والخلّ المنافق.
٤٤٠ - لبعضهم:
وليس خليلي بالملول ولا الذي ... إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلي من يدوم وفاؤه ... ويحفظ سرّي عند كلّ دخيل
٤٤١ - ابن ناقيا (١):
وجرّبت بالغيب ودّ الصّديق ... فلم أره بالوفي الأمين
فقد قام عندي بغدر (٢) العدو ... إذا هو مثل الصّديق الخؤون
٤٤٢ - ابن خلف:
وإذا ما الصّديق أعرض عنّي ... قاطعا حبل وصله بالتجنّي
لم أكن نادما على تركه الوص ... ل ولا قارعا على الهجر سنّي
٤٤٣ - لأبي عليّ بن الشّبل (٣):
لله درّ الفقر من منصف ... مؤلّف بين خليلين
ولا رعى الله الغنى إنّه ... مزيل ما بين الصفيّين
كم من صديق لي في فقره ... كالرّوح كنّا بين جسمين
أبطره تيه الغنى فانثنى ... يقسمني باللّحظ شطرين
стр. 177
يكسر مني العين من كبره ... وكنت منه موضع العين
٤٤٤ - نفطويه (١):
وما النّاس بالنّاس الذين عهدتهم ... وما الدّار بالدّار التي كنت تعرف
ولا كلّ من صافيته الودّ مخلص ... ولا كلّ من صاحبته لك منصف
٤٤٥ - أبو العتاهية:
إنّ للمعروف أهلا ... وقليل فاعلوه
أفضل المعروف ما لم ... تبتذل فيه الوجوه
ربّ محبوب لقوم ... غاب عنهم فنسوه (٢)
وأبو الأبناء لا يب ... قى ولا يبقى بنوه
أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدّهر أخوه (٣)
وإذا احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه
لو رأى التّرك نبيا ... سائلا ما وصلوه (٤)
بل همو لو طمعوا في ... زاد كلب أكلوه (٥)
стр. 178
نحن في دهر على المع ... ـدم لا يجدي أبوه
٤٤٦ - أبو فراس:
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحرّ الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلّهم ... ذئابا على أجسادهنّ ثياب
٤٤٧ - وقيل: اثنتان قد أعوزا وعزّا، درهم حلال، وأخ في الله.
٤٤٨ - المتنبي:
إذا ما النّاس جرّبهم لبيب ... فإنّي قد أكلتهم وذاقا (١)
فلم أر ودّهم إلا خداعا ... ولم أر دينهم إلا نفاقا
٤٤٩ - ابن المعتز:
بلوت أخلاّء هذا الزّمان ... فأقللت بالهجر منهم نصيبي
فكلّهم إن تأمّلتهم ... صديق العيان عدوّ المغيب (٢)
٤٥٠ - امرؤ القيس:
стр. 179
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرّت به عيني تبدّلت آخرا (١)
وذاك لأنّي لا أصاحب صاحبا ... من النّاس إلا خانني وتنكّرا (٢)
٤٥١ - السّريّ الرّفّاء (٣):
وأخ رخصت عليه حتّى ملّني ... والشّيء مملول إذا ما يرخص
يا ليته إذ باع ودّي باعه ... فيمن يزيد عليه لا من ينقص
ما في زمانك ما يعزّ وجوده ... إن رمته إلا صديق مخلص
٤٥٢ - آخر:
عفاء على هذا الزّمان فإنّه ... زمان عقوق لا زمان حقوق
فكلّ رفيق فيه غير موافق ... وكلّ صديق فيه غير صدوق
٤٥٣ - أبو فراس:
أقلّب طرفي لا أرى غير صاحب ... يميل مع النّعماء حيث تميل
стр. 180
٤٥٤ - منصور الفقيه:
كلّ من أصبح من ده ... ـرك ممّن قد تراه
هو من خلفك مقرا ... ض وفي الوجه مراه (١)
٤٥٥ - آخر:
ألفت انفرادي عن بني الدّهر غيرة ... على حسبي من أن أكون لهم إلفا
وجرّبت أهليه فكل وجدته ... سقاني كؤوس الغدر مترعة صرفا
٤٥٦ - العتبي من أول شعره:
وصاحب لي أبنيه ويهدمني ... لا يستوي هادم يوما وبنّاء
٤٥٧ - وقال بعض الحكماء: لا أعرف ضرّا أوصل إلى نياط القلب من الحاجة إلى من لا تثق بمودّته ولا ترضاه، ولا تأمن ردّه. وأعظم المصائب فقد كلّ خليل لا عوض منه. وكان يقال: شرّ الإخوان: الواصل في الرّخاء، الخاذل عند البلاء. وكان يقال: من لم يرض [من] صديقه إلا بإيثاره إيّاه على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كلّ ذنب كثر عدوّه، ومن لم يؤاخ من الإخوان إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه. وكان يقال: الصّفح عن الإخوان مكرمة، ومكافأتهم على الذّنوب دناءة.
٤٥٨ - إبراهيم بن العباس الكاتب:
نعم الزّمان زماني ... الشّأن في الخلان
ومن ذخرت لنفسي ... فعاد ذخر الزّمان
لو قيل لي خذ أمانا ... من أعظم الحدثان
لما أخذت أمانا ... إلا من الإخوان
стр. 181
الفصل السّادس
في القناعة والياس
ممّا بأيدي النّاس
٤٥٩ - أصيب حجر بإرمينية مكتوب فيه:
اليأس عمّا بأيدي النّاس نافلة ... والمال يعجز والأخلاق تتّسع
لا تجزعنّ على ما فات مطلبه ... هذا جزعت فماذا أحدث الجزع
إنّ السّعادة يأس إن ظفرت به ... فدونك اليأس إن الشّقوة الطّمع
٤٦٠ - وقيل: لا ينبل الرّجل حتّى تكون فيه خصلتان: الاستغناء عمّا في أيدي النّاس، والتّجاوز عمّا يكون منهم.
٤٦١ - وأنشد بعضهم:
إنّ التّنزّه عمّا خسّ مطلبه ... للمرء عزّ وقد يزري به الطّمع
٤٦٢ - وقال أفلاطون: الاستغناء عن الشّيء خير من الاستغناء به.
٤٦٣ - بعضهم:
إذا لم يكن للمرء جدي (١) يناله ... ولا تحف فيما تحوز الموائد
стр. 182
وكان له خبز وملح ففيهما ... له مقنع حتّى تجيء الفوائد
فما هي إلاّ جوعة قد سددتها ... وكلّ طعام بين جنبيّ واحد
٤٦٤ - آخر:
لا تغبطنّ أخا الدّنيا بمقدرة ... فيها وإن كان ذا عزّ وسلطان
إنّ اللّيالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان
٤٦٥ - وقيل: إنّ عمر بن عبد العزيز أمسى في خلافته صائما، فاشترى بدانقين عنبا، وأكل هو وزوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان (١)، وقال لها: يا فاطمة، كان يأتي إلى أهلي وأهلك من هذا وقار البغال فلم يكن ينالنا منه إلاّ ما نالنا من هذين الدّانقين.
٤٦٦ - وقيل: من عفّ وقنع عزّ واستغنى، ومن شره وطمع ذلّ وافتقر.
٤٦٧ - وأحسن للفتى من يوم عار ... ينال به الغنى كرم وجوع
٤٦٨ - وقيل لبعض الصّالحين: ما يمنعك من التزويج؟ قال: مكابدة العفّة أيسر من الاحتيال لمصلحة العيال.
٤٦٩ - وقال بعضهم: العري القادح خير من الزّيّ الفاضح.
٤٧٠ - وقيل: من ملك الملوك؟ قال: من ملك شهواته.
٤٧١ - لعمرو بن كلثوم:
стр. 183
وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى (١) ... بلغت بأدنى نعمة تستديمها
ولكن فطام النّفس أثقل محملا ... من الصّخرة الصّماء حين ترومها
٤٧٢ - وقيل لرجل كان يعمل في المعادن: كيف اخترت هذه الصّناعة؟ فقال: استخراج الدّرهم من الحجارة أيسر من استخراجه من أيدي الناس.
٤٧٣ - ولبعضهم:
لا ينبغي أن أرى بعيني ... مكان من لا يرى مكاني
ولي إلى أن أموت رزق ... لو جهد (٢) الخلق ما عداني
الحرّ حرّ ولو تعدّت ... عليه يوما يد الزّمان
رضيت بالقوت من زماني ... وصنت عرضي عن الهوان
خوفا على أن يقال يوما ... فضل فلان على فلان
٤٧٥ - آخر:
وإنّك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا
٤٧٦ - وكان يقال: سخاء النّفس عمّا بأيدي النّاس أكثر من السّخاء بالبذل، ومروءة الرّضا خير من مروءة الإعطاء.
٤٧٧ - وقال الأصمعيّ: مررت بكنّاف وهو ينشد:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغري (٣)
стр. 184
فقلت: أمّا سداد الكنف فأنت أحرى به، وأمّا الثّغر فلا علم لنا بك، فكيف أنت فيه؟ قال: فانعطف عليّ وأنشد:
وأكرم نفسي إنّني إن أهنتها ... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت: يا هذا، والله ما يكون من الهوان شيء أكثر ممّا بذلتها له.
فقال: بلى، من الهوان لشر ممّا أنا فيه. فقلت: وما هو؟ فقال: الحاجة إلى مثلك وأمثالك. فانصرفت عنه خجلا.
٤٧٨ - ومن أمثال العرب: أقلل طعاما تحمد مناما.
٤٧٩ - وقيل: القناعة راحة الأبدان.
٤٨٠ - وقيل: الحرص من سبل المتالف.
٤٨١ - إبراهيم بن المهدي:
قد شاب رأسي، ورأس الحرص لم يشب ... إنّ الحريص من الدّنيا لفي تعب
قد يرزق المرء لم تنصب (١) رواحله ... ويحرم الرّزق من لم يؤت من طلب
٤٨٢ - وقال بعض الرّهبان: من أراد الحياة الهنيّة قنع ولم يستكثر.
٤٨٣ - وقيل: القناعة رأس مال لا ينفد.
٤٨٤ - وقيل: اليأس حرّ، والرّجاء عبد.
стр. 185
٤٨٥ - وقيل: برد اليأس خير من حرّ الطّمع.
٤٨٦ - وقال عبد الله بن المعتز عفا الله عنه:
ومن شرّ أيام الفتى بذل وجهه (١) ... إلى غير من حفّت إليه الصّنائع
متى يدرك الإحسان من لم يكن له ... إلى طلب الإحسان نفس تنازع
٤٨٧ - وقيل: إذا طالبتك نفسك برزق غد، فاطلب منها كفيلا بحياة اليوم.
٤٨٨ - وشكى رجل إلى الشّبلي (١) كثرة عياله، فقال: ارجع إلى بيتك، ومن لم يكن رزقه على الله؛ فأخرجه منه.
٤٨٩ - وقيل: لو قسمت الأرزاق على قدر العقول ما عاشت البهائم.
٤٩٠ - أبو تمّام الطّائي:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى من دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذا من جهلهنّ البهائم
٤٩١ - وقيل: أحرص الحيوان الذّباب، وأقنعه العنكبوت؛ لا يطلب الرّزق وإنّما ينتظره ليقصده في بيته؛ وقد جعل الله أحرصها رزقا لأقنعها.
٤٩٢ - وقيل: القناعة سيف لا ينبو.
стр. 186
٤٩٣ - وقيل: من عدم القناعة لم يزده المال غنى.
٤٩٤ - الرّزق يأتيك وإن لم تطلبه (١) ... مالك من حرصك إلاّ تعبه
٤٩٥ - وقيل: من كثرت شهواته دامت حسراته.
٤٩٦ - وقال أبو تمّام الطّائي: لمّا دخلت خراسان لم أفرح بها كفرحي ببيت سمعته (٢) بها وهو:
لو لم تكن لله متّهما ... لم تمس محتاجا إلى أحد (٣)
٤٩٧ - وقال بزرجمهر: لا شرف إلاّ شرف العقل، ولا غنى إلاّ غنى النّفس.
٤٩٨ - أبو فراس بن حمدان:
غنى النّفس لمن يعق ... ـل خير من غنى المال
وفضل النّاس في الأنف ... س ليس الفضل في الحال
٤٩٩ - وقيل: الطّامع في وثاق الذّل.
٥٠٠ - ربّ معرّق (٤) قد خاب، ومقتصد قد فاد.
стр. 187
٥٠١ - وقيل: عبد الشّهوة أذلّ من عبد الرّقّ.
٥٠٢ - هشام بن إبراهيم البصري:
وكم ملك جانبته عن كراهة ... لإغلاق باب أو لتشديد حاجب
ولي في غنى نفسي مراد ومذهب ... إذا انصرفت عنّي وجوه المذاهب
٥٠٣ - وروي أنّ شاعرا أتى أبا البختريّ وهب بن وهب (١)، وكان من أجود النّاس، وكان إذا سمع مدح المادح ضحك وسرى السّرور في جوانحه، فأتاه هذا الشاعر وأنشده (٢):
لكلّ أخي فضل فعال من العلا ... ورأس العلا طرّا عقيد النّدى وهب
وما ضرّ وهبا عيب من جحد العلا ... كما لا يضرّ البدر ينبحه كلب
فثنى له الوسادة وهشّ إليه ورفده، وحمله وأضافه، فلمّا أراد الرّحلة لم يخدمه أحد من غلمان أبي البختريّ ولا عقد ولا حلّ. فأنكر ذلك مع جميل ما فعل به، وأنّه قد تجوّز به أمله، فعاتب بعضهم، فقال الغلام: إنّما نعين النّازل على الإقامة، ولا نعين الرّاحل على الفراق. فبلغ هذا الكلام رجلا من القرشيّين فقال: لفعل هذا العبيد [على] (٣) هذا القصد أحسن من رفد سيّدهم.
٥٠٤ - وقال الحسن والحسين لعبد الله بن جعفر: إنّك قد أسرفت في
стр. 188
بذل المال. فقال: بأبي أنتما وأمّي، إنّ الله قد عوّدني أن يفضل (١) عليّ، وعوّدته أن أفضل (٢) على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عنّي المادّة.
٥٠٥ - قال رجل لإبراهيم بن هرمة الشّاعر (٣): بأيّ شيء استحقّ منك عبد الواحد بن سليمان أن تقول فيه:
أعبد الواحد المأمول إنّي ... أغصّ حذار سخطك بالقراح (٤)
وجدنا غالبا كانت جناحا ... وكان أبوك قادمة الجناح (٥)
قال: إن ذهبت أعدد صنائعه التي استحقّ بها طال القول منّي وأطلت، ولكنّي أخبركم بأصغر صنيعة له عندي: كنت منقطعا إليه بالمدينة أيّام كان يتولاّها، فأغناني عمّن سواه، ثم عزل فظننت أن من يلي يكون مثله، فأقمت بالمدينة أغدو وأروح إلى الوالي طمعا فيه إلى أن لم يبق لي شيء، فقلت لأختي: ويحك، أما ترين ما أنا فيه من الشّدّة، وتعذّر القوت؟ فقالت: هذا أيسر اختيارك (٦). قلت: فبم تشيرين عليّ؟ قالت: ما أعرف لك غير عبد الواحد بن سليمان. قلت: ومن لي به، وهو بدمشق، وأنا بالمدينة؟ قالت: أنا أعينك (٧)، وأحسن صحبتك. قلت: افعلي. فباعت حليّا كان
стр. 189
لها، واشترت لي راحلة، وزوّدتني. فسرت عليها إلى دمشق فوافيتها بعد اثنتي عشرة (١) ليلة، وأنخت عشيّا على باب عبد الواحد، وعقلت ناقتي، ودخلت المسجد فحططت رحلى فيه، فلما أذّن المؤذن، خرج عبد الواحد فتطوّع ثم أقيمت الصّلاة، فصلّى ثم جلس يسبّح، ثم حوّل وجهه إلى جلسائه يحدّثهم فلمح النّاقة والرّحل فقال: من هذا؟ فوثبت، وقبّلت يده، وقلت:
أنا يا سيدي عبدك ابن هرمة. فقال: أبا إسحاق، كيف خبرك؟ قلت: بشرّ خبر بعدك أيّها الأمير، تلاعبت بي المحن، وجفاني الصّديق، ونبا بي الوطن، فلم أجد معوّلا إلاّ عليك. فو الله، ما بادرني إلاّ بدموعه، ثم قال:
ويحك، بلغ بك الجهد إلى ما ذكرت؟ فقلت: إي والله أيّها الأمير، وما أخفيته أكثر. فقال: اسكن، ولا ترع. ثم نظر إلى فتية بين يديه جلوس كأنّهم الصّقور فوثبوا، ثم استدعى أحدهم، وهمس إليه بشيء، فمضى مسرعا ثم أومأ إلى الثاني فهمس إليه، ومضى، وفعل كذلك بالثالث. ثم أقبل الأوّل ومعه خادم في يده كيس، فصبّه في حجري، فقال له أبوه: كم هذا؟ فقال: ألف وسبع مئة دينار، والله، ما كان في بيت مالك غيرها. ثم أقبل الثاني وبين يديه عبد على كتفه مثل الكاره (٢)، فصبّها بين يدي فإذا هو حليّ مختلع من حليّ بناته ونسائه، وقال لأبيه: والله، ما أبقيت لهما (٣) حليّا غير ما ترى. وأقبل الثالث ومعه غلامان معهما كارتان من فاخر ثيابه، فوضع ذلك بين يدي، ثم قال: يا ابن هرمة، أنا أعتذر إليك من قلّة ما حبوتك به، مع بعد هذه الشّقّة، وطول العهد، وسعة الأمل، ولكنّك جئتنا في آخر السّنة، وقد تقسّمت أموالنا الحقوق، ونسفتها (٤) أيدي المؤمّلين، فلن يبقى
стр. 190
لنا غير هذه الصّبابة، فآثرناك بها على أنفسنا، واستللناها لك من أفواهنا، ولو بعثت (١) إليّ لأنفذت إليك منها ما يكفيك، فأتاك عفوا ولم تتجشّم إلينا سفرا ولا مشقّة، ولم تحتج إلى سوانا، وذلك لك مني أبدا ما بقيت.
فأقسمت عليك لما أصبحت [إلا] (٢) على ظهر ناقتك، وتداركت أهلك فخلّصتهم من هذه المحنة. فقمت إلى ناقتي فإذا هي قد ضعفت فقال:
ما أرى في ناقتك فضلا، يا غلام، ناقتي الفلانية. فجاء بها برحلها فكانت والله أحبّ إليّ من كلّ ما ساقه إليّ، ثم دعا بناقتين فأوقرهما بالمال والثياب وزاد يكفيني لطريقي، ووهب لي عبدين، وقال: هما يسقيان لك، ويرعيان إلى أن ترد، فإن شئت ترتبطهما وإن شئت تبيعهما. أفألام أن أغصّ حذار سخط هذا بريقي فضلا عن الماء القراح؟
٥٠٦ - مرّ يزيد بن المهلّب بأعرابيّة في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز فقرته عنزا، فقبلها، ثم قال لابنه معاوية: ما معك من النّفقة؟ فقال: ثمان مئة دينار. فقال: ادفعها إليها. فقال: يا أبه، إنّك تريد الرّجال ولا يكون الرجال إلاّ بالمال، وبعد فهذه يرضيها اليسير، وهي لا تعرفك. فقال: إن كانت ترضى باليسير فأنا لا أرضى إلاّ بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي. ادفع إليها المال.
٥٠٧ - وذكر العتبي قال: أشرف عمر بن هبيرة الفزاري (٣) من قصره يوما
стр. 191
فإذا هو بأعرابيّ يقصد نحو قصره، فقال لحاجبه: إن قصدني هذا، فأوصله إليّ. فلما دنا سأله، قال: قصدت الأمير. فأدخله عليه، فلمّا مثل بين يديه قال له عمر بن هبيرة: ما خطبك؟ فقال:
أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر رمى بكلكله (١) ... فأرسلوني إليك وانتظروا
قال: فأخذت عمر الأريحيّة، وجعل يهتزّ في مجلسه، ثم قال:
أرسلوك إليّ وانتظروا؟ إذن والله، لا تجلس حتّى تعود إليهم غانما. وأمر له بألف دينار، وأعاده على بعيره لوقته.
٥٠٨ - وذكر رجل من الأعراب قال: نزلت برجل من طيّئ فنحر لي ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى، فقلت له: إنّ عندك من اللّحم ما يكفي ويغني. فقال: والله، إنّي لا أطعم ضيفي إلاّ لحما عبيطا (٢) قال:
وفعل ذلك في اليوم الثّالث. وفي كلّ ذلك آكل شيئا، ويأكل الطائي أكل جماعة، ثم يؤتى باللّبن فأشرب شيئا، ويشرب هو غاية الوطب (٣). فلمّا كان في اليوم الثّالث ارتقبت غفلته، فاضطجع فلما امتلأ نوما استقت قطيعا من إبله، وأقبلت به الفجّ، فانتبه واحتظر عليّ الطريق حتّى وقف لي في مضيق منه، وألقم وتره فوق سهمه (٤)، ثم ناداني: أتطيب نفسك عنها؟ قال: فقلت له: أرني آية. قال: انظر إلى ذلك الضّبّ، إني واضع سهمي في مغرز ذنبه.
ورماه، فأندر ذنبه. قلت له: زدني. فقال: انظر إلى أعلى
стр. 192
فقاره (١). ورماه، فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثّالثة والله في كبدك. فقال: فقلت: شأنك إبلك. فقال: كلاّ، حتى تسوقها إلى حيث كانت. فلما انتهيت بها، قال: إنّي فكّرت في أمرك، فلم أجد لك عندي ترة تطالبني بها، وما أحسب الذي حملك على أخذ إبلي إلاّ الحاجة. فقلت: هو والله ذاك. قال: فاعمد إلى عشرين من خيارها فخذها. فقلت: إذن والله لا أفعل حتّى تسمع مدحك: والله، ما رأيت رجلا أكرم ضيافة، ولا أهدى لسبيل، ولا أرمى كفّا، ولا أوسع صدرا، ولا أرغب خوفا، ولا أكرم عفوا منك. فاستحيا، وصرف وجهه عني، ثم قال: انصرف بالقطيع مباركا لك فيه.
٥٠٩ - وقال المازنيّ (٢): دخلت على الواثق، فقال لي: با اسمك؟ -وهي لغة للحارث بن كعب-فقلت: بكر. قال: هل لك من ولد؟ قلت:
أخيّة تحلّ منّي محلّ الولد. قال: فما كان من قولها لك عند رحيلك إلينا؟ قلت: قالت قول الأعشى (٣):
تقول ابنتي حين جدّ الرّحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنّا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منّا الرّحم
فقال: والله، لقد ذكّرتك بنفسها، فأحسنت، فبماذا أجبتها؟ قال:
قلت:
стр. 193
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح (١)
فقال: والله، لقد أحسنت، ثق بالله ثم بالنّجاح، يا غلام، أنجحه بألف دينار. فأخذتها وانصرفت.
٥١٠ - وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حضرت يوما بباب الرّشيد فقيل لي: هو نائم. فلقيني جعفر بن يحيى، وقال: ما الخبر؟ قلت: أمير المؤمنين نائم. فقال: قف مكانك. ومضى إلى دار الخليفة، وخرج الحاجب فأعلمه أنّه نائم، ورجع فقال: سر بنا إلى دارنا حتّى نخلو بقيّة يومنا ونأخذ في شأننا من وقتنا. فقلت: نعم. وسرنا (٢) إلى داره، ونزعنا ثيابنا، ودعي بالطعام فأكلنا وأمر بإخراج الجواري، وقال: لتبرزن، فليس عندنا من نحتشمه. فلما وضع الشّراب دعا بقميص جديد فلبسه، ودعا بخلوق (٣) فتخلّق به، ودعا لي بمثل ذلك، وجعل يغنّيني وأغنّيه، ثم دعا بالحاجب فتقدّم إليه وأمره أن لا يأذن لأحد من النّاس كافّة، وإن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه أنّه مشغول، واحتاط في ذلك، وتقدّم فيه إلى جميع الحجّاب والخدم. ثم قال: إن جاء عبد الملك ائذنوا له-يعني رجلا كان يأنس به ويمازحه ويحضر خلواته-ثمّ أخذنا في شأننا. فو الله إننا على حال سارّة عجيبة إذ رفع السّتر فإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي (٤) قد أقبل، وغلط الحاجب
стр. 194
ولم يفرّق بين عبد الملك الذي عناه جعفر وبينه، وكان من جلالة القدر والتقشّف والامتناع من منادمة الرشيد على أمر جليل، وكان الرّشيد قد اجتهد أن يشرب قدحا معه فلم يقدر ولم يفعل رفعا لسبقه (١).
فلما رأيناه مقبلا، أقبل كلّ واحد منّا ينظر لصاحبه، وكاد جعفر أن ينشقّ غيظا. وفهم الرّجل حالنا، فأقبل نحونا حتّى إذا صار إلى الرّواق الذي نحن فيه نزع قلنسوته فرمى بها مع طيلسانه جانبا، ثم قال: أطعمونا شيئا. فدعا جعفر بالطعام، وهو منتفخ غيظا وغضبا، فطعم ثم دعا برطل فشربه ثم أقبل إلى المجلس الذي نحن فيه، وأخذ بعضادتي الباب (٢)، وقال: أشركونا فيما أنتم فيه. فقال له جعفر: ادخل. فدخل، ثم دعا بقميص جديد، وخلوق، فلبس وتخلّق، ثم دعا برطل فشربه ورطل حتّى شرب عدّة أرطال، ثم اندفع فغنّى، فكان والله أحسننا جميعا غناء، فلما طابت نفسه ونفس جعفر وسرّي عنه ما كان به التفت إليه، وقال له: ارفع حوائجك. فقال: ليس هذا موضع حوائج. فقال: لتفعلنّ. ولم يزل يلحّ عليه حتى قال: أمير المؤمنين عليّ واجد، وأريد أن تترضاه. قال: فإنّ أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك كما أقول. قال: عليّ دين فادح. قال: هذه أربعة آلاف ألف درهم، فإن أحببت أن تقبضها من مالي السّاعة فاقبضها، فإنّه ما يمنعني إعطاءك إيّاها إلاّ أن قدرك يجلّ أن يصله مثلي، ولكنّي ضامن لك إيّاها من مال أمير المؤمنين غدا، فسل أيضا. قال: أحبّ أن تكلّم أمير المؤمنين بولدي لينوّه باسمه. فقال: قد ولاّه أمير المؤمنين مصر، وزوّجه الغالية ابنته،
стр. 195
وأمهرها عنه ألفي ألف درهم. قال إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرّجل-أعني جعفرا-
فلما أصبحت لم يكن لي همّة إلاّ حضور دار الرشيد، فلما دخلتها رأيت في الدار جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي (١) ونظراؤه قد دعي بهم، ودعي بعبد الملك بن صالح وابنه وأدخلا على الرّشيد، فقال لعبد الملك: إنّ أمير المؤمنين كان عليك واجدا وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف ألف درهم، فاقبضها من جعفر بن يحيى السّاعة، ثم دعا بابنه، فقال: اشهدوا أنّي زوّجته الغالية ابنة أمير المؤمنين وأمهرتها عنه من مالي ألفي ألف درهم، وولّيته مصر. قال: فلما خرج جعفر بن يحيى سألته عن الخبر. قال: بكرت إلى أمير المؤمنين، وحكيت له جميع ما جرى وما كنّا فيه حرفا حرفا ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع، فعجب لذلك، وسرّ به فقلت له: قد ضمنت له عن أمير المؤمنين ضمانا. فقال: وما هو؟ فأعلمته، فقال: أحضره لتفي بضمانك. وأمر بإحضاره فكان ما رأيت.
٥١١ - قال: وقيل: كان بالجزيرة رجل يقال له خزيمة بن بشر الأسدي وكان ربّ نعمة يفضل على إخوانه ومن يقصده، فلم يزل به ذلك حتّى أنفد ماله، واحتاج إلى إخوانه فواسوه حينا ثمّ ملّوه. فلما ظهرت له منهم ملالة، قال لزوجته: إنّي رأيت من إخواني تغيّرا، وظهرت لي منهم جفوة، وقد رأيت أن ألزم بيتي، وأغلق بابي حتّى يأتي الله برزق، أو أموت. قالت:
стр. 196
وفّقك الله. فلزم بيته وجعل ينفق ممّا في يده.
وولي الجزيرة رجل يقال له عكرمة الفياض من ربيعة، وصادف يوم دخوله الجزيرة نفاد ما كان يتقوّت به خزيمة بن بشر فعند ذلك ذكر (١) عكرمة ابن بشر في مجلسه، وقال: ما فعل خزيمة بن بشر الأسدي؟ فقيل له: قد صار من سوء الحال إلى ما لا يوصف. قال: فما وجد له من إخوانه كافيا ولا مواسيا؟ فقيل له: واساه بعضهم ثمّ ملّوه. فقال: واسوأتاه لهذه الأخلاق. ثم دعا خادما له يثق به، وأمره أن يتعرّف منزل خزيمة، ففعل ذلك، ثم أحضر قهرمانه وأمره أن يأتيه بأربعة آلاف دينار. ففعل ذلك، فلما كان بعد هدأة من الليل دعا بذلك الخادم، وأمره أن يحمل ذلك الكيس بين يديه. وركب دابّته بغير ضوء ولا سراج، وليس معه غير الخادم، وقصدا دار خزيمة حتى أوقفه الخادم على بابها، فأخذ الكيس ووضعه على قربوس (٢) سرجه، وأمر أن يبعد عنه الخادم، ثم قرع الباب على خزيمة، ففتح وخرج إليه، فقال له عكرمة: أنت خزيمة بن بشر؟ قال: نعم، أصلحك الله.
قال: خذ هذا فأصلح به من شأنك. فتناول منه الكيس، وقال له: من أنت جعلت فداك؟ فقال: ما جئتك في ذا الوقت وأنا أريد أن تعلم من أنا. فأخذ بعنان فرسه وقال: ما كنت لأقبل معروف من لم أعرفه. فأبى عكرمة، وألحّ عليه خزيمة، فقال: أمّا إذ أبيت فأنا جابر عثرات الكرام. قال: زدني، جعلت فداك. قال: ما عندي غير ذلك. وجذب عنان فرسه، وانصرف ودخل خزيمة منزله، فقالت له زوجته: ما وراءك؟ فقال لها: قد أتانا الله بخير عظيم، فإن كان فلوسا فهي كثيرة، فهل من سبيل إلى سراج؟ فقالت:
لا والله، مالي إليه من سبيل، ولا أقدر عليه. فحلّ الكيس، ولمس خشونة
стр. 197
الدّنانير، فلم يصدق لكثرتها، وبات بليلة طويلة.
ورجع عكرمة إلى منزله، وقد سألت عنه زوجته وهي ابنة عمّه، فأخبرت أنّه ركب وليس معه أحد بغير ضوء ولا سراج. فقالت: أمير الجزيرة يركب في مثل هذا الوقت على مثل هذه الحالة؟! والله ما ركب إلاّ لجارية اشتراها، أو امرأة تزوّجها، وبكت وشقّت ثوبها، ولطمت وجهها. فدخل عليها عكرمة، وقال: ما وراءك؟ فقالت: أمير الجزيرة يركب في مثل هذا الوقت على مثل هذه الحالة؟! والله، ما ركبت إلاّ لجارية اشتريتها أو امرأة تزوجتها. فقال: والله، ما كان ركوبي لشيء ظننتيه. فقالت: والله، لا أزال على هذا أو تخبرني بما ركبت له. فأخبرها، فقالت: قد وقع لي أنّ الأمر كذلك كان. وسكتت.
ثم أصبح خزيمة وقد رأى ما أتاه به من الرّزق، فعمد إلى السّوق واشترى الكسوة والخدم والدّوابّ والفرش، وتجهّز للمسير إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ خليفة، وكانت له به حرمة متقدّمة فوصل إليه وهو بفلسطين فلما وقف ببابه استأذن عليه، فأذن له. فلمّا رآه قال: خزيمة بن بشر؟! قال:
نعم، خزيمة يا أمير المؤمنين. قال: ما الذي أبطأ بك عنّا؟ قال: سوء الحال. قال: فكيف قدرت الآن على الوصول؟ فأخبره بالقصّة، فقال له:
فما عرفت الرّجل؟ فقال: لا والله، يا أمير المؤمنين. فقال: والله، لو عرفنا من هو لجبرنا منه أضعاف ما جبر منك. ثم دعا بقناة، وعقد له على الجزيرة، وأمره بالخروج إليها.
فقيل لعكرمة: قد ولي خزيمة بن بشر البلد. فقال: بارك الله له فيها.
فلما قرب من البلد خرج النّاس للقائه، وخرج عكرمة فيمن خرج. فلما دخل تقدّم إلى حاجبه أن يمنع عكرمة من الانصراف إلى منزله. ففعل به ذلك باقي يومه، ثم دعا به من الغد وأمر بمحاسبته، فوجد عليه مالا كثيرا فقال: أدّ هذا المال. فقال: ما هو عندي، أصلح الله الأمير، ولا أقدر عليه. فقال:
стр. 198
لا بدّ من ذلك. فقال: والله، ما أنا ممّن يصون ماله بعرضه ونفسه. فأمر به إلى الحبس وثقّله بالحديد، وضيّق عليه في محبسه، فأقام في ذلك حتى أجهده الأمر وبلغ منه الضّرّ (١).
واتّصل خبره بابنة عمّه فدعت مولدة (٢) لها ذات عقل وأدب وقالت لها:
امضي إلى باب الأمير، وقولي للحاجب: عندي نصيحة للأمير تسرّه. وإذا سألك عنها فقولي: ما أخبر بها إلاّ الأمير. فإذا دخلت إليه فقولي: هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك؟ فبئس ما جزيته وكافيته بالحبس والضّيق والحديد.
قال: فلمّا فعلت ذلك وقصّت عليه القصّة، فلمّا سمع ذلك قال:
وا سوأتاه، وكأنّه هو (٣)؟ قالت: إي والله. فأمر من وقته بدابّته فأسرجت، وبعث إلى وجوه أهل البلد فجمعهم، وأتى بهم إلى باب السّجن، ففتح ودخل عليه هو ومن معه، وإذا بعكرمة في قاع السّجن متغيّرا، وقد أضناه الضّرّ. فلمّا نظر إليه عكرمة وإلى الناس معه احتشمه، ونكس رأسه، وجعل يبكي. وأقبل خزيمة على رجليه يقبّلها (٤)، وهو يبكي، وأقبل يقول:
وا سوأتاه من الله ومن الناس. فقال عكرمة: وما سبب هذا منك؟ قال خزيمة:
كريم فعلك، وسوء مكافأتي. فقال عكرمة: يغفر الله لنا ولك. ثم أمر الحدّاد ففكّ القيد من رجله، وأخذ خزيمة يضع القيد في رجله، فقال عكرمة: أقسم بالله لا تفعل. فخرجا جميعا إلى دار خزيمة، فودّعه عكرمة وأراد الانصراف فلم يفعل خزيمة. وأمر بالحمّام فأخليت، ودخلا جميعا وخرجا، فخلع عليه وحمله إلى منزله، وحمل إليه مالا كثيرا، ثم سار معه إلى داره، واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمّه، واعتذر إليها وتذمّم من ذلك،
стр. 199
ثمّ إنّ خزيمة سأله أن يسير معه إلى الخليفة وكان بالرّملة، فسارا جميعا حتّى قدما على سليمان فدخل الحاجب، فأعلمه بقدوم خزيمة فراعه ذلك، وقال:
والي الجزيرة يقدم بغير إذن، ما هذا إلاّ لحادث عظيم.
فلما دخل عليه قال له سليمان قبل أن يسلّم عليه: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين. قال: فما الذي أقدمك علينا؟ قال: ظفرت بجابر عثرات الكرام، فأحببت أن يسرّك لما رأيت من تلهّفك وشوقك إليه.
قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفيّاض. فأذن له بالدّخول، فدخل وسلّم، وأدناه ورحّب به، فقال: يا عكرمة، ما كان إحسانك إليه إلاّ وبالا عليك.
فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، أليس كان السّبب إلى النّظر إلى وجهك؟ فقال: اكتب لنا بجميع حوائجك. ففعل، فأمر سليمان بقضاء ذلك كلّه، وأمر له بعشرة آلاف دينار وسفطين (١) [من] ثياب، ثم أمر بإحضار قناة وعقد له على الجزيرة وإرمينية وأذربيجان، وقال: أمر خزيمة إليك إن شئت أن تبقيه، وإن شئت أن تعزله. قال: بل أردّه على (٢) عمله. ثم انصرفا فلم يزالا عاملين مدّة خلافة سليمان بن عبد الملك.
ثم تمام باب القناعة واليأس.
٥١٢ - للشّافعيّ:
ألا يا نفس إن ترضي بقوت ... فأنت عزيزة أبدا غنيّه
دعي عنك المطامع والأماني ... فكم أمنيّة جلبت منيّه
٥١٣ - الخريميّ:
стр. 200
العيش لا عيش إلاّ ما قنعت به ... قد يكثر المال والإنسان مفتقر
يا حبّذا لذّة الدّنيا وزهرتها ... لولا السّقام ولولا الموت والكبر
٥١٤ - البستي (١):
دعوني ورسمي في عفافي فإنّني ... جعلت عفافي في حياتي ديدني
فأعظم من وقع اليدين على الفتى ... صنيعة برّ نالها من يدي دني (٢)
٥١٥ - آخر:
أعزّ النّاس نفسا من تراه ... يعزّ النّفس عن ذلّ السّؤال
ويقنع بالكفاف ولا يبالي ... بفضل فات من جدة ومال
فكم شقّت ودقّت واسترقّت ... فضول العيش أعناق الرّجال
٥١٦ - وقيل: خير الغنى القنوع، وشرّ الفقر الخضوع.
٥١٧ - أبو الفتح البستي:
يا آمري باقتناء المال مجتهدا ... كيما أعيش بمالي في غد رغدا
هبني بجهدي قد حصّلت رزق غد (٣) ... فمن ضميني بتحصيل الحياة غدا
٥١٨ - وقال عليّ بن أبي طالب: من قنع بالرّزق استغنى عن الخلق، ومن رضي بالمقدور قنع بالميسور.
стр. 201
٥١٩ - بعضهم
أتظنّ رزقك تحتويه بقوّة ... هيهات أنت بباطل مشغوف
رعت النّسور بقوّة جيف الفلا ... ورعى الذّباب الشّهد وهو ضعيف
٥٢٠ - آخر:
هوّن عليك بكون ما هو كائن ... قضي القضاء وجفّت الأقلام
ما الرّزق من عجز ولا بجلادة ... لكن بما سبقت به الأقسام
٥٢١ - آخر:
هي القناعة لا تطلب بها بدلا ... لو لم ينلك سوى التّرفيه في البدن
وانظر إلى من حوى الدّنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن
٥٢٢ - وقال أردشير: إصلاح الشّيم بالقناعة، ونموّ الفضل بالعلم.
٥٢٣ - وسئل بزرجمهر عن الرّزق فقال: إن كان قسم فلا تعجل، وإن لم يكن قد قسم فلا تتعب.
٥٢٤ - الرّزق يبغيك كما تبغيه
وأنت ميت حين تستوفيه
والدّهر فيه أبدا وفيه
من لم يكن يغنيه ما يكفيه
فكلّ ما في الأرض لا يغنيه
٥٢٥ - وقال أرسطاطاليس في وصيّته للإسكندر وعهده إليه: إذا أردت
стр. 202
الغنى، فاطلبه في القناعة؛ فإنّه من لم يكن له قناعة فليس المال مكفيه وإن كثر. وقد قال أوميرس (١) الشاعر:
لا مال يكفي عند ترك القناعة
ولا خير في المرء إذا لم يكن قنوعا.
٥٢٦ - ومن وصيّة أكثم بن صيفي (٢): من قنع بما هو فيه قرّت عينه.
٥٢٧ - وقال بعض الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر: من رأى هذا الشّخص فليقنع ويمسك عن طلب الرّغائب، فإنّ عاجلها قاتل، وآجلها مهلك.
٥٢٨ - وقيل: أقلّ ما في القناعة الرّاحة.
٥٢٩ - أبو ذؤيب (٣):
стр. 203
والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
٥٣٠ - ويقال:
العبد حرّ إذا قنع ... والحرّ عبد إذا طمع
٥٣١ - منصور الفقيه المقرئ:
إذا القوت تأتّى ل ... ـك والصّحة والأمن
وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن
٥٣٢ - وقيل: سأل عبد الملك بن مروان الهيثم بن الأسود (١): [ما] (٢) مالك؟ فقال: القوام من العيش، والغنى عن النّاس.
٥٣٣ - وقال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرّزق فبينما هو يمشي إذ أعيا، فأوى إلى خراب يستريح فيه، فبينما هو يدير بصره، إذا وقعت عينه على بناء فيه كتاب:
إنّي رأيتك قاعدا مستقبلي ... فعلمت أنّك للهموم قرين
هوّن عليك وكن بربّك واثقا ... وأخو التّوكّل شأنه التّهوين
стр. 204
طرح الأذى عن نفسه في رزقه (١) ... لما تيقّن أنّه مضمون
قال: فرجع الفتى إلى منزله، وقال: اللهمّ، أدّبنا أنت.
٥٣٤ - وقال أبو حازم: ثلاث من كنّ فيه كمل عقله: من عرف نفسه، وملك لسانه، وقنع بما رزقه ربّه.
٥٣٥ - ومن أمثال التّرك: انتقم من الحرص بالقناعة كما تنتقم من العدوّ بالقصاص.
٥٣٦ - ووجد في كتاب لجعفر بن يحيى أربعة أسطر مكتوبة بالذهب:
الرّزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم (٢).
٥٣٧ - وقال سعيد بن المسيّب: من استغنى بالله احتاج إليه الخلق.
٥٣٨ - وكان يقال: ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى.
٥٣٩ - وقال الحسن البصري: الحريص الجاهد، والقانع الزّاهد كلاهما مستوف أكله غير منتقص شيئا قدّر، فعلام التّهافت في النّار؟.
٥٤٠ - وقيل: ما استرقّ الرّجل بأمر يشبه الطّمع.
٥٤١ - وكان يقال: أصل العفاف القناعة، وثمرتها الأحزان.
٥٤٢ - وكان يقال: من قنع مات فقره، والّذي يقنط يموت وروحه في بدنه.
٥٤٣ - وقال بعض الحكماء: اليأس حرّ، والرّجاء عبد.
٥٤٤ - وقال: ما الحرص بأذهب بعقول الرّجال من الطّمع.
стр. 205
٥٤٥ - وقال بعض الحكماء: الغنى والعزّ خرجا فلقيا القناعة فاستترا.
٥٤٦ - وقال مجاهد (١): كان يقال: عزّ المؤمن استغناؤه عن النّاس.
٥٤٧ - وقال إبراهيم بن أدهم (٢): لا تجعل بينك وبين الله منعما، واعدد النّعم منهم عليك مغرما.
٥٤٨ - وخطب يوما عمر بن الخطاب، فقال: أيّها الناس، من يئس من شيء استغنى عنه.
٥٤٩ - ويقال: الاستكثار من الدّنيا بعد البلغة هو الحرص.
٥٥٠ - ولبعضهم:
إذا كنت تأتي المرء تعرف حقّه ... ويجهل منك الحقّ فالتّرك أجمل
وفي الأرض منجاة، وفي الصّبر راحة ... وفي اليأس عمّن لا يوافيك مرحل (٣)
٥٥١ - وقيل: من رضي بالقليل من الرّزق، رضي منه بالقليل من العمل.
стр. 206
٥٥٢ - إنّي رأيت وفي الأيّام تجربة ... للصّبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جدّ في أمر يطالبه ... واستصحب الصّبر إلاّ فاز بالظّفر
****
стр. 207
الفصل السابع
في
مكارم الأخلاق والكرم
ومحاسن الأخلاق والشّيم
٥٥٣ - قال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة الفزاري (١): بلغني عنك أخلاق شريفة، فصفها لي. فقال: يا أمير المؤمنين، هي من غيري أحسن. فقال: أقسمت عليك لتفعلنّ. فقال: يا أمير المؤمنين، ما قدّمت ركبتي أمام جليسي قطّ؛ كراهة أن يظنّ ذلك تطاولا منّي عليه، ولا دعوت أحدا إلى طعامي إلا لم أزل بفضله عارفا، ولا بذل رجل لي وجهه في حاجة فرأيت أنّ شيئا من الدّنيا صغيرا أو كبيرا عوضا عن بذل وجهه، ولا شتمني أحد أو سفه عليّ إلا حملته: إمّا أن يكون لئيما فلا أساويه، أو كريما زلّ فأنا أحقّ باحتماله، أو نظيرا فأفضل عليه بحلمي عنه. فضرب عبد الملك بيده على
стр. 208
فخذه، وقال: حقّ لك أن تكون سيّدا.
٥٥٤ - سألزم نفسي الصّفح عن كلّ مذنب ... وإن عظمت منه عليّ الجرائم
وما النّاس إلاّ واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأمّا الذي فوقي فأعرف فضله ... وألزم نفسي ظلمه وهو ظالم (١)
وأمّا الذي مثلي فإن زلّ أو هفا ... تفضّلت إنّ الفضل بالعزّ حاكم (٢)
وأمّا الذي دوني فإن قال منكرا ... أجانبه عرضي وإن لام لائم (٣)
٥٥٥ - أبو بكر العروضي:
إذا لم يكن للمرء فضل ولم يكن ... يدافع عن أقوامه لم يسوّد
وكيف يسود القوم من هو مثلهم ... بلا منّة منه عليهم ولا يد
٥٥٦ - وقيل: لما هرب يزيد بن المهلّب من الحجّاج حيث عزله عن خراسان، وغرّمه ستّة آلاف ألف درهم، وقيّده وطالبه بها، وعذّبه، فهرب ليلا وكان أعدّ دوابّا ضمّرا في مواضع من الطريق، فكان كلّما وقفت به فرس استقبلته أخرى حتّى قدم فلسطين، فنزل على سليمان بن عبد الملك، فكتب سليمان إلى أخيه الوليد يعرّفه قدومه عليه، واستجارته به، ويسأله أن يؤمّنه، وكتب: إن بعثت به إليك، قدمت معه عليك، فأنشدك الله أن تفضحني أو تحقرني (٤). فكتب إليه الوليد: لو قدمت معه لم أؤمّنه، فابعثه في وثاق.
стр. 209
فقال يزيد لسليمان: ابعث بي إليه، والطف في الكتاب، فلست أحبّ أن أوقع بينك وبين أخيك حربا. فبعث به إليه مع ابنه في سلسلة، فلمّا دخلا على الوليد ونظر إلى ابن أخيه في الوثاق، فقال: والله، لقد أبلغنا من سليمان.
فقال الغلام: نفسي فداؤك، لا تخفرنّ ذمّة أبي، فإنّك أحقّ من منعها، ولا تقطع [منّا] رجاء من رجا السّلامة بجوارنا لمكاننا منك، ولا تذلّنّ من أمّل العزّ في انقطاعه إلينا بك. ثم دفع إليه كتاب أبيه، فلما وقف عليه، قال: لقد أشفقنا على سليمان. وتكلّم يزيد فأمّنه، وأجلسه.
٥٥٧ - لخليلي عليّ منّي ثلاث ... واجبات أبيحها إخواني
حفظه في المغيب إن غاب عنّي ... ولقاه بالبشر إن لاقاني
ثم بذلي لما حوته يميني ... مسعدا (١) في الخطوب أنّى دعاني
هذه عادة الصّديق فإن خان ... فعندي عوائد الإحسان
٥٥٨ - وقيل: من مكارم الأخلاق: الصّون للعرض، والقيام بالفرض، والأخذ بالفضل، والوفاء بالعهد، والإنجاز بالوعد.
٥٥٩ - وقيل: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.
٥٦٠ - وقال الأصمعي: سمعت [سيّدا] (٢) من قيس يقول لقومه: إنّما أنا رجل منكم، ليس لي فضل عليكم، ولكن أبسط لكم وجهي، وأبذل لكم مالي، وأحفظ حريمكم، وأقضي حقوقكم، وأعود مرضاكم، وأتبع جنائزكم، فمن فعل هذا فهو مثلي، ومن زاد عليه فهو خير منّي، ومن قصّر عنه فأنا خير منه. قيل له: فما حملك على هذا؟ قال: أبعثكم على مكارم الأخلاق.
стр. 210
٥٦١ - وقال بزرجمهر: خير النّاس أكرمهم عند الضّيق (١)، وأعدلهم عند الغضب، وأبعدهم من الظّلم إذا قدروا، وأرحمهم إذا سلّطوا، وأبسطهم وجها عند المسألة، وأشكرهم على النّعمة، وأصبرهم على الشدّة.
٥٦٢ - وقيل لأنوشروان العادل: من أطول النّاس عمرا؟ قال: من كثر معروفه فشرف به عقبه، ومن كثرت معرفته فيتأدّب به غيره.
٥٦٣ - وقيل أيضا لأنوشروان: من أشكر النّاس؟ قال: من حمد على كلّ حال، ورضي به.
٥٦٤ - وقال عبد الملك لقومه: يا بني مروان، كفّوا أذاكم، وابذلوا نداكم، واعفوا إذا قدرتم، ولا تخلفوا إذا وعدتم.
٥٦٥ - وجاء قوم إلى سلم (٢) بن قتيبة، فقالوا: جئناك فيما لا يشقّ عليك. قال: هذه أبغض الحوائج إليّ.
٥٦٦ - وروي عن الواقدي قال: كان لي صديقان أحدهما هاشميّ [والآخر نبطيّ] (٣)، وكنّا كنفس واحدة، فنالتني ضائقة شديدة، وحضر العيد فقالت لي امرأتي: يا هذا، أمّا نحن فنصبر على البؤس والشدّة، وأمّا صبياننا فقد قطّعوا قلبي رحمة لهم، لأنّهم يرون (٤) صبيان جيرانهم قد تزيّنوا في عيدهم، وأصلحوا من شأنهم، وهم على هذه الحال، فلو احتلت في شيء
стр. 211
نصرفه في كسوتهم. قال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التّوسعة عليّ بما حضر. فوّجه إليّ كيسا مختوما، وذكر أنّ فيه ألف درهم. فما استقرّ قراره عندي حتى كتب إليّ الصّديق الآخر يشكو إليّ مثل ما شكوت إلى صاحبي. فوجّهت إليه بالكيس كهيئته، وخرجت إلى المسجد، فأقمت ليلتي مستحيا من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان منّي، ولم تعنّفني عليه، فبينما أنا كذلك إذا وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس بحاله، وقال:
اصدقني عمّا [فعلته فيما] (١) وجهت به إليك. فعرّفته الخبر على جهته (٢)، فقال: إنّك وجّهت إليّ وما أملك على وجه الأرض غير الذي بعثت به إليك، وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجّه إليّ بالكيس وهو بختمي. قال:
فتواسينا الألف درهم فيما بيننا أثلاثا بعد أن أخرجنا للمرأة مئة درهم. ونما خبرنا إلى المأمون، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكلّ منّا ألفا (٣) دينار، وللمرأة ألف دينار.
٥٦٧ - قال: وسأل معاوية خالد بن قيس عن الأحنف (٤)، فقال خالد:
إن شئت أخبرناك به ثلاثة، وإن شئت اثنتين، وإن شئت واحدة. قال: هات الثّلاثة. قال: كان لا يشره، ولا يحسد، ولا يمنع. قال: هات الاثنتين.
قال: كان موفقا للخير، معصوما عن الشّرّ. قال: فهات الواحدة. قال:
كان أقوى الناس سلطانا على نفسه.
٥٦٨ - وقال ثمامة بن أبي ثمامة: كنت في موكب يحيى بن خالد يوما إذ عرض له رجل فسبّه وذمّه، فتبادرت إليه الحجّاب ليوقعوا به. فقال لهم
стр. 212
يحيى: دعوه، وكفّوا عنه. ثم دعا به، وقال: أتعلم أنّي قادر على الإساءة عليك؟ قال: نعم. قال: قدرتي تمنعني عنك.
٥٦٩ - وقال بعض أهل الفضل: إنه يعرض الإنسان (١) إليّ حاجة، فأبادر إلى قضائها مخافة أن يستغني عنها، فتذهب حلاوة الكرم.
٥٧٠ - وقال معاوية لعرابة بن أوس (٢): بم سدت على قومك؟ قال:
بإعراضي عن جاهلهم، وإعطائي سائلهم، وإسراعي في حوائجهم.
٥٧١ - وقال بعض العقلاء: ما ذللت إلا لأحد رجلين: رجل له عندي صنيعة، ورجل لي عنده صنيعة، فأمّا الذي له عندي صنيعة فيذلّني له الشّكر، وأمّا الذي لي عنده صنيعة فيذلّني الخوف من فسادها.
٥٧٢ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إذا أقبلت الدّنيا عليك فأنفق، فإنّه لا يفنى، وإذا أدبرت، فأنفق فإنّه لا يبقى.
وأخذ هذا المعنى شاعر فقال:
أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت ... بين العباد مع الآجال أرزاق
لا ينفع البخل مع دنيا مولّية ... ولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
٥٧٣ - وقال المأمون: بلوت رعيّتي بالكرم والسّيف، فكان الكرم أنجع
стр. 213
فيهم من السّيف.
٥٧٤ - وقيل: ما استعبد الكريم بمثل الإكرام.
٥٧٥ - وسئل بعض مشايخ العرب: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: إدخال السّرور على قلوب النّاس. قيل: فما بقي من لذّاتك؛ قال:
التّفضّل على الإخوان.
٥٧٦ - وأوصى رجل بنيه، فقال: يا بنيّ، اقصدوا العدل وما هو خير منه. قالوا: وما هو الذي خير من العدل؟ قال: التّفضّل.
٥٧٧ - وقال الأصمعيّ: نزلت على رجل من جعدة في سنة مجاعة فقدّم لي كسيرات وتميرات، وأقبل يعتذر ويقول: إن الله يقول في كتابه:
ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد (١)
فقلت: يا هذا، ليس هذا من كتاب الله، فقال: إنه حسن فألصقوه به.
٥٧٨ - إبراهيم بن هرمة:
قوم لهم شرف الدّنيا وسؤددها ... صفوا على النّاس لم يخلط بهم رنق (٢)
إن حاربوا وضعوا أو سالموا رفعوا ... أو عاقدوا ضمنوا أو حدّثوا صدقوا
٥٧٩ - وقال: أيّها النّاس، لا تملّوا المعروف؛ فإنّ صاحبه يعوّض خيرا: إمّا شكرا في الدّنيا، أو ثوابا في الآخرة.
٥٨٠ - وقال بعض أهل الكرم: ما أصبحت ذا صباح قطّ ولم أر ببابي أحدا يطلب حاجة أو يستعين بي على أمر إلا وكان ذلك عليّ من المصائب التي
стр. 214
أسأل الله العون عليها.
٥٨١ - وقال بعض أهل الكرم: أيّها النّاس، لا يعدّنّ أحدكم المعروف معروفا إذا لم يخرج عنه وهو في إخراجه مسرور، والله لو رأيتم المعروف لرأيتموه حسنا جميلا، ولو رأيتم البخل لرأيتموه قبيحا دميما، وأنشد:
ولم أر كالمعروف أمّا مذاقه ... فحلو وأمّا وجهه فجميل
٥٨٢ - وسأل معاوية الأحنف بن قيس، فقال له: أنت سيّد قومك؟ فقال: ألجأهم الدّهر إليّ. فقال معاوية: هكذا تكون مخادعة الكريم وأهل الشّرف.
٥٨٣ - وقيل: إنّ أخت شرف الدّولة بن حمدان (١) خرجت من بلد قاصدة إلى الموصل في هودج ومعها إماؤها وخدمها، فلقيها الصّيّاد الشّاعر البلدي في بعض الطّريق، فأنشدها:
ته كيف شئت وسر على مهل ... كلّ الجمال عليك يا جمل
وعليّ أن لا تشتكي كللا ... ما دام فوقك هذه الكلل
فألقت إليه جميع ما عليها من الحليّ والحلل، وكان ينيف على ثلاثة آلاف دينار. فلما وصلت إلى الموصل وأخبر شرف الدّولة بذلك عاتبها على فعلها، وقال: الكرم في الرّجال محمود، وفي النّساء مذموم. قالت:
صدقت، بأعجازهنّ لا بأموالهن. فلم يحر جوابا.
٥٨٤ - ووصف بعض العرب صديقا له، قال: بلغ من كرمه على قومه أنّه كان يعتذر إليهم إذا جاد عليهم، ويشكرهم (٢) إذا سلم منهم.
٥٨٥ - وقيل لبعض الحكماء: بأيّ خلّة نكبت عدوّك؟ قال: بأن أزداد
стр. 215
فضلا في نفسي، وتفضّلا على غيري.
٥٨٦ - وقيل إن رجلا زوّر عن الحسن بن سهل كتابا إلى بعض أصحابه وأوصله إليه. وشكّ فيه، وأنفذه إلى صاحبه الحسن فكتب إليه وهو يعلم أنّ الكتاب مزور: أمّا بعد، أما كان في كثرة نعمائنا عليك ما تصدّق به مخيلة من توسّل بنا إليك وإن كان مبطلا، فكيف وهو محقّ؟ فلما وقف الرّجل على الكتاب أحسن إلى موصله، وقضى حوائجه وصرفه مسرورا.
٥٨٧ - وكان مخلد بن يزيد (١) من أجود أهل زمانه، فقال لأبيه:
ما الجود؟ فقال له أبوه: العطيّة لمن سأل. فقال: هذا ثمن السّؤال. فقال له أبوه: فما الجود يا بني؟ قال: العطيّة قبل السّؤال.
٥٨٨ - أبو فراس بن حمدان:
ليس جودا عطيّة بسؤال ... قد يهزّ السّؤال غير الجواد
إنّما الجود ما أتاك ابتداء ... لم تذق فيه ذلّة التّرداد
٥٨٩ - وقيل: سأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة معه، فلما أخليا ابتدأ الرّجل يكلّمه، فقال عبد الملك: إيّاك أن تمدحني، فإنّي أعرف بنفسي منك، أو تكذبني فإنّي لا أرى الكذب، أو تسعى إليّ بأحد فإن السّعاية عندي كاسدة، وإن شئت إقالتك أقلتك. قال: أقلني. قال: امض راشدا.
٥٩٠ - ووشى واش برجل إلى الإسكندر، فقال: أتحبّ أن أقبل منك