← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وسألت أبا علي عن قول كثير١: وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت٢ فقلت له: ما موضع تهيامي من الإعراب؟ فأفتى بأنه مرفوع بالابتداء، وخبره: بعزة. على نحو ما قدمنا آنفا، وجعل الجملة التي هي تهيامي بعزة -اعتراضا بين اسم إن وخبرها، لأن فيها ضربا من التشديد للكلام، كما تقول: إنك -فاعلم- رجل سوء، وإنه -والحق أقول- جميل المذهب. وهذا الفصل والاعتراض الجاري مجرى التوكيد كثير في الكلام، وإذا جاز الاعتراض بين الفعل والفاعل في نحو ما أنشدنا أبو علي، من قوله: وقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل٣ كان الاعتراض بين اسم إن وخبرها أسوغ، وقد يحتمل بيت كثير أيضا تأويلا آخر غير ما ذهب إليه أبو علي، وهو أن يكون تهيامي في موضع جر على أنه قسم به، كقولك: إني -وحبك- لضنين٤ بك، وعرضت على أبي علي هذا الجواب فقبله، وأجاز ما أجاز، فالباء على هذا في "بعزة" متعلقة بنفس المصدر، الذي هو التهيام، وهي فيما ذهب إليه أبو علي متعلقة بمحذوف هو الخبر عن تهيامي في الحقيقة.

стр. 142

فهذا استيفاء الكلام في أحد الوجهين اللذين يحتملهما قوله عز اسمه: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ بعد ما أجازه أبو الحسن فيها، مما قدمت ذكره. والوجه الآخر: أن تكون الباء في بمثلها متعلقة بنفس الجزاء، ويكون الجزاء مرتفعا بالابتداء، وخبره محذوف، كأنه قال: جزاء سيئة بمثلها كائن، أو واقع وإذا كان هذا جائزا، وكان حذف الخبر فيه حسنا متجها، كما حذف في عدة مواضع غيره، مما يطول القول بذكره، كان تهيامي من بيت كثير أيضا مرتفعا بالابتداء، والباء متعلقة فيه بنفس المصدر، الذي هو التهيام، والخبر أيضا محذوف، كأنه قال: وتهيامي بعزة كائن، أو واقع، على ما يقدر في هذا ونحوه، فهذا ما تحتمله الآية من غير ما ذهب إليه أبو الحسن، أعني قوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ . وأما زيادتها في الفاعل فنحو قولهم: كفى بالله، وقوله عز اسمه: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ١ [الأنبياء: ٤٧] ، إنما هو كفى الله، وكفينا. كقول سحيم٢: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا٣ فالباء وما عملت فيه في موضع مرفوع بفعله، كقولك: ما قام من أحد، فالجار والمجرور في موضع مرفوع بفعله، ونحوه قولهم في التعجب: أحسن بزيد، وأجمل ببكر، فالباء وما بعدها في موضع مرفوع بفعله، ولا ضمير في الفعل، وهذا مشروح في باب التعجب.

стр. 143

وقد زيدت أيضا في خبر لكن، لشبهه بالفاعل. قال١: ولكن أجرا لو فعلت بهين ... وهل ينكر المعروف في الناس والأجر٢ أراد: ولكن أجرا لو فعلته هين، وقد يجوز فيه أن يكون معناه: ولكن أجرا لو فعلته بشيء هين، أي أنت تصلين إلى الأجر بشيء هين، كقولك: وجوب الشكر بالبر٣، فتكون الباء على هذا غير زائدة. وأجاز أبو بكر محمد بن السري، أن يكون قولهم: كفى بالله، تقديره: كفى اكتفاؤك بالله، أي اكتفاؤك بالله يكفيك، وهذا يضعف عندي، لأن الباء على هذا متعلقة بمصدر محذوف، هو الاكتفاء، ومحال حذف الموصول وتبقية صلته، وإنما حسنه عندي قليلا أنك قد ذكرت كفى، فدل على الاكتفاء، لأنه من لفظه، كما تقول: من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شرا له، فأضمرته، لدلالة الفعل عليه، فها هنا أضمر اسما كاملا، وهو الكذب، وثم أضمر اسما وبقي صلته، التي هي بعضه، فكان بعض الاسم مضمرا، وبعضه مظهرا فلذلك ضعف عندي، والقول في هذا قول سيبويه إنه يريد كفى الله، كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ ٤. ويشهد بصحة هذا المذهب ما حكي عنهم من قولهم: مررت بأبيات جاد بهن أبياتا، وجدن أبياتا، فبهن: في موضع رفع، والباء: زائدة كما ترى، أخبرني بذلك محمد بن الحسن٥ قراءة عليه، عن أحمد بن يحيى، أن الكسائي حكى ذلك عنهم.

стр. 144

ووجدت مثله للأخطل١، وهو قوله: فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحب بها مقتولة حين تقتل٢ فيها: في موضع رفع بحب. وقد حذفت الباء في رب، وأصلها رب. وإنما جاز عندي زيادة الباء في خبر المبتدأ، لمضارعته للفاعل، فاحتياج المبتدأ إليه كاحتياج الفعل إلى فاعله. واعلم أن الباء قد تبدل منها في القسم الواو في قولك والله، أصله بالله. والدلالة على أن الباء هي الأصل أمران: أحدهما: أنها موصلة للقسم إلى المقسم به في قولك: أحلف بالله، كما توصل الباء المرور إلى المرور به في قولك: مررت بزيد، فالباء من حروف الجر بمنزلة من وعن. والآخر: أن الباء تدخل على المضمر٣ كما تدخل على المظهر٤، تقول: بالله لأقومن، وبه لأقعدن، والواو لا تدخل على المضمر البتة، تقول: والله لأضربنك، فإن أضمرت قلت به لأضربنك، ولا تقول: وه لأضربنك، فرجوعك مع الإضمار إلى الباء يدل على أنها هي الأصل. وأنشدنا أبو علي، قال: أنشد أبو زيد: رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما

стр. 145

قال: وأنشد أبو زيد: ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني فلا بك ما أبالي١ وإنما أبدلت الواو من الباء لأمرين: أحدهما: مضارعتها إياها لفظا. والآخر: مضارعتها إياها معنى. أما اللفظ فلأن الباء من الشفة، كما أن الواو كذلك، وأما المعنى فلأن الباء للإلصاق، والواو للاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد اجتمع معه. وأما إبدال التاء من الواو في القسم فسنذكره في موضعه بإذن الله من التاء. واعلم أن جميع الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم٢، حكمها الفتح أبدا، نحو: واو العطف وفائه، وهمزة الاستفهام، ولام الابتداء. فأما الباء في بزيد فإنما كسرت لمضارعتها٣ اللام الجارة في قولك: المال لزيد، وسنذكر العلة في كسر اللام في موضعها، ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر وفي الذلاقة، ولزوم كل واحد منهما الحرفية، وليست كذلك كاف التشبيه، لأنها قد تكون اسما في بعض المواضع، وسنذكر ذلك في موضعه. انقضى حرف الباء.

стр. 146

باب التاء: الحديث عن التاء: التاء حرف مهموس١، يستعمل في الكلام على ثلاثة أضرب: أصلا، وبدلا، وزائدا. فإذا كان أصلا وقعت فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: تمر وتنأ٢. والعين نحو: فتر٣ وقتل، واللام نحو: فخت٤ ونحت. وإما إبدالها فقد أبدلت من ستة أحرف، هن: الواو والياء، والسين، والصاد، والطاء، والدال. قد أبدلت التاء من الواو فاء إبدالا صالحا٥، وذلك نحو: تجاه، وهو فعال من الوجه، وتراث: فعال من ورث، وتقية: فعيلة من وقيت، ومثله التقوى، وهو فعلى منه، وكذلك تقاة: فعلة منها. وتوراة عندنا فوعلة٦ من وري الزند٧، وأصلها وورية، فأبدلت الواو الأولى تاء: وذلك أنهم لو لم يبدلوها تاء، لوجب أن يبدلوها همزة، لاجتماع الواوين في أول الكلمة، ومثلها: تولج، وهو فوعل من ولج٨ يلج، كذا هو القياس في هذين الحرفين، وأصله على قولنا: وولج، وتوراة. وتولج عند البغدادين٩ تفعل، وحملهما على فوعل أوجه، لكثرة فوعل.

стр. 147

في الكلام، وقلة تفعل، ومن ذلك تخمة، وأصلها وخمة١، لأنها فعلة من الوخامة، وتكأة، لأنها فعلة من توكأت، وتكلان: فعلان من توكلت، وتيقور: فيعول من الوقار. ومن أبيات الكتاب. فإن يكن أمسى البلى تيقوري٢ أي أمسى وقاري للبلى، ومن أجل البلى، أصله: ويقور. وقالوا: رجل تكلة، أي وكلة، وهو فعلة من وكل يكل، وقالوا: أتلجه، أي أولجه، وضربه حتى أتكأه، أي أوكأه، وعلى هذا أبدلوا التاء من الواو في القسم، وخصوا بها اسم الله تعالى، لأنها فرع فرع، فخص بها الأشهر، وقد مضى ذلك في آل وأهل. وقالوا: التليد٣ والتلاد من ولد، وتترى٤: فعلى من المواترة، وأصلها وترى، ومن العرب من ينونها، يجعل ألفها للإلحاق، بمنزلة ألف أرطى٥ ومغزى، ومنهم من لا يصرفه، يجعل ألفها للتأنيث، بمنزلة ألف سكرى وغضبى.

стр. 148

وهذه الألفاظ التي جمعتها وإن كانت كثيرة، فإنه لا يجوز القياس عليها، لقلتها بالإضافة إلى ما لم تقلب واوه تاء، فلا تقول قياسا على تقية في وقية: تزير في وزير، ولا تقول في وجيهة تجيهة، ولا في أوعد أتعد، قياسا على أتلج، ولا في ولهى١ تلهى، قياسا على تترى. فأما ما تقيس عليه لكثرته فافتعل وما تصرف منه، إذا كانت فاؤه واوا، فإن واوه تقلب تاء، وتدغم في تاء افتعل التي بعدها، وذلك نحو: اتزن، أصله: اوتزن، فقلبت الواو تاء، وأدغمت في تاء افتعل، فصار اتزن، ومثله اتعد واتلج واتصف من الوصف. قال الأعشى٢: فإن تتعدني أتعدك بمثلها ... وسوف أزيد الباقيات القوارصا٣ وقال طرفة٤: فإن القوافي يتلجن موالجا ... تضايق عنها أن تولجها الإبر٥

стр. 149

وقال سحيم١: وما دمية من دمى ميسنا ... ن معجبة نظرا واتصافا٢ أراد ميسان، فزاد نونا. والعلة في قلب هذه الواو في هذا الموضع تاء، أنهم لو لم يقلبوها تاء، لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها ياء، فيقولوا: ايزن، ايتعد، ايتلج، فإذا انضم ما قبلها ردت إلى الواو فقالوا: موتعد، وموتزن، وموتلج، وإذا انفتح ما قبلها قلبت ألفا، فقالوا: ياتعد، وياتزن، وياتلج، فلما كانوا لو لم يقلبوها تاء صائرين من قلبها مرة ياء، ومرة ألفا، ومرة واوا، إلى ما أريناه، أرادوا أن يقلبوها حرفا جلدا٣، تتغير أحوال ما قبلها وهو باق بحاله، وكانت التاء قريبة المخرج من الواو، لأنها من أصول الثنايا٤، والواو من الشفة، فأبدلوها تاء، وأدغموها في لفظ ما بعدها، وهو التاء، فقالوا: اتعد واتزن٥، وقد فعلوا هذا أيضا في الياء، وأجروها.

стр. 150

مجرى الواو، فقالوا في افتعل من اليبس واليسر: اتبس واتسر، وذلك لأنههم كرهوا انقلابها واوا متى انضم ما قبلها في نحو موتبس، وألفا في ياتبس، فأجروها مجرى الواو قالوا: اتبس واتسر، ومن العرب من لا يبدلهما تاء. ويجري عليهما من القلب ما تنكبه١ الآخرون، فيقول: ايتعد، وايتزن، وايتبس، ويوتعد، وياتعد، ويوتزن، وياتزن، وياتبس، وموتعد، وموتبس. وسمع الكسائي٢: الطريق ياتسق وياتسع، أي يتسق ويتسع. واللغة الأولى أكثر وأقيس، وهي لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن. فهذا إبدال التاء من الواو والياء فاءين. وقد أبدلت منهما لامين. قالوا: أخت، وبنت، وهنت، وكلتا، أصل هذا كله أخوة، وبنوة، وهنوة، وكلوا، فنقلوا أخوة وبنوة ووزنوهما فعل، إلى فعل وفعل، وألحقوهما بالتاء المبدلة من لامها، بوزن قفل وحلس٣، فقالوا: أخت وبنت، وليست التاء فيهما بعلامة تأنيث، كما يظن من لا خبرة له بهذا الشأن، لسكون ما قبلها.

стр. 151

هكذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وقد نص عليه في باب ما لا ينصرف، فقال: لو سميت بهما رجلا لصرفتهما معرفة، ولو كانت للتأنيث لما انصرف الاسم. على أن سيبويه قد تسمح في بعض ألفاظه في الكتاب، فقال: هما علامتا تأنيث١، وإنما ذلك تجوز منه في اللفظ، لأنه أرسله غفلا٢، وقد قيده وعلله في باب مالا ينصرف٣. والأخذ بقوله المعلل أولى من الأخذ بقوله الغفل المرسل. ووجه تجوزه أنه لما كانت التاء لا تبدل من الواو فيهما إلا مع المؤنث، صارتا كأنهما علامتا تأنيث. فإن قيل: فما علامة التأنيث في أخت وبنت؟ فالجواب أن الصيغة فيهما علم تأنيثهما، وأعني بالصيغة فيهما بناءهما على فعل وفعل، وأصلهما فعل، وإبدال الواو فيهما لاما٤، لأن هذا عمل اختص به المؤنث. يدل أيضا على ذلك إقامتهم إياه مقام العلامة الصريحة، وتعاقبهما على الكلمة الواحدة وذلك نحو: ابنة وبنت، فالصيغة في بنت قامت مقام الهاء في ابنة، فكما أن الهاء علم تأنيث لا محالة، فكذلك صيغة بنت علم تأنيثها، وليس بنت من ابنة كصعبة من صعب، إنما نظير صعبة من صعب ابنة من ابن.

стр. 152

ويدل على أن أخا وابنا فعل، مفتوحة العين، جمعهم إياهما على أفعال، نحو: أبناء وآخاء، حكى سيبويه آخاء عن يونس١. وأنشدنا أبو علي: وجدتم بنيكم دوننا إذ نسبتم ... وأي بني الآخاء تنبو مناسبه٢ ويدل على أن اللام منهما واو قولهم في الجمع: أخوات. فأما البنوة وكذا الأخوة فلا دلالة فيها عندنا، لقولهم: الفتوة، وهي من قولهم فتيان، ولكن قولهم بنت وإبدال التاء من حرف العلة، ويدل على أنها من الواو، لأن إبدال التاء من الواو أضعاف إبدالها من الياء، وعلى الأكثر ينبغي أن يكون القياس٣.

стр. 153

وأما هنت فيدل على أن التاء فيها بدل من الواو، قولهم في الجمع: هنوات، قال١: أرى ابن نزار قد جفاني ورابني ... على هنوات شأنها متتابع٢ وأما كلتا فذهب سيبويه إلى أنها فعلى، بمنزلة الذكرى والحفرى٣، وأصلها كلوا، فأبدلت الواو تاء، كما أبدلت في أخت وبنت. والذي يدل على أن لام كلتا معتلة، قولهم في مذكرها: كلا، وكلا: فعل، ولامه معتلة، بمنزلة لام حجا ورضا، وهما من الواو، لقولهم: حجا يحجو٤ والرضوان، ولذلك مثلها سيبويه بما اعتلت لامه منقلبة، فقال: هي بمنزلة شروى. وأما أبو عمر الجرمي فذهب إلى أنها فعتل، وأن التاء فيها علم تأنيثها، وخالف سيبويه. ويشهد بفساد هذا القول أن تاء التأنيث لا تكون علامة تأنيث الواحد إلا وقبلها فتحة نحو طلحة وحمزة، وقائمة وقاعدة، أو تكون قبلها ألف، نحو: سعلاة٥ وعزهاة٦، واللام في كلتا ساكنة كما ترى، فهذا وجه. ووجه آخر أن علامة التأنيث لا تكون أبدا وسطا، إنما تكون آخرا لا محالة.

стр. 154

وكلتا: اسم مفرد يفيد معنى التثنية بإجماع من البصريين، فلا يجوز أن تكون علامة تأنيثه التاء وما قبلها ساكن، وأيضا فإن فعتل مثال لا يوجد في الكلام أصلا، فيحمل هذا عليه، فإن سميت بكلتا رجلا لم تصرفه في قول سيبويه، معرفة ولا نكره، لأن ألفها للتأنيث بمنزلة ألف ذكرى، وتصرفه نكرة في قول أبي عمر، لأن أقصى أحواله عنده أن يكون كقائمة وقاعدة وعزة وحمزة. وأما إبدالهم التاء من الياء لاما، فقولهم: ثنتان، ويدل على أنه من الياء أنه من ثنيت، لن الاثنين قد ثني أحدهما على صاحبه، وأصله: ثني، يدل على ذلك جمعهم إياه على أثناء، بمنزلة أبناء وآخاء، فنقلوه من فعل إلى فعل، كما فعلوا ذلك في بنت، فأما التاء في اثنتان فتاء التأنيث، بمنزلتها في ابنتان تثنية ابنة، وإنما ثنتان بمنزلة بنتان، واثنتان بمنزلة ابنتان. وأبدلوا التاء أيضا من الياء لاما في قولهم: كيت وكيت، وذيت وذيت١، وأصلهما كية وكية، وذية وذية، ثم إنهم حذفوا الهاء، وأبدلوا من الياء التي هي لام تاء، كما فعلوا ذلك في ثنتان، فقالوا: كيت وذيت، فكما أن الهاء في كية وذية علم تأنيث، فكذلك الصيغة في كيت وذيت علم تأنيث، وكذلك التاء أيضا في اثنتان علامة تأنيث، والصيغة في ثنتان أيضا علامة تأنيث. وهذه قصة ابنة وبنت أيضا. وفي كيت وذيت ثلاث لغات: منهم من يبنيهما على الفتحة، فيقول: كيت وذيت، ومنهم من يبنيهما على الكسرة، فيقول: كيت وذيت، ومنهم من يبنيهما على الضمة، فيقول: كيت وذيت. فأما كية وذية فليس فيهما مع الهاء إلا البناء على الفتح. فإن قيل: ما تنكر أن تكون التاء في كيت وذيت منقلبة عن واو، بمنزلة تاء أخت وبنت، ويكون على هذا أصل ذية وكية: ذيوة وكيوة، فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت الياء بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء كما قالوا: سيد وميت، وأصلهما سيود وميوت.

стр. 155

فالجواب أن كية وذية لا يجوز أن يكون أصلهما كيوة وذيوة، من قبل أنك لو قضيت بذلك لأجزت ما لم يأت مثله في كلام العرب، لأنه ليس في كلامهم لفظة عين فعلها ياء، ولام فعلها واو. ألا ترى أن سيبويه قال: ليس في الكلام مثل: حيوت، فأما ما أجازه أبو عثمان في الحيوان من أن يكون واوه غير منقلبة عن الياء، وخالف فيه الخليل، وأن يكون الواو فيه أصلا غير منقلبة، فمردود عليه عند أصحابنا لادعائه ما لا دليل عليه، ولا نظير له، وما هو مخالف لمذهب الجمهور، وكذلك قولهم في اسم رجل: رجاء بن حيوة١، إنما الواو فيه بدل من ياء، وحسن البدل فيه وصحة الواو أيضا بعد ياء ساكنة، كونه علما، والأعلام قد يحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها، وذلك من وجهين: أحدهما: الصيغة، والآخر: الإعراب. أما الصيغة فنحو قولهم: موظب ومورق وتهلل ومحبب ومكوزة ومزيد وموألة٢، فيمن أخذه من وألت، ومعديكرب كان ينبغي أن يكون معدي، لأن مفعل مما لامه معتلة لا يوجد إلا في حرف واحد، وهو مأوي الإبل، حكاها الفراء. وأما الإعراب فنحو قولهم في الحكاية لمن قال: مررت بزيد: من زيد؟ ولمن قال: ضربت أبا بكر: من أبا بكر، لأن الكنى تجرى مجرى الأعلام، وكذلك أيضا صحت حيوة بعد قلب لامها واوا، وأصلها حية، كما أن أصل حيوان، حييان، فهذا إبدال التاء من الواو والياء لامين، ولم أعلمها أبدلت منها عينين.

стр. 156

وقد أبدلت التاء من السين لاما، وذلك في قولهم في العدد ست، وأصلها: سدس، لأنها من التسديس، كما أن خمسة من التخميس، ولذلك قالوا في تحقيرها: سديسة، ولكنهم قلبوا السين الآخرة تاء، لتقرب من الدال التي قبلها، وهي مع ذلك حرف مهموس، كما أن السين مهموسة، فصار التقدير: سدت، فلما اجتمعت الدال والتاء وتقاربتا في المخرج، أبدلوا الدال تاء، لتوافقها في الهمس، ثم أدغمت التاء في التاء فصارت: ست، كما ترى. وقد أبدلوا التاء أيضا من السين في موضع آخر، قرأت على محمد بن الحسن١ عن أبي العباس أحمد بن يحيى: يا قاتل الله بني السعلات عمرو بن يربوع شرار النات غير أعفاء ولا أكيات٢ يريد الناس، وأكياس، فأبدلت السين تاء لموافقتها إياها في الهمس والزيادة وتجاور المخارج. وقالوا في طس٣: طست. وأنشدنا أبو علي قال: أنشدنا أبو عثمان:

стр. 157

لو عرضت لأيبلي قس أشعث في هيكله مندس حن إليها كحنين الطس١ وقالوا: ختيت في معنى خسيس، فأبدلوا السين تاء. وأبدلت من الصاد أيضا، قالوا في لص: لصت، وأثبتوها أيضا في الجمع، قال الشاعر: فتركن نهدا عيلا أبناؤها ... وبني كنانة كاللصوت المرد٢

стр. 158

فأما قول الأعرابي من بني عوف بن سعد: صفقة ذي ذعالت سمول بيع امرئ ليس بمستقيل١ وهو يريد الذعالب، فينبغي أن يكونا لغتين، وغير بعيد أن تبدل أيضا التاء من الباء، إذ قد أبدلت من الواو، وهي شريكة الباء في الشفة، والوجه أن تكون التاء بدلا من الباء، لأن الباء أكثر استعمالا، ولما ذكرناه أيضا من إبدالهم التاء من الواو. وأما قولهم فسطاس٢: فستاط، فالتاء فيه بدل من الطاء، لقولهم في الجمع فساطيط، ولم يقولوا فساتيط، فالطاء إذن أعم تصرفا. وقالوا: أستاع يستيع، أي أطاع يطيع، فالتاء بدل من الطاء، لا محالة وقالوا: ناقة تربوت٣، وأصلها دربوت، وهي فعلوت من الدربة، أي هي مذللة، فالتاء بدل من الدال.

стр. 159

زيادة التاء: وأما الزيادة فقد زيدت التاء أولا في نحو: تالب١ وتجفاف٢ وتعضوض٣ وترتب٤ وتنضب٥. ومثل تجفاف تمثال وتبيان وتلقاء وناقة تضراب٦، وزيدت ثانية في نحو: افتقار وافتقر واقتطاع واقتطع. وزيدت أيضا رابعة في سنبتة٧، وهي القطعة من الزمان. قال الراجز٨: رب غلام قد صرى في فقرته ماء الشباب عنقوان سنبته٩ في معنى سنبتة. فهذه دلالة على زيادة التاء في سنبتة.

стр. 160

وزيدت أيضا خامسة في نحو: ملكوت وجبروت ورغبوت ورهبوت ورحموت وطاغوت. وسادسة في نحو: عنكبوت وترنموت١ وهو صوت ترنم القوس عند الإنباض٢، قال الراجز٣: تجاوب القوس بترنموتها٤ أي بترنمها. وقد زيدت في أوائل الأفعال الماضية للمطاوعة، كقولك: كسرته فتكسر، وقطعته فتقطع، ودحرجته فتدحرج. ومن زيادتها في أوائل الأفعال الماضية، قولهم: تغافل وتعاقل وتجاهل. وتزاد في أوائل المضارعة لخطاب المذكر، نحو: أنت تقوم وتقعد، ولخطاب المؤنث، نحو: أنت تقومين وتقعدين، وللمؤنثة الغائبة، نحو: هي تقوم وتقعد،

стр. 161

وقد أنث بها لفظ الفعل الماضي، نحو قامت وقعدت، وتؤنث بها جماعة المؤنث نحو: قائمات وقاعدات. وأما قولهم في الواحدة قائمة وقاعدة وظريفة، فإنما الهاء في الوقف بدل من التاء في الوصل، والتاء هي الأصل، فإن قيل: وما الدليل على أن التاء هي الأصل، وأن الهاء بدل منها؟ فالجواب أن الوصل مما تجري فيه الأشياء على أصولها، والوقف من مواضع التغيير، ألا ترى أن من قال من العرب في الوقف: هذا بكر، ومررت ببكر، فنقل الضمة والكسرة إلى الكاف في الوقف، فإنه إذا وصل أجرى الأمر على حقيقته، فقال: هذا بكر، ومررت ببكر، وكذلك من قال في الوقف: هذا خالد، وهو يجعل، فإنه إذا وصل خفف الدال واللام، فقال: هذا خالد، وهو يجعل، على أن من العرب من يجري الوقف مجرى الوصل، فيقول في الوقف هذا طلحت، وعليه السلام والرحمت، وأنشدنا أبو علي: بل جوز تيهاء كظهر الحجفت١

стр. 162

وأخبرنا بعض أصحابنا، يرفعه بإسناده إلى قطرب١ أنه أنشده٢: الله نجاك بكفي مسلمت من بعدما وبعدما وبعدمت صارت نفوس القوم عند الغلصمت وكادت الحرة أن تدعى أمت٣ وقد قلبوا هذا الأمر، فأجروا الشيء في الوصل على حد مجراه في الوقف، ومن ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في العدد ثلاثة ربعة، وعلى هذا قالوا في الوصل سبسبا٤ وكلكلا٥.

стр. 163

قرأت على محمد بن الحسن١، عن أحمد بن يحيى٢: من لي من هجران ليلي من لي ... والحبل من حبالها المنحل تعرضت لي بمكان حل ... تعرض المهرة في الطول٣ يريد الطول. وأنشدني أبو علي أيضا هذه الأبيات، وفيها مما قرأته على محمد٤ أيضا، ولم أروه عن أبي علي: ترى مراد نسعه المدخل ... بين رحى الحيزوم والمرحل مثل الزحاليف بنعف التل يريد المدخل والمرحل، وفيها أيضا ما قرأته على محمد، وأنشدناه أبو علي: نسل وجد الهائم المغتل ... ببازل وجناء أو عيهل كأن مهواها على الكلكل ... موقع كفي راهب يصلي٥ يريد العيهل٦ والكلكل٧.

стр. 164

ومن أبيات الكتاب١: ضخما يحب الخلق الأضخما٢ يريد الأضخم. ويروى: "الإضخما" و"الضخما"، ولا حجة فيهما٣. فلما كان الوصل مما تجري فيه الأشياء على أصولها في غالب الأمر، ومطرد اللغة، وكان الوقف مما يغير فيه الأشياء عن أصولها، ورأينا علم التأنيث في الوصل تاء نحو قائمتان بدل من التاء في الوصل.

стр. 165

فأما قول الآخر١: العاطفونه حين ما من عاطف ... والمسبغون يدا إذا ما أنعموا٢ ففيه قولان: أحدهما: أنه أراد أن يجريه في الوصل على حد ما يكون عليه في الوقف، وذلك أنه يقال في الوقف: هؤلاء مسلمونه، وضاربونه، فلتحق الهاء لبيان حركة النون، كما أنشدوا٣: أهكذا يا طيب تفعلونه أعللا ونحن منهلونه٤ فصار التقدير: العاطفونه.

стр. 166

ثم إنه شبه هاء الوقف بهاء التأنيث، فلما احتاج لإقامة الوزن إلى حركة الهاء قلبها تاء، كما تقول في الوقف: هذا طلحة، فإذا وصلت صارت الهاء تاء، فقلت: هذا طلحتنا، فعلى هذا قال: العاطفونة. ويؤنس بصحة هذا القول قليلا ما أنشدناه آنفا من قول الراجز١: من بعدما وبعدما وبعدمت صارت نفوس القوم عند الغلصمت٢ أراد: وبعدما، فأبدل الألف في التقدير هاء، فصار: وبعدمه، كما أبدلها الآخر من الألف، فقال -فيما أخبرنا به بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب أيضا-: قد وردت من أمكنه من ها هنا ومن هنه إن لم أروها فمه٣ يريد: من هنا، فأبدل في الوقف هاء، فقال: "من هنه". فأما قوله: "فمه؟ " فالهاء فيه تحتمل تأويلين:

стр. 167

أحدهما: أنه أراد: "فما" أي إن لم أرو هذه الإبل الواردة من هنا ومن هنا فما؟ أي فما أصنع؟ منكرا على نفسه ألا يرويها، فحذف الفعل الناصب لما التي للاستفهام. والوجه الآخر: أن يكون أراد: إن لم أروها١ فمه، أي فاكفف٢ عني، فلست بشيء ينتفع به، وكأن التفسير الأول أقوى في نفسي، فصار التقدير على هذا: من بعدما، وبعدما، وبعدمه" ثم إنه أبدل الهاء تاء، لتوافق بقية القوافي التي تليها ولا تختلف، وشجعه على ذلك شبه الهاء المقدرة في بعدمه، بهاء التأنيث في طلحة وحمزة. ولما كان يراهم قد يقولون في بعض المواضع في الوقف: هذا طلحت وهذا حمزت، قال هو أيضا "وبعدمت"، فأبدل الهاء المبدلة من الألف تاء تشبيها لفظيا، كما قال الآخر٣: يحدو ثماني مولعا بلقاحها ... حتى هممت بزيغة الإرتاج٤ فلم يصرف ثماني لشبهها بجواري: لفظا لا معنى.

стр. 168

أولا ترى أن أبا عثمان قال في قول الآخر١: ولاعب بالعشي بني بنيه ... كفعل الهر يحترش العظايا فأبعده الإله ولا يؤبى ... ولا يسقى من المرض الشفايا٢ "وأخذه على أبو علي وقت قرائتي تصريف أبي عثمان عليه فقال: ولا يشفى"٣ إنه شبه ألف النصب في العظايا٤ والشفايا بهاء التأنيث في نحو: عظاية وصلاية٥. يريد أبو عثمان أنه صحح الياء وإن كان طرفا، لكنه شبه الألف التي تحدث عن فتحة النصب بهاء التأنيث في نحو: عظاية وعباية، فكما أن الهاء فيهما صححت الياء قبلها، فكذلك صححت ألف النصب في العظايا والشفايا الياء التي قبلها، وهذا ونحوه مما قال سيبويه فيه: "وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها. وإذا جاز أن تشبه هاء "وبعدمه" بتاء التأنيث، حتى يقال فيها: "وبعدمت" جاز أن تشبه هاء العاطفونه اللاحقة لبيان حركة النون، بهاء التأنيث، فيقال: العاطفونة، وفتحت التاء كما فتحت في آخر ربت وثمت٦ وكيت وذيت، فهذا أحد القولين في العاطفونه.

стр. 169

وقال قوم آخرون: إنما هم العاطفون، مثل القائمون والقاعدون، ثم إنه زاد التاء في "تحين"، كما زادها الآخر في قوله١: نولي قبل نأي دار جمانا ... وصليه كما زعمت تلانا٢ أراد الآن، وهذا الوجه اشد انكشافا من الأول. وقال أبو زيد: سمعت من يقول: "حسبك تلان٣" يريد الآن، فيزيد التاء، وأما ما قرأته على محمد بن الحسن من قول الآخر٤: إذا اغتزلت من بقام الفرير ... فيا حسن شملتها شملتا٥ فقال فيه: إنه شبه هاء التأنيث في شملة بالتاء الأصلية في نحو: بيت وصوت، فألحقها في الوقف عليها ألفا، كما تقول: رأيت بيتا، فشملتا على هذا منصوبة على التمييز، كما تقول: يا حسن وجهك وجها، أي من وجه.

стр. 170

واعلم أن للتاء ميزانا وقانونا يعرف به من طريق القياس كونها أصلا أو زائدة فإذا عدمت الاشتقاق في كلمة فيها تاء أو نون، فإن حالها فيما أذكره لك سواء: فانظر إلى التاء أو النون، فإن كان المثال الذي هما فيه أو إحداهما، على زنة الأصول، فاقض بأنهما زائدتان، مثال ذلك قولنا: عنتر١، فالنون والتاء جميعا أصلان، لأنهما بإزاء العين والفاء من جعفر٢، ألا ترى أن في الأصول مثال فعلل؟ وكذلك النون في نحو: حنزقر٣ أصل، لأنها بإزاء الراء من جردحل٤ وقرطعب٥، وكذلك التاء في فرتاج٦ هي أصل لأنها الدال من سرداح ٧، والطاء من قرطاس، وكذلك التاء من صعتر أصل، لأنها بإزاء الفاء من جعفر، والضاد من قعضب٨. فأما التاء في ترتب٩ فزائدة، لأنه ليس في الأصول جعفر، وكذلك تدرأ١٠ أيضا لا فرق بينهما. هذا من طريق القياس، وقد شهد به أيضا الاشتقاق، لأن ترتب من الشيء الراتب، وتدرأ من درأت، أي دفعت. وكذلك نون نرجس١١ زائدة، لأنه ليس في الأصول مثل جعفر، بكسر الفاء.

стр. 171

فأما تولب١ فتاؤه أصل، والواو زائدة، لأن فوعلا في الكلام أكثر من تفعل. وأما نون نهشل٢ وتاء ترخم٣ فأصلان، لأنهما بإزاء سين سلهب٤. وأما تألب فتاؤه زائدة، يدل على ذلك الاشتقاق، لأنهم يقولون: ألب الحمار آتنه٥ يألبها. وأما تاء سنبتة فلولا الاشتقاق أيضا لقضينا بأنها أصل، لأنها بإزاء جيم عرفجة٦ ولكنهم لما قالوا في معناها سنبة٧، دل ذلك على زيادتها. وأما نون قنفخر٨ فلولا الاشتقاق أيضا لقضينا بأنها أصل، ولكنهم ردوه إلى لفظ امرأة قفاخرية، والقنفخر: كل شيء فاق في حسنه، والقفاخرية: النبيلة العظيمة النفيسة من النساء، وكذلك تاء تجفاف٩ لولا الاشتقاق لوجب القضاء بأصليتها، لأنها بإزاء قاف قرطاس، ولكنهم ذهبوا فيه إلى أنه من معنى الصلابة والجفاف. وأما نون نبراس١٠ فقد ذهب إلى زيادتها، واشتق له من معنى البرس، وهو القطن، لأن النبراس: المصباح، والفتيلة أبدا في غالب الأمر في قطن. وأما تاء تلنة١١ فأصل، لقولهم في معناه تلونة، وتلونة: فعولة بلا كلام، وهي الحاجة.

стр. 172

وإذا رأيت النون في كلمة خماسية ثالثة ساكنة، فاقض بزيادتها، نحو قرنفل١ وسلنطح٢ وبلندح٣ وجرنبذ٤ وجرنفس٥. وإنما ذكرت بعض أحكام النون في حرف التاء، لاشتراكهما في هذه القضية. وإذا وصلنا إلى حرف النون بإذن الله أحلنا في هذا الفن على هذا الفصل. واعلم أن التاء تكون اسما مضمرا نحو تاء قمت وقمت وقمت، وتكون حرف للخطاب نحو تاء أنت وأنت، وسترى هذا مفصلا إن شاء الله تعالى. وقد ٦ حذفت التاء عينا في سه، وأصلها سته، قال: رقاب كالمواجن خاظيات ... وأستاه على الأكوار كوم٧

стр. 173

باب الثاء: الثاء: حرف مهموس، وهو أحد حروف النفث١، ومحله من الذال محل التاء من الدال٢، ولا تكون إلا أصلا، فاء أو عينا أو لاما، فالفاء نحو ثمر وثبت، والعين نحو جثل٣ وخثر٤، واللام نحو فحث٥ وبعث. واعلم أن الثاء إذا وقعت فاء في افتعل وما تصرف منه قلبت تاء، وأدغمت في تاء افتعل بعده، وذلك قولهم في افتعل من الثريد٦ اترد، وهو مترد، وإنما قلبت تاء، لأن الثاء أخت التاء في الهمس، فلما تجاورتا في المخارج أرادوا أن يكون العلم من وجه واحد، فقلبوها تاء، وأدغموها في التاء بعدها، ليكون الصوت نوعا واحدا، كما أنهم لما أسكنوا تاء وتد تخفيفا أبدلوها إلى لفظ الدال بعدها، فقالوا: ود، ومثل ذلك قولهم في افتعل من الثأر: اتأر, وفي افتعل من ثنى: اتنى. قال٧: والنيب إن تعرمني رمة خلقا ... بعد الممات فإني كنت أتئر٨

стр. 174

وقال١: بدا بأبي ثم اتنى ببني أبي ... وثلث بالأدنين ثقف المخالب٢ هذا هو المشهور في الاستعمال، وهو أيضا القوي في القياس، ومنهم من يقلب تاء افتعل ثاء، فيجعلها من لفظ الفاء قبلها، فيقول: اثرد واثأر، وأثنى، كما قال بعضهم في ادكر: اذكر. وفي اصطلحوا اصلحوا. وقرأت على أبي علي عن أبي بكر٣، عن أبي العباس٤، عن أبي عثمان٥ أن بعضهم قرأ: "أن يصلحا"٦، وعلى هذا قالوا: اصبر في اصطبر، وازان في ازدان. وقرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب، قال: يقال: هي فروغ الدلو٧ وثروغها، فالثاء إذن بدل من الفاء، لأنه من التفريغ.

стр. 175

فأما قولهم في أثاف١ أثاث، بالثاء فمن كانت عنده أثفية أفعولة، وأخذها من ثفاه يثفوه، فالثاء الثانية في أثاث بدل من الفاء في يثفوه، ومن كانت عنده "فعلية" فجائز أن تكون الثاء بدلا من الفاء. لقول النابغة٢: وإن تأثفك الأعداء بالرفد٣ وجائز أن تكون من أث يئث: إذا ثبت واطمأن. لأنهم يصفون الأثافي بالخلود والركود. والوجه أن تكون الثاء بدلا من الفاء أيضا، لأنا لم نسمعهم قالوا أثية.

стр. 176

باب الجيم: الجيم: حرف مجهور، يكون في الكلام على ضربين: أصلا وبدلا. فإذا كان أصلا وقع فاء، وعينا، ولاما، فالفاء نحو: جعل١، وجعل، والعين نحو: جحر وحجر، واللام نحو: خرج وخرج. وإذا كانت بدلا فمن الياء لا غير، قرأت على أبي علي٢، عن أبي بكر، عن بعض أصحاب يعقوب بن السكيت، عن يعقوب، قال: قال الأصمعي: حدثني خلف٣ قال: أنشدني رجل من أهل البادية، وقرأتها عليه٤ في الكتاب٥: عمي عويف وأبو علج المطعمان اللحم بالعشج وبالغداة كسر البرنج تقلع بالود وبالصيصج٦ يريد: أبو علي، وبالعشي، وبالصيصية، وهي قرن البقرة.

стр. 177

قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: قلت لرجل من بني حنظلة: ممن أنت؟ فقال: فقيمج. قال: قلت: من أيهم؟ قال: مرج، يريد: فقيمي، ومري. وأنشد لهيمان بن قحافة السعدي: يطير عنها الوبر الصهابجا١ يريد الصهابي، من الصهبة. وقال يعقوب: بعض العرب إذا شدد الياء جعلها جيما. وأنشد عن ابن الأعرابي: كأن في أذنابهن الشوال من عبس الصيف قرون الإجل٢ يريد: الأبل.

стр. 178

قال: وأنشد الفراء١: لاهم أن كنت قبل حجتج فلا يزال شاحج يأتيك بج أقمر نهات ينزي وفرتج٢ ويروى: شامخ، يعني بعيرا مستكبرا. انقضت الحكاية عن أبي علي.

стр. 179

وقال١: حتى إذا ما أمسجت وأمسجا٢ يريد: أمست وأمسى. وهذا أحد ما يدل على ما ندعيه من أن أصل رمت: رميت، وغزت: غزوت، وأعطت: أعطيت، واستقصت: استقصيت، وأمست: أمسيت. ألا ترى أنه لما أبدل الياء من أمسيت جيما، والجيم حرف صحيح يحتمل الحركات، ولا يلحقه الانقلاب الذي يلحق الياء والواو، صححها كما يجب في الجيم، فدل أمسجت على أن أصل أمست: أمسيت، وكذلك قال أيضا: أمسجا، فدل ذلك على أن أصل أمسى: أمسي، وأن أصل رمى: رمي، وأصل غزا: غزو، وأصل دعا: دعو، ودل ذلك أيضا على أن أصل عصا: عصو، وأصل قطا وقنا وحصى وفتى: قطو٣، وقنو٤، وحصي، وفتي، فبهذا ونحوه ما استدل أهل التصريف على أصول الأشياء المغيرة، كما استدلوا بقوله عز اسمه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَان﴾ على أن أصل استقام: استقوم. وأصل استباع استبيع. ولولا ما ظهر من هذا ونحوه لما أقدموا على القضاء بأصول هذه الأشياء، ولما جاز ادعاؤهم إياها.

стр. 180

باب الحاء: الحاء حرف مهموس، يكون أصلا لا غير. فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: حرم وحبس، والعين نحو: سحر١ وضحك، واللام نحو: صبح، وصلح. ولا تكون الحاء بدلا ولا زائدا أبدا إلا فيما شذ عنهم. وأنشد ابن الأعرابي: ينفحن منه لهبا منفوحا لمعا يرى لا ذاكيا مقدوحا٢ قال: أراد: منفوخا: فأبدل الخاء حاء
следующие страницы →