وقالوا أيضا: وشاح١ وإشاح، ووعاء وإعاء، قرأ سعيد بن جبير: "ثم استخرجها من إعاء أخيه" [يوسف: ٧٦] ، وكل واحدة من هذه ومن غيرها مما يجري في البدل مجراها، تستعمل مكان صاحبتها، ولو كانت ألف آل بدلا من هاء أهل لقيل انصرف إلى آلك كما يقال: انصرف إلى أهلك، ولقيل آلك والليل، كما يقال أهلك والليل، وغير ذلك مما يطول ذكره ... فلما كانوا يختصون بالآل الأشرف الأخص دون الشائع الأعم، حتى لا يقال إلا في نحو قولهم: القراء آل الله، واللهم صل على محمد وعلى آل محمد، و ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَه﴾ [غافر: ١٨] ، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق٢.
نجوت ولم يمنن عليك طلاقة ... سوى ربذ التقريب من آل أعوجا٣
لأن أعوج فيهم فرس مشهور عند العرب، فلذلك قال: آل أعوج، ولا يقال آل الخياط، كما يقال أهل الخياط، ولا آل الإسكاف٤، كما يقال أهل الإسكاف.
стр. 107
دل ذلك على أن الألف فيه ليست بدلا من الأصل، وإنما هي بدل من بدل من الأصل، فجرى ذلك مجرى التاء في القسم، لأنها بدل من الواو فيه، والواو فيه بدل من الباء، فلما كانت التاء بدلا من بدل، وكانت فرع الفرع، اختصت بأشرف الأسماء وأشهرها، وهو اسم الله، فلذلك لم يقل تزيد ولا تالبيت، كما لم يقل آل الإسكاف ولا آل الخياط.
فإن قلت: فقد قال بشر١:
لعمرك ما يطلبن من آل نعمة ... ولكنما يطلبن قيسا ويشكرا٢
فقد أضافه إلى نعمة، وهي نكرة غير مخصوصة ولا مشرفة، فإن هذا بيت شاذ، والذي عليه العمل ما قدمناه، وهو رأي أبي الحسن٣، فاعرفه.
فإن قيل: ألست تزعم أن الواو في والله بدل من الباء في بالله، وأنت لو أضمرت لم تقل: وه لأفعلن كما تقول: به لأفعلن. وقد تجد أيضا بعض البدل لا يقع موضع المبدل منه في كل موضع، فما تنكر أيضا أن تكون الألف في آل بدلاً من الهاء، وإن كان لا يقع جميع مواقع أهل؟
فالجواب أن الفرق بينهما أن الواو لم تمتنع من وقوعها في جميع مواقع الباء، من حيث امتنع وقوع "آل" في جميع مواقع "أهل" وذلك أن الإضمار يرد بالأشياء إلى أصولها في كثير من المواضع، ألا ترى أن من قال: أعطيتك درهما، فحذف الواو التي كانت بعد الميم، وأسكن الميم، إذا أضمر الدرهم قال: أعطيتكموه، فرد الواو لأجل اتصال الكلمة بالمضمر.
стр. 108
فأما ما حكاه يونس من أن بعضهم قال: أعطيتكمه، فشاذ لا يقاس عليه عند عامة أصحابنا١، فلذلك جاز أن تقول: به لأقعدن، وبك لأنطلقن، ولم يجز أن تقول: "وك" ولا "وه"، بل كان هذا في الواو أحرى، لأنها حرف واحد منفرد فضعفت عن القوة وتصرف الباء التي هي الأصل.
أنشدنا أبو علي قال: أنشدنا أبو زيد٢:
رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما٣
стр. 109
وأنشدنا أيضا عنه١:
ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني فلا بك ما أبالي٢
وأنت ممتنع من استعمال آل في غير الأشهر الأخص، وسواء في ذلك أضفته إلى مظهر أم أضفته إلى مضمر.
فإن قيل ألست تزعم أن التاء في تولج بدل من واو، وأن أصله وولج، لأنه فوعل من الولوج٣، ثم إنك مع ذلك قد تجدهم أبدلوا الدال من هذه التاء، فقالوا دولج، وأنت مع ذلك تقول: دولج في جميع المواضع التي تقول فيها تولج، وإن كانت الدال مع ذلك بدلا من التاء، التي هي بدل من الواو؟
فالجواب عن ذلك: إن هذا مغالطة من السائل، وذلك أنه كان يطرد هذا له لو كانوا يقولون وولج ودولج، فيستعملون "دولج" في جميع أماكن وولج، فهذا لعمري لو كان كذا لكان له به تعلق، وكانت تحتسب زيادة، فأما وهم لم يقولوا وولج البتة كراهة اجتماع الواوين في أول الكلمة، وإنما قالوا تولج، ثم أبدلوا الدال من التاء المبدلة من الواو، فقالوا دولج، فإنما استعملوا الدال مكان التاء، التي هي في المرتبة قبلها تليها، ولم يستعملوا الدال موضع الواو التي هي الأصل، فصار إبدال الدال من التاء في هذا الموضع، كإبدال الهمزة من الواو في نحو أقتت وأجوه، فكما تستعمل أجوه في موضع وجوه، لقربها منها، وأنه لا منزلة بينهما واسطة، كذلك جاز استعمال دولج مكان تولج، لأنه لا منزلة واسطة بينهما.
وكذلك لو عارض معارض بهنيهة، تصغير هنة٤ فقال: ألست تزعم أن أصلا هنيوة، ثم صارت هينة، ثم صارت هنيهة، وأنت قد تقول هنيهة في كل موضع تقول في هنية، كان الجواب واحدا كالذي قبله، ألا ترى أن هنيوة الذي هو الأصل، لا ينطق به، ولا يستعمل التبة، فجرى ذا مجرى وولج، في رفضه وترك استعماله.
стр. 110
فهذا كله يؤكد عندك أن امتناعهم من استعمال آل في جميع مواقع أهل، إنما هو لأن الألف فيه كانت بدلا من بدل، كما كانت التاء في القسم بدلا من بدل، فاعرفه، فإن أصحابنا لم يشبعوا القول فيه، على ما أوردته الآن، وإن كنا بحمد الله بهم نقتدي، وعلى أمثلتهم نحتذي.
والذي يدل على أن أصل آل أهل، قولهم في التحقير أهيل، ولو كان من الواو لقيل أويل، كما يقال في الآل الذي هو الشخص أويل، ولو كان أيضا من الياء لقيل أبيل.
فأما قولهم رجل تدرأ١، وتدره للدافع عن قومه، فليس أحد الحرفين فيهما بدلا من صاحبه، بل هما أصلان، يقال درأ ودره، قال كثير:
درهت على فراطها فدهمتهم ... بأخطار موت يلتهمن سجالها٢
فهذا كقولك أقدمت واندفعت، وقال بعضهم في قول الشاعر٣:
فقال فريق أاإذا نحوتهم ... وقال فريق لا يمن الله ما ندري٤
قالوا: أراد أهذا، فقلب الهاء همزة، ثم فصل بين الهمزتين بالألف.
стр. 111
وروينا عن قطرب١، عن أبي عبيدة أنهم يقولون: أل فعلت؟ ومعناه: هل فعلت؟ فأما ما أنشده الأصمعي من قول الراجز٢:
أباب بحر ضاحك هزوق٣
فليست الهمزة فيه بدلا من عين عباب٤، وإن كان بمعناه، وإنما هو فعال من أب: إذا تهيأ، قال الأعشى٥:
أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا٦
وذلك أن البحر يتهيأ لما يزخر٧ به. فلهذا كانت الهمزة أصلا غير بدل من العين، وإن قلت إنها بدل منها فهو وجه، وليس بالقوي.
стр. 112
زيادة ال همزة ١:
اعلم أن موضع زيادة الهمزة أن تقع في أول بنات الثلاثة، فمتى رأيت ثلاثة أحرف أصولا، وفي أولها همزة، فاقض بزيادة الهمزة، عرفت الاشتقاق في تلك اللفظة أو جهلته، حتى تقوم الدلالة على كون الهمزة أصلا، وذلك نحو أحمر، وأصفر، وأخضر، وإجفيل٢، وإخريط٣، وأترجة٤، وأزملة٥.
فإن حصلت معك أربعة أحرف أصول والهمزة في أولها، فاقض بأن الهمزة أصل، واجعل اللفظة بها من بنات الخمسة، وذلك نحو: إصطبل٦ وإبريسم٧ وإبراهيم وإسماعيل.
فإن رأيت الهمزة وسطا أو آخرا فاقض بأنها أصل، حتى تقوم الدلالة على كونها زائدة، فالأصل نحو قولك بلأز الرجل٨، وبرائل٩ الديك، والسأسم١٠ واطمأن، وازبأر١١، وتكرفأ السحاب ١٢، فالهمزة في هذا ونحوه أصل أبدا، وما زيدت فيه الهمزة غير أول أحرف محفوظة، وهي شمأل١٣، وشأمل، ووزنهما
стр. 113
فعأل وفأعل، لقولهم شمل الريح، بلا همز، وقدائم، أي قديم، وجرائض١، لقولهم جرواض، وامرأة ضهيأة٢، وزنها فعلأة، لقولهم في معناها ضهياء.
وأجاز أبو إسحاق في هذه الهمزة أن تكون همزة أصلا، وتكون الياء هي الزائدة، على أن تكون الكلمة فعلية، وذهب في ذلك مذهبا من الاشتقاق حسنا، لولا شيء اعترضه، وذلك أنه قال: يقال ضاهيت زيدا، وضاهأت زيدا، بالياء والهمزة.
قال: والضهيأة: قيل إنها التي لا تحيض، وقيل، إنها التي لا ثدي لها.
قال: وفي هذين معنى المضاهاة٣، لأنها قد ضاهت الرجال بأنها لا تحيض، كما ضاهتهم بأنها لا ثدي لها.
قال: فيكون ضهيأة فعلية من ضاهأت بالهمز.
وهذا الذي ذهب إليه من الاشتقاق معنى حسن، وليس يعترض قوله شيء إلا أنه ليس في الكلام فعيل، بفتح الفاء، إنما هو فعيل بكسرها، نحو حذيم ٤ وطريم٥ وغرين٦، ولم يأت الفتح في هذا الفن٧ ثبتا، إنما حكاه قوم شاذا.
وذهب أبو إسحاق أيضا إلى أن غرقئ٨ البيض همزته زائدة، ولم أره علل ذلك باشتقاق ولا غيره.
وحكى أحمد بن يحيى قال: الضهيأ٩: الأرض التي لا تنبت، والضهياء: التي لا ثدي لها.
стр. 114
ورأيت مبرمان١ أيضا قد تابعه على ذلك، وإذا استمر هذا على أبي إسحاق٢ مع فحصه واستنباطه، كان على مبرمان -لأنه لعله لم يستنبط حرفا- أجوز وأحرى.
ولست أرى للقضاء بزيادة هذه الهمزة وجها من طرق القياس، وذلك أنها ليست بأول، فيقضى بزيادتها، ولا تجد فيها معنى غرق، اللهم إلا أن تقول: إن الغرقئ يشتمل على جميع ما تحته من البيض ويغترفه.
وهذا عندي فيه بعد، ولو جاز اعتقاد مثله على ضعفه، لجاز لك أن تعتقد في همزة كرفئة٣ أنها زائدة، وتذهب إلى أنها من معنى كرف الحمار إذا رفع رأسه لشم البول، لأن السحاب أبدا، كما تراه، مرتفع، وهذا مذهب ضعيف، على أن أبا زيد قد حكى عنهم: غرقات٤ البيضة. وهذا قاطع.
وقرأت بخط أبي العباس محمد بن يزيد ﵀ قال: يقال امرأة ضهياء: إذا لم يكن لها ثديان، مثل الجداء٥ والضهواء: للتي لا تحيض ولا ثدي لها.
وقد زيدت الهمزة أيضا في حطائط٦، لأنه الشيء الصغير المحطوط.
أنشد قطرب فيما رويناه عنه٧:
إن حري حطائط بطائط ... كأثر الضبي بجنب الغائط٨
стр. 115
وقال: بطائط: إتباع.
وقالو: احبنطأت، فالهمزة زائدة.
وزادوها أيضا في النئدلان، وهو النيدلان، حدثني بذلك أبو علي، والنيدلان: هو الكابوس.
وأنشدوا:
تفرجة القلب قليل النيل ... يلقى عليه النيدلان بالليل١
وقالوا أيضا: الرئبال، بالهمز، وإنما هو الريبال، بغير همز.
فأما قولهم بأز، وتأبلت القدر، وتأ بل، والعألم، والخأتم، فلم تبتدأ فيه الهمزة زائدة، وإنما أبدلت الألفات فيهن همزة بعد أن ثبتن زوائد.
وكذلك قولهم: قوقأت٢ الدجاجة.
وقد يجوز على هذا أن تكون همزة رئبال بدلا من ياء ريبال، وعلى كل حال فهذه الهمزات زوائد، لأنها بدل من حروف زوائد.
فهذه جملة زيادة الهمزة غير أول، وهو غريب. منه ما هو في أيدي أكثر الناس، ومنه ما أخرجه لي البحث عنه، وطول المطالبة له.
стр. 116
وأما همزة الوصل فموضع زيادتها الفعل، وقد زيدت في أسماء معلومة، وحرف واحد.
فأما الفعل فيقع منه في موضعين، أحدهما الماضي إذا تجاوزت عدته أربعة أحرف وأولها الهمزة، فهي همزة وصل، وذلك نحو اقتدر، وانطلق، واستخرج، واحمر واصفار.
والموضع الآخر: مثال الأمر من كل فعل انفتح فيه حرف المضارعة١، وسكن ما بعده وذلك نحو: يضرب ويقتل وينطلق ويقتدر. فإذا أمرت قلت: اضرب، انطلق، اقتدر.
فإن قلت: فقد نراهم يقولون: يأخذ ويأكل ويأمر، فيفتح حرف المضارعة، ويسكن ما بعده، وإذا أمروا قالوا: خذ وكل ومر، بلا همزة وصل.
فالقول في هذا: أن أصله "أوخذ" و"أوكل" و"أومر"، فلما اجتمعت همزتان، وكثر استعمال الكلمة، حذفت الهمزة الأصلية، فزال الساكن، فاستغني عن الهمزة الزائدة، وقد أخرجن عن الأصل: "أوخذ"، و"أوكل"، و"أومر".
واعلم أن هذه الهمزة إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن بعدها، لما لم يمكن الابتداء به، وكان حكمها أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ له في الإعراب، وهي في أول الحرف كالهاء التي لبيان الحركة نحو الألف في آخر الحرف، في وازيداه وواعمراه وواأمير المؤمنيناه، فكما أن تلك ساكنة فكذلك كان ينبغي في الألف٢ أن تكون ساكنة.
وكذلك أيضا نون التثنية، ونون الجمع، والتنوين هؤلاء كلهن سواكن، فلما اجتمع ساكنان، هي والحرف الساكن بعدها كسرت لالتقائهما، فقلت: اضرب، اذهب، ولم يجز أن يتحرك ما بعدها لأجلها، من قبل أنك لو فعلت ذلك لبقيت هي أيضا في أول الكلمة ساكنة، فكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها محرك، يقع الابتداء به، فلذلك حركت هي دون ما بعدها.
стр. 117
فإن قال قائل: ولم اختيرت الهمزة ليقع الابتداء بها، دون غيرها من سائر الحروف، نحو الجيم والطاء وغيرهما.
فالجواب أنهم إنما أرادوا حرفا يتبلغ به في الابتداء، ويحذف في الوصل، للاستغناء عنه بما قبله، فلما اعتزموا على حرف يمكن حذفه واطراحه١ مع الغنى عنه، جعلوه الهمزة، لأن العادة فيها في أكثر الأحوال حذفها للتخفيف، وهي مع ذلك أصل، فكيف بها إذا كانت زائدة، ألا تراهم حذفوها أصلا في نحو: خذ وكل ومر وويلمه٢ وناس٣ والله٤ في أحد قولي سيبويه.
وقالوا: ذن لا أفعلن، فحذفوا همزة إذن.
وقال الآخر٥:
وكان حاملكم منا وافدكم ... وحامل المين بعد المين والألف٦
أراد المئين، فحذف الهمزة، وأراد الألف، فحرك اللام ضرورة، وقالوا: جا يجي، وسا يسو، بلا همز، وله نظائر ولو، أنهم زادوا في مكانها غيرها، لما أمكن حذفه، لأنه لم يحذف غيرها من الحروف كما حذفت هي، فكانت الهمزة بالزيادة في الابتداء أحرى من سار الحروف.
стр. 118
وإن شئت فقل: إنما زادوا الهمزة هنا لكثرة زيادة الهمزة أولا، نحو: أفكل١ وأيدع٢ وأبلم٣ وإصبع وأترجة٤ وإزفنة٥، ولم يكثر زيادة غير الهمزة ولا كزيادتها هي أولا، فلما احتاجوا إلى زيادة حرف في أول الكلمة، وشرطوا على أنفسهم حذفه عند الغنى عنه، وذلك في أكثر أحواله، لأن الوصل أكثر من الابتداء والقطع، لم يجدوا حرفا يطرد٦ فيه الحذف اطراده في الهمزة، فأتوا بها دون غيرها من سائر حروف المعجم٧، ولا سيما، وهي كما قدمنا أكثر الحروف زيادة في أوائل الكلم، فلذلك زادوا همزة الوصل دون غيرها مما عداها، فاعرفه.
وأما زيادتها في الأسماء فعلى ضربين:
أحدهما: أسماء هي مصادر، والآخر: أسماء غير مصادر.
فأما المصادر فكل مصدر كانت في أول فعله الماضي همزة وصل ووقعت في أوله هو أيضا همزة، فهي همزة وصل، وذلك نحو: اقتدر اقتدارا، واشتغل اشتغالا، واستخرج استخراجا، فهذه: المصادر، ومنها اطير اطير، واثاقل اثاقلا، واداركوا٨ فيها اداركا.
وأما الأسماء التي فيها همزة وصل، فهي عشرة أسماء معدودة، وهي: ابن، وابنة، وامرؤ، وامرأة، واثنان، واثنتان، واسم، واست٩، وابنم، بمعنى ابن، وايمن في القسم.
стр. 119
قال١:
فقال فريق القوم لما نشدتهم ... نعم وفريق لايمن الله ما ندري٢
وقال الآخر٣:
وهل لي أم غيرها تعرفونها ... أبى الله إلا أن كون لها ابنما٤
أي ابنا.
وأما الحرف الذي زيدت فيه همزة الوصل، فلام التعريف، وذلك نحو الغلام والجارية، والقائم والقاعد، وإنما جيء بها أيضا لسكون لام التعريف، وسنذكر العلة التي سكنت لها هذه اللام في حرف اللام، بإذن الله.
واعلم أن هذه الهمزة أبدا في الأسماء والأفعال المكسورة، إلا أنها قد ضمت من الأفعال في كل موضع كان ثالثها مضموما ضما لازما، وذلك نحو اقتل، اخرج، انطلق بمزيد، استخرج المال.
وحكى قطرب على طريق الشذوذ: اقتل، جاء على الأصل، وإنما ضموا الهمزة في هذه المواضع كراهية الخروج من كسر إلى ضم، بناء لازما، ولم يعتدوا الساكن بينهما حاجزا، له غير حصين.
فإن قلت: فما بالهم قالوا للمرأة اغزي اغدي٥ فضموا الهمزة والثالث مكسور
стр. 120
فالجواب: أنه إنما ضم هذا، لأجل أن الأصل اغزوي واغدوي، ثم اعتلت الواو، فحذفت، ووليت الياء الزاي والدال، فانكسرتا من أجلها، فإنما الضمة في الهمزة مراعاة للأصل، كما تقول في الصحيح: اقتلي، ادخلي، اخرجي.
فإن قلت: فلم كسرت الهمزة في نحو: ارموا اقضوا، اشروا١، والثالث مضموم.
فالجواب هنا كالذي قبله، وذلك أن أصل هذا: ارميوا، اقضيوا، ثم حذفت الياء وانضم ما قبلها، فبقيت الهمزة هنا مكسورة، كما بقيت فيما قبل مضمومة.
فأما لام التعريف فالهمزة معها مفتوحة، وذلك لأن اللام حرف، فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة، لتخالف حركتها في الأسماء والأفعال.
فأما ايمن في القسم، ففتحت الهمزة فيها، وهي اسم، من قبل أن هذا اسم غير متمكن، ولا يستعمل إلا في القسم وحده، فلما ضارع الحرف بقلة تمكنه فتح تشبيها بالهمزة اللاحقة لحرف التعريف، وليس هذا فيه إلا دون بناء الاسم، لمضارعته الحرف، وأيضا فقد حكى يونس: ايم الله بالكسر، فقد جاء فيه الكسر أيضا كما ترى.
ويؤكد عندك أيضا حال هذا الاسم في مضارعته الحرف، أنهم قد تلاعبوا به وأضعفوه، فقالوا مرة ايمن الله، ومرة ايم الله، ومرة ايم الله، ومرة م الله، ومرة م الله٢، وقالوا: من ربي، ومن ربي، فلما حذفوا هذا الحذف المفرط، وأصاروه من كونه على حرف واحد إلى لفظ الحروف، قوي شبه الحرف عليه، ففتحوا همزته، تشبيها بهمزة لام التعريف.
فأما العلة التي لها سكنت أوائل الأسماء والأفعال، حتى احتيج لذلك إلى همزة الوصل، فقد ذكرتها في كتابي في شرح تصريف أبي عثمان ﵀.
وقد زيدت الهمزة في الخطاب نحو قولك للرجل هاء، وللمرأة هاء, سيأتيك هذا في باب الكاف مفصلا إن شاء الله.
стр. 121
وزيدت أيضا للاستفهام نحو: أزيد عندك؟ وفي التسوية، نحو: ما أبالي أقام أم قعد. وفي النداء، نحو أزيد أقبل، إلا أنها ليست مصوغة١ مع الكلمة، إنما هي حرف جاء لمعنى.
وقد حذفت الهمزة فاء نحو: ويلمه٢، وناس، والله، في أحد قولي سيبويه، ولاما في جا يجي، وسا يسو، وحذفت عينا في أريت وتصرفه.
فقد أتينا على أحكام الهمزة:
أصلها، وبدلها، وزائدها، وقطعها، ووصلها، وحذفها.
فأما أحكام الهمزة من التحقيق٣ والتخفيف٤ والبدل٥، فإن لهذا بابا يطول، وليست بهذا الكتاب حاجة إليه، فلذلك تركناه، واعتمدنا فيه على ما كنا قديما أمللناه٦.
стр. 122
باب الباء:
الباء: حرف مجهور١، يكون فاء، وعينا، ولاما.
فالفاء نحو: بئر، وبعث، والعين نحو: صبر، وشبع، واللام نحو: ضرب وقرب. ولا يستعمل زائدا.
وأخبرنا أبو علي بإسناده إلى الأصمعي قال: كان أبو سوار الغنوي٢ يقول: باسمك؟ يريد: ما اسمك؟ فهذه الباء بدل من الميم. وقالوا: بعكوكة٣، وأصلها: معكوكة، فالباء بدل من الميم، لأنها من الشدة، وهي من المعك٤.
فأما قول النحويين الباء والكاف واللام الزوائد، يعنون نحو بزيد وكزيد ولزيد، فإنما قالوا فيهن٥ إنهن زوائد، لما أذكره لك. وذلك أنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن، خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه، أن يظن بهن أنهن بعضه، وأحد أجزائه، فوسموهن٦ بالزيادة لذلك، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به، ولا من الزوائد التي تبنى في الكلم بناء بعض أجزائهن منهن، نحو: الواو في كوثر٧، والميم والسين في
стр. 123
مستخرج١، والتاء في تنضب، ألا ترى أن أهل التصريف قالوا: لا تزاد اللام إلا في أحرف يسيرة٢، نحو: لك وأولك وهنالك وعبدل وزيدل، ولم يذكروا مع ذلك قولنا: المال لزيد ولعمرو، لأن هذه اللام ليست مبنية في الكلمة٣، إنما هي أداة عاملة فيها الجر، بمنزلة من وفي وعن، ولو كانت مبنية في الكلمة لما كانت عاملة فيها، ولا جاز فصلها منها، كما أن التاء في تنضب وترتب ٤ والياء في يرمع٥ ويعملة٦، لا يجوز فصلها منها.
ويزيد ذلك وضوحا لك، أنهم قالوا الكاف الزائدة، يعنون كزيد وكعمرو، لم يقل أحد من النحويين إن الكاف من حروف الزيادة، ألا ترى أن "اليوم تنساه"٧ لا كاف فيه، وإنما وسموا الكاف بالزيادة لقلتها، مخافة أن يظن ظان أنها من جملة ما تدخل عليه فتجره.
فإن قلت: فهلا وسموا الواو والتاء في القسم بالزيادة وهما على ما ترى حرف واحد؟
فالجواب أن الواو في القسم إنما هي بدل من الباء فيه، والتاء بدل من الواو، فالأصل فيهما إنما هو الباء، فلما كانت الباء قد تقدم كرهان وكانتا إنما هما بدل منها، استغني عن ذكرهما بالزيادة.
стр. 124
فإن قلت: فهلا وسموا لام الجزم بالزيادة، لأنها حرف واحد، وليست بدلا من الباء ولا من غيرها؟
فالجواب أن أمثلة الأفعال محصورة ضيقة، يحيط بها الوصف والتحجر١ عن قرب، فقد علم أن اللام لا يظن بها أنها من جملة المثال٢. الذي دخلت عليه، والأسماء ليست كذلك لأنها كثيرة الأمثلة، منتشرة الموازين يمكن أن يظن بحروف الجر المفردة أنها مبنية مع بعضها، فلذلك احتاجوا إلى سمتها بالزيادة، ليؤمن فيها الإشكال٣. ألا ترى أن قولك بعمرو، ولعمرو بوزن سبطر٤ ودمثر، وأنت لو قلت، ليقم وليقعد لم تجد هنا مثالا من الأفعال يلتبس به هذان الفعلان.
فهذا كله يسشهد بعلة تسميتهم هذه الحروف زوائد، ويحتج عمن عبر عنهم بهذه العبارة، فأما حذاق أصحابنا فلا يسمونها بذلك، بل يقولون في الباء واللام إنهما حرفا الإضافة، وفي الكاف حرف جر، وحرف تشبيه.
ويدلك أيضا على أنهم لا يريدون في هذه الأحرف بالزيادة ما يريدونه في حقيقة التصريف، أنهم يقولون في قولنا: "ليس زيد بقائم" إن الباء زائدة في خبر ليس، لأن معناه ليس زيد قائما، وإذا قالوا مررت بزيد لم يقولوا في هذه الباء إنها زائدة، لأنه ليس من عادتهم أن يقولوا مررت زيدا، وإن كنا نعلم أنها زائدة في الموضعين جميعا، فقد علمت بهذا أنهم لا يريديون بالزيادة هنا حقيقة التصريف، وهذا أمر واضح مفهوم.
ومن طريف ما يحكى من أمر الباء أن أحمد بن يحيى قال في قول العجاج٥:
يمد زأرا وهدير زغدبا٦
стр. 125
إن الباء فيه زائدة، وذلك أنه لما رآهم يقولون هدير زغد، وزغدب، واعتقد زيادة الباء في زغدب، وهذا تعجرف منه، وسوء اعتقاد، ويلزم من هذا أن تكون الراء في سبطر ودمثر زائدة، لقولهم: سبط١ ودمث٢، وسبيل ما كانت هذه حاله ألا يحفل به، ولا يتشاغل بإفساده.
واعلم أنهم قد سموا هذا الباء في نحو قوله: مررت بزيد، وظفرت ببكر، وغير ذلك، مما تصل فيه الأسماء بالأفعال، مرة حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة حرف إضافة وكل هذا صحيح من قولهم.
فأما الإلصاق فنحو قولك أمسكت زيدا، يمكن أن تكون باشرته نفسه، وقد يمكن أن تكون منعته من التصرف من غير مباشرة له، فإذا قلت: أمسكت بزيد، فقد أعلمت أنك باشرته وألصقت محل قدرك٣، أو ما اتصل بمحل قدرك به أو بما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق.
وأما الاستعانة فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية٤، أي استعنت بهذه الأدوات على هذه الأفعال.
وأما بالإضافة فقولك مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء، وكذلك عجبت من بكر، أضفت عجبك من بكر إليه بمن.
فأما ما يحكيه أصحاب الشافعي٥ ﵀ عنه، من أن الباء للتبعيض، فشيء لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثبت.
стр. 126
وهذا موضع لا بد فيه من ذكر العلة التي لها صارت حروف الإضافة هذه جارة، لأن الباء واحدة منها، وإذا ذكرنا فالقول فيها هو القول في سائر حروف الجر.
اعلم أن هذه الحروف، أعني الباء، واللام، والكاف، ومن، وعن، وفي، وغير ذلك، إنما جرت الأسماء، من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها، وتناولها إياها كما يتناول غيرها من الأفعال القوية الواصلة إلى المفعولين ما يقتضيه منهم، بلا وساطة حرف إضافة، ألا تراك تقول: ضرب زيد عمرا فيفضي الفعل بعد الفاعل إلى المفعول، فينصبه، لأن في الفعل قوة أفضت به إلى مباشرة الاسم.
ومن الأفعال أفعال ضعفت عن تجاوز الفاعل إلى المفعول، فاحتاجت إلى أشياء تستعين بها على تناولها، والوصول إليها، وذلك نحو: عجبت ومررت وذهبت، لو قلت: عجبت زيدا، ومررت جعفرا، وذهبت محمدا، ولم يجز ذلك، لضعف هذه الأفعال في العرف والاستعمال عن إفضائها إلى هذه الأسماء.
على أن ابن الأعرابي قد حكي عنه: مررت زيدا، وهذا شاذ، فلما قصرت هذه الأفعال عن الوصول إلى هذه الأسماء، رفدت١ بحروف الإضافة، فجعلت موصلة لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى عمرو، وخص كل قبيل من هذه الأفعال بقبيل من هذه الحروف، وقد تتداخل، فيشارك بعضها بعضا في هذه الحروف الموصلة، فلما احتاجت هذه الأفعال إلى هذه الحروف، لتوصلها إلى بعض الأسماء، جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء، ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال، لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه، وبين الفعل الواصل بغيره فرقا، ليميزوا السبب الأقوى من السبب الأضعف، وجعلت هذه الحروف جارة، ليخالف لفظ ما بعدها لفظ ما بعد الفعل القوي. ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلا الرفع والجر، فأما الرفع فقد استولى عليه الفاعل، فلم يبق إذن غير الجر، فعدلوا إليه٢ ضرورة. ولشيء آخر، وهو أن
стр. 127
الفتحة من الألف، والكسرة من الياء، والياء أقرب إلى الألف من الواو، فلما منعت الأسماء بعد هذه الحروف النصب، كان الجر أقرب إليها من الرفع.
هذا هو العلة في كون هذه الحروف جارة.
فإن قلت: فقد تقول: المال لك، وإنما أنا بك، وأنا منك، ونحو ذلك، ما لا تصل هذه الحروف فيه الأفعال بالأسماء.
فالجواب: أنه ليس في الكلام حرف جر غير زائد، وأعني بالزائد ما دخوله كخروجه، نحو: لست بزيد، وما في الدار من أحد، إلا هو متعلق بالفعل في اللفظ أو المعني، أما في اللفظ فقولك: انصرفت عن زيد، وذهبت إلى بكر، وأما في المعنى فقولك: المال لزيد، تقديره: المال حاصل أو كائن لزيد، وكذلك زيد في الدار، إنما تقديره: زيد مستقر في الدار، ومحمد من الكرام: أي محمد حاصل من الكرام أو كائن من الكرام، فإذا كان الأمر كذلك فقد صح ووضح ما قدمناه.
فإن قلت: فإذا كانت هذه الحروف التي أوصلت الأفعال إلى الأسماء إنما جرت الأسماء، لأنهم أرادوا أن يخالفوا بلفظ ما بعدها لفظ ما بعد الفعل القوي، فما بالهم قالوا: قمت وزيدا، واستوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة١، وما صنع وأباك؟ ولو تركت الناقة وفصيلها٢ لرضعها.
ومن أبيات الكتاب٣:
فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال٤
стр. 128
فأوصلوا هذه الأفعال إلى ما بعد هذه الواو، وبتوسط الواو، وإيصالها للفعل إلى ما بعدها من الأسماء.
وقالوا أيضا: قام القوم إلا زيدا، ومررت بالقوم إلا بكرا، فأوصلوا الفعل إلى ما بعد ألا بتوسط إلا بين الفعل وبين ما بعدها من الأسماء، وذلك لضعف الأفعال قبل الواو وإلا عن وصولها إلى ما بعدهما، كما ضعفت الأفعال قبل حروف الجر عن مباشرتها الأسماء، ونصبها إياها، فلم لم يجر هذان الحرفان، أعني الواو وإلا، مجرى حروف الجر، في أن جر بهما ما بعدهما، كما جر بحروف الجر ما بعدها؟ وهلا لما أوصلوا الأفعال قبل هذين الحرفين إلى الأسماء التي بعدهما، ولم يجروا بهما، بل أفضى نصب الفعل بهما إلى ما بعدهما، أوصلوا الأفعال التي قبل حروف الجر إلى الأسماء التي بعدها، وأظهروا نصب الفعل الأسماء التي بعد حروف الجر، فقالوا: مررت بزيدا، ونظرت إلى بكرا، كما قالوا: قمت وزيدا، وقام القوم إلا بكرا؟ وما الفرق بين الموضعين؟
فالجواب: أن الواو وإلا يفارقان حروف الجر في ذلك.
أما الواو مع المفعول معه في نحو: قمت وزيدا، فجارية هنا مجرى حروف العطف، الدلالة على ذلك أن العرب لم تستعملها قط١ بمعنى مع، إلا في الموضع الذي لو استعملت فيه عاطفة لصلحت.
ألا ترى أنك إذا قلت: قمت وزيدا أي مع زيد، قد كان يجوز لك فيه أن تقول: قمت وزيد، فتعطف زيدا على ضمير الفاعل، وكذلك قولهم: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، قد كان يجوز لك أن تعطف فتقول: وفصيلها، وكذلك قولهم: جاء البرد والطيالسة، قد كان يجوز أن تقول: والطيالسة، فترفع على العطف.
فلما كانت الواو في المفعول معه جارية مجرى حروف العطف، وحروف العطف غير عاملة جرا ولا غيره، لم يجز أن يجر بها إذا أوصلت الفعل إلى المفعول معه، كما يجر بحروف الجر، لأنها قد أوصلت الأفعال.
стр. 129
ويؤكد عندك أيضا أن الواو التي بمعنى مع جارية مجرى حرف العطف، وأنها لا توقع إلا في الأماكن التي لو عطف بها فيها لصلح ذلك، امتناع العرب والنحويين من إجازتهم: انتظرتك وطلوع الشمس، أي مع طلوع الشمس.
قالوا: وإنما لم يجز ذلك: لأنك لو رمت هنا أن تجعلها عاطفة، فتقول: انتظرتك وطلوع الشمس فترفع الطلوع عطفا على التاء، لم يجز، لأن طلوع الشمس لا يجوز منه انتظار أحد، كما يجوز أن تقول: قمت وزيد، فتعطف زيدا على التاء، لأنه قد يجوز من زيد القيام.
فهذا مذهب من الوضوح على ما تراه١.
وعلى أن أبا الحسن٢ قد كان يذهب في المفعول معه إلى أن انتصابه انتصاب الظرف. قال: وذلك أن الواو في قولك: قمت وزيدا، إنما هي واقعة موقع مع، فكأنك قلت: قمت مع زيد، فلما حذفت "مع" وقد كانت منتصبة على الظرف، ثم أقمت الواو مقامها، انتصب زيد بعدها على معنى انتصاب مع الواقعة الواو موقعها، وإذا كان ذلك كذلك، وقد كانت مع منصوبة بنفس قمت بلا وساطة فكذلك يكون انتصاب زيد بعد الواو المقامة مقامها جاريا مجرى انتصاب الظروف، والظروف مما يتناولها قمت بلا وساطة حرف، فكأن الواو الآن على مذهب أبي الحسن، ليست موصلة لقمت إلى زيد، كما يقول كافة أصحابنا٣، وإنما هي مصلحة لزيد أن ينتصب بتوسطها انتصاب الظرف، وليست موصلة للفعل إلى ما بعده إيصال حروف الجر الأفعال قبلها إلى الأسماء بعدها، فلذلك لم يجر بالواو في المفعول معه. فهذا حال الواو.
стр. 130
وأما إلا في قولك: قاموا إلا زيدا، فإنها وإن كانت قد أوصلت قام إلى زيد، حتى انتصب بها، فإنها لم تجر من قبل أنها لم تخلص للأسماء دون الأفعال والحروف، ألا تراك تقول: ما جاءني زيد قط إلا يقرأ، ولا مررت بمحمد قط إلا يصلي، ولا نظرت إلى بكر إلا في المسجد، ولا رأيت أخاك إلا على الفرس، فلما لم يخلصها العرب للأسماء، بل باشرت بها الأفعال والحروف، كما باشرت بها الأسماء، لم يجز لها أن تعمل جرا ولا غيره، وذلك لأن الحروف التي تباشر الأسماء والأفعال جميعا، لا يجوز أن تكون عاملة، وذلك نحو: هل زيد أخوك؟ وهل قام زيد؟ وما زيد أخوك، وما قام زيد، في لغة بني تميم١، ولا يكون العامل في أحد القبيلين إلا مختصا بما يعمل فيه، بل إذا وجدنا حروفا تختص بأحد القبيلين٢، ثم لا تعمل فيما اختصت به شيئا، وذلك مثل لام التعريف في اختصاصها بالأسماء، وقد وسوف في اختصاصهما بالأفعال، فما يشيع فيهما ولا يختص بأحدهما، أحرى٣ ألا يكون له عمل في شيء منهما.
فلذلك لم يجر "إلا" في قولك: قام القوم إلا محمد، وإن كانت قد أوصلت الفعل قبلها إلى الاسم بعدها٤.
على أن أبا العباس قد ذهب في انتصاب ما بعد إلا في الاستثناء، إلى أنه بناصب يدل عليه معقود الكلام، فكأنه عنده إذا قلت: قاموا إلا بكرا تقديره: أستثني بكرا، أو لا أعني بكرا، فدلت إلا على "أستثني"، "لا أعني".
стр. 131
وهذا وإن كان مذهبا مدخولا عندنا، وهو بضد الصواب الذي هو مذهب سيبويه، فقد قال به رجل يعد جبلا في العلم١، وإليه أفضت مقالات أصحابنا، وهو الذي نقلها وقررها، وأجرى الفروع والعلل والمقاييس عليها، وعلى أن الكوفيين أيضا قد خالفوا سيبويه وأصحابه٢، وأبا العباس ومن رأى رأيه، في انتصاب المستثنى، فهذا كله يوجدك العلة التي لها فارقت "إلا" حروف الجر.
واعلم أن الفعل إذا أوصله حرف الجر إلى الاسم الذي بعده، وجره الحرف، فإن الجار والمجرور جميعا في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما، وذلك قولك: مررت بزيد، فزيد مجرور، وبزيد جميعا في موضع نصب، والدلالة على صحة هذه الدعوى٣ مطردة من وجهين: أحدهما أن عبرة هذا الفعل الذي يصل بحرف الجر قد تجدها فيما يصل بنفسه.
ألا ترى أن قولك: مررت بزيد، في معنى جزت زيادا، وكذلك نظرت إلى عمرو في معنى: أبصرت عمرا، وانصرفت عن محمد: أي جاوزت محمدا، فهذا من طريق المعنى، وأما من طريق اللفظ، فإن العرب قد نصبت ما عطفته على الجار والمجرور جميعا، منصوبا، لأنهما جميعا منصوبا الموضع، وذلك قولهم: مررت بزيد وعمرا، ونظرت إلى محمد وخالدا.
стр. 132
وعلى هذا ما أنشده سيبويه من قول لبيد١:
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معد فلتزعك العواذل٢
فعطف "دون" على موضع "من دون". وأنشد أيضا لعقيبة الأسدي٣:
معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا٤
عطف الحديد على موضع "بالجبال".
стр. 133
ولهذا قال سيبويه: إنك إذا قلت: مررت بزيد، فكأنك قلت: مررت زيدا، تريد بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد الظريف، بنصب الظريف١ على موضع بزيد، ومن هنا أيضا قضى النحويون على موضع الجار والمجرور إذا أسند الفعل إليهما، بأنهما في موضع رفع، وذلك نحو: ما جاءني من رجل، وما قام من أحد، وكذلك ما لم يسم فاعله، نحو: سير بزيد، وعجب من جعفر، ونظر إلى محمد، وانصرف عن زيد، وانقطع بالرجل.
وإنما قضوا في هذه الأشياء في هذه المواضع برفع معانيها، من قبل أنها قد كانت مع الفعل المسند إلى فاعله منصوبة المواضع، نحو: سرت بزيد، وعجبت من خالد، ونحو ذلك، فلما لم يسم الفاعل، وأسند الفعل الذي كان منصوبا مع الفعل، قضي برفعه، لقيامه مقام الفاعل، فإذا جاز لهم أن يقضوا على موضع الفعل والفاعل في بعض المواضع بأنهما في موضع رفع، وإن كان الفعل مستقلا بفاعله، وذلك قولهم: حبذا٢ زيد، وحبذا هند، فأن يقضوا على موضع الجار والمجرور، اللذين لا يستغني أحدهما عن صاحبه، ولا يجوز الفصل بينه وبينه بظرف ولا غيره، أجدر بالجواز. ويدلك على شدة امتزاج٣ حرف الجار بما جره، وأن العرب قد أجرتهما جميعا مجرى الجزء الواحد، قولهم: مررت بي، والمال لي، فتسكينهم الياء في بي ولي، وكونهما٤ على حرف واحد يدلك على اعتمادهما على الباء واللام قبلهما، وأنهما غير مقدري الانفصال منهما٥، لقلتهما في العدد، وضعفهما بالسكون.
ولأجل ما ذكرناه من شدة اتصال الجار بالمجرور، ما قبح عندهم حذف الجار وتبقية جره بحاله، إلا فيما شذ عنهم، من ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في القسم مع الخبر لا الاستفهام، وذلك قولهم: الله لأقومن.
стр. 134
وحكى أبو العباس أن رؤبة قيل له: كيف أصبحت؟ فقال: خير، عافاك الله! أي بخير، فحذف الباء، وأنشدوا قول الشاعر١:
رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الغداة من جلله٢
أي رب رسم دار.
فأما قولهم "لاها لله ذا" فإنها صارت عندهم عوضا من الواو، ألا تراها لا تجتمع معها، كما صارت همزة الاستفهام في الله إنك لقائم عوضا من الواو، وهذا كأنه أسهل من الأول، وكلاهما لا يجوز القياس عليه.
واعلم أن هذه الباء قد زيدت في أماكن. ومعنى قولي زيدت أنها إنما جيء بها توكيدا للكلام. ولم تحدث معنى، كما أن "ما" من قوله عز اسمه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ [النساء: ١٥٥] ، و ﴿عَمَّا قَلِيل﴾ ، و ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِم﴾ ، إنما تقديره: فبنقضهم، وعن قليل، ومن خطيئاتهم، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه﴾ [الزمر: ٣٦] ٣ تقديره: كافيا عبده، وقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أي ألست ربكم؟، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ٤ [يوسف: ١٧] أي مؤمنا لنا، ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٤] ، أي طارد المؤمنين.
стр. 135
فأما قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْن﴾ [المؤمنين: ٢٠] فذهب كثير من الناس إلى أن الباء فيه زائدة، وأن تقديره: "تنبت الدهن".
وكذلك قول عنترة١:
شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم٢
قالوا: أراد: شربت ماء الدحرضين. وهذا عند حذاق أصحابنا على غير وجه الزيادة، وإنما تأويله عندهم -والله أعلم- تنبت ما تنبته والدهن فيها، كما تقول: خرج زيد بثيابه، أي وثيابه عليه، وركب الأمير بسيفه، أي وسيفه معه.
وكما أنشد الأصمعي:
ومستنة كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود٣
أي قطع الحبل ومروده فيه.
стр. 136
ونحن هذا قول أبي ذؤيب١:
يعثرن في حد الظبات كأنما ... كسيت برود بني تزيد الأذرع٢
يصف الحمير: أي يعثرن وهن مع ذلك قد نشبن٣ في حد الظبات.
وكذلك قوله: "شربت بماء الدحرضين" إنما الباء في معنى في، كما تقول: شربت بالبصرة وبالكوفة، أي في البصرة والكوفة، أي شربت وهي بماء الدحرضين، كما تقول: وردنا صداء٤، ووافينا شجا٥، ونزلنا بواقصة٦.
стр. 137
فأما قول أبي ذؤيب:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج١
يعني السحاب، فالباء فيه زائدة، إنما معناه: شربن ماء البحر، هذا هو الظاهر من الحال، والعدول عنه تعسف٢.
وقال بعضهم: معناه: شربن من ماء البحر، فأوقع الباء موقع من.
وأخبرنا محمد بن الحسن٣، عن أحمد بن يحيى٤ قال: قال أبو عثمان، يعني المازني، في قول الشاعر٥:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا٦
إنما تدخل الباء على الفاعل، وهذا شاذ يريد أن معناه: كفانا.
стр. 138
وقرأت عليه أيضا عنه١:
إذا لاقيت قوما فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا
وهذا من المقلوب. معناه: كفى بقوم خبيرا صاحبهم، فجعل الباء في الصاحب، وموضعها أن تكون في "قوم"، إذ هم الفاعلون في المعنى. وكذلك قوله تبارك اسمه: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ ٢ [البقرة: ١٩٥] ، تقديره والله أعلم: ولا تلقوا بأيديكم، وهذا واسع عنهم جدا.
وأما قول الآخر٣:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... أصعد في علو الهوى أو تصوبا٤
فإنه زاد الباء، وفصل بها بين "عن" وما جرته، وهذا من غريب مواضعها.
فأما قولهم: سميته زيدا وبزيد، وكنيته أبا عبد الله وبأبي عبد الله، فليست الباء فيه زائدة، وإنما أوصلوا بها الفعل تارة إلى المفعول، وأوصلوه تارة أخرى بنفسه، كما قالوا: جئته وجئت إليه، وخشنت صدره٥، وخشنت بصدره.
فأما قولهم: فرقته وفرقت منه، وجزعته٦ وجزعت منه، فأصلهما أن يتعديا بحرف الجر، وإنما يحذف تخفيفا، يدل على ذلك أن فرقت وجزعت أفعال غير واصلة، بمنزلة بطرت٧ وأشرت وعرصت وهبصت٨.
стр. 139
فهذه كلها أفعال النفس التي تحدث لها ولا تتجاوزها، وإنما هي بمنزلة كرمت وحسنت وظرفت وشرفت.
فهذه أحوال الباء في زيادتها مع الفضلة، أعني بالفضلة المفعول، وفيه معظم زيادة الباء.
وقد زيدت الباء أيضا مع أحد جزأي الجملة التي لا تنعقد مستقلة إلا به، وذلك على ثلاثة أضرب: أحدها المبتدأ، والآخر الخبر، والآخر الفاعل.
فأما المبتدأ فقوله: بحسبك أن تفعل كذا، إنما هو حسبك أن تفعل كذا، والباء زائدة.
وأنشدنا أبو علي١ قال: أنشد أبو زيد٢:
بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضر٣
أي حسبك ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ [الأنفال: ٦٤] ٤، ولا أعلم الآن مبتدأ زيدت فيه الباء غير هذه اللفظة.
وقولهم: "أثى٥ به الدهر بما أتى به".
стр. 140
وأما زيادتها في خبر المتبدأ فقوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: ٢٧] ، ذهب أبو الحسن١ إلى أن الباء زائدة، وتقديره عنده: جزاء سيئة مثلها. وإنما استدل على هذا بقوله تبارك اسمه في موضع آخر: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وهذا مذهب حسن، واستدلال صحيح، إلا أن الآية قد تحتمل، مع صحة هذا القول، تأويلين آخرين.
أحدهما: أن تكون الباء مع ما بعدها هو الخبر، فكأنه قال: جزاء سيئة كائن بمثلها، كما تقول: إنما أنا بك، أي إني كائن موجود بك، إذا صغرت نفسك له، وكقولك: توكلي عليك، وإصغائي٢ إليك، وتوجهي نحوك، فتخبر عن المبتدأ بالظرف الذي فعل ذلك المصدر يتناوله، نحو قولك: توكلت عليك، وأصغيت إليك، وتوجهت نحوك.
ويدل على أن هذه الظروف في هذا ونحوه إخبار عن المصادر قبلها، تقدمها عليها، ولو كانت المصادر قبلها واصلة إليها، ومتناولة لها، لكانت من صلاتها، ومعلوم استحالة تقدم الصلاة أو شيء منها على الموصول، وتقدمها نحو قولك: عليك اعتمادي، وإليك توجهي، وبك استعاذتي. قال الله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ ، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . وقال الكميت٣:
فيا رب هل إلا بك النصر يبتغى ... عليهم وهل إلا عليك المعول٤
стр. 141
وسألت أبا علي عن قول كثير١:
وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت٢
فقلت له: ما موضع تهيامي من الإعراب؟ فأفتى بأنه مرفوع بالابتداء، وخبره: بعزة. على نحو ما قدمنا آنفا، وجعل الجملة التي هي تهيامي بعزة -اعتراضا بين اسم إن وخبرها، لأن فيها ضربا من التشديد للكلام، كما تقول: إنك -فاعلم- رجل سوء، وإنه -والحق أقول- جميل المذهب.
وهذا الفصل والاعتراض الجاري مجرى التوكيد كثير في الكلام، وإذا جاز الاعتراض بين الفعل والفاعل في نحو ما أنشدنا أبو علي، من قوله:
وقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل٣
كان الاعتراض بين اسم إن وخبرها أسوغ، وقد يحتمل بيت كثير أيضا تأويلا آخر غير ما ذهب إليه أبو علي، وهو أن يكون تهيامي في موضع جر على أنه قسم به، كقولك: إني -وحبك- لضنين٤ بك، وعرضت على أبي علي هذا الجواب فقبله، وأجاز ما أجاز، فالباء على هذا في "بعزة" متعلقة بنفس المصدر، الذي هو التهيام، وهي فيما ذهب إليه أبو علي متعلقة بمحذوف هو الخبر عن تهيامي في الحقيقة.
стр. 142
فهذا استيفاء الكلام في أحد الوجهين اللذين يحتملهما قوله عز اسمه: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ بعد ما أجازه أبو الحسن فيها، مما قدمت ذكره.
والوجه الآخر: أن تكون الباء في بمثلها متعلقة بنفس الجزاء، ويكون الجزاء مرتفعا بالابتداء، وخبره محذوف، كأنه قال: جزاء سيئة بمثلها كائن، أو واقع وإذا كان هذا جائزا، وكان حذف الخبر فيه حسنا متجها، كما حذف في عدة مواضع غيره، مما يطول القول بذكره، كان تهيامي من بيت كثير أيضا مرتفعا بالابتداء، والباء متعلقة فيه بنفس المصدر، الذي هو التهيام، والخبر أيضا محذوف، كأنه قال: وتهيامي بعزة كائن، أو واقع، على ما يقدر في هذا ونحوه، فهذا ما تحتمله الآية من غير ما ذهب إليه أبو الحسن، أعني قوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ .
وأما زيادتها في الفاعل فنحو قولهم: كفى بالله، وقوله عز اسمه: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ١ [الأنبياء: ٤٧] ، إنما هو كفى الله، وكفينا.
كقول سحيم٢:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا٣
فالباء وما عملت فيه في موضع مرفوع بفعله، كقولك: ما قام من أحد، فالجار والمجرور في موضع مرفوع بفعله، ونحوه قولهم في التعجب: أحسن بزيد، وأجمل ببكر، فالباء وما بعدها في موضع مرفوع بفعله، ولا ضمير في الفعل، وهذا مشروح في باب التعجب.
стр. 143
وقد زيدت أيضا في خبر لكن، لشبهه بالفاعل.
قال١:
ولكن أجرا لو فعلت بهين ... وهل ينكر المعروف في الناس والأجر٢
أراد: ولكن أجرا لو فعلته هين، وقد يجوز فيه أن يكون معناه: ولكن أجرا لو فعلته بشيء هين، أي أنت تصلين إلى الأجر بشيء هين، كقولك: وجوب الشكر بالبر٣، فتكون الباء على هذا غير زائدة.
وأجاز أبو بكر محمد بن السري، أن يكون قولهم: كفى بالله، تقديره: كفى اكتفاؤك بالله، أي اكتفاؤك بالله يكفيك، وهذا يضعف عندي، لأن الباء على هذا متعلقة بمصدر محذوف، هو الاكتفاء، ومحال حذف الموصول وتبقية صلته، وإنما حسنه عندي قليلا أنك قد ذكرت كفى، فدل على الاكتفاء، لأنه من لفظه، كما تقول: من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شرا له، فأضمرته، لدلالة الفعل عليه، فها هنا أضمر اسما كاملا، وهو الكذب، وثم أضمر اسما وبقي صلته، التي هي بعضه، فكان بعض الاسم مضمرا، وبعضه مظهرا فلذلك ضعف عندي، والقول في هذا قول سيبويه إنه يريد كفى الله، كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ ٤.
ويشهد بصحة هذا المذهب ما حكي عنهم من قولهم: مررت بأبيات جاد بهن أبياتا، وجدن أبياتا، فبهن: في موضع رفع، والباء: زائدة كما ترى، أخبرني بذلك محمد بن الحسن٥ قراءة عليه، عن أحمد بن يحيى، أن الكسائي حكى ذلك عنهم.
стр. 144
ووجدت مثله للأخطل١، وهو قوله:
فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحب بها مقتولة حين تقتل٢
فيها: في موضع رفع بحب.
وقد حذفت الباء في رب، وأصلها رب.
وإنما جاز عندي زيادة الباء في خبر المبتدأ، لمضارعته للفاعل، فاحتياج المبتدأ إليه كاحتياج الفعل إلى فاعله.
واعلم أن الباء قد تبدل منها في القسم الواو في قولك والله، أصله بالله.
والدلالة على أن الباء هي الأصل أمران:
أحدهما: أنها موصلة للقسم إلى المقسم به في قولك: أحلف بالله، كما توصل الباء المرور إلى المرور به في قولك: مررت بزيد، فالباء من حروف الجر بمنزلة من وعن.
والآخر: أن الباء تدخل على المضمر٣ كما تدخل على المظهر٤، تقول: بالله لأقومن، وبه لأقعدن، والواو لا تدخل على المضمر البتة، تقول: والله لأضربنك، فإن أضمرت قلت به لأضربنك، ولا تقول: وه لأضربنك، فرجوعك مع الإضمار إلى الباء يدل على أنها هي الأصل.
وأنشدنا أبو علي، قال: أنشد أبو زيد:
رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما
стр. 145
قال: وأنشد أبو زيد:
ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني فلا بك ما أبالي١
وإنما أبدلت الواو من الباء لأمرين:
أحدهما: مضارعتها إياها لفظا.
والآخر: مضارعتها إياها معنى.
أما اللفظ فلأن الباء من الشفة، كما أن الواو كذلك، وأما المعنى فلأن الباء للإلصاق، والواو للاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد اجتمع معه.
وأما إبدال التاء من الواو في القسم فسنذكره في موضعه بإذن الله من التاء.
واعلم أن جميع الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم٢، حكمها الفتح أبدا، نحو: واو العطف وفائه، وهمزة الاستفهام، ولام الابتداء.
فأما الباء في بزيد فإنما كسرت لمضارعتها٣ اللام الجارة في قولك: المال لزيد، وسنذكر العلة في كسر اللام في موضعها، ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر وفي الذلاقة، ولزوم كل واحد منهما الحرفية، وليست كذلك كاف التشبيه، لأنها قد تكون اسما في بعض المواضع، وسنذكر ذلك في موضعه.
انقضى حرف الباء.