← Книги сунны

Книги сунны · id 12014

رياض الصالحين - ت الرسالة الثاني

النووي

Полный текст (810 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٢٥١- باب فضل الدُّعاء بظهر الغيب قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وقال تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] وقال تَعَالَى: إخْبَاراً عَن إبْرَاهِيمَ ﷺ : ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] . ١/١٤٩٤- وَعَن أَبي الدَّردَاءِ ﵁ أَنَّهُ سمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِن عبْدٍ مُسْلِمٍ يَدعُو لأَخِيهِ بِظَهرِ الغَيْبِ إِلاَّ قَالَ المَلكُ ولَكَ بمِثْلٍ"ر واه مسلم. ٢/١٤٩٥- وعَنْهُ أَنَّ رسُول اللَّه ﷺ كانَ يقُولُ:"دَعْوةُ المرءِ المُسْلِمِ لأَخيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ

стр. 597

مُسْتَجَابةٌ، عِنْد رأْسِهِ ملَكٌ مُوكَّلٌ كلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بخيرٍ قَال المَلَكُ المُوكَّلُ بِهِ: آمِينَ، ولَكَ بمِثْلٍ" رواه مسلم.

стр. 598

٢٥٢- باب في مسائل من الدعاء ١/١٤٩٦- عنْ أُسامَةَ بْنِ زيْدٍ ﵄ قالَ: قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ :"مَنْ صُنِعَ إَلَيْهِ معْرُوفٌ، فقالَ لِفَاعِلِهِ: جزَاك اللَّه خَيْراً، فَقَد أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ". رواه الترمذي وقَالَ: حَدِيثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. ٢/١٤٩٧- وَعَن جَابرٍ ﵁ قال: قَال رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَدعُوا عَلى أَنْفُسِكُم، وَلا تدْعُوا عَلى أَولادِكُم، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُم، لا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسأَلُ فِيهَا عَطاءً، فيَسْتَجيبَ لَكُم "رواه مسلم. ٣/١٤٩٨- وعن أَبي هُريرةَ ﵁ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِن ربِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ" رواه مسلم. ٤/١٤٩٩- وَعَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ:" يُسْتجَابُ لأَحَدِكُم مَا لَم يعْجلْ: يقُولُ قَد دَعوتُ رَبِّي، فَلم يسْتَجبْ لِي". متفقٌ عَلَيْهِ. وفي رِوَايَةٍ لمُسْلِمٍ: "لا يزَالُ يُسْتَجَابُ لِلعَبْدِ مَا لَم يدعُ بإِثمٍ، أَوْ قَطِيعةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتعْجِلْ "قِيلَ: يَا رسُولَ اللَّهِ مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ:"يَقُولُ: قَدْ دعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَم أَرَ يَسْتَجِيبُ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْد ذَلِكَ، ويَدَعُ الدُّعَاءَ ". ٥/١٥٠٠- وَعَنْ أَبي أُمامَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمعُ؟ قَالَ:"جوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ المكْتُوباتِ "رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ.

стр. 599

٦/١٥٠١- وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا عَلى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّه تَعالى بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّه إِيَّاهَا، أَوْ صَرَف عنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. مَا لَم يدْعُ بإِثْم، أَوْ قَطِيعَةِ رحِمٍ"فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذاً نُكْثِرُ. قَالَ:"اللَّه أَكْثَرُ". رواه الترمذي وقال حَدِيثٌ حَسنٌ صَحِيحٌ: وَرَواهُ الحاكِمُ مِنْ رِوايةِ أَبي سعيِدٍ وَزَاد فِيهِ: "أَوْ يَدَّخر لهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَها". ٧/١٥٠٢- وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كَان يقُولُ عِنْد الكرْبِ: "لا إِلَه إِلاَّ اللَّه العظِيمُ الحلِيمُ، لا إِله إِلاَّ اللَّه رَبُّ العَرْشِ العظِيمِ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه رَبُّ السمَواتِ، وربُّ الأَرْض، ورَبُّ العرشِ الكريمِ "متفقٌ عَلَيْهِ.

стр. 600

٢٥٣- باب كرامات الأولياء وفضلهم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢, ٦٤] وقال تَعَالَى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ [مريم: ٢٥, ٢٦] وقال تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ووَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧,١٦] . ١/١٥٠٣- وعنْ أبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمن بنِ أَبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ أنَّ أصْحاب الصُّفَّةِ كانُوا أُنَاساً فُقَرَاءَ وأنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ مرَّةً"منْ كانَ عِنْدَهُ طَعامُ اثنَينِ، فَلْيذْهَبْ بِثَالث، ومَنْ كَانَ عِنْدهُ طعامُ أرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بخَامِسٍ وبِسَادِسٍ"أوْ كَما قَالَ، وأنَّ أبَا بَكْرٍ ﵁ جاءَ بثَلاثَةٍ، وَانْطَلَقَ

стр. 601

النبيّ ﷺ بِعَشرَةٍ، وَأنَّ أبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْد النبيّ ﷺ ، ثُّمَّ لَبِثَ حَتَّى صلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيلِ مَا شاءَ اللَّه. قَالَتْ له امْرَأَتُهُ: ما حبسَكَ عَنْ أضْيافِكَ؟ قَالَ: أوَ ما عَشَّيتِهمْ؟ قَالَتْ: أبوْا حَتَّى تَجِيءَ وَقدْ عرَضُوا عَلَيْهِم قَال: فَذَهَبْتُ أنَا، فَاختبأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فجدَّعَ وَسَبَّ وَقَالَ: كُلُوا لاَ هَنِيئاً، واللَّه لا أَطْعمُهُ أبَداًِ، قَالَ: وايمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخذُ منْ لُقْمةٍ إلاَّ ربا مِنْ أَسْفَلِهَا أكْثَرُ مِنْهَا حتَّى شَبِعُوا، وصَارَتْ أكثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذلكَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا أبُو بكْرٍ فَقَال لامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بني فِرَاسٍ مَا هَذا؟ قَالَتْ: لا وَقُرّةِ عَيني لهي الآنَ أَكثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلكَ بِثَلاثِ مرَّاتٍ، فَأَكَل مِنْهَا أبُو بكْرٍ وَقَال: إنَّمَا كَانَ ذلكَ مِنَ الشَّيطَانِ، يَعني يَمينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنهَا لٍقمةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَأَصْبَحَت عِنْدَهُ. وكانَ بَيْننَا وبَيْنَ قَومٍ عهْدٌ، فَمَضَى الأجَلُ، فَتَفَرَّقنَا اثْنَيْ عشَرَ رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُم أُنَاسٌ، اللَّه أعْلَم كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ. وَفِي روايَة: فَحَلَفَ أبُو بَكْرٍ لا يَطْعمُه، فَحَلَفَتِ المرأَةُ لا تَطْعِمَه، فَحَلَفَ الضِّيفُ أوِ الأَضْيَافُ أنْ لاَ يَطعَمَه، أوْ يطعَمُوه حَتَّى يَطعَمه، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: هذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعا بالطَّعامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إلاَّ ربَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، فَقَال: يَا أُخْتَ بَني فِرَاس، مَا هَذا؟ فَقالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْني إنهَا الآنَ لأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ أنْ نَأْكُلَ، فَأَكَلُوا، وبَعَثَ بهَا إِلَى النَّبيِّ ﷺ فذَكَرَ أَنَّه أَكَلَ مِنهَا. وَفِي روايةٍ: إنَّ أبَا بَكْرٍ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيافَكَ، فَإنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَافْرُغْ مِنْ قِراهُم قَبْلَ أنْ أجِيءَ، فَانْطَلَقَ عبْدُ الرَّحمَن، فَأَتَاهم بمَا عِنْدهُ. فَقَال: اطْعَمُوا، فقَالُوا: أيْنَ رَبُّ مَنزِلَنَا؟ قَالَ: اطْعَمُوا، قَالُوا: مَا نَحْنُ بآكِلِين حتَى يَجِيىء ربُ مَنْزِلَنا، قَال: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُم، فإنَّه إنْ جَاءَ ولَمْ تَطْعَمُوا لَنَلقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أنَّه يَجِد عَلَيَّ، فَلَمَّا جاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقالَ: ماصنعتم؟ فأَخْبَروهُ، فقالَ يَا عَبْدَ الرَّحمَنِ فَسَكَتُّ ثم قال: يا عبد الرحمن. فَسَكَتُّ، فَقَالَ: يَا غُنثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إنْ كُنْتَ تَسمَعُ صَوتِي لَمَا جِئْتَ، فَخَرَجتُ، فَقُلْتُ: سلْ أَضْيَافكَ، فَقَالُوا: صَدقَ، أتَانَا بِهِ. فَقَالَ: إنَّمَا انْتَظَرْتُموني وَاللَّه لا أَطعَمُه اللَّيْلَةَ، فَقالَ الآخَرون: وَاللَّهِ لا نَطعَمُه حَتَّى تَطعمه، فَقَالَ: وَيْلَكُم مَالَكُمْ لا تَقْبَلُونَ عنَّا قِرَاكُم؟ هَاتِ طَعَامَكَ، فَجاءَ بِهِ، فَوَضَعَ يَدَه، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، الأولَى مِنَ الشَّيطَانِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. متفقٌ عَلَيْهِ.

стр. 602

قَوْله:"غُنْثَر"بغينٍ معجمةٍ مضمومةٍ، ثُمَّ نونٍ ساكِنةٍ، ثُمَّ ثاءٍ مثلثةٍ وَهُوَ: الغَبيُّ الجَاهٍلُ، وقولُهُ:"فجدَّع"أَيْ شَتَمه وَالجَدْع: القَطع. قولُه:"يجِدُ عليَّ"هُوَ بكسرِ الجيمِ، أيْ: يَغْضَبُ. ٢/١٥٠٤- وعنْ أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"لَقَدْ كَان فِيما قَبْلَكُمْ مِنَ الأُممِ نَاسٌ محدَّثونَ، فَإنْ يَكُ في أُمَّتي أَحَدٌ، فإنَّهُ عُمَرُ" رواه البخاري، ورواه مسلم من روايةِ عائشةَ، وفي رِوايتِهما قالَ ابنُ وَهْبٍ:"محدَّثُونَ"أَي: مُلهَمُون. ٣/١٥٠٥- وعنْ جَابِر بنِ سمُرَةَ، ﵄. قَالَ: شَكَا أهْلُ الكُوفَةِ سَعْداً، يَعْنِي: ابْنِ أَبي وَقَّاصٍ، ﵁، إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، ﵁، فَعزَلَه وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عمَّاراً، فَشَكَوْا حَتَّى ذكَرُوا أَنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأْرسَلَ إلَيْهِ، فَقَالَ: ياأَبا إسْحاقَ، إنَّ هؤُلاءِ يزْعُمُونَ أنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِّي. فَقَالَ: أمَّا أَنَا واللَّهِ فَإنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهمْ صَلاةَ رَسُولِ اللَّه ﷺ لا أَخْرِمُ عَنْهَا أُصَلِّي صَلاةَ العِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيَنِ، وَأُخِفُّ في الأُخْرَييْنِ، قَالَ: ذَلِكَ الظَنُّ بكَ يَا أبَا إسْحاقَ، وأَرسلَ مَعَهُ رَجُلاً أَوْ رجَالاً إلَى الكُوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ أَهْلَ الكُوفَةِ، فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِداً إلاَّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفاً، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِداً لِبَني عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ أُسامةُ بنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ، فَقَالَ: أَمَا إذْ نَشَدْتَنَا فَإنَّ سَعْداً كانَ لا يسِيرُ بِالسَّرِيّةِ وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّويَّةِ، وَلا يعْدِلُ في القَضِيَّةِ، قَالَ سعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لأدْعُوَنَّ بِثَلاثٍ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ عبْدكَ هَذَا كَاذِباً، قَام رِيَآءً، وسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ للفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدَ ذلكَ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُون، أصَابتْني دَعْوةُ سعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الملِكِ بنُ عُميْرٍ الرَّاوِي عنْ جَابرِ بنِ سَمُرَةَ فَأَنا رَأَيْتُهُ بَعْد قَدْ سَقَط حَاجِبَاهُ عَلى عيْنيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وَإنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ للجوارِي فِي الطُّرقِ فَيغْمِزُهُنَّ. متفقٌ عليهِ. ٤/١٥٠٦- وعنْ عُرْوَةَ بن الزُّبيْر أنَّ سعِيدَ بنَ زَيْدٍِ بْنِ عمْرو بْنِ نُفَيْلِ، ﵁ خَاصَمتْهُ

стр. 603

أرْوَى بِنْتُ أوْسٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَم، وَادَّعَتْ أنَّهُ أَخَذَ شَيْئاً مِنْ أرْضِهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: أنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أرْضِها شَيْئاً بعْدَ الَّذِي سمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ،؟ قَالَ: مَاذا سمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأرْضِ ظُلْماً، طُوِّقَهُ إِلَى سبْعِ أرضينَ" فَقَالَ لَهُ مرْوَانٌ: لا أسْأَلُكَ بَيِّنَةً بعْد هَذَا، فَقَال سعيدٌ: اللَّهُمَّ إنْ كانَتْ كاذبِةً، فَأَعْمِ بصرهَا، وَاقْتُلْهَا في أرْضِهَا، قَالَ: فَمَا ماتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وبيْنَما هِي تمْشي في أرْضِهَا إذ وَقَعَتْ في حُفْرةٍ فَمَاتتْ. متفقٌ عَلَيْهِ. وفي روايةٍ لمسلِمٍ عنْ مُحمَّدِ بن زَيْد بن عبد اللَّه بن عُمَر بمَعْنَاهُ وأَنَّهُ رآهَا عَمْياءَ تَلْتَمِسُ الجُدُرَ تَقُولُ: أصَابَتْني دعْوَةُ سعًيدٍ، وَأَنَّها مرَّتْ عَلى بِئْرٍ في الدَّارِ الَّتي خَاصَمَتْهُ فِيهَا، فَوقَعتْ فِيها، وَكانَتْ قَبْرهَا. ٥/١٥٠٧- وَعَنْ جَابِرِ بنِ عبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: لمَّا حَضَرَتْ أُحُدٌ دَعاني أَبي مِنَ اللَّيْلِ فَقَال: مَا أُرَاني إلاَّ مَقْتُولا في أوَّل مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ ، وَإنِّي لا أَتْرُكُ بعْدِي أعزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرِ نَفْسِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وإنَّ علَيَّ دَيْناً فَاقْضِ، واسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْراً: فأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أوَّل قَتِيلٍ، ودَفَنْتُ مَعهُ آخَرَ في قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أنْ أتْرُكهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجته بعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فَإذا هُو كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْر أُذُنِهِ، فَجَعَلتُهُ في قَبْرٍ عَلى حٍدَةٍ. رواه البخاري. ٦/١٥٠٨- وَعَنْ أنَسٍ ﵁ أنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ خَرَجا مِنْ عِنْدِ النَّبيِّ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةَ ومَعهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَينِ بيْنَ أيديهِما، فَلَمَّا افتَرَقَا، صارَ مَعَ كلِّ واحِدٍ مِنهما وَاحِدٌ حَتى أتَى أهْلَهُ. رواهُ البُخاري مِنْ طرُقٍ، وفي بعْضِها أنَّ الرَّجُلَيْنِ أُسيْدُ بنُ حُضيرٍُ، وعبَّادُ بنُ بِشْرٍ ﵄. ٧/١٥٠٩- وعنْ أَبي هُرَيْرةَ، ﵁، قَال: بَعثَ رَسُولُ اللِّهِ ﷺ عَشَرَةَ رهْطٍ عَيْناً سَريَّةً، وأمَّرَ عليْهِم عَاصِمَ بنَ ثابِتٍ الأنصاريَّ، ﵁، فَانطَلَقُوا حتَّى إِذَا كانُوا بالهَدْأةِ، بيْنَ عُسْفانَ ومكَّةَ، ذُكِرُوا لَحِيِّ منْ هُذَيْلٍ يُقالُ لهُمْ: بنُوا لِحيَانَ، فَنَفَرُوا لهمْ بقَريب منْ مِائِةِ رجُلٍ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أحَسَّ بهِمْ عاصِمٌ ؤَأصحابُهُ، لجَأوا إِلَى مَوْضِعٍ، فَأحاطَ بهمُ القَوْمُ، فَقَالُوا:

стр. 604

انْزلوا، فَأَعْطُوا بأيْدِيكُمْ ولكُم العَهْدُ والمِيثاق أنْ لا نَقْتُل مِنْكُم أحَداً، فَقَالَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ: أَيُّهَا القومُ، أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْزِلُ عَلَى ذِمةِ كَافرٍ. اللهمَّ أخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ ﷺ فَرمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِماً، ونَزَل إلَيْهِمْ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَى العهدِ والمِيثاقِ، مِنْهُمْ خُبيْبٌ، وزَيْدُ بنُ الدَّثِنِة ورَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أطْلَقُوا أوْتَار قِسِيِّهمْ، فرَبطُوهُمْ بِها، قَال الرَّجلُ الثَّالِثُ: هَذَا أوَّلُ الغَدْرِ واللَّهِ لا أصحبُكمْ إنَّ لِي بهؤلاءِ أُسْوةً، يُريدُ القَتْلى، فَجرُّوهُ وعَالَجُوهُ، فَأبي أنْ يَصْحبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، وانْطَلَقُوا بخُبَيْبٍ، وَزيْدِ بنِ الدَّثِنَةِ، حَتَّى بَاعُوهُما بمكَّةَ بَعْد وَقْعةِ بدرٍ، فَابتَاعَ بَنُو الحارِثِ ابنِ عامِرِ بنِ نوْفَلِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ خُبَيْباً، وكانَ خُبَيبُ هُوَ قَتَل الحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فلَبِثَ خُبيْبٌ عِنْدهُم أسِيراً حَتى أجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَاسْتَعارَ مِنْ بعْضِ بنَاتِ الحارِثِ مُوسَى يَسْتحِدُّ بهَا فَأَعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيُّ لهَا وَهِي غَافِلةٌ حَتى أَتَاهُ، فَوَجَدْتُه مُجْلِسَهُ عَلى فَخذِهِ وَالمُوسَى بِيده، فَفَزِعتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ، فَقَال: أتَخْشيْنَ أن أقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأفْعل ذلكَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا رأيْتُ أسِيراً خَيْراً مِنْ خُبيبٍ، فواللَّهِ لَقَدْ وَجدْتُهُ يوْماً يأَكُلُ قِطْفاً مِنْ عِنبٍ في يدِهِ، وإنَّهُ لمُوثَقٌ بِالحديدِ وَما بمَكَّةَ مِنْ ثمَرَةٍ، وَكَانَتْ تقُولُ: إنَّهُ لَرزقٌ رَزقَهُ اللَّه خُبَيباً، فَلَمَّا خَرجُوا بِهِ مِنَ الحَرمِ لِيقْتُلُوهُ في الحِلِّ، قَال لهُم خُبيبُ: دعُوني أُصلي ركعتَيْنِ، فتَرَكُوهُ، فَركعَ رَكْعَتَيْنِ، فقالَ: واللَّهِ لَوْلا أنْ تَحسَبُوا أنَّ مابي جزَعٌ لَزِدْتُ: اللَّهُمَّ أحْصِهمْ عَدَداً، واقْتُلهمْ بَدَداً، وَلاَ تُبْقِ مِنْهُم أَحَداً. وقال: فلَسْتُ أُبالي حينَ أُقْتلُ مُسْلِماً عَلَى أيِّ جنْبٍ كَانَ للَّهِ مصْرعِي وذلِكَ في ذَاتِ الإلَهِ وإنْ يشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أوْصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ وكانَ خُبيْبٌ هُو سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صبْراً الصَّلاةَ وأخْبَر يعني النبيّ ﷺ . أصْحَابهُ يوْمَ أُصِيبُوا خبرهُمْ، وبعَثَ نَاسٌ مِنْ قُريْشٍ إِلَى عاصِم بنِ ثابتٍ حينَ حُدِّثُوا أنَّهُ قُتِل أنْ يُؤْتَوا بشَيءٍ مِنْهُ يُعْرفُ. وكَانَ قتَل رَجُلاً مِنْ عُظَمائِهِمْ، فبَعثَ اللَّه لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يقْدِرُوا أنْ يَقْطَعُوا مِنهُ شَيْئاً. رواه البخاري. قولُهُ: الهَدْأةُ: مَوْضِعٌ، وَالظُّلَّةُ: السَّحَابُ، والدَّبْرُ: النَّحْلُ. وقَوْلُهُ:"اقْتُلْهُمْ بِدَداً"بِكسرِ الباءِ وفتحهَا، فَمَنْ كَسَرَ، قَالَ هُوَ جمعٍ بِدَّةٍ بكسر الباءِ، وهو

стр. 605

النصِيب، ومعناه اقْتُلْهُمْ حِصَصاً مُنْقَسِمَةً لِكلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ نصيبٌ، وَمَنْ فَتَح، قَالَ: مَعْنَاهُ: مُتَفَرِّقِينَ في القَتْلِ واحِداً بَعْدَ وَاحِد مِنَ التّبْدِيدِ. وفي الباب أحاديثٌ كَثِيرَةٌ صحِيحَةُ سَبَقَتْ في مواضِعها مِنْ هَذَا الكِتَابِ مِنها حديثُ الغُلام الَّذِي كانَ يأتِي الرَّاهِبَ والسَّاحِرَ ومِنْهَا حَديثُ جُرَيجٍ، وحديثُ أصحَابِ الغَارِ الذين أَطْبقَتْ علَيْهمُ الصَّخْرةُ، وحديثُ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَ صَوتاً في السَّحاب يقولُ: اسْقِ حدِيقة فلانٍ، وغيرُ ذَلِكَ والدَّلائِلُ في البابِ كثيرةٌ مَشْهُورةٌ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ٨/١٥١٠- وعَن ابْنِ عُمر ﵄ قال: مَا سمِعْتُ عُمرَ ﵁ يَقُولُ لِشَيءٍ قطُّ: إنِّي لأظُنَّهُ كَذا إلاَّ كَانَ كَمَا يَظُنُّ، رواهُ البُخَاري.

стр. 606

كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا ٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] . اعْلَمْ أنَّهُ ينبغي لك مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلاَّ كَلاَماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ, ومَتَى اسْتَوَى الكَلاَمُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ, فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلاَمُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ, وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ, والسَّلاَمَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ. ١/١٥١١- وَعنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَليقُلْ خَيْراً، أوْ ليَصْمُتْ" متفقٌ عَلَيهِ. وَهذا الحَديثُ صَرِيحٌ في أَنَّهُ يَنْبغي أنْ لا يتَكَلَّم إلاَّ إِذَا كَان الكَلامُ خَيْراً، وَهُو الَّذي ظَهَرَتْ مصْلحَتُهُ، وَمَتى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحةِ، فَلا يَتَكَلَّمُ. ٢/١٥١٢- وعَنْ أَبي مُوسَى ﵁ قَال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ المُسْلِمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ". متفق عَلَيْهِ. ٣/١٥١٣- وَعَنْ سَهْلِ بنِ سعْدٍ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمنْ لهُ الجَنَّة". متفقٌ عليهِ. ٤/١٥١٤- وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ الْعَبْد لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مَا يَتَبيَّنُ فيهَا يَزِلُّ بهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بيْنَ المشْرِقِ والمغْرِبِ". متفقٌ عليهِ.

стр. 607

ومعنى:"يَتَبَيَّنُ"يَتَفَكَّرُ أنَّهَا خَيْرٌ أمْ لا. ٥/١٥١٥- وَعَنْهُ عن النبيّ ﷺ قَالَ: "إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالى مَا يُلقِي لهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّه بهَا دَرَجاتٍ، وَإنَّ الْعبْدَ لَيَتَكلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقي لهَا بَالاً يهِوي بهَا في جَهَنَّم" رواه البخاري. ٦/١٥١٦- وعَنْ أبي عَبْدِ الرَّحمنِ بِلال بنِ الحارثِ المُزنيِّ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قالَ: "إنَّ الرَّجُلَ ليَتَكَلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بلَغَتْ يكْتُبُ اللَّه لَهُ بهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يلْقَاهُ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِنْ سَخَطِ اللَّه مَا كَانَ يظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بلَغَتْ يكْتُبُ اللَّه لَهُ بهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يلْقَاهُ". رواهُ مالك في"المُوطَّإِ"والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٧/١٥١٧- وعَنْ سُفْيان بنِ عبْدِ اللَّهِ ﵁ قَال: قُلْتُ يَا رسُولَ اللَّهِ حَدِّثني بأمْرٍ أعْتَصِمُ بِهِ قالَ:" قُلْ ربِّي اللَّه، ثُمَّ اسْتَقِمْ"قُلْتُ: يَا رسُول اللَّهِ مَا أَخْوفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَال:"هَذَا". رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٨/١٥١٨- وَعَن ابنِ عُمَر ﵄ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ كَثْرَة الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّه تَعالَى قَسْوةٌ لِلْقَلْبِ، وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلبُ القَاسي". رواه الترمذي. ٩/١٥١٩- وعنْ أَبي هُريرَة ﵁ قَالَ: قال رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ وَقَاهُ اللَّه شَرَّ مَا بيْنَ لَحْييْهِ، وشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجنَّةَ" رَوَاه التِّرمِذي وقال: حديث حسنٌ. ١٠/١٥٢٠- وَعَنْ عُقْبةَ بنِ عامِرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسول اللَّهِ مَا النَّجاةُ؟ قَال: "أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ" رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ.

стр. 608

١١/١٥٢١- وعن أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَصْبح ابْنُ آدَمَ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتِّقِ اللَّه فينَا، فَإنَّما نحنُ بِكًَ: فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسَتقَمْنا وإنِ اعْوججت اعْوَججْنَا" رواه الترمذي. معنى"تُكَفِّرُ اللِّسَان": أَي تَذِلُّ وتَخْضعُ لَهُ. ١٢/١٥٢٢- وعنْ مُعاذ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رسُول اللَّهِ أخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّة، ويُبَاعِدُني عن النَّارِ؟ قَال:"لَقدْ سَأَلْتَ عنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى منْ يَسَّرَهُ اللَّه تَعَالى علَيهِ: تَعْبُد اللَّه لاَ تُشْركُ بِهِ شَيْئاً، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكَاةَ، وتصُومُ رمضَانَ وتَحُجُّ البَيْتَ إن استطعت إِلَيْهِ سَبِيْلاً، ثُمَّ قَال:"ألاَ أدُلُّك عَلى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ.،الصَّدَقةٌ تطْفِيءُ الخَطِيئة كما يُطْفِيءُ المَاءُ النَّار، وصلاةُ الرَّجُلِ منْ جوْفِ اللَّيْلِ "ثُمَّ تَلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتَّى بلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦] . ثُمَّ قَالَ: "ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأمْرِ، وعمودِهِ، وذِرْوةِ سَنامِهِ"قُلتُ: بَلى يَا رسولَ اللَّهِ: قَالَ:"رأْسُ الأمْرِ الإسْلامُ، وعَمُودُهُ الصَّلاةُ. وذروةُ سنامِهِ الجِهَادُ"ثُمَّ قَالَ:"ألاَ أُخْبِرُكَ بمِلاكِ ذلكَ كُلِّهِ؟ "قُلْتُ: بَلى يَا رسُولَ اللَّهِ. فَأَخذَ بِلِسَانِهِ قالَ:"كُفَّ علَيْكَ هَذَا"قُلْتُ: يَا رسُولَ اللَّهِ وإنَّا لمُؤَاخَذون بمَا نَتَكلَّمُ بِهِ؟ فقَال: "ثَكِلتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وَجُوهِهِم إلاَّ حصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟ ". رواه الترمذي وقال: حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد سبق شرحه. ١٣/١٥٢٣- وعنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّ رسُول اللَّه ﷺ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الغِيبةُ؟ "قَالُوا: اللَّه ورسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:"ذِكرُكَ أَخَاكَ بِما يكْرَهُ"قِيل: أَفرأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ:"إنْ كانَ فِيهِ مَا تقُولُ فَقَدِ اغْتَبْته، وإنْ لَمْ يكُن فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بهتَّهُ" رواه

стр. 609

مسلم. ١٤/١٥٢٤- وعنْ أَبي بكْرةَ ﵁ أنَّ رسُول اللَّه ﷺ قَالَ في خُطْبتِهِ يوْم النَّحر بِمنىً في حجَّةِ الودَاعِ: "إنَّ دِماءَكُم، وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمة يومِكُم هَذَا، في شهرِكُمْ هَذَا، في بلَدِكُم هَذَا، ألا هَلْ بلَّغْت" متفقٌ عَلَيهِ. ١٥/١٥٢٥- وعنْ عائِشة ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ للنبيّ ﷺ حسْبُك مِنْ صفِيَّة كذَا وكَذَا قَال بعْضُ الرُّواةِ: تعْني قَصِيرةً، فقالَ: "لقَدْ قُلْتِ كَلِمةً لَوْ مُزجتّ بماءِ البحْر لمَزَجتْه،" قَالَتْ: وحكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ: "مَا أحِبُّ أنِّي حكَيْتُ إنْساناً وأنَّ لِي كَذَا وَكَذَا" رواه أَبُو داود، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ومعنى:"مزَجَتْهُ"خَالطته مُخَالَطة يَتغَيَّرُ بهَا طَعْمُهُ، أوْ رِيحُهُ لِشِدةِ نتنها وقبحها، وهَذا مِنْ أبلغَ الزَّواجِرِ عنِ الغِيبَةِ، قَال اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤] . ١٦/١٥٢٦- وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لمَّا عُرِجَ بي مررْتُ بِقَوْمٍ لهُمْ أظْفَارٌ مِن نُحاسٍ يَخمِشُونَ وجُوهَهُمُ وَصُدُورَهُم، فَقُلْتُ: منْ هؤلاءِ يَا جِبْرِيل؟ قَال: هؤلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُوم النَّاسِ، ويَقَعُون في أعْراضِهمْ،" رواهُ أَبُو داود. ١٧/١٥٢٧- وعن أَبي هُريْرة ﵁ أنَّ رسُول اللَّه ﷺ قَالَ: "كُلُّ المُسلِمِ عَلى المُسْلِمِ حرَامٌ: دَمُهُ وعِرْضُهُ وَمَالُهُ" رواهُ مسلم.

стр. 610

٢٥٥- باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبةً محرَّمة بردِّها، والإِنكار عَلَى قائلها فإنْ عجز أَوْ لَمْ يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] وقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] . ١/١٥٢٨- وعنْ أَبي الدَّرْداءِ ﵁ عنِ النَّبيّ ﷺ قالَ: "منْ ردَّ عَنْ عِرْضِ أخيهِ، ردَّ اللَّه عنْ وجْههِ النَّارَ يوْمَ القِيَامَةِ" رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ. ٢/١٥٢٩- وعنْ عِتْبَانَ بنِ مالِكٍ ﵁ في حدِيثِهِ الطَّويلِ المشْهورِ الَّذي تقدَّم في بابِ الرَّجاءِ قَالَ: قامَ النبيّ ﷺ يُصلِّي فَقال: "أيْنَ مالِكُ بنُ الدُّخْشُمِ؟ "فَقَال رَجُلٌ: ذلكَ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّه ولارسُولَهُ، فَقَال النبي ﷺ :"لاَ تقُلْ ذلكَ، ألاَ تَراه قَدْ قَال: لا إلهَ إلاَّ اللهُ يُريدُ بِذَلكَ وجْه اللَّه، وإنَّ اللَّه قدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ منْ قَالَ: لا إلهَ إلاَّ اللَّه يبْتَغِي بِذلكَ وجْهَ اللَّه" متفقٌ عَلَيْهِ. "وعِتبانُ"بكسر العين عَلَى المشهور، وحُكِي ضمُّها، وبعدها تاءٌ مثناةٌ مِنْ فوق، ثُمَّ باءٌ موحدةٌ. و"الدُّخْشُمُ"بضم الدال وإسكان الخاءِ وضمِّ الشين المعجمتين. ٣/١٥٣٠- وعَنْ كعْبِ بنِ مالكٍ ﵁ في حدِيثِهِ الطَّويلِ في قصَّةِ توْبَتِهِ وَقَدْ سبقَ في باب التَّوْبةِ. قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ وهُو جَالِسٌ في القَوْم بِتبُوكَ: "ما فَعَلَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ؟ "فقالَ رجُلٌ مِنْ بَني سلِمَةَ: يا رسُولَ اللَّه حبسهُ بُرْداهُ، والنَّظَرُ في عِطْفيْهِ. فقَال لَهُ معاذُ بنُ جبلٍ ﵁: بِئس مَا قُلْتَ، واللَّهِ يا رسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنا علَيْهِ إلاَّ خيْراً، فَسكَتَ رسُولُ اللَّه ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

стр. 611

"عِطْفَاهُ"جانِباهُ، وهو إشارةٌ إلى إعجابِهِ بنفسهِ.

стр. 612

٢٥٦- باب مَا يُباح من الغيبة اعْلَمْ أنَّ الغِيبَةَ تُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحيحٍ شَرْعِيٍّ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِهَا, وَهُوَ سِتَّةُ أسْبَابٍ: الأَوَّلُ: التَّظَلُّمُ, فَيَجُوزُ لِلمَظْلُومِ أنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ والقَاضِي وغَيرِهِما مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ, أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى إنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ, فيقول: ظَلَمَنِي فُلاَنٌ بكذا. الثَّاني: الاسْتِعانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ, وَرَدِّ العَاصِي إِلَى الصَّوابِ, فيقولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتهُ عَلَى إزالَةِ المُنْكَرِ: فُلانٌ يَعْمَلُ كَذا, فازْجُرْهُ عَنْهُ ونحو ذَلِكَ ويكونُ مَقْصُودُهُ التَّوَصُّلُ إِلَى إزالَةِ المُنْكَرِ, فَإنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَاماً. الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ, فيقُولُ لِلمُفْتِي: ظَلَمَنِي أَبي, أَوْ أخي, أَوْ زوجي, أَوْ فُلانٌ بكَذَا, فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَمَا طَريقي في الخلاصِ مِنْهُ, وتَحْصيلِ حَقِّي, وَدَفْعِ الظُّلْمِ؟ وَنَحْو ذَلِكَ, فهذا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ, ولكِنَّ الأحْوطَ والأفضَلَ أنْ يقول: مَا تقولُ في رَجُلٍ أَوْ شَخْصٍ, أَوْ زَوْجٍ, كَانَ مِنْ أمْرِهِ كذا, فَإنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ مِنْ غَيرِ تَعْيينٍ وَمَعَ ذَلِكَ, فالتَّعْيينُ جَائِزٌ كَمَا سَنَذْكُرُهُ في حَدِيثِ هِنْدٍ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. الرَّابعُ: تحذير المسلمين مِنَ الشَّرِّ وَنَصِيحَتُهُمْ, وذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: جَرْحُ المَجْرُوحينَ مِنَ الرُّواةِ والشُّهُودِ, وذلكَ جَائِزٌ بإجْمَاعِ المُسْلِمينَ, بَلْ وَاجِبٌ للْحَاجَةِ. ومنها: المُشَاوَرَةُ في مُصاهَرَةِ إنْسانٍ, أو مُشاركتِهِ, أَوْ إيداعِهِ, أو معاملته, أوغير ذَلِكَ, أَوْ مُجَاوَرَتِهِ, ويجبُ عَلَى المشاوَر أنْ لا يخفي حاله, بل يذكر المساوىء التي فيه بنية النصيحة. ومنها: إِذَا رأى مُتَفَقِّهاً يَتَرَدَّدُ إِلَى مُبْتَدِعٍ, أَوْ فَاسِقٍ يَأَخُذُ عَنْهُ العِلْمَ, وخَافَ أنْ يَتَضَرَّرَ المُتَفَقِّهُ بِذَلِكَ, فَعَلَيْهِ نَصِيحَتُهُ بِبَيانِ حَالِهِ, بِشَرْطِ أنْ يَقْصِدَ النَّصِيحَةَ, وَهَذا مِمَّا يُغلَطُ فِيهِ. وَقَدْ يَحمِلُ المُتَكَلِّمَ بِذلِكَ الحَسَدُ, وَيُلَبِّسُ الشيطان عَلَيْهِ ذَلِكَ, ويُخَيْلُ إِلَيْهِ أنَّهُ نَصِيحَةٌ فَليُتَفَطَّنْ لذلك. ومنها: أن يكون له ولاية لايقوم بها على وجهها، إما بأن لايكون صَالِحاً لَهَا، وإما بِأنْ يكونَ فَاسِقاً, أَوْ مُغَفَّلاً, وَنَحوَ ذَلِكَ فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ ولايةٌ عامَّةٌ لِيُزيلَهُ, وَيُوَلِّيَ مَنْ يُصْلحُ, أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ لِيُعَامِلَهُ بِمُقْتَضَى حالِهِ, وَلاَ يَغْتَرَّ بِهِ, وأنْ يَسْعَى في أنْ يَحُثَّهُ عَلَى الاسْتِقَامَةِ أَوْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مُجَاهِراً بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كالمُجَاهِرِ بِشُرْبِ الخَمْرِ, ومُصَادَرَةِ النَّاسِ, وأَخْذِ المَكْسِ؛ وجِبَايَةِ الأمْوَالِ ظُلْماً وَتَوَلِّي الأمُورِ الباطِلَةِ, فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ؛ وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ العُيُوبِ, إِلاَّ أنْ يكونَ لِجَوازِهِ سَبَبٌ آخر مما ذكرناه.

стр. 613

السَّادِسُ: التعرِيفُ, فإذا كَانَ الإنْسانُ مَعْرُوفاً بِلَقَبٍ, كالأعْمَشِ, والأعرَجِ, والأَصَمِّ, والأعْمى, والأحْوَلِ, وغَيْرِهِمْ جاز تعريفهم بذلك, ويحرم إطلاقه على جهة التنقص, ولو أمكن تعريفهم بِغَيرِ ذَلِكَ كَانَ أوْلَى. فهذه ستَّةُ أسبابٍ ذَكَرَهَا العُلَمَاءُ وأكثَرُها مُجْمَعٌ عَلَيْهِ, وَدَلائِلُهَا مِنَ الأحادِيثِ الصَّحيحَةِ مشهورَةٌ. فمن ذَلِكَ: ١/١٥٣١- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ رَجُلاً استأْذَن عَلى النبيّ ﷺ فقَالَ: " ائذَنُوا لهُ، بِئسَ أخُو العشِيرَةِ؟ " متفقٌ عَلَيْهِ. احْتَجَّ بهِ البخاري في جَوازِ غيبةِ أهلِ الفسادِ وأهلِ الرِّيبِ. ٢/١٥٣٢- وعنْهَا قَالَتْ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "مَا أَظُن فُلاناً وفُلاناً يعرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئاً" رواه البخاريُّ. قَالَ الليثُ بنُ سعْدٍ أحدُ رُواةِ هَذَا الحَدِيثِ: هذَانِ الرَّجُلانِ كَانَا مِنَ المُنَافِقِينَ. ٣/١٥٣٣- وعنْ فَاطِمةَ بنْتِ قَيْسٍ ﵂ قَالَتْ: أَتيْتُ النبيَّ ﷺ ، فقُلْتُ: إنَّ أَبَا الجَهْمِ ومُعاوِيةَ خَطباني؟ فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ :"أمَّا مُعَاوِيةُ، فَصُعْلُوكٌ لاَ مالَ لَهُ، وأمَّا أَبُو الجَهْمِ فَلاَ يضَعُ العَصا عنْ عاتِقِهِ" متفقٌ عَلَيْهِ. وفي روايةٍ لمسلمٍ: "وأمَّا أبُو الجَهْمِ فضَرَّابُ للنِّساءِ" وَهُوَ تفسير لرواية:"لا يَضَعُ العَصا عَنْ عاتِقِهِ"وقيل: معناه: كثيرُ الأسفارِ. ٤/١٥٣٤- وعن زيْد بنِ أرْقَمَ ﵁ قَالَ: خَرجْنَا مَعَ رسولِ اللِّهِ ﷺ في سفَرٍ أصَابَ النَّاس فيهِ شِدةٌ، فقال عبدُ اللَّه بنُ أبي لأصحابه: لاَ تُنْفِقُوا عَلَى منْ عِنْد رسُولِ اللَّه حَتَّى ينْفَضُّوا وقال: لَئِنْ رجعْنَا إِلَى المدِينَةِ ليُخرِجنَّ الأعزُّ مِنْها الأذَلَّ، فَأَتَيْتُ رسُولَ اللَّه ﷺ ، فَأَخْبرْتُهُ بِذلكَ، فأرسلَ إِلَى عبدِ اللَّه بن أُبَيِّ فَاجْتَهَد يمِينَهُ: مَا فَعَل، فقالوا: كَذَب زيدٌ رسولَ اللَّه ﷺ ، فَوقَع في نَفْسِي مِمَّا

стр. 614

قالوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أنْزَل اللَّه تَعَالَى تَصْدِيقي: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ ثُمَّ دعاهُمُ النبيّ ﷺ ، لِيَسْتغْفِرَ لَهُمْ فلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ. متفقٌ عَلَيهِ. ٥/١٥٣٥- وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قالت هِنْدُ امْرأَةُ أَبي سُفْيانَ للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ أَبَا سُفيانَ رجُلٌ شَحِيحٌ ولَيْس يُعْطِيني مَا يَكْفِيني وولَدِي إلاَّ مَا أخَذْتُ مِنه، وهَو لا يعْلَمُ؟ قَالَ:"خُذِي مَا يكْفِيكِ ووَلَدَكِ بالمعْرُوفِ" متفقٌ عليه.

стр. 615

٢٥٧- باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بَيْنَ الناس عَلَى جهة الإِفساد قَالَ الله تَعَالَى ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [ن: ١١] . وقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] . ١/١٥٣٦- وعَنْ حذَيْفَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا يَدْخُلُ الجنةَ نمَّامٌ" متفقٌ عَلَيْهِ. ٢/١٥٣٧- وعَنْ ابن عَباسٍ ﵄ أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ : مرَّ بِقَبريْنِ فَقَالَ: "إنَّهُمَا يُعَذَّبان، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ، بَلى إنَّهُ كَبيرٌ: أمَّا أحَدُهمَا، فَكَانَ يمشِي بالنَّمِيمَةِ، وأمَّا الآخرُ فَكَانَ لاَ يسْتَتِرُ مِنْ بولِه". متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ إحدى روايات البخاري. قالَ العُلَماءُ: معْنَى:"وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ"أيْ كَبيرٍ في زَعْمِهما وقيلَ: كَبِيرٌ تَرْكُهُ عَلَيهما.

стр. 616

٣/١٥٣٨- وعن ابن مسْعُودٍ ﵁ أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ: "أَلاَ أُنَبِّئكُم مَا العَضْهُ؟ هي النَّمِيمةُ، القَالَةُ بيْنَ النَّاسِ" رواه مسلم. "العَضْهُ": بفَتْح العين المُهْمَلَةِ، وإسْكان الضَّادِ المُعْجَمَةِ، وبالهاءِ عَلَى وزنِ الوجهِ، ورُوي:"العِضَةُ"بِكسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضَّادِ المُعْجَمَةِ عَلى وَزْنِ العِدَةِ، وهِي: الكذِبُ والبُهتانُ، وعَلى الرِّواية الأولى: العَضْهُ مصدرٌ، يقال: عَضَهَهُ عَضْهاً، أيْ: رماهُ بالعَضْهِ.

стр. 617

٢٥٨- باب النهي عن نَقْل الحديثِ وكلام الناس إِلَى ولاة الأمورِ إِذَا لَمْ تدْعُ إِلَيْهِ حاجةٌ كَخَوفِ مفسدةٍ ونحوها قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . وفي الباب الأحاديث السابقة في الباب قبله. ١/١٥٣٩- وعن ابن مَسْعُودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يُبَلِّغْني أحدٌ مِنْ أصْحابي عنْ أحَدٍ شَيْئاً، فَإنِّي أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إِليْكُمْ وأنَا سليمُ الصَّدْرِ" رواه أَبُو داود والترمذي.

стр. 618

٢٥٩- باب ذمِّ ذِي الوَجْهَيْن قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء: ١٠٨] . ١/١٥٤٠- وعن أَبي هُريرةًَ ﵁ قالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَجدُونَ النَّاسَ معادِنَ: خِيارُهُم في الجاهِليَّةِ خيارُهُم في الإسْلامِ إِذَا فَقُهُوا، وتجدُونَ خِيارَ النَّاسِ في هذا الشَّأنِ أشدَّهُمْ لهُ كَراهِيةً، وتَجدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الوجْهيْنِ، الَّذِي يَأتِي هؤلاءِ بِوجْهِ وَهؤلاءِ بِوَجْهِ" متفقٌ عَلَيْهِ. ٢/١٥٤١- وعنْ محمدِ بن زَيْدٍ أنَّ نَاسًا قَالُوا لجَدِّهِ عبدِ اللَّه بنِ عُمْرو ﵄: إنَّا نَدْخُلُ عَلَى سَلاطِيننا فنقولُ لهُمْ بِخلافِ مَا نتكلَّمُ إذَا خَرَجْنَا مِنْ عِندِهِمْ قَالَ: كُنًا نعُدُّ هَذَا نِفَاقاً عَلى

стр. 619

عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ . رواه البخاري.

стр. 620

٢٦٠- باب تحريم الكذب قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] . ١/١٥٤٢- وعنْ ابنِ مسعود ﵁ قال: قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنًَّ الصِّدْقَ يهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإنَّ البرِّ يهْدِي إِلَى الجنَّةِ، وإنَّ الرَّجُل ليَصْدُقُ حتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدّيقاً، وإنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ وإنَّ الفُجُورًَ يهْدِي إِلَى النارِ، وَإِنَّ الرجلَ ليكذبَ حَتى يُكْتبَ عنْدَ اللَّهِ كَذَّاباً" متفقٌ عَلَيْهِ. ٢/١٥٤٣- وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرو بنِ العاص ﵄، أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ: "أَرْبعٌ منْ كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنافِقاً خالِصاً، ومنْ كَانتْ فيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانتْ فِيهِ خَصْلةٌ مِنْ نِفاقٍ حتَّى يَدعَهَا: إِذَا اؤتُمِنَ خَانَ، وَإذا حدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصمَ فجَرَ" متفقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ سبقَ بيانه مَعَ حديثِ أَبي هُرَيْرَةَ بنحوهِ في"باب الوفاءِ بالعهدِ". ٣/١٥٤٤- وعن ابن عباسٍ ﵄ عن النَّبي ﷺ ، قالَ: "مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لمْ يرَهُ، كُلِّفَ أنْ يَعْقِدَ بيْن شَعِيرتينِ، ولَنْ يفْعَلَ، ومِنِ اسْتَمَع إِلَى حديثِ قَوْم وهُمْ لهُ كارِهُونَ، صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَنْ صوَّر صُورةً، عُذِّبَ وَكُلِّفَ أنْ ينفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَليْس بِنافخٍ" رواه البخاري. "تَحلَّم"أيْ: قالَ أنهُ حَلم في نَوْمِهِ ورَأى كَذا وكَذا، وَهُوَ كاذبٌ و"الآنك"بالمدِّ وضمِّ النونِ وتخفيفِ الكاف: وهو الرَّصَاصُ المذابُ.

стр. 621

٤/١٥٤٥- وعن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : " أفْرَى الفِرَى أنْ يُرِيَ الرجُلُ عيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيا". رواهُ البخاري. ومعناه: يقولُ: رأيتُ فيما لَمْ يَرَهُ. ٥/١٥٤٦- وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ ﵁ قالَ: كانَ رسُولُ اللَّه ﷺ مِما يُكْثِرُ أنْ يقولَ لأصحابهِ: "هَلْ رَأَى أحدٌّ مِنكُمْ مِن رُؤْيَا؟ "فيقُصُّ عليهِ منْ شَاءَ اللَّه أنْ يقُصَّ. وَإنَّهُ قَالَ لنا ذَات غَدَاةٍ:"إنَّهُ أتَاني اللَّيْلَةَ آتيانِ، وإنَّهُما قَالا لِي: انطَلقْ، وإنِّي انْطلَقْتُ معهُما، وإنَّا أتَيْنَا عَلى رجُلٍ مُضْطَجِعٌ، وإِذَا آَخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وإِذَا هُوَ يَهْوي بالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيثْلَغُ رَأْسهُ، فَيَتَدَهْدهُ الحَجَرُ هَاهُنَا. فيتبعُ الحَجَرَ فيأْخُذُهُ، فَلاَ يَرجِعُ إلَيْه حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَما كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيفْعلُ بهِ مِثْلَ مَا فَعَل المَرَّةَ الأوْلَى،"قَالَ: قلتُ لهما: سُبْحانَ اللَّهِ، مَا هذانِ؟ قَالا لي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنا. فأَتيْنَا عَلى رَجُل مُسْتَلْقٍ لقَفَاه وَإذا آخَرُ قائمٌ عليهِ بكَلُّوبٍ مِنْ حَديدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتى أحَد شِقَّيْ وَجْهِهِ فيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفاهُ، ومنْخِرهُ إلى قَفَاهُ، وَعينَهُ إلى قَفاهُ، ثُمَّ يتَحوَّل إِلَى الجانبِ الآخرِ فَيَفْعَل بهِ مثْلَ مَا فعلًَ بالجَانِبِ الأوَّلِ، فَما يَفْرُغُ مِنْ ذلكَ الجانبِ حتَّى يصِحَّ ذلكَ الجانِبُ كما كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عليْهِ، فَيَفْعَل مِثْلَ مَا فَعلَ فِي المَرَّةِ الأُوْلَى. قَالَ: قلتُ: سُبْحَانَ اللَّه، مَا هذانِ؟ قالا لي: انْطلِقْ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا. فَأتَيْنا عَلى مِثْل التَّنُّورِ فَأَحْسِبُ أنهُ قَالَ: فإذا فيهِ لَغَطٌ، وأصْواتٌ، فَاطَّلَعْنا فيهِ فَإِذَا فِيهِ رجالٌ ونِساء عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يأتِيهمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفلِ مِنْهُمْ، فإذا أتَاهُمْ ذلكَ اللَّهَبُ ضَوْضوا، قلتُ مَا هؤلاءِ؟ قَالا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فَانْطَلقْنَا. فَأَتيْنَا عَلَى نهرٍ حسِبْتُ أَنهُ كانَ يقُولُ:"أَحْمرُ مِثْلُ الدًَّمِ، وَإِذَا في النَّهْرِ رَجُلٌ سابِحٌ يَسْبحُ، وَإذا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ رجُلٌ قَد جَمَعَ عِندَهُ حِجارةً كَثِيرَة، وَإِذَا ذلكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأتيْ ذلكَ الَّذِي قَدْ جمَعَ عِنْدهُ الحِجارةًَ، فَيَفْغَرُ لهَ فاهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَراً، فَيَنْطَلِقُ فَيَسْبَحُ، ثُمًَّ يَرْجِعُ إليهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إليْهِ، فَغَر لهُ فاهُ، فَألْقمهُ حَجَراً، قُلْتُ لهُما: مَا هذانِ؟ قالاَ لِي: انْطلِقْ انطلِق، فانْطَلَقنا. فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كريِه المَرْآةِ، أوْ كأَكرَهِ مَا أنتَ رَاءٍ رجُلاً مَرْأَى، فإذا هُوَ عِندَه نارٌ يحشُّها وَيسْعى حَوْلَهَا، قلتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ قالاَ لي: انْطَلِقْ انْطلِقْ، فَانْطَلقنا. فَأتَينا عَلَى روْضةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيها مِنْ كلِّ نَوْرِ الرَّبيعِ، وَإِذَا بيْنَ ظهْرِي الرَّوضَةِ رَجلٌ طويلٌ لا أكادُ أَرَى رأسَهُ طُولاً في السَّماءِ، وَإِذَا حوْلَ الرجلِ منْ أَكْثَرِ وِلدانٍ رَأَيْتُهُمْ قطُّ، قُلتُ: مَا هَذَا؟ وَمَا هؤلاءِ؟ قالا لي: انطَلقْ انْطَلِقْ فَاَنْطَلقنا. فَأتيْنَا إِلَى دَوْحةٍ عظِيمَة لَمْ أَرَ دَوْحةً قطُّ

стр. 622

أعظمَ مِنها، وَلاَ أحْسنَ، قالا لي: ارْقَ فِيهَا، فَارتَقينا فِيهَا، إِلَى مدِينةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهبٍ ولبنٍ فضَّةٍ، فأتَينَا بَابَ المَدينة فَاسْتفتَحْنَا، فَفُتحَ لَنا، فَدَخَلناهَا، فَتَلَقَّانَا رجالٌ شَطْرٌ مِن خَلْقِهِم كأحْسنِ مَا أنت راءٍ، وشَطرٌ مِنهم كأَقْبحِ مَا أنتَ راءِ، قالا لَهُمْ: اذْهَبُوا فقَعُوا في ذَلِكَ النًّهْر، وَإِذَا هُوَ نَهرٌ معتَرِضٌ يجْرِي كأنَّ ماءَهُ المحضُ في البَيَاضِ، فذَهبُوا فوقعُوا فِيهِ، ثُمَّ رجعُوا إلَيْنَا قَدْ ذَهَب ذلكَ السُّوءُ عَنهمْ، فَصارُوا في أحْسَنِ صُورةٍ. قَالَ: قالا لِي: هذِهِ جَنَّةُ عدْن، وهذاك منزلُكَ، فسمَا بصَرِي صُعداً، فإذا قَصْرٌ مِثلُ الرَّبابة البيضاءِ. قالا لي: هذاكَ منزِلُكَ. قلتُ لهما: باركَ اللَّه فيكُما، فَذراني فأدخُلْه. قالا: أمَّا الآنَ فَلاَ، وأنتَ داخلُهُ. قُلْتُ لهُما: فَإنِّي رأَيتُ مُنْذُ اللَّيلة عَجَباً؟ فما هَذَا الذي رأيت؟ قالا لي: إنَا سَنخبِرُك. أمَّا الرجُلُ الأوَّلُ الَّذِي أتَيتَ عَليه يُثلَغُ رأسُهُ بالحَجَرِ، فإنَّهُ الرَّجُلُ يأخُذُ القُرْآنَ فيرفُضُه، وينامُ عَنِ الصَّلاةِ المكتُوبةِ. وأمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أتَيتَ عَليْهِ يُشرْشرُ شِدْقُه إِلَى قَفاهُ، ومَنْخِرُه إِلَى قَفاهُ، وعَيْنهُ إِلَى قفاهُ، فإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدو مِنْ بَيْتِه فَيكذبُ الكذبةَ تبلُغُ الآفاقَ. وأمَّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُراةُ الَّذِينَ هُمْ في مِثل بِناءِ التَّنُّورِ، فإنَّهم الزُّناةُ والزَّواني. وأما الرجُلُ الَّذي أتَيْت عليْهِ يسْبَحُ في النَهْرِ، ويلْقمُ الحِجارة، فإنَّهُ آكِلُ الرِّبا. وأمَّا الرَّجُلُ الكَريهُ المَرآةِ الَّذِي عندَ النَّارِ يَحُشُّها ويسْعى حَوْلَها فإنَّهُ مالِكُ خازنُ جَهنَّمَ. وأمَّا الرَّجُلُ الطَّويلُ الَّذي في الرَّوْضةِ، فإنَّهُ إبراهيم ﷺ ، وأمَّا الوِلدانُ الذينَ حوْله، فكلُّ مُوْلود ماتَ عَلَى الفِطْرَةِ"وفي رواية البَرْقَانِي:"وُلِد عَلَى الفِطْرَةِ". فَقَالَ بعض المسلمينَ: يَا رسولَ اللَّه، وأولادُ المشرِكينَ؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ :"وأولادُ المشركينَ". وأما القومُ الذينَ كانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبيحٌ فإنَّهُمْ قَومٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً تَجاوَزَ الله عنهم". رواه البخاري. وفي روايةٍ لَهُ: "رأيتُ اللَّيلَةَ رجُلَين أتَياني فأخْرجاني إِلَى أرْضِ مُقدَّسةِ"ثُمَّ ذكَره. وقال:"فانطَلَقْنَا إِلَى نَقبٍ مثلِ التنُّورِ، أعْلاهُ ضَيِّقٌ وأسْفَلُهُ وَاسعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحتهُ ناراً، فإذا ارتَفَعت ارْتَفَعُوا حَتى كادُوا أنْ يَخْرُجوا، وَإِذَا خَمَدت، رَجَعوا فِيهَا، وفيها رجالٌ ونِساءٌ عراةٌ. وفيها: حَتَّى أتَينَا عَلَى نَهرٍ مِنْ دًَم، ولم يشكَّ فِيهِ رجُلٌ قائمٌ عَلَى وَسَطِ النًَّهرِ، وعلى شطِّ النَّهر رجُلٌ، وبيْنَ يديهِ حجارةٌ، فأقبلَ الرَّجُلُ الذي في النَّهرِ، فَإذا أرَادَ أنْ يخْرُجَ، رمَى الرَّجُلُ بِحجرٍ في فِيه، فردَّهُ حيْثُ كانَ، فجعلَ كُلَّمَا جاءَ ليخْرج جَعَلَ يَرْمي في فِيهِ بحجرٍ، فيرْجِعُ كما كانَ. وفيهَا:"فَصَعِدَا بي الشَّجَرةَ، فَأدْخلاني دَاراً لَمْ أرَ قَطُّ أحْسنَ منْهَا، فيهَا رجالٌ شُيُوخٌ وَشَباب". وفِيهَا:"الَّذي رأيْتهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فكَذَّابٌ، يُحدِّثُ بالْكذبةِ فَتُحْملُ عنْهَ حتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فيصْنَعُ بهِ مَا رأيْتَ إِلَى يوْم الْقِيامةِ". وَفِيهَا:"الَّذي رأيْتهُ يُشْدَخُ رأسُهُ فرجُلُ علَّمهُ اللَّه الْقُرآنَ، فَنَامَ عنهُ بِاللَّيْلِ، ولَمْ يعْملْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، فيُفْعلُ بِه إِلَى يَوْمِ الْقِيامةِ". والدَّارُ الأولَى الَّتي دخَلْتَ دارُ

стр. 623

عامَّةِ المُؤمنينَ، وأمَّا هذِهِ الدَّارُ فدَارُ الشُّهَداءِ، وأنا جِبْريلُ، وهذا مِيكائيلُ، فارْفع رأسَك، فرفعتُ رأْسي، فإذَا فَوْقِي مِثلُ السَّحابِ، قالا: ذاكَ منزلُكَ، قلتُ: دَعاني أدْخُلْ مَنْزِلي، قالا: إنَّهُ بَقي لَكَ عُمُرٌ لَم تَستكمِلْهُ، فلَوْ اسْتَكْملته، أتَيْتَ منْزِلَكَ" رواه البخاري. قَوْله:"يَثْلَغ رَأْسهُ"هُوَ بالثاءِ المثلثةِ والغينِ المعجمة، أيْ: يشدخُهُ ويَشُقُّه. قولهُ:"يَتَدهْده"أيْ: يتدحرجُ، و"الكَلُّوبُ"بفتح الكاف، وضم اللام المشددة، وَهُوَ معروف. قَوْله:"فيُشَرشِرُ"أيْ: يُقَطَّعُ. قَوْله:"ضوْضَوا"وَهُوَ بضادين معجمتين، أيْ صاحوا. قَوْله:"فيفْغَرُ"هُوَ بالفاءِ والغين المعجمة، أيْ: يفتحُ. قَوْله:"المرآةِ"هُوَ بفتح الميم، أيْ: المنْظَر. قَوْله:"يحُشُّها"هُوَ بفتح الياءِ وضم الحاءِ المهملة والشين المعجمة، أيْ: يوقِدُها، قَوْله:"روْضَةٍ مُعْتَمَّةِ"هُوَ بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم، أيْ: وافيةِ النَّبات طويلَته. قَولُهُ:"دوْحَةٌ"وهي بفتحِ الدال، وإسكان الواو وبالحاءِ المهملة: وهِي الشَّجرَةُ الْكبيرةُ، قولُهُ:"المَحْضُ"هُوَ بفتح الميم وإسكان الحاءِ المهملة وبالضَّاد المعجمة: وهُوَ اللَّبَنُ. قولُهُ:"فَسَما بصرِي"أي: ارْتَفَعَ."وَصُعُداً": بضم الصاد والعين: أيْ: مُرْتَفِعاً."وَالرَّبابةُ": بفتح الراءِ وبالباءِ الموحدة مُكررة، وهي السَّحابة.

стр. 624

٢٦١- باب بيان مَا يجوز من الكذب إْعْلَمْ أنَّ الْكَذب، وَإنْ كَانَ أصْلُهُ مُحرَّماً، فيَجُوزُ في بعْض الأحْوالِ بشرُوطٍ قَدْ أوْضَحْتُهَا في كتاب:"الأذْكارِ"ومُخْتَصَرُ ذَلِكَ أنَّ الكلامَ وسيلةٌ إِلَى المقاصدِ، فَكُلُّ مَقْصُودٍ محْمُودٍ يُمْكِن تحْصيلُهُ بغَيْر الْكَذِبِ يَحْرُمُ الْكذِبُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يُمكِنْ تَحْصِيلُهُ إلاَّ بالكذبِ جازَ الْكذِبُ. ثُمَّ إنْ كانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المقْصُودِ مُباحاً كَانَ الْكَذِبُ مُباحاً، وإنْ كانَ واجِباً، كَانَ الكَذِبُ واجِباً، فإذا اخْتَفى مُسْلمٌ مِن ظالمٍ يُريدُ قَتلَه، أوْ أخْذَ مالِه، وأخَفي مالَه، وسُئِل إنسانٌ عَنْهُ، وَجَبَ الكَذبُ بإخفائِه، وكذا لو كانَ عِندهُ وديعَةٌ، وأراد ظالِمٌ أخذَها، وجبَ الْكَذِبُ بإخفائها، والأحْوطُ في هَذَا كُلِّه أنْ يُوَرِّي، ومعْنَى التَّوْرِيةِ: أنْ يقْصِد بِعبارَتِه مَقْصُوداً صَحيحاً ليْسَ هُوَ كاذِباً بالنِّسّبةِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِباً في ظاهِرِ اللًّفظِ، وبِالنِّسْبةِ إِلَى مَا يفهَمهُ المُخَاطَبُ ولَوْ تَركَ التَّوْرِيةَ وَأطْلَق عِبارةَ الكذِبِ، فليْس بِحرَامٍ في هَذَا الحَالِ. واسْتَدلَّ الْعُلَماءُ بجَوازِ الكَذِب في هَذَا الحَال بحدِيث أمِّ كُلْثومٍ ﵂ أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَْه ﷺ يقولُ: "لَيْس الكَذَّابُ الَّذي يُصلحُ بيْنَ النَّاسِ، فينمِي خَيْراً أَوْ يقولُ خَيْراً "متفقٌ عَلَيهِ.

стр. 625

زاد مسلم في رواية:"قالت: أمُّ كُلْثُومٍ: ولَم أسْمعْهُ يُرْخِّصُ في شَيءٍ مِمَّا يقُولُ النَّاسُ إلاَّ في ثلاثٍ: تَعْني: الحَرْبَ، والإصْلاحَ بيْن النَّاسِ، وحديثَ الرَّجُلَ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثَ المرْأَةِ زوْجَهَا.

стр. 626

٢٦٢- باب الحثَّ عَلَى التثُّبت فيما يقوله ويحكيه قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] . ١/١٥٤٧- وعنْ أَبي هُريْرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: "كَفَى بالمَرءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سمعِ" رواه مسلم. ٢/١٥٤٨- وعن سمُرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "منْ حدَّث عنِّي بِحَدِيثٍ يرَى أنَّهُ كذِبٌ، فَهُو أحدُ الكَاذِبين" رواه مسلم. ٣/١٥٤٩- وعنْ أسماءَ ﵂ أنَّ امْرأة قالَتْ: يَا رَسُول اللَّه إنَّ لِي ضرَّةَ فهل علَيَّ جناحٌ إنْ تَشبعْتُ مِنْ زَوْجِي غيْرَ الَّذِي يُعطِيني؟ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : "المُتشبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلابِس ثَوْبَي زُورٍ" متفقٌ عليه. المُتشبِّعُ: هو الذي يُظهرُ الشَّبع وليس بشبعان، ومعناها هُنا: أنَّهُ يُظهرُ أنَّهُ حَصلَ لَهُ فضِيلةٌ وليْستْ حاصِلة."ولابِس ثَوْبي زورٍ"أيْ: ذِي زُورٍ، وَهُوَ الَّذِي يزَوِّرُ عَلَى النَّاس، بِأنْ يَتَزَيَّى بِزيِّ أهْلِ الزُّهدِ أَو العِلم أَو الثرْوةِ، ليغْترَّ بِهِ النَّاسُ وليْس هُوَ بِتِلك الصِّفةِ، وَقَيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واللَّه أعْلَمُ.

стр. 627

٢٦٣- باب بيان غلظ تحريم شهادة الزُّور قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] . وقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . وقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] . وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] . وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] . ١/١٥٥٠- وعن أَبي بكْرةَ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "ألا أُنبِّئكُم بِأكْبَرِ الكَبائِر؟ قُلنَا: بَلَى يَا رسولَ اللَّهِ. قَالَ:"الإشراكُ باللَّه، وعُقُوقُ الوالِديْنِ"وكان مُتَّكِئا فَجلَس، فَقَالَ:"ألاَ وقَوْلُ

стр. 628

الزُّورِ، وشهادةُ الزورِ"فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قلنا: لَيْتَهُ سكَت. متفق عليه.

стр. 629

٢٦٤- باب تحريم لَعْن إنسان بعَينه أَوْ دابة ١/١٥٥١- عن أَبي زيْدٍ ثابتِ بنِ الضَّحاكِ الأنصاريِّ ﵁، وَهُوَ من أهْل بيْعةِ الرِّضوانِ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَف عَلى يمِينٍ بِملَّةٍ غيْرٍ الإسْلامِ كاذِباً مُتَعَمِّداً، فهُو كَما قَالَ، ومنْ قَتَل نَفسهُ بشيءٍ، عُذِّب بِهِ يوْم القِيامةِ، وَليْس عَلَى رجُلٍ نَذْرٌ فِيما لا يَملِكهُ، ولعنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ" متفقٌ عَلَيْهِ. ٢/١٥٥٢- وعنْ أبي هُريْرةَ ﵁ أنَّ رسُول اللَّه ﷺ قَالَ: "لاَ ينْبغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يكُونَ لَعَّاناً" رواه مسلم. ٣/١٥٥٣- وعنْ أبي الدَّردَاءِ ﵁ قال: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لاَ يكُونُ اللَّعَّانُون شُفعَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ يوْمَ القِيامَةِ" رواه مسلم. ٤/١٥٥٤- وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لاَ تَلاعنُوا بلعنةِ اللَّه، وَلاَ بِغضبِهِ، وَلاَ بِالنَّارِ" رواه أَبُو داود، والترمذي وقالا: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٥/١٥٥٥- وعن ابن مسعودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْس المؤمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلاَ اللَّعَّانِ وَلاَ الفَاحِشِ، وَلاَ البذِيِّ" رواه الترمذي وقالَ: حديثٌ حسنٌ. ٦/١٥٥٦- وعنْ أَبي الدَّرْداءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ العبْد إِذَا لَعنَ شَيْئاً، صعِدتِ اللَّعْنةُ إِلَى السَّماء، فتُغْلَقُ أبْوابُ السَّماءِ دُونَها، ثُمَّ تَهبِطُ إِلَى الأرْضِ، فتُغلَقُ أبوابُها دُونَها، ثُّمَّ تَأخُذُ يَميناً وشِمالا، فَإذا لمْ تَجِدْ مَسَاغاً رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فإنْ كَانَ أهْلاً لِذلك، وإلاَّ رجعتْ إِلَى قائِلِها" رواه أَبُو داود. ٧/١٥٥٧- وعنْ عِمْرَانَ بنِ الحُصيْنِ ﵄ قَالَ: بينَما رسُولُ اللَّه ﷺ في بعضِ

стр. 630

أسْفَارِهِ، وامرأَةٌ مِنَ الأنصارِ عَلى نَاقَةٍ، فضجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسمع ذلكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقالَ: "خُذوا مَا عَلَيْهَا ودعُوها، فإنَّها ملعُونَةٌُ" قالَ عِمرَانُ: فكَأَنِّي أرَاهَا الآنَ تَمْشِي في النَّاسِ مَا يعرِضُ لهَا أحدٌ. رواه مسلم. ٨/١٥٥٨- وعن أَبي برّزَةَ نَضلَةَ بْنِ عُبيْدٍ الأسلمِيِّ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا جاريةٌ عَلَى ناقَةٍ علَيها بعضُ متَاع القَوْمِ، إذْ بَصُرَتْ بالنبيِّ ﷺ وتَضايَقَ بهمُ الجَبلُ، فقالتْ: حَلْ، اللَّهُم العنْها فَقَالَ النبيُّ ﷺ : "لاَ تُصاحِبْنا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لعْنةٌ "رواه مسلم. قَوْله:"حلْ"بفتح الحاءِ المُهملةِ، وَإسكانِ اللاَّم، وهَي كلِمةٌ لزَجْرِ الإبلِ. واعْلَم أنًَّ هَذَا الحَدِيثَ قَدْ يُسْتَشْكلُ معْنَاهُ، وَلا إشْكال فِيهِ، بَلِ المُرادُ النَّهيُ أنْ تُصاحِبَهُمُ تِلك النَّاقَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ نهيٌ عَنْ بيْعِها وذَبْحِهَا وَرُكُوبِها فِي غَيْرِ صُحْبةِ النبيّ ﷺ بلْ كُلُّ ذَلِكَ وَما سوَاهُ منَ التَّصرُّفاتِ جائِزٌ لا منْع مِنْه، إلاَّ مِنْ مُصاحبَتِهِ ﷺ بِها، لأنَّ هذِهِ التَّصرُّفاتِ كُلِّهَا كانتْ جَائِزَةً فمُنع بْعضٌ مِنْها، فبَقِي الباقِي عَلَى مَا كَانَ. واللَّه أعْلَمُ.

стр. 631

٢٦٥- باب جواز لَعْن بعض أصحاب المعاصي غير المُعَيّنِين قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وقال تَعَالَى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] . وَثَبت فِي الصَّحيحِ أَنَّ رسُول اللَّه ﷺ قَالَ: "لعَنَ اللَّه الوَاصِلَةَ والمُسْتَوصِلةَ" وأنَّهُ قَالَ: "لعَنَ اللَّه آكِلَ الرِّبا" وأنَّهُ لَعَنَ المُصَوِّرين، وأنَّه قَالَ: "لعنَ اللَّه مَنْ غَيَّر منارَ الأرْض" أيْ: حُدُودها، وأنَّهُ قَالَ: "لَعنَ اللَّه السَّارِقَ يَسرِقُ البيضَة" وأنهُ قال: "لَعنَ اللَّه مَنْ لعن والِديْهِ"، "وَلَعَنَ اللَّه مَنْ ذَبَحَ لِغيْرِ اللَّه" وأنهُ قَالَ: "منْ أحْدَثَ فِيها حَدَثاً أوْ آوَى محدِثاً، فَعليّهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والملائِكَةِ والنَّاسِ

стр. 632

أجْمعِينَ" وأنَّهُ قالَ: "اللَّهُمَّ العنْ رِعْلاً، وذَكوانَ وَعُصيَّةَ، عصَوا اللَّه ورَسُولَهُ" وَهذِهِ ثلاثُ قبائِل مِنَ العَرَبِ وأنَّه قَالَ: "لَعنَ اللَّه اليهودَ اتخَذُوا قُبورَ أنبيَائِهم مسَاجِدَ" وأنَّهُ "لَعن المُتشبهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، والمتشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجالِ". وَجَميعُ هذِهِ الألفاظِ في الصحيحِ، بعْضُهَا في صَحيحَيّ البُخاري ومسلمٍ، وبعْضُها في أحدِهِمَا، وإنَّما قَصدْتُ الاختصَار بِالإشارةِ إليْهَا، وسأذكرُ مُعظَمَهَا في أبوابها مِنْ هَذَا الكتاب، إن شاءَ اللَّه تَعَالَى.

стр. 633

٢٦٦- باب تحريم سَبّ المسلم بغير حق قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨] . ١/١٥٥٩- وعنِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "سِباب المُسْلِمِ فُسوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ" متفقٌ عَلَيهِ. ٢/١٥٦٠- وعنْ أَبي ذرٍّ ﵁ أنَّهُ سمِع رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "لاَ يَرمي رجُلٌ رَجُلاً بِالفِسْقِ أَوِ الكُفْرِ، إلاَّ ارْتَدَّتْ عليهِ، إنْ لمْ يَكُن صاحِبُهُ كذلكَ "رواه البخاريُّ. ٣/١٥٦١- وعنْ أَبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قالَ: "المُتَسابانِ مَا قَالا فَعَلى البَادِي مِنْهُما حتَّى يَعْتَدِي المظلُومُ" رواه مسلم. ٤/١٥٦٢- وعنهُ قالَ: أُتيَ النبيُّ ﷺ بِرجُلٍ قَدْ شَرِب قالَ: "اضربُوهُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَمِنَّا الضَّاربُ بِيدِهِ، والضَّاربُ بِنعْلِه، والضَّارِبُ بثوبهِ، فلَمَّا انصَرفَ، قَالَ بَعضُ القَوم: أخزاكَ اللَّه، قَالَ:

стр. 634

"لا تقُولُوا هَذَا، لا تُعِينُوا عليهِ الشَّيطَانَ" رواه البخاري. ٥/١٥٦٣- وعنْهُ قالَ: سمِعْتُ رسُول اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَذَف ممْلُوكَهُ بِالزِّنا يُقامُ عليهٍ الحَدُّ يومَ القِيامَةِ، إلاَّ أنْ يَكُونَ كما قالَ" متفقٌ عَلَيْهِ.

стр. 635

٢٦٧- باب تحريم سَبّ الأموات بغير حقِّ ومصلحةٍ شرعية وهو التَّحْذِيرُ مِنَ الاقْتِدَاء بِهِ في بِدْعَتِهِ, وَفِسْقِهِ, وَنَحْوِ ذَلِكَ, وَفِيهِ الآيةُ والأحاديثُ السَّابِقَةُ في البَابِ قَبْلَهُ. ١/١٥٦٤- وعن عائِشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأمواتَ، فَإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّموا" رواه البخاري.
следующие страницы →