المهلّب في السّجن فأنشده:
أغلق دون السّماح والجود والن ... نجدة باب حديده أشب (١)
ابن ثلاث وأربعين مضت ... لا ورع واهن ولا نكب (٢)
لا بطر إن تتابعت نعم ... وصابر في البلاء محتسب
برّزت سبق الجواد في مهل ... وقصّرت دون سعيك العرب
فقال: والله، يا حمزة، لقد أسأت حين نوّهت باسمي في وقت غير تنويه. ثم رفع مقعدا تحته، فرمى إليه بخرقة مصرورة، وعنده صاحب خبر [واقف] (٣). فقال: خذ هذا الدينار فو الله ما أملك ذهبا غيره. فأخذه حمزة، وأراد ردّه. فقال له سرّا: خذه، ولا تخدع عنه. قال حمزة:
فعلمت أنّه غير ذهب، فلمّا خرجت، قال لي صاحب الخبر: ما أعطاك يزيد؟ فقلت: أعطاني دينارا، واستحييت أن أردّه. فلما صرت إلى منزلي حللت الصّرة وإذا فصّ ياقوت أحمر كأنه سقط زند، فقلت: والله، لئن عرضت هذا بالعراق ليعلمنّ أنّي أخذته من يزيد فيؤخذ مني. فخرجت به إلى خراسان فبعته من (٤) رجل يهوديّ بثلاثين ألفا، فلمّا قبضت المال [وصار الفصّ في يده] (٥)، قال لي: والله، لو أبيت إلاّ خمسين ألفا، لأخذته منك بها. فكأنّه قذف في قلبي جمرة، فلمّا رأى تغيّر وجهي قال: لست أشكّ أنّي قد غممتك. قلت: إي والله، وقتلتني. فأخرج إليّ مئة دينار وقال: أنفق هذه في طريقك؛ ليتوفّر عليك المال.
стр. 142
٣٦٨ - وقال القاضي التنوخي (١): من طريف ما شاهدناه: أنّ أبا تغلب (٢) فضل الله بن ناصر الدّولة أبي محمد (٣) استوحش من أخيه محمد (٤) بعد موت أبيهما، فقبض عليه واستصفى ماله، ونعمته، وقبض عقاره وضيعه، وثقّله بالحديد، وأنفذه إلى القلعة المعروفة بأردمشت (٥)، وهي مشهورة من أعمال الموصل حصينة، فحبسه فيها في مطمورة ووكّل بحفظه وإطعامه عجوزا جلدة ضابطة يقال لها نازيانوا (٦) وأمرها أن لا توصل إليه أحدا (٧)، ولا تعرّفه خبرا، وأن تخفي موضعه عن جميع شحنة (٨) القلعة وحفظها. ففعلت ذلك، وأقام على حاله تلك نحو ثمان سنين.
стр. 143
ثم اتّفق أن انحدر أبو تغلب معاونا لعزّ الدّولة أبي منصور بختيار بن معزّ الدولة (١) ومعهما العساكر يقصدان بغداد لمحاربة عضد الدولة (٢) وقد خرج للقائهما فكانت بينهما الوقعة العظيمة المشهورة بقرب قصر الجصّ (٣)، فقتل فيها عزّ الدولة، وانهزم أبو تغلب، فدخل الموصل وخاف أن يتخلّص محمد، فكتب إلى غلام له كانت القلعة مسلّمة له يقال له طاشتم (٤): في أن يمكّن رئيسا من رؤوساء الأكراد يقال له صالح كان كالشّريك لطاشتم في حفظ القلعة من محمّد ليمضي فيه ما أمره به. وكتب إلى صالح يأمره بقتل محمّد أخيه. فمكّن طاشتم صالحا، فلما أراد الدّخول على محمد ليقتله، منعت نازيانوا من ذلك وقالت: لا أمكّن من هذا إلا بكتاب يرد عليّ من الأمير.
وشارف عضد الدولة الموصل، فانجفل عنها أبو تغلب وكردته (٥) العساكر فاشتدّ عليه الطّلب، وورد عليه كتاب صالح بما قالت نازيانوا. فإلى أن أجاب عنه أحاطت بعض عساكر عضد الدّولة بقلعة أردمشت ونازلوها فانقطعت الأخبار ما بينهما وبين أبي تغلب، ولم يصل له إليها كتاب، ثم فتحها عضد
стр. 144
الدّولة بعد شهور، بأن واطأه صالح على قبض طاشتم وكتب إليه يعرّفه عمل (١)، ويستأذنه فيما يعمله.
وكان لمحمد خادم خصيّ يلي أمر داره أسود يسمى ناصحا وكان بعد القبض على محمد قد وقع إلى عضد الدّولة وهو بفارس، فصار من وجوه خدمه، فلما ورد الخبر بفتح القلعة أذكره ناصح بوعد كان له عليه في إطلاق مولاه محمد إذا فتح القلعة. فكتب يطلبه في القلعة، فإن وجد حيّا أن يطلق عنه، وينفذ إليه مكرّما. فحين دخل صالح ومعه بعض من صعد إلى القلعة من أصحاب عضد الدّولة إلى محمد في محبسه جزع جزعا شديدا، ولم يشكّ أنّهم دخلوا بأمر أبي تغلب لقتله، فأخذ يتضرّع ويقول: ما يدعو أخي إلى قتلي؟.
فقالوا له: لا خوف عليك. فإنّما أمرنا الملك أن نطلق عنك، وتمضي إليه مكرّما، فقد ملك هذه البلاد. فقال: أغلب ملك الرّوم على هذه النواحي، وفتحت له القلعة؟ قالوا: لا، ولكن الملك عضد الدولة. قال:
الذي كان بشيراز؟ قالوا: نعم. قال محمد: فأين بختيار؟ قالوا: قتل.
قال: فأين أبو تغلب؟ قالوا: انهزم ودخل بلد الرّوم. قال: فالملك عضد الدّولة أين هو؟ قالوا: بالموصل، وقد أمر أن نحملك إليه مكرّما. فسجد حينئذ، وبكى بكاء شديدا، وحمد الله تعالى كثيرا، وجاؤوا ليفكّوا قيده، فقال: لا أمكّن من ذلك إلا بعد أن يشاهد حالي الملك.
فحمل إلى الموصل فرأيته وقد أصعد به مقيّدا من [المعبر الذي عبر فيه في] (٢) دجلة إلى دار أبي تغلب التي نزلها عضد الدّولة، وأنا إذ ذاك أتولاها له، فرأيت محمدا يمشي في أقياده حتى دخل فقبّل الأرض بين يديه، ودعا له وأخرج إلى حجرة من الدّار، فأخذ حديده، وحمل على فرس فاره بمركب
стр. 145
ذهب، وقيّد بين يديه خمس (١) دوابّ بمراكب فضّة وخمس بجلالها، وثلاثون بغلا بوكفها (٢) محمّلة مالا صامتا، ومن صنوف الثّياب الفاخرة وغيرها إلى دار قد فرّغت له، وفرشت، وملئت بجميع ما يحتاج إليه، ثم أقطعه بعد أيام إقطاعا بثلاث مئة ألف درهم، وولاّه إمارة بلد (٣) وأعمالها.
وهو ما كان يتولاه لأخيه أبي تغلب.
٣٦٩ - قال (٤): وقيل: كان موسى الهادي قد طالب أخاه الرّشيد أن يخلع نفسه من العهد ليصيّره لابنه بعده (٥). ويخرج هارون [من الأمر] (٦) فلم يجب إلى ذلك. فأحضر يحيى بن خالد البرمكي ولطف به وداراه، ووعده ومنّاه، وسأله أن يشير على هارون بالخلع، فلم يجب يحيى إلى ذلك، ودافعه عنه، فتهدّده وتوعّده، وجرت بينهما في ذلك خطوب عظيمة، وأشرف يحيى معه على الهلاك، وهو مقيم على مدافعته عن صاحبه إلى أن اعتلّ الهادي علّته التي مات فيها، واشتدّت به، فدعا يحيى وقال له:
ليس ينفعني معك شيء (٧)، وقد أفسدت أخي عليّ، وقوّيت نفسه حتى امتنع ممّا أريده، وو الله، لأقتلنّك، ثم دعا بالسّيف والنّطع، وأبرك يحيى ليضرب عنقه، فقال إبراهيم بن ذكوان الحرّاني (٨): يا أمير المؤمنين، إن ليحيى عندي
стр. 146
يدا (١) أريد أن أكافئة عليها، وأحبّ أن تهبه لي الليلة، وأنت في غد أعلى عينا (٢) وما تراه في أمره. فقال: وما فائدة حياة ليلة؟ فقال: إمّا أن يقود صاحبه إلى إرادتك، أو يعهد في أمر نفسه وولده. فأجابه إلى ذلك. قال يحيى: فأقمت من النّطع، وقد أيقنت بالموت، وأنه لم يبق لي من أجلي إلا بقيّة اللّيلة، فما اكتحلت غمضا إلى السّحر (٣)، ثم سمعت صوت الأقفال.
فلم أشكّ أنّ الهادي قد استدعاني للقتل لمّا [انصرف كاتبه. و] (٤) انقضت اللّيلة، فإذا خادم قد دخل، فقال: أجب السّيدة. فقلت: مالي والسّيدة؟
فقال: قم. فقمت، وأتت الخيزران (٥) فقالت: إنّ موسى قد مات، ونحن نساء، فادخل وأصلح شأنه. وأنفذ إلى هارون فجىء به. فدخلت فرأيته قد مات (٦) فوق فراشه، فشددت لحيته، وحمدت الله على لطيف صنعه، وتفريجه ما كنت فيه، وبادرت إلى هارون فوجدته نائما، فأيقظته، فلما رآني عجب وقال: ما الخبر؟ فقلت: قم يا أمير المؤمنين، إلى دار الخلافة. فقال: مات موسى؟ قلت: نعم. فقال: الحمد لله، هاتوا
стр. 147
ثيابي، فإلى أن لبسها جاءني سرّا من عرّفني أنّه ولد له ابن من مراجل.
فقلت: أقرّ الله عينك يا أمير المؤمنين بابن من مراجل. ولم يكن عرف الخبر. فحمد الله كثيرا، وسمّاه عبد الله وهو المأمون، وركب وأنا معه إلى دار الخلافة.
٣٧٠ - قال (١): وحدّث أبو الحسن بن أبي طاهر محمّد بن الحسن الكاتب قال: قبض أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله (٢) في وزارته على أبي وعليّ معه فحبسنا في حجرة من داره ضيّقة وأجلسنا على التراب وشدّد علينا، وكان يخرجنا كلّ يوم فيطالب أبي بمال المصادرة، وأضرب بحضرته ولا يضرب هو، ولا قينا من ذلك شدائد صعبة، فلما كان بعد أيام قال أبي:
إنّ هؤلاء الموكّلين بنا قد صارت لهم بنا حرمة فتوصّل (٣) إلى مكاتبة أبي بكر الصّيرفي-وكان صديقه-لينفذ لنا ثلاثة آلاف درهم نفرّقها عليهم. ففعلت ذلك، وأنفذ الدراهم من يومه.
فقلت للموكّلين في عشاء ذلك اليوم: قد وجبت لكم علينا حقوق فخذوا هذه الدّراهم فانتفعوا بها. فامتنعوا، فقلت: ما سبب امتناعكم؟ فورّوا (٤) عن ذلك. فقلت: إمّا قبلتم (٥) الدراهم، وإمّا عرّفونا السّبب.
فقالوا: نشفق عليكم من ذكره، ونستحي. فقلت لأبي، فقال: قل لهم اذكروه على كلّ حال. فقلت لهم، فقالوا: قد عزم الوزير على أن يقتلكما
стр. 148
اللّيلة، ولا نستحسن أن نأخذ شيئا منكما مع هذا. فقلقت، ودخلت إلى أبي في غير تلك الصّورة، فقال: مالك؟ فأخبرته الخبر. فقال: اردد الدّارهم على أبي بكر. فدفعتها إلى من جاء بها فردّها عليه.
وكان أبي يصوم تلك الأيّام كلّها، فلما غابت الشّمس تطهّر ولم يفطر، وصلّى المغرب، وصلّيت معه، ثم أقبل على الصّلاة والدّعاء إلى أن صلّى عشاء الآخرة، ثمّ دعاني، فقال لي: اجلس يا بني جاثيا على ركبتيك.
ففعلت، وجلس هو كذلك، ثم رفع رأسه إلى السّماء فقال: يا ربّ، محمد بن القاسم ظلمني، وحبسني على ما ترى، وأنا بين يديك، وقد استعديت إليك، وأنت أحكم الحاكمين، فاحكم بيننا، فاحكم بيننا.
لا يزيد عليها، ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته ولم يزل يكرّرها بصياح وبكاء، واستغاثة إلى أن ظننت أنّه قد مضى ربع الليل، فو الله ما قطعها حتّى سمعت صوت الباب يدقّ فذهب عليّ أمري، ولم أشكّ في أنّه القتل، وفتحت الأبواب (١)، ودخل قوم بشموع، فتأمّلت فإذا فيهم سابور (٢) غلام القاهر بالله، فقال: أين أبو الطاهر؟ فقام أبي، وقال: ها أنا ذا. فقال: أين ابنك؟ فقال: هو ذا. فقال: انصرفا إلى منزلكما. فخرجنا وإذا هو قد قبض على الوزير محمد بن قاسم، وحدره إلى دار القاهر فانصرفنا.
وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام، ثم مات.
٣٧١ - وقال الأصمعيّ: أتي عبد الملك بن مروان برجل قد قامت عليه
стр. 149
البيّنة بسرقة، فأمر بقطع يده، فقال الرّجل:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك من عار عليها يشينها
ولا خير في الدّنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها (١)
قال: هذا حدّ من حدود الله، ولا بدّ من إقامته. فقامت أمّه، وكانت عجوزا كبيرة فقالت: يا أمير المؤمنين، ولدي، وكادّي وكاسبي وواحدي. فقال: بئس الولد ولدك والكادّ والكاسب والواحد، يا غلام، اقطع يده. فقالت: يا أمير المؤمنين، أما لك ذنوب تستغفر الله عليها؟ قال: نعم. قالت: فهبه لي واجعله من الذّنوب التي تستغفر الله عليها. قال: خلّوه. فأطلق.
٣٧٢ - وذكر أبو عبد الله الباقطائي (٢) قال: سمعت عبيد الله بن سليمان (٣) يحدّث في وزارته قال: [قال لي أبي] (٤): أصبحت يوما وأنا في حبس محمد بن عبد الملك الزّيّات في خلافة الواثق آيس ما كنت من الفرج، وأشدّ محنة وغمّا، حتّى وردت عليّ ورقة أخي الحسن بن وهب (٥) وفيها شعر بعد رسالة:
стр. 150
خطب أبا أيّوب جلّ محلّه ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها (١)
إنّ الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيك يحسن حلّها
فاصبر فإنّ الله يعقب راحة ... ولعلّها أن تنجلي ولعلّها (٢)
وعسى تكون قريبة من حيث لا ... ترجو ويمحو عزّ جدّك ذلّها (٣)
فكتبت إليه:
صبّرتني ووعظتني وأنا لها ... وستنجلي بل لا أقول لعلّها
ويحلّها من كان صاحب حلّها ... ثقة به إذ كان يحسن حلّها
قال: فلم يكن العتمة من ذلك اليوم إلا وأنا في داري مطلقا.
٣٧٣ - وذكر منارة صاحب الخلفاء قال: رفع إلى هارون الرّشيد أنّ رجلا بدمشق من بقايا بني أميّة، عظيم الجاه، واسع الدّنيا، كثير المال والأملاك، مطاعا في البلد، له جماعة مماليك وأولاد وموال يركبون الخيل، ويحملون السّلاح، ويغزون الرّوم، وأنّه سمح جواد كثير الضّيافة، وأنّه لا يؤمن منه فتق يتعذّر رتقه، فعظم ذلك على الرشيد.
قال منارة: وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة في بعض خرجاته إلى الحجّ سنة ستّ وثمانين ومئة، وقد عاد من الموسم وبايع للأمين والمأمون
стр. 151
والمؤتمن (١) أولاده، فدعاني وهو على حال (٢)، فقال: إنّي دعوتك لأمر يهمني قد منعني النوم، فانظر كيف تعمل وتكون؟ ثمّ قصّ عليّ قصّة الأموي، وقال: اخرج الآن فقد أعددت لك الراحلة وأزحت علّتك في الزّاد والرّاحلة والنّفقة والآلات، وضمّ إليك مئة غلام فاسلك البريّة، وهذا كتابي إلى أمير دمشق، [وهذه قيود] (٣) فادخل، فابدأ بالرجل، فإن سمع وأطاع، فقيّده بها وائتني به، وإلا فتوكّل به أنت ومن معك لئلا يهرب، وأنفذ الكتاب إلى أمير دمشق ليركب في جيشه، واقبضوا عليه، وتجيئني به، وقد أجّلتك لذهابك ستا ولعودك ستا، ويوما لمقامك، وهذا محمل تجعله في شقّة وأنت في الأخرى، ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى تأتيني به في اليوم الثالث عشر، وإذا دخلت داره فتفقّدها وجميع ما فيها، وولده وأهله وحاشيته وغلمانه، وما يقولون، وقدّر النّعمة والحال والمحل، واحفظ ما يقوله الرّجل حرفا حرفا، وإيّاك أن يشكل عليك شيء من أمره.
قال منارة: فودّعته وانصرفت وخرجت، فركبت الإبل، وسرت أطوي المنازل، وأسير الليل والنهار، ولا أنزل إلاّ للجمع بين الصّلاتين والبول وتنفيس (٤) الناس قليلا، إلى أن وصلت دمشق في أوّل اللّيلة السّابعة، وأبواب البلد مغلقة، فكرهت طرقها، فنمت بظاهر البلد إلى أن فتح بابه من غد، فدخلت على هيئتي حتّى أتيت باب الرّجل، وعليه صفف (٥) كثير عظيم،
стр. 152
وحاشية كثيرة، فلم أستأذن، ودخلت بغير إذن، فلما رأى القوم ذلك، سألوا بعض من كان معي عنّي، فقال: هذا منارة رسول أمير المؤمنين الرّشيد إلى صاحبكم. فأمسكوا فلما صرت في صحن الدّار نزلت ورأيت مجلسا فيه جماعة جلوسا، فظننت الرّجل فيهم، فقاموا إليّ ورحّبوا بي وأكرموني، فقلت: أفيكم فلان؟ قالوا: لا، نحن أولاده، وهو في الحمام، قلت: استعجلوه.
فمضى بعضهم يستعجله، وأنا أتفقّد الدّار والأحوال والحاشية فوجدتها قد ماجت بأهلها موجا شديدا، فلم أزل كذلك حتى خرج الرّجل بعد أن أطال، واستربت به، واشتدّ قلقي وخوفي من أن يتوارى، إلى أن أقبل شيخا بزيّ (١) الحمّام، يمشي وحوله جماعة كهول وأحداث وصبيان هم أولاده وغلمان كثير فعلمت أنّه الرّجل، فجاء حتى جلس، وسلّم عليّ سلاما خفيفا، وسألني عن أمير المؤمنين، واستقامة أمر حضرته. فأخبرته بما وجب، وما قضى كلامه حتى جاؤوه بأطباق فاكهة، فقال لي: تقدّم يا منارة، فكل معنا. فقلت: ما بي إلى ذلك حاجة. فلم يعاودني، وأقبل يأكل هو والحاضرون عنده، ثم غسل يده، ودعا بالطعام، فجاؤوا بمائدة (٢) حسنة عظيمة لم أر مثلها إلاّ للخليفة، فقال: تقدّم يا منارة، فساعدنا على الأكل. لا يزيدني على أن يدعوني باسمي، كما يدعوني الخليفة، فامتنعت، فلم يعاودني، وأكل هو وأولاده، وكانوا تسعة عددهم، وجماعة كثيرة من أصحابه وحاشيته، وجماعة من أولاد أولاده، وتأمّلت أكله من نفسه، فوجدته أكل الملوك، وذلك الاضطراب الذي في داره قد سكن، ورأيت جأشه رابطا (٣) ووجدته لا يرفع من بين يديه شيء إلاّ
стр. 153
نهب (١).
وقد كانوا غلمانه (٢) أخذوا لما نزلت الدّار الجمال وجميع الغلمان الذي معي، فعدلوا بهم إلى دار له فما طاقوا ممانعتهم، وبقيت وحدي ليس بين يدي إلاّ ستة غلمان وقوف على رأسي، فقلت في نفسي: هذا جبّار عنيد، وإن امتنع عليّ من الشّخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمن معي، ولا حفظه، إلاّ أن يلحقني أمير البلد، وجزعت، ورابني منه تهاونه بي، واستخفافه، يدعوني باسمي، ولا يفكّر في امتناعي من الأكل، ولا يسألني فيما جئت له، ويأكل مطمئنا، وأنا أفكّر في ذلك حتّى فرغ من طعامه، وغسل يده، واستدعى بالبخور، فتبخّر، وقام إلى الصّلاة، فصلّى الظّهر وأكثر من الدّعاء والابتهال، ورأيت صلاة حسنة، فلما انفتل من المحراب أقبل عليّ، وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فقلت: أمر لك من أمير المؤمنين.
ودفعت إليه الكتاب ففضّه، وقرأه، فلما استتمّ قراءته، دعا أولاده وحاشيته فاجتمع منهم خلق عظيم، فلم أشكّ أنّه يريد أن يوقع بي، فلما تكاملوا ابتدأ فحلف أيمانا عظيمة فيها الطّلاق والعتاق والحجّ والصّدقة والوقف والحبس إن اجتمع منهم اثنان في موضع، وأن ينصرفوا فيدخلوا منازلهم، فلا يظهر منهم أحد إلى أن يظهر له أمر يعمل عليه. وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالمسير إلى بابه، ولست أقيم بعد نظري فيه لحظة واحدة، فاستوصوا بمن ورائي من الحرم خيرا، وما بي حاجة أن يصحبني غلام، هات أقيادك يا منارة.
فدعوت بها وكانت في سفط، وأحضرت حدادا، ومدّ ساقيه فقيّدته،
стр. 154
وأمرت غلماني بحمله حتى حصل في المحمل، وركبت في الشّق الآخر.
وسرت من وقتي لم ألق أمير البلد ولا غيره، وسرت بالرّجل ليس معه أحد إلى أن صرنا بظاهر دمشق، فابتدأ يحدّثني بانبساط إلى أن أتينا إلى بستان حسن في الغوطة، فقال: ترى هذا؟ قلت: نعم. فقال: إنّه لي، وفيه غرائب من الأشجار. ثم انتهينا إلى آخر، فقال لي مثل ما قال في الأوّل ثم انتهينا إلى مزارع حسان وقرى سريّة، فأقبل يقول: هذا لي. ويصف لي كلّ شيء من ذلك، فاشتدّ غيظي منه، وقلت: أعلمت أنّي شديد التّعجّب منك؟ قال: ولم تعجب؟ قلت: أولم تعلم أنّ أمير المؤمنين قد أهمّه أمرك، حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك وولدك ومالك، وأخرجك عن جميع حالك وحيدا فريدا مقيّدا لا تدري إلى ما تصير إليه، ولا كيف تكون، وأنت فارغ البال، تصف بساتينك وضياعك، هذا بعد أن رأيتك وقد جئت وأنت لا تعلم فيم جئت. وأنت ساكن القلب، ولقد كنت عندي شيخا فاضلا.
فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أخطأت فراستي فيك، ظننت أنّك رجل كامل العقل، وأنّك ما حللت من الخلفاء بذا المحلّ إلاّ بعد أن عرفوك بذلك، فإذا عقلك وكلامك يشبه عقل العوام وكلامهم، الله المستعان، أمّا قولك في أمير المؤمنين وإزعاجه لي وإخراجه إيّاي على صورتي هذه، فإنّي على ثقة بالله الذي بيده ناصية أمير المؤمنين، ولا يملك لنفسه معه ضرّا ولا نفعا إلاّ بإذن الله ومشيئته، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه، وبعد ذا إذا عرف أمري وعلم سلامتي وصلاح ناحيتي، وأنّ الحسدة والأعداء رموني (١) بما لست من طريقه، وتقوّلوا عليّ الأباطيل الكاذبة، لم يستحلّ دمي، وتحرّج من إيذائي وإزعاجي يردّني مكرّما، أو أقامني ببابه معظّما، وإن كان سبق في علم الله تعالى أنّه تبدر إليّ منه بادرة سوء، وقد حضر أجلي، وحان سفك
стр. 155
دمي على يده، فلو اجتمع أهل الأرض والسّماء على صرف ذلك عنّي لما استطاعوه، فلم أتعجّل الهمّ والغمّ وأتسلّف الفكر فيما قد فرغ الله منه؟ وإنّي حسن الظنّ بالله الذي خلق ورزق، وأمات وأحيا، وفطر وجبل، وأحسن وأجمل، وأين الصّبر والرّضا، والتّفويض والتّسليم إلى من يملك الدّنيا والآخرة؟ وقد كنت أحسب أنّك تعرف هذا، فإذا قد عرفت مبلغ فهمك فإنّي لا أكلّمك كلمة حتى تفرّق بيننا حضرة أمير المؤمنين قريبا إن شاء الله.
ثم أعرض عنّي فما سمعت له لفظة بغير القرآن والتّسبيح إلاّ أن يطلب ماء أو حاجة تجري مجراه، حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظّهر وإذا النّجب قد استقبلتني على فراسخ من الكوفة يتحسّسون خبري، فلما رأوني رجعوا متقدّمين بالخبر إلى الرّشيد، فانتهيت إلى الباب في آخر النهار، وحططت.
ودخلت على الرّشيد، فقبّلت الأرض بين يديه ووقفت، فقال: هات ما عندك، وإيّاك أن تغفل منه لفظة واحدة. فسقت الحديث من أوّله إلى آخره حتى انتهيت من فراغ الأموي من الفاكهة والطّعام والغسل والطّهور والبخور والصّلاة، وما حدّثت به نفسي من امتناعه. والغضب في وجه أمير المؤمنين يتزايد حتى انتهيت إلى فراغه من الصلاة، وانفتاله إليّ، ومسألته عن سبب قدومي، ودفعي الكتاب إليه، ومبادرته إلى إحضار ولده وأسبابه، وحلفه ألاّ يتبعه أحد منهم، وصرفه إيّاهم، ومدّ رجليه حتّى قيّدته. فما زال وجه الرّشيد يسفر حتى انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي إيّاه. فقال: صدق والله، صدق، ما هذا إلاّ رجل محسود على النّعمة، مكذوب عليه؛ لتزول نعمته.
ولعمري، لقد آذيناه وأزعجناه وروّعناه ورعّبنا أهله. فبادر بنزع قيوده عنه، وائتني به.
فخرجت، فنزعت قيوده، وأدخلته فما هو إلاّ أن رآه حتّى رأيت ماء
стр. 156
الحياء يجول في وجهه ووجه الرشيد. فدنا الأمويّ، وسلّم بالخلافة، فردّ عليه الرّشيد ردّا جميلا، وأمره بالجلوس، فجلس، وأقبل عليه الرّشيد يسائله عن حاله، ثم قال له: بلغنا عنك فضل هيئة، وأمور أحببنا معها أن نراك، ونسمع كلامك، ونحسن إليك، فاذكر حاجتك. فأجاب الأموي جوابا جميلا وشكر ودعا وقال: مالي إلاّ حاجة واحدة. فقال: مقضيّة، فما هي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، تردّني إلى بلدي وأهلي وولدي. قال: نحن نفعل ذلك، ولكن سل ما تحتاج إليه من مصالح جاهك ومعاشك؛ فإنّ مثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا. فقال: عمّال أمير المؤمنين منصفون، وقد استغنيت بعدله عن مسألته من ماله، وأموري مستقيمة، وأحوالي منتظمة، وكذلك أحوال أهل بلدي بالعدل الشّامل في ظلّ دولة أمير المؤمنين، وما أغتنم ماله. فقال الرشيد: انصرف محفوظا إلى بلدك، واكتب إلينا بأمر إن عنّ لك. فودّعه الأمويّ. فلما ولّى خارجا، قال الرّشيد: يا منارة، احمله من وقتك وسر به راجعا حتى إذا أوصلته إلى المجلس الذي أخذته منه، فدعه فيه وانصرف. ففعلت ما أمر به.
٣٧٤ - قال: وقيل: كان الأفشين (١) نقم على أبي دلف العجلي (٢)، وهو مضموم إليه في حرب بابك (٣) أشياء، فلما ظفر ببابك، وقدم من سرّ من رأى
стр. 157
شكاه إلى المعتصم بالله ليأمر بحبسه، فأمر بحبسه والتضييق عليه، ثم سأله أن يطلق يده عليه، فلم يفعل، وكان أحمد بن أبي دواد (١) متعصّبا لأبي دلف، يقول للمعتصم: إنّ الإفشين ظالم له، وإنّه إنّما نقم عليه نصيحته (٢) في محاربة بابك، ودفعه ما كان الإفشين يذهب إليه من مطاولة الأيّام، وإنفاق الأموال، وانبساط اليد في الأعمال، وتركه متابعته على ذلك، فألحّ الإفشين على المعتصم في إطلاق يده عليه، وكان للإفشين قدر جليل عند المعتصم يدخل إليه بغير إذن.
قال أحمد بن أبي دواد: ودخلت على المعتصم يوما فقال لي: يا أبا عبد الله، لم يدعني اليوم أبو (٣) الحسن الإفشين حتى أطلقت يده على القاسم بن عيسى، فقمت من بين يديه وما أبصر شيئا جزعا على أبي دلف، ودخلني أمر عظيم، وخرجت، فركبت دابتي، وخرجت أسير أشدّ سير (٤) من الجوسق (٥) إلى دار الإفشين أؤمّل أن أدرك أبا دلف قبل أن يحدث عليه الإفشين حادثة.
стр. 158
فلما وقفت ببابه كرهت أن أستأذن، فيعلم أنّي حضرت بسبب أبي دلف فيعجّل عليه، فدخلت على دابتي إلى الموضع الذي كنت أنزل فيه، وأوهمت حاجبه أنّي جئت برسالة المعتصم. ثمّ نزلت ورفع السّتر، فدخلت فوجدت الإفشين في مجلسه، وأبو دلف بين يديه مصفّدا بالحديد، في نطع. وهو يقرّعه، ويخاطبه بأشدّ غضب وأغلظ مخاطبة. فحين قربت منه أمسك، فسلّمت وأخذت مجلسي، ثم قلت: قد عرفت حرمتي من أمير المؤمنين، ومكاني منه، وخدمتي إيّاه وموضعي عنده، وتفرّده بالصّنيعة عندي والإحسان، وعلمت أيضا ميلي إليك ومحبّتي لك، وقد رغبت [إليك] فيما يرغب [فيه] (١) مثلي إلى مثلك ممّن قد رفع الله قدره، وأجلّ خطره، وأعلى همّته. فقال: كلّ ما قلت كما قلت، وكلّ ما أردت منيّ فهو مبذول لك خلا هذا الجالس، وإنّي لا أشفّعك فيه أبدا. فقلت: ما جئتك إلاّ في أمره، ولا ألتمس منك غيره، ولولا شدّة غضبك وما تتوعّده (٢) به من القتل لكان في جميل عفوك ما أغنى عن كلامك، ولكنّي لما عرفت غيظك وما تنقمه عليه احتجت-مع موقعه مني-إلى كلامك في أمره، واستيهاب عظيم جرمه؛ إذ مثلك في جلالتك إنّما يسأل جلائل الأمور. فقال: يا أبا عبد الله، هذا رجل طلب دمي فلم يقنعه إزالة نعمتي، فلا سبيل إلى تشفيعك فيه، ولكن هذا بيت مالي، وهذه ضياعي وكلّ ما أملك بين يديك، فخذ من ذلك كلّه ما أردت.
فقلت: بارك الله لك في أموالك وضياعك وثمرها، لم آتك في هذا، وإنّما أتيتك في مكرمة يبقى فضلها وحسن أحدوثتها، وتعتقد بها منّة (٣) في عنقي لا أزال مرتهنا بشكرها. فقال: ما عندي في هذا شيء البتّة. فقلت:
القاسم بن عيسى فارس العرب وشريفها، فاستبقه وأنعم عليه، فإن لم تره
стр. 159
لهذا أهلا فهبه للعرب كلّها، فأنت تعلم أنّ ملوك العجم لم تزل تفضل على ملوك العرب، ومن ذلك ما كان من كسرى إلى النّعمان حتى ملّكه، وأنت اليوم نقيّة (١) العجم وشريفها، والقاسم شريف العرب فكن اليوم شريفا من العجم أنعم على شريف من العرب وعفا عنه. فقال: ما عندي في هذا جواب إلاّ ما سمعته مني. وتنكّر وتبيّنت الشرّ في وجهه، فقلت في نفسي:
أنصرف، وأدع هذا يقتل، لا والله، ولكنّي أمثل بين يديه قائما [وأكلّمه] (٢) فلعلّه يستحي. فقمت، وتوهّمني أريد الانصراف فتحفّز لي. فقلت: لست أريد الانصراف، وإنّما مثلت بين يديك قائما طالبا ضارعا سائلا مستوهبا هذا الرّجل منك. وكان جوابه أغلظّ فتحيّرت، وقلت في نفسي، أقبّل رأس هذا الأقلف (٣) لا يكون هذا أبدا. ثم راجعتني الشّفقة على أبي دلف، فقبّلت رأسه وضرعت إليه، فلم يجبني، فأخذت فيما قدم وحدث (٤)، وعدت فجلست، وقلت: يا أبا الحسن، قد طلبت إليك وضرعت ووضعت خدّي لك ومثلت بين يديك وقبّلت رأسك، فشفّعني، واصرفني شاكرا فهو أجمل بك. فقال:
لا والله، ما عندي إلاّ ما قلت لك. فقلت: فإنّي رسول أمير المؤمنين إليك، وهو يقول لك: لا تحدثنّ في القاسم بن عيسى حدثا، فإنّك إن قتلته، قتلت به. فقال: أمير المؤمنين يقول هذا بعد أن أطلق يدي عليه؟ قلت: نعم، أنا رسول أمير المؤمنين إليك بما قلته لك، فإن تكن في الطّاعة فاسمع وأطع، وإن كنت قد خلعت، فقل: لا طاعة، ونفضت في وجهه يدي، وقمت.
فاضطرب حتى إنّه لا يقدر أن يدعو إليّ دابتي (٥)، وركبت وأغذذت السّير إلى
стр. 160
المعتصم لأخبره بالخبر، وبما اضطررت إليه من تأدية رسالة باطلة عنه، لأنّي علمت أنّه لم يقل لي ما قاله إلاّ وهو يحبّ استبقاء أبي دلف.
فانتهيت إلى الجوسق في وقت حار، والحجّاب جميعا نيام، والدار خالية، فدخلت حتى انتهيت إلى ستر الدّار التي فيها المعتصم، وجلست وقلت: إن جاء الإفشين دخلت معه وتكلّمت، وإن سهل الوصول أخبرت أمير المؤمنين بالخبر كلّه.
فبينا أنا كذلك إذ خرج خادم صغير من وراء السّتر، ثم دخل وخرج، فقال: ادخل. فدخلت، وقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي حرمة؟! مالي ذمام؟! أمالي حقّ؟! أما في فضل أمير المؤمنين ونعمته عليّ ما تجب رعايته؟! فقال: مالك يا أبا عبد الله، ما قصّتك؟ اجلس اجلس.
فجلست. ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قلت اليوم لي في القاسم بن عيسى قولا علمت معه أنّك أردت استبقاءه، وحقن دمه، فمضيت من فوري إلى أبي الحسن الإفشين، ثم قصصت عليه القصّة إلى أوّل الرسالة التي أدّيتها عنه، وهو في كلّ ذلك يتغيّظ، ويفتل سباله حتى [إذا] (١) أردت أن أعرّفه الرّسالة، قطع عليّ، وقال: يمضي قاضيّ، وصنيعتي أحمد بن أبي دواد إلى خيذر فيخضع له، ويقف بين يديه، ويقبّل رأسه فلا يشفّعه، قتلني الله إن لم أقتله. يكرّرها فما استوفى كلامه حتّى رفع السّتر، ودخل الإفشين فلقيه بأكبر اللّين واللّقاء، وقال: في هذا الوقت الحارّ يا أبا الحسن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، رجل عرفت ما نالني منه، وأنّه طلب دمي، وقد أطلقت يدي عليه، يجيء هذا ويقول: إنّك بعثت إليّ تأمرني أن لا أحدث فيه حدثا، وإنّي إن قتلته قتلت به. قال فغضب المعتصم، وقال: نعم، أنا أرسلته إليك فلا تحدث على القاسم حدثا. فنهض الإفشين مغضبا يدمدم. واتّبعته لأتلافاه، فصاح بي
стр. 161
المعتصم: ارجع، يا أبا عبد الله. فرجعت وقلت: يا أمير المؤمنين، إنّه كان بقي شيء قطعتني بكلامك عن ذكره لك. قال: تعني الرّسالة؟ قلت: نعم.
قال: قد فهمتها، والقاسم يوافيك العشيّة، فاحذر أن تتفوّه بكلمة ممّا جرى.
ومضى الإفشين، فأطلق القاسم وخلع عليه، وجاءني القاسم من عشيّة، وما أخبرت بالحديث حتى قتل الإفشين، ومات المعتصم.
٣٧٥ - ولأبي دلف يشكر أحمد بن أبي دواد على استنقاذه من القتل:
ما زلت في غمرات الموت مطّرحا ... قد غاب عني وجوه الأمن والحيل
فلم تزل دائبا تسعى بجهدك لي ... حتّى اختلست حياتي من يدي أجلي
٣٧٦ - وقيل: إنّ عاملا كان للمنصور على فلسطين كتب إليه: أنّ بعض أهلها وثب عليه، واستغوى جماعة، وعاث في العمل. فكتب إليه المنصور: دمك مرتهن به إن لم توجّه به إليّ. فصمد له العامل، وأخذه ووجّه به إليه. فلمّا مثل بين يديه، قال له: أنت المتوثّب (١) على أمير المؤمنين؟! لأنثرنّ من لحمك أكثر ممّا يبقى على عظمك. قال: وكان شيخا ضئيل الصوت (٢) فقال بين يديه:
أتروض عرسك (٣) بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم (٤)
فلم يفهم المنصور ما قال، فقال: يا ربيع (٥)، ما يقول؟ قال: إنّه يقول:
стр. 162
العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عنّي اليوم مصروف (١)
فقال المنصور: يا ربيع، قد عفوت عنه؛ فخلّ سبيله، واحتفظ به، وأحسن إليه.
****
стр. 163
الفصل الخامس
في
نفاق الأصحاب والإخوان
وتغيّرهم مع تغيّر الزمان
٣٧٧ - قال بعضهم: اعرف أخاك عند نائبة تنوبك، أو نعمة تتجدّد له؛ فهما الحالتان اللّتان يمتحن بهما الإخوان، فيكشف خيارهم عن النّصرة والتّواضع، وشرارهم عن الجفوة والتكبّر.
٣٧٨ - أبو هفّان (١):
ألا إنّ إخوان الصّفاء قليل ... فهل لي إلى ذاك القليل سبيل (٢)
قس النّاس تعرف غثّهم وسمينهم ... فكلّ عليه شاهد ودليل (٣)
٣٧٩ - وقال محمّد بن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لا يكون الصّديق صديقا حتى يحفظ صديقه في نكبته، وفي غيبته، وبعد وفاته.
٣٨٠ - وقال بزرجمهر: من تغيّر عليك في مودّته، فدعه حيث كان قبل معرفته.
стр. 164
٣٨١ - [محمد بن] أحمد بن حمدان الخبّاز البلدي (١):
ألا إنّ إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمال لا تقصّر في لسعي
ظننت بهم خيرا فلمّا بلوتهم ... نزلت بواد منهم غير ذي زرع
٣٨٢ - وقيل: لا يكون الجواد جوادا حتّى يجود على إخوانه في شدّتهم، ويكفيهم في غيبتهم، وبعد وفاتهم.
٣٨٣ - عبد الله بن محمد المصري:
ما سمعنا باسم الصّديق فطالب ... نا بمعناه فاكتسبنا صديقا
أتراه في الأرض يوجد لكن ... نحن لا نهتدي إليه طريقا
أم ترى قولهم «صديق» مجاز ... لا ترى تحت لفظه تحقيقا
٣٨٤ - وقيل لبعض العلماء: ما أشدّ ما بليت به؟ قال: تجربة الصّديق، والحاجة إلى لئيم. قال: قيل: فأيّ أخلاق الرّجال أوضع؟ قال:
كثرة الكلام، وإضاعة الأسرار.
٣٨٥ - هي توبة من أن أظنّ جميلا ... أو أن أعدّ مصاحبا وخليلا
كشفت لي الأيّام كلّ خبيئة ... فرأيت إخوان الصّفاء قليلا
والنّاس سلم ما رأوك مسلّما ... ورأوا نوالك فيهم مبذولا
وإذا افتقرت إليهم ألفيتهم ... سيفا عليك مع الزّمان صقيلا
стр. 165
٣٨٦ - وقيل: خير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك؛ وخير مالك ما أغناك، وخير منه ما وقاك.
٣٨٧ - وقال أبو العتاهية:
إنّ أخاك الصّدق من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزّمان صدعك ... شتّت شمل نفسه ليجمعك
٣٨٨ - وقيل لخالد بن صفوان (١): أيّ إخوانك أحبّ إليك؟ قال:
الذي يسدّ خلّتي، ويغفر زلّتي، ويقيل عثرتي.
٣٨٩ - ولبعضهم:
إذا ما خليل لم يدم لي وصاله ... ويكتم أسراري ويحسن صحبتي
فبعدا وسحقا من خليل موارب ... فلست ببذّال لذاك مودّتي
٣٩٠ - وقال العتابي: إذا كان لك أخ تحبّه، فلا تفسدنّ حبّه بإدخال الدنيا بينك وبينه، وإذا أردت أن تصفو لك مودّة الأصحاب والإخوان فاحذر أن تكون لهم عليك نعمة.
٣٩١ - الرّقاشي:
وليس صدّ لذات الخال يمرضني ... لكنّما الموت عندي صدّ إخواني (٢)
стр. 166
إذا رأيت ازورارا من أخي ثقة ... ضاقت عليّ برحب الأرض أوطاني
فإن صددت بوجهي كي أكافئه ... فالعين غضبى وقلبي غير غضبان
٣٩٢ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: ثلاثة لا يعرفون إلاّ في ثلاثة مواطن: لا يعرف الشّجاع إلاّ في الحرب، ولا الحليم إلاّ عند الغضب، ولا الصّديق إلاّ عند الحاجة.
٣٩٣ - لبعضهم:
وآخ إذا آخيت ذا الدّين والتّقى ... ففي من ترى ذئب وآخر ثعلب
صديقك من أحببت في الله مخلصا ... ولكنّ إخوان المصافاة غيّب
٣٩٤ - وقال محمد بن يحيى: لما ولي يحيى بن علي الوزارة في الدّفعة الثّانية دخلت إليه والناس يهنّئونه، فحين رآني أنشد:
ما النّاس إلاّ مع الدّنيا وصاحبها ... فحيث ما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظّمون أخا الدّنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهوا (١) وثبوا
٣٩٥ - وقال بزرجمهر: آخ ذا كرم، واسترسل إليه، وإيّاك ومفارقته، ولا عليك أن تصحب إلاّ العاقل، وإن لم يكن كريما، فتنفعه بكرمك، وتنتفع بعقله، واهرب كلّ الهرب من اللئيم الأحمق.
٣٩٦ - وإذا صاحبت فاصحب صاحبا ... ذا حياء وعفاف وكرم (٢)
стр. 167
قوله للشيء «لا» إن قلت «لا» ... وإذا قلت «نعم» قال «نعم»
٣٩٧ - آخر:
إذا ما خليل باع ودّك مرّة ... فبعه ولو طرحا بحبّة خردل
أهنه، أهان الله مثواه والتمس ... لنفسك حرّا ليس بالمتنقّل
٣٩٨ - وقال جعفر بن محمد: إذا آخيت أخا فهب له نفسك ومالك، ولا تخدعنّ أحدا بصحبتك؛ فإنّ الخيانة في كلّ شيء قبيحة، وأقبح الخيانات خيانة الأخ في ماله ومودّته وأهله.
٣٩٩ - عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
أغمّض عيني عن صديقي تعاميا ... كأنّي بما يأتي من القبح جاهل
وما بي جهل غير أنّ خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما أحاول
وإن أقطع الإخوان في كلّ عثرة ... بقيت وحيدا لم أجد من أواصل
متى ما يربني مفصل لي قطعته ... بقيت ومالي في النّهوض مفاصل
ولكن أداريه فإن صحّ سرّني ... وإن هو أعيى كان منّي التّحامل
٤٠٠ - وقيل: من كان له صديق ولم ينتفع به، فليصوّر مثله على الحائط، ويبصق عليه.
٤٠١ - وقيل: الصّديق من صفا في مودّته، وأصفى خلّه خالص خلّته.
٤٠٢ - أخوك الذي إن سرّك الأمرّ سرّه ... وإن غبت يوما ظلّ وهو حزين
يقرّب من قرّبت من ذي مودّة ... ويقصي إذا أقصيته ويهين
٤٠٣ - وقيل: حقيقة الإخاء: المواساة في الشدّة والرّخاء.
стр. 168
٤٠٤ - ابن الرّومي:
تخذتكم ترسا ودرعا لتدفعوا ... سهام العدا عنّي فكنتم نصالها
وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها
إذا كنتم لا تدفعون ملمّة ... عن النّفس كونوا لا عليها ولا لها (١)
٤٠٥ - الصّولي:
من رأى في الأنام مثل أخ لي ... كان أنسي في كلّ حال وخلّي (٢)
رفعته حال فحاول حطّي (٣) ... وأبى أن يعزّ إلاّ بذلّي
٤٠٦ - وقيل: أفضل الإخوان: أحضرهم معونة على الشدّة.
٤٠٧ - وقيل: أحقّ من شركك في النّعم شركاؤك في المكاره.
٤٠٨ - إبراهيم بن العبّاس الكاتب:
стр. 169
أولى البريّة طرّا أن تواسيه ... عند السّرور الذي وافاك في الحزن (١)
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن (٢)
٤٠٩ - وقال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدّواء يحتاج إليه أحيانا، وطبقة كالدّاء لا يحتاج إليه.
٤١٠ - لبعضهم:
إنّ الكريم الذي تبقى مودّته ... ويحفظ الودّ إن صافى وإن صرما
ليس الكريم الذي إن زلّ صاحبه ... بثّ الذي كان من أسراره علما
٤١١ - وقيل لرجل: أيّما أحبّ إليك صديقك أم أخوك؟ قال: أخي إذا كان صديقي.
٤١٢ - لأبي الشّيص (٣):
لعمري لقد كنت لي صاحبا ... أسرّ به أيّما صاحب
وكنت وكنّا وأيامنا ... نقطّعها بالهوى الغالب
стр. 170
تعظّم حقّي وتعبا به ... وما كان حقّي بالواجب
فلمّا استقامت لك التّرهات ... قذفت بحبلي على غاربي
فإن كنت تنكر ما قلته ... وأنزلتني منزل الكاذب
فما بال عينك مطروفة ... إذا ما نظرت إلى جانبي
٤١٣ - آخر:
إذا رأيت امرأ في حال عسرته ... مصافيا لك ما في ودّه دغل (١)
فلا تمنّ له أن يستفيد غنى ... فإنّه بانتقال الحال ينتقل
٤١٤ - وقيل: شرط الصّديق أن لا يضنّ بماله عليك، وإن ضنّ بماله فهو بنفسه أضنّ (٢)، ومن ضنّ بنفسه وماله فلبعد معرفة لا صداقة، وما أكثر في التصاوير مثله.
٤١٥ - المهلبي لنفسه (٣):
عاشر أخاك على ما كان من خلق ... واحفظ مودّته بالغيب ما وصلا
فأطول النّاس غمّا من يريد أخا ... ذا خلّة لا يرى في ودّه خللا
٤١٦ - وسئل بعض الحكماء: أيّ الكنوز خير؟ فقال: بعد تقوى الله الأخ الصّالح.
стр. 171
٤١٧ - طلبت امرأ محضا صحيحا مسلّما ... نقيّا من الآفات في كلّ موسم (١)
لأمنحه ودّي فلم أدرك الذي ... طلبت ومن لي بالصّحيح المسلّم
فلما بدا لي أنّني لست مبتلى ... من النّاس إلا بالمريض المسقّم
صبرت ومن يصبر يجد غبّ صبره ... ألذّ وأحلى من جنى النّحل في الفم
ومن لا يطب نفسا ويستبق صاحبا ... ويغفر لأهل الودّ يصرم ويصرم
٤١٨ - وقيل: إنّ بزرجمهر رأى رجلين لا يفترقان، فسأل عنهما، فقيل له: إنّهما صديقان. فقال: فما بال أحدهما غني والآخر فقير.
٤١٩ - جحظة (٢):
قعدت عن الإخوان من غير ما قلى ... وإنّ عجيبا ما أتيت على عمد
وجهد الفتى أن يستر البيت حاله ... إذا لم يجد حرّا يعين على الجهد
٤٢٠ - آخر
بلوت وجرّبت الزّمان وأهله ... وأدّبني منهم مسيء ومحسن
من الحزم أن تحتاط فيما وليته ... وتحكم ما تخشاه والأمر يمكن
٤٢١ - وسأل الإسكندر ذيوجانس قال: بم يعرف الصّديق؟ قال: عند
стр. 172
الشدّة، فكلّ النّاس في الرّخاء صديق.
٤٢٢ - ولبعضهم:
أهل ودّي ومن عليه اعتمادي ... لم تجنّبتم وخنتم عهدي
ألذنب فعلته أم تبعتم ... فعل دهر في حكمه متعدّي
٤٢٣ - أبو العتاهية:
كلّ من أحوجك الدّهر إليه ... فتعرّضت له هنت عليه
فدع المخلوق لا تسألنه (١) ... واسأل الخالق ممّا في يديه
٤٢٤ - وافتقد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (٢) صديقا له من مجلسه، ثم جاءه فقال: أين كانت غيبتك؟ فقال: خرجت إلى عرض من أعراض المدينة مع صديق لي. فقال: إن لم تجد بدّا من صحبة الرّجال، فعليك بصحبة من إن صحبته زانك.
٤٢٥ - آخر:
اتّق الأحمق لا تصحبه (٣) ... إنّما الأحمق كالثّوب الخلق
كلّما رقّعت منه جانبا ... عاد فيه الرّيح طورا فانخرق
٤٢٦ - ابن المعتز:
إذا نائبات الدّهر يسّرن للفتى ... ثلاث خلال قلّ ما يتيسّر
كفاف يصون المرء عن بذل وجهه ... فيضحي ويمسي وهو حرّ موقّر
стр. 173
وكأس تسلّيه إذا الهمّ ضاقه ... ومسمعة أسماعها ليس تنكر
ورابعة عزّت وقلّ وجودها ... صديق على الأيّام لا يتغيّر
٤٢٧ - الرّضيّ:
من كشّف النّاس لا يسلم له أحد ... النّاس داء فخلّ الدّاء مستورا
٤٢٨ - آخر:
إذا أنكرت أخلاق الصّديق ... فلست من التّغيّر في مضيق
طريق كنت تسلكه زمانا ... تغيّر فاجتنبه إلى طريق (١)
٤٢٩ - آخر:
إذا ما صديقي أسا مرّة ... وقد كان في ما مضى مجملا
ذكرت المقدّم من فعله ... ولم يفسد الآخر الأوّلا
٤٣٠ - أبو بكر الخوارزمي (٢):
إن شئت أن تعرف يا صاحبي ... مالك في قلبي من الواجب
فانظر إلى فعلك لي أوّلا ... وقس على الشّاهد بالغائب
٤٣١ - آخر:
ما من أخ يحنو عليكا ... إلا لشيء في يديكا
стр. 174
وأخوك نظرته إليكا ... بقدر رغبته إليكا
فإن اتّسعت فلن يهمّ ... ك من يطيف بجانبيكا (١)
والناس إخوة نعمة ... لله ما دامت عليكا (٢)
٤٣٢ - منصور الفقيه:
من يغب وهو حافظ العهد وافي ... هو خير من حاضر وهو جافي
ربّ دان بقلبه وهو ناء ... ومقيم وقلبه في انصراف
٤٣٣ - ابن الخازن (٣):
يا إخوة الدّهر في أخلاقه نسبا ... ينمي إلى كلّ واهي العهد محلول
إن لان لنتم وإن أبدى تهجّمه ... كشرتم عن نيوب الأسد في الغيل
لم اختصرتم سلاما كنت أعهده ... في غاية الطّيب بل في غاية الطّول
أكلّ من نال مالا مال جانبه ... وكان معتدل الأعطاف كالميل
أشكو من النّيل والدّنيا بأجمعها ... إذا تأمّلتها سوداء كالنّيل
٤٣٤ - آخر:
ويئست حتّى لو بصرت بنارهم ... للضّيف تبدو قلت: نار حريق
لا يضحك الأيّام سوء مطامعي ... إلا إذا طالبتها بصديق
٤٣٥ - وقيل: إذا انقطع رجاؤك من صديقك، فألحقه بعدوّك.
٤٣٦ - لبعضهم:
стр. 175
اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه (١)
إيّاك واحذر أن تكو ... ن من الثّقات على ثقه
٤٣٧ - آخر:
في سعة الأرض وفي أهلها ... مستبدل بالخلّ والجار
فمن دنا منك فأهلا به ... ومن تولّى فإلى النّار
٤٣٨ - آخر:
برمت بالنّاس وأخلاقهم ... فصرت أستأنس بالوحده
ما أكثر النّاس لعمري وما ... أقلّهم في موضع الشّدّه
٤٣٩ - وقيل: إنّ أبا مسلم الخراساني (٢) ﵀ أهدى له بعض أصحاب الأطراف فرسا سابقا متكامل الصّفة، فقال لجلسائه: لماذا يصلح هذا الفرس؟ فقال أحدهم: للأمير، أطال الله بقاءه، يدرك عليه ما يرومه، ويبعد ممّا يكرهه. وقال آخر: بل يتحف به الأمير الخليفة، فلا يكون عنده مثله، ولا يقدر أحد على ما هو خير منه. فقال: ما قصدتما مرادي.
فقالا: الأمير أعلم بالرأي. فقال: يركب ويهرب عليه من الجار السّوء
стр. 176
والخلّ المنافق.
٤٤٠ - لبعضهم:
وليس خليلي بالملول ولا الذي ... إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلي من يدوم وفاؤه ... ويحفظ سرّي عند كلّ دخيل
٤٤١ - ابن ناقيا (١):
وجرّبت بالغيب ودّ الصّديق ... فلم أره بالوفي الأمين
فقد قام عندي بغدر (٢) العدو ... إذا هو مثل الصّديق الخؤون
٤٤٢ - ابن خلف:
وإذا ما الصّديق أعرض عنّي ... قاطعا حبل وصله بالتجنّي
لم أكن نادما على تركه الوص ... ل ولا قارعا على الهجر سنّي
٤٤٣ - لأبي عليّ بن الشّبل (٣):
لله درّ الفقر من منصف ... مؤلّف بين خليلين
ولا رعى الله الغنى إنّه ... مزيل ما بين الصفيّين
كم من صديق لي في فقره ... كالرّوح كنّا بين جسمين
أبطره تيه الغنى فانثنى ... يقسمني باللّحظ شطرين
стр. 177
يكسر مني العين من كبره ... وكنت منه موضع العين
٤٤٤ - نفطويه (١):
وما النّاس بالنّاس الذين عهدتهم ... وما الدّار بالدّار التي كنت تعرف
ولا كلّ من صافيته الودّ مخلص ... ولا كلّ من صاحبته لك منصف
٤٤٥ - أبو العتاهية:
إنّ للمعروف أهلا ... وقليل فاعلوه
أفضل المعروف ما لم ... تبتذل فيه الوجوه
ربّ محبوب لقوم ... غاب عنهم فنسوه (٢)
وأبو الأبناء لا يب ... قى ولا يبقى بنوه
أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدّهر أخوه (٣)
وإذا احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه
لو رأى التّرك نبيا ... سائلا ما وصلوه (٤)
بل همو لو طمعوا في ... زاد كلب أكلوه (٥)
стр. 178
نحن في دهر على المع ... ـدم لا يجدي أبوه
٤٤٦ - أبو فراس:
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحرّ الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلّهم ... ذئابا على أجسادهنّ ثياب
٤٤٧ - وقيل: اثنتان قد أعوزا وعزّا، درهم حلال، وأخ في الله.
٤٤٨ - المتنبي:
إذا ما النّاس جرّبهم لبيب ... فإنّي قد أكلتهم وذاقا (١)
فلم أر ودّهم إلا خداعا ... ولم أر دينهم إلا نفاقا
٤٤٩ - ابن المعتز:
بلوت أخلاّء هذا الزّمان ... فأقللت بالهجر منهم نصيبي
فكلّهم إن تأمّلتهم ... صديق العيان عدوّ المغيب (٢)
٤٥٠ - امرؤ القيس:
стр. 179
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرّت به عيني تبدّلت آخرا (١)
وذاك لأنّي لا أصاحب صاحبا ... من النّاس إلا خانني وتنكّرا (٢)
٤٥١ - السّريّ الرّفّاء (٣):
وأخ رخصت عليه حتّى ملّني ... والشّيء مملول إذا ما يرخص
يا ليته إذ باع ودّي باعه ... فيمن يزيد عليه لا من ينقص
ما في زمانك ما يعزّ وجوده ... إن رمته إلا صديق مخلص
٤٥٢ - آخر:
عفاء على هذا الزّمان فإنّه ... زمان عقوق لا زمان حقوق
فكلّ رفيق فيه غير موافق ... وكلّ صديق فيه غير صدوق
٤٥٣ - أبو فراس:
أقلّب طرفي لا أرى غير صاحب ... يميل مع النّعماء حيث تميل
стр. 180
٤٥٤ - منصور الفقيه:
كلّ من أصبح من ده ... ـرك ممّن قد تراه
هو من خلفك مقرا ... ض وفي الوجه مراه (١)
٤٥٥ - آخر:
ألفت انفرادي عن بني الدّهر غيرة ... على حسبي من أن أكون لهم إلفا
وجرّبت أهليه فكل وجدته ... سقاني كؤوس الغدر مترعة صرفا
٤٥٦ - العتبي من أول شعره:
وصاحب لي أبنيه ويهدمني ... لا يستوي هادم يوما وبنّاء
٤٥٧ - وقال بعض الحكماء: لا أعرف ضرّا أوصل إلى نياط القلب من الحاجة إلى من لا تثق بمودّته ولا ترضاه، ولا تأمن ردّه. وأعظم المصائب فقد كلّ خليل لا عوض منه. وكان يقال: شرّ الإخوان: الواصل في الرّخاء، الخاذل عند البلاء. وكان يقال: من لم يرض [من] صديقه إلا بإيثاره إيّاه على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كلّ ذنب كثر عدوّه، ومن لم يؤاخ من الإخوان إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه. وكان يقال: الصّفح عن الإخوان مكرمة، ومكافأتهم على الذّنوب دناءة.
٤٥٨ - إبراهيم بن العباس الكاتب:
نعم الزّمان زماني ... الشّأن في الخلان
ومن ذخرت لنفسي ... فعاد ذخر الزّمان
لو قيل لي خذ أمانا ... من أعظم الحدثان
لما أخذت أمانا ... إلا من الإخوان