عاين الأشراك تنصب للقنص فحوشيت يا قسّ الطّيور بلاغة ... إذا ذكر المنظوم أو درس القصص من المنسر الأشغى ومن حزّة المدى ... ومن بندق الرّامي ومن قصّة المقص (٧) ومن صعدة فيها من الدّبق لهذم ... لفرسانكم يوم الطّعان بها قعص فهذي دواهي الطّير وقّيت شرّها ... إذا الدّهر من أحداثه جرّع الغصص فأجابه أبو الفرج الببغاء جواب رسالته (٨): أيا ماجدا مذ يمّم الجود ما نكص (٩) ... وبدر تمام مذ تكمّل ما نقص ستخلص من هذا السّرار وأيّما ... هلال توارى في السّرار وما خلص

стр. 138

بإقبال تاج الملّة الملك الذي (١) ... بسؤدده في خطة المشتري حصص تقنّصت شكري بالجميل ولم أكن ... علمت بأنّ الحرّ بالبرّ يقتنص وآنست أسنى فرصة فانتهزتها (٢) ... بلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص وإن كنت بالببغا قديما ملقّبا ... فكم لقب بالجور لا العدل مخترص (٣) وبعد فما أخشى تقنّص جارح ... وقلبك لي وكر وصدرك لي قفص (٤) قال: فلما سمع أمير المؤمنين بقصّتهما، فكانت خلاص الصّابئ (٥). ٣٦٢ - وقيل: سمع المأمون يوما إبراهيم بن مهدي (٦) عمّه لمّا حبسه ينشد في محبسه بصوت طرب (٧): ولو أنّ خدّا من وكوف مدامع (٨) ... يرى معشبا لا خضرّ خدّي وأعشبا على أنني لم أبك إلاّ مودّعا ... بقيّة روح فارقتني لتذهبا قال: فرقّ له واستشار أحمد بن محمّد بن خالد (٩) في أمره، فقال: إن

стр. 139

عاقبت وجدت مثلك قد عاقب مثله كثيرا، وإن عفوت لم تجد مثلك عفا عن مثله. فعفا عنه، وأمر بإطلاقه. ٣٦٣ - وقيل: لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي أحبّ أن يوبّخه على رؤوس الأشهاد، فأمر بإحضاره من محبسه فجيء به يحجل في قيوده، حتّى وقف على طرف الإيوان، وقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال المأمون: لا سلّم الله عليك، ولا رعاك ولا كلأك يا إبراهيم. فقال له إبراهيم: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت وليّ ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التّلف. وقد أصبح ذنبي فوق كلّ ذي ذنب، كما أنّ عفوك فوق كلّ ذي عفو، فإن تعاقب فبحقّك، وإن تعف (١) فبفضلك. قال: فأطرق المأمون مليّا، ثم رفع رأسه وقال: إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك وإذا المعتصم والعباس بن المأمون (٢). فقال: يا أمير المؤمنين، أمّا حقيقة الرّأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به، وما غشّاك إذ كان منّي ما كان، ولكنّ الله عوّدك من العفو عادة جريت عليها، دافعا مما تخاف بما ترجو، فكفاك الله. فتبسّم المأمون، وأقبل على ثمامة وقال: إنّ من الكلام ما يفوق الدّرّ، ويغلب السّحر، وإنّ كلام عمّي منه، أطلقوا عن عمّي حديده وردّوه

стр. 140

لي مكرّما. فلمّا ردّ إليه قال: يا عمّي طب نفسا، وارجع إلى الأنس فلن ترى منيّ أبدا إلاّ ما تحبّ. ٣٦٤ - ولأبي عبادة البحتريّ يخاطب محمد بن يوسف الثّغريّ وهو محبوس: جعلت فداك الدّهر ليس بمنفكّ ... من الحدث المشكوّ والنّازل المشكي وما هذه الأيّام إلاّ منازل ... فمن منزل رحب إلى (١) منزل ضنك وقد هذّبتك الحادثات وإنّما ... صفا الذّهب الإبريز يظهر بالسّبك (٢) أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظّلم والإفك أقام جميل الصّبر في السّجن برهة ... فآل به الصّبر الجميل إلى الملك ٣٦٥ - وحبس الرّشيد رجلا فكتب إليه: إنّ كلّ يوم يمضي من ملكك يمضي من بؤسي مثله، والأمد قريب، والحكم لله. فأمر بإطلاقه. ٣٦٦ - وحبس الرّشيد أبا العتاهية فكتب إليه من السّجن: تفديك نفسي من كلّ ما كرهت ... نفسك إن كنت مذنبا فاغفر يا ليت قلبي مصّور لك ما ... فيه لتستيقن الذي أضمر فلما وقف الرّشيد على ذلك أمر بإطلاقه. ٣٦٧ - وحدّث محمد بن عبّاد قال: دخل حمزة بن بيض (٣) على يزيد بن

стр. 141

المهلّب في السّجن فأنشده: أغلق دون السّماح والجود والن ... نجدة باب حديده أشب (١) ابن ثلاث وأربعين مضت ... لا ورع واهن ولا نكب (٢) لا بطر إن تتابعت نعم ... وصابر في البلاء محتسب برّزت سبق الجواد في مهل ... وقصّرت دون سعيك العرب فقال: والله، يا حمزة، لقد أسأت حين نوّهت باسمي في وقت غير تنويه. ثم رفع مقعدا تحته، فرمى إليه بخرقة مصرورة، وعنده صاحب خبر [واقف] (٣). فقال: خذ هذا الدينار فو الله ما أملك ذهبا غيره. فأخذه حمزة، وأراد ردّه. فقال له سرّا: خذه، ولا تخدع عنه. قال حمزة: فعلمت أنّه غير ذهب، فلمّا خرجت، قال لي صاحب الخبر: ما أعطاك يزيد؟ فقلت: أعطاني دينارا، واستحييت أن أردّه. فلما صرت إلى منزلي حللت الصّرة وإذا فصّ ياقوت أحمر كأنه سقط زند، فقلت: والله، لئن عرضت هذا بالعراق ليعلمنّ أنّي أخذته من يزيد فيؤخذ مني. فخرجت به إلى خراسان فبعته من (٤) رجل يهوديّ بثلاثين ألفا، فلمّا قبضت المال [وصار الفصّ في يده] (٥)، قال لي: والله، لو أبيت إلاّ خمسين ألفا، لأخذته منك بها. فكأنّه قذف في قلبي جمرة، فلمّا رأى تغيّر وجهي قال: لست أشكّ أنّي قد غممتك. قلت: إي والله، وقتلتني. فأخرج إليّ مئة دينار وقال: أنفق هذه في طريقك؛ ليتوفّر عليك المال.

стр. 142

٣٦٨ - وقال القاضي التنوخي (١): من طريف ما شاهدناه: أنّ أبا تغلب (٢) فضل الله بن ناصر الدّولة أبي محمد (٣) استوحش من أخيه محمد (٤) بعد موت أبيهما، فقبض عليه واستصفى ماله، ونعمته، وقبض عقاره وضيعه، وثقّله بالحديد، وأنفذه إلى القلعة المعروفة بأردمشت (٥)، وهي مشهورة من أعمال الموصل حصينة، فحبسه فيها في مطمورة ووكّل بحفظه وإطعامه عجوزا جلدة ضابطة يقال لها نازيانوا (٦) وأمرها أن لا توصل إليه أحدا (٧)، ولا تعرّفه خبرا، وأن تخفي موضعه عن جميع شحنة (٨) القلعة وحفظها. ففعلت ذلك، وأقام على حاله تلك نحو ثمان سنين.

стр. 143

ثم اتّفق أن انحدر أبو تغلب معاونا لعزّ الدّولة أبي منصور بختيار بن معزّ الدولة (١) ومعهما العساكر يقصدان بغداد لمحاربة عضد الدولة (٢) وقد خرج للقائهما فكانت بينهما الوقعة العظيمة المشهورة بقرب قصر الجصّ (٣)، فقتل فيها عزّ الدولة، وانهزم أبو تغلب، فدخل الموصل وخاف أن يتخلّص محمد، فكتب إلى غلام له كانت القلعة مسلّمة له يقال له طاشتم (٤): في أن يمكّن رئيسا من رؤوساء الأكراد يقال له صالح كان كالشّريك لطاشتم في حفظ القلعة من محمّد ليمضي فيه ما أمره به. وكتب إلى صالح يأمره بقتل محمّد أخيه. فمكّن طاشتم صالحا، فلما أراد الدّخول على محمد ليقتله، منعت نازيانوا من ذلك وقالت: لا أمكّن من هذا إلا بكتاب يرد عليّ من الأمير. وشارف عضد الدولة الموصل، فانجفل عنها أبو تغلب وكردته (٥) العساكر فاشتدّ عليه الطّلب، وورد عليه كتاب صالح بما قالت نازيانوا. فإلى أن أجاب عنه أحاطت بعض عساكر عضد الدّولة بقلعة أردمشت ونازلوها فانقطعت الأخبار ما بينهما وبين أبي تغلب، ولم يصل له إليها كتاب، ثم فتحها عضد

стр. 144

الدّولة بعد شهور، بأن واطأه صالح على قبض طاشتم وكتب إليه يعرّفه عمل (١)، ويستأذنه فيما يعمله. وكان لمحمد خادم خصيّ يلي أمر داره أسود يسمى ناصحا وكان بعد القبض على محمد قد وقع إلى عضد الدّولة وهو بفارس، فصار من وجوه خدمه، فلما ورد الخبر بفتح القلعة أذكره ناصح بوعد كان له عليه في إطلاق مولاه محمد إذا فتح القلعة. فكتب يطلبه في القلعة، فإن وجد حيّا أن يطلق عنه، وينفذ إليه مكرّما. فحين دخل صالح ومعه بعض من صعد إلى القلعة من أصحاب عضد الدّولة إلى محمد في محبسه جزع جزعا شديدا، ولم يشكّ أنّهم دخلوا بأمر أبي تغلب لقتله، فأخذ يتضرّع ويقول: ما يدعو أخي إلى قتلي؟. فقالوا له: لا خوف عليك. فإنّما أمرنا الملك أن نطلق عنك، وتمضي إليه مكرّما، فقد ملك هذه البلاد. فقال: أغلب ملك الرّوم على هذه النواحي، وفتحت له القلعة؟ قالوا: لا، ولكن الملك عضد الدولة. قال: الذي كان بشيراز؟ قالوا: نعم. قال محمد: فأين بختيار؟ قالوا: قتل. قال: فأين أبو تغلب؟ قالوا: انهزم ودخل بلد الرّوم. قال: فالملك عضد الدّولة أين هو؟ قالوا: بالموصل، وقد أمر أن نحملك إليه مكرّما. فسجد حينئذ، وبكى بكاء شديدا، وحمد الله تعالى كثيرا، وجاؤوا ليفكّوا قيده، فقال: لا أمكّن من ذلك إلا بعد أن يشاهد حالي الملك. فحمل إلى الموصل فرأيته وقد أصعد به مقيّدا من [المعبر الذي عبر فيه في] (٢) دجلة إلى دار أبي تغلب التي نزلها عضد الدّولة، وأنا إذ ذاك أتولاها له، فرأيت محمدا يمشي في أقياده حتى دخل فقبّل الأرض بين يديه، ودعا له وأخرج إلى حجرة من الدّار، فأخذ حديده، وحمل على فرس فاره بمركب

стр. 145

ذهب، وقيّد بين يديه خمس (١) دوابّ بمراكب فضّة وخمس بجلالها، وثلاثون بغلا بوكفها (٢) محمّلة مالا صامتا، ومن صنوف الثّياب الفاخرة وغيرها إلى دار قد فرّغت له، وفرشت، وملئت بجميع ما يحتاج إليه، ثم أقطعه بعد أيام إقطاعا بثلاث مئة ألف درهم، وولاّه إمارة بلد (٣) وأعمالها. وهو ما كان يتولاه لأخيه أبي تغلب. ٣٦٩ - قال (٤): وقيل: كان موسى الهادي قد طالب أخاه الرّشيد أن يخلع نفسه من العهد ليصيّره لابنه بعده (٥). ويخرج هارون [من الأمر] (٦) فلم يجب إلى ذلك. فأحضر يحيى بن خالد البرمكي ولطف به وداراه، ووعده ومنّاه، وسأله أن يشير على هارون بالخلع، فلم يجب يحيى إلى ذلك، ودافعه عنه، فتهدّده وتوعّده، وجرت بينهما في ذلك خطوب عظيمة، وأشرف يحيى معه على الهلاك، وهو مقيم على مدافعته عن صاحبه إلى أن اعتلّ الهادي علّته التي مات فيها، واشتدّت به، فدعا يحيى وقال له: ليس ينفعني معك شيء (٧)، وقد أفسدت أخي عليّ، وقوّيت نفسه حتى امتنع ممّا أريده، وو الله، لأقتلنّك، ثم دعا بالسّيف والنّطع، وأبرك يحيى ليضرب عنقه، فقال إبراهيم بن ذكوان الحرّاني (٨): يا أمير المؤمنين، إن ليحيى عندي
следующие страницы →