باب الجيم:
الجيم: حرف مجهور، يكون في الكلام على ضربين: أصلا وبدلا.
فإذا كان أصلا وقع فاء، وعينا، ولاما، فالفاء نحو: جعل١، وجعل، والعين نحو: جحر وحجر، واللام نحو: خرج وخرج.
وإذا كانت بدلا فمن الياء لا غير، قرأت على أبي علي٢، عن أبي بكر، عن بعض أصحاب يعقوب بن السكيت، عن يعقوب، قال: قال الأصمعي: حدثني خلف٣ قال: أنشدني رجل من أهل البادية، وقرأتها عليه٤ في الكتاب٥:
عمي عويف وأبو علج
المطعمان اللحم بالعشج
وبالغداة كسر البرنج
تقلع بالود وبالصيصج٦
يريد: أبو علي، وبالعشي، وبالصيصية، وهي قرن البقرة.
стр. 177
قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: قلت لرجل من بني حنظلة: ممن أنت؟ فقال: فقيمج. قال: قلت: من أيهم؟ قال: مرج، يريد: فقيمي، ومري.
وأنشد لهيمان بن قحافة السعدي:
يطير عنها الوبر الصهابجا١
يريد الصهابي، من الصهبة.
وقال يعقوب: بعض العرب إذا شدد الياء جعلها جيما.
وأنشد عن ابن الأعرابي:
كأن في أذنابهن الشوال
من عبس الصيف قرون الإجل٢
يريد: الأبل.
стр. 178
قال: وأنشد الفراء١:
لاهم أن كنت قبل حجتج
فلا يزال شاحج يأتيك بج
أقمر نهات ينزي وفرتج٢
ويروى: شامخ، يعني بعيرا مستكبرا.
انقضت الحكاية عن أبي علي.
стр. 179
وقال١:
حتى إذا ما أمسجت وأمسجا٢
يريد: أمست وأمسى.
وهذا أحد ما يدل على ما ندعيه من أن أصل رمت: رميت، وغزت: غزوت، وأعطت: أعطيت، واستقصت: استقصيت، وأمست: أمسيت.
ألا ترى أنه لما أبدل الياء من أمسيت جيما، والجيم حرف صحيح يحتمل الحركات، ولا يلحقه الانقلاب الذي يلحق الياء والواو، صححها كما يجب في الجيم، فدل أمسجت على أن أصل أمست: أمسيت، وكذلك قال أيضا: أمسجا، فدل ذلك على أن أصل أمسى: أمسي، وأن أصل رمى: رمي، وأصل غزا: غزو، وأصل دعا: دعو، ودل ذلك أيضا على أن أصل عصا: عصو، وأصل قطا وقنا وحصى وفتى: قطو٣، وقنو٤، وحصي، وفتي، فبهذا ونحوه ما استدل أهل التصريف على أصول الأشياء المغيرة، كما استدلوا بقوله عز اسمه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَان﴾ على أن أصل استقام: استقوم. وأصل استباع استبيع.
ولولا ما ظهر من هذا ونحوه لما أقدموا على القضاء بأصول هذه الأشياء، ولما جاز ادعاؤهم إياها.
стр. 180
باب الحاء:
الحاء حرف مهموس، يكون أصلا لا غير.
فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: حرم وحبس، والعين نحو: سحر١ وضحك، واللام نحو: صبح، وصلح.
ولا تكون الحاء بدلا ولا زائدا أبدا إلا فيما شذ عنهم.
وأنشد ابن الأعرابي:
ينفحن منه لهبا منفوحا
لمعا يرى لا ذاكيا مقدوحا٢
قال: أراد: منفوخا: فأبدل الخاء حاء
стр. 181
قال: ومثله قول رؤبة١:
غمر الأجاري كريم السنح
أبلج لم يولد بنجم الشح٢
قال: يريد: السنخ.
فأما قول من قال في قول تأبط شرا٣:
كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق٤
стр. 182
إنه أراد: حثثوا، فأبدل من الثاء الوسطى حاء فمردود عندنا، وإنما ذهب إلى هذا البغداديون، وأبو بكر أيضا معهم.
وسألت أبا علي عن فساده فقال: العلة في فساده أن أصل القلب في الحروف، إنما هو فيما تقارب منها وذلك الدال والطاء والتاء، والذال والظاء والثاء، والهاء والهمزة، والميم والنون، وغير ذلك مما تدانت مخارجه.
فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى أختها.
قال: وإنما حثحث أصل رباعي، وحثث أصل ثلاثي، وليس واحد منهما من لفظ صاحبه، إلا أن حثحث من مضاعف الأربعة، وحثث من مضاعف الثلاثة، فلما تضارعا بالتضعيف الذي فيهما، اشتبه على بعض الناس أمرهما، وهذا هو حقيقة مذهبنا، ألا ترى أن أبا العباس١ قال في قول عنترة٢:
جادت عليه كل بكر ثرة
فتركن كل قرارة كالدرهم٣
ليس ثرة عند النحويين من لفظ ثرثارة٤، وإن كانت من معناها. هذا هو الصواب، وهو قول كافة أصحابنا.
على أن أبا بكر محمد بن السري قد كان تابع الكوفيين، وقال في هذا بقولهم، وإنما هذه أصول تقاربت ألفاظها، وتوافقت معانيها، وهي مع ذلك مضعفة.
стр. 183
ونظيرها من غير التضعيف قولهم دمث ودمثر١، وسبط٢ وسبطر٣، ولؤلؤ ولأل٤، وحية وحواء٥، ودلاص٦ ودلامص، في قول أبي عثمان. وزغب الفرخ وازلغب٧، وله نظائر كثيرة، وإذا قامت الدلالة على أن حثحث ليس من لفظ حثث، فالقول في هذا وفي جميع ما جاء منه واحد، وذلك نحو: تململ وتملل، ورقرق ورقق، وصرصر وصرر، وقد حذفت الحاء لاما في حر. وأصله حرح، لقولهم أحراح، قال:
إني أقود جملا ممراحا
ذا قبة مملوء أحراحا٨
стр. 184
باب الخاء:
الخاء حرف مهموس، يكون أصلا لا غير، فيكون فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: خرج، وخرج، والعين نحو: صخر وصخب١، واللام نحو: مرخ ومرخ٢.
فأما ما قرأته على أبي علي عن أبي بكر، عن بعض أصحاب يعقوب، عن يعقوب من أن أبا مزيد قال: خمص الجرح يخمص خموصا٣، وحمص يحمص حموصا، وانخمص انخماصا.
قال أبو علي: وانحمص انحماصا، ذ كره أبو زيد في مصادره٤: إذا ذهب ورمه -فلا يكون الحاء فيه بدلا من الخاء، ولا الخاء بدلا من الحاء، ألا ترى أن كل واحد من المثالين يتصرف في الكلام تصرف صاحبه، فليست لأحدهما مزية من التصرف والعموم في الاستقبال يكون بها أصلا، ليست لصاحبه.
ومع هذا فإنك تجد لكل واحد منهما وجها يحقق له حرفه، وذلك أن خمص بالخاء، من الشيء الخميص الضامر، وهذا واضح، لأن الجرح إذا ذهب ورمه، فهو فيه كخمص البطن، وأما انحمص بالحاء فهو من الحمص، ألا ترى أن الحمصة صغيرة ضامرة، فهذا يشهد بأن الحرفين أصلان، وأنه ليس أحدهما أصلا لصاحبه، ولا بدلا منه.
стр. 185
باب الدال:
الدال حرف مجهور، يكون في الكلام على ضربيين: أصلا وبدلا.
فإذا كانت أصلا وقعت فاء وعينا ولاما. فالفاء نحو: درج ودرج١، والعين نحو: خدل وخدل، واللام نحو: جعد وجعد٢.
وأما البدل فإن فاء افتعل، إذا كانت زايا قلبت التاء دالا، وذلك نحو: ازدجر، وازدهى٣، وازدار٤، وازدان٥، وازدلف٦، وازدهف٧، ونحو ذلك، وأصل هذا كله ازتجر، وازتهى، وازتار، وازتان، وازتلف، وازتهف، لأنه افتعل من الزجر، والزهو، والزور، والزين، والزلف، والزهف، ولكن الزاي لما كانت مجهورة، وكانت التاء مهموسة، وكانت الدال أخت التاء في المخرج وأخت الزاي في الجهر، قربوا بعض الصوت من بعض، فأبدلوا التاء أشبه الحروف من موضعها بالزاي، وهي الدال، فقالوا: ازدجر، وازدار. قال:
إلا كعهدكم بذي بقر الحمى ... هيهات ذو بقر المزدار٨
ومن كلام ذي الرمة في بعض أخباره:
"هل عندك من ناقة تزدار عليها ميا؟ ".
стр. 186
ومن أبيات الكتاب لرؤبة:
فيها ازدهاف أيما ازدهاف١
ونحو من هذا التقريب في الصوت قولهم في سبقت: صبقت، وفي سقت: صقت، وفي سملق: صملق، وفي سويق٢: صويق، وذلك أن القاف حرف مستعل، والسين غير مستعل، إلا أنها أخت الصاد المستعلية، فقربوا السين من القاف، بأن قلبوها إلى أقرب الحروف إلى القاف من مخرج السين، وهو الصاد.
وقد قلبت تاء افتعل دالا مع الجيم في بعض اللغات، قالوا: اجدمعوا في اجتمعوا، واجدز في اجتز. وأنشدوا٣:
فقلت لصاحبي: لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجدز شيحا٤
ولا يقاس ذلك إلا أن يسمع، لا تقول في اجترأ: اجدرأ، ولا في اجترح: اجدرح.
стр. 187
وقد أبدلوا الدال من تاء تولج١، فقالوا: دولج، وقد قلبوا تاء افتعل أيضا مع الذال لغير إدغام دالا، حكى أبو عمرو عنهم: اذدكر، وهو مذدكر.
وقال أبو حكاك:
تنحي على الشوك جرازا مقضبا ... والهرم تذريه اذدراء عجبا٢
فأما ادكر واذكر فإبدال إدغام، وليس ذلك من غرض هذا الكتاب، وكذلك قولهم في وتد: ود، وهو أيضا لإبدال إدغام، من جنس ادكر.
وأنشدنا أبو علي لابن مقبل:
يا ليت لي سلوة يشفى الفؤاد بها ... من بعض ما يعتري قلبي من الدكر٣
بالدال: يريد الذكر، جمع ذكرة، وليس هنا ما يوجب البدل، إلا أنه لما رآهم يقلبونها في ادكر ويدكر ومدكر وادكار ونحو ذلك، ألف فيها القلب، فقال أيضا الدكر، ولهذا نظائر في كلامهم.
стр. 188
باب الذال:
الذال حرف مجهور، يكون أصلا: لا بدلا ولا زائدا.
فإذا كان أصلا كان فاء وعينا ولاما. فالفاء نحو: ذكر وذكر، والعين نحو: جذوة١ وحذر، واللام نحو: فخذ وأخذ.
فأما إبدالههم الذال دالا في ادكر ونحوه فإبدال إدغام. وأما قولهم: جذوت وجثوت٢ إذا قمت على أطراف أصابعك، وقرأت على أبي علي:
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... وصناجة تجذو على كل منسم٣
فليس أحد الحرفين بدلا من صاحبه، بل هما لغتان.
وكذلك قولهم أيضا: قرأ فما تلعثم٤، وما تلعذم.
стр. 189
وكذلك قولهم: قرب حذحاذ، وحثحاث: إذا كان سريعا، وهو طلب الماء، ليس أحدهما بدلا من صاحبه، لأن حثحاثا من قول تأبط شرا:
كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق١
أي أسرعوا به، وحذحاذ: من معنى الشيء الأحذ، ويقال: صريمة٢ حذاء: إذا كانت ماضية، وحذحاذ وإن لم تكن من لفظ أحذ، فإنها قريبة منه، ولا تجد هذين اللفظين إلا بمعنى واحد، وذلك نحو: ململت ومللت، ورقرقت ورققت، ألا ترى أن اتفاق معنيهما قد حمل البغداديين على أن قالوا إن الأصل في حثحثت: حثثت، وفي رقرقت: رققت.
وقرأت على أبي على عن أبي بكر عن العباس للفرزدق٣:
تفيهق بالعراق أبو المثنى ... وعلم أهله أكل الخبيص
أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص٤
يصفه بالغلول وسرعة اليد، ومن هنا سمى الخليل "فعلن" في الكامل٥: أحذ، لأن أصله "متفاعلن"، فلما حذف الوتد من آخره، وبقي "متفا"، فنقل إلى "فعلن". فلما قطع آخر الجزء، قل وأسرع انقضاؤه وفناؤه، فسماه أحذ لذلك.
стр. 190
باب الراء:
الراء حرف مجهور مكرر، يكون أصلا، لا بدلا ولا زائدا.
فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: رشد ورشد، والعين نحو: جرح وجرح، واللام نحو: بدر وبدر.
فأما قولهم: امرأة جربانة١ وجلبانة إذا كانت صخابة، فليس أحد الحرفين فيه بدلا من صاحبه.
قرأت على أبي علي لحميد بن ثور:
جلبانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغى خيرا إليها الجلامد٢
стр. 191
قال أبو علي: هذا البيت يقع فيه تصحيف من الناس. يقول قوم مكان تخصي حمارها، تخطي حمارها، وهو مشتبه مشكل: يظنونه من قولهم: العوان١ لا تعلم الخمرة.
قال: وقد قال ابن الأعرابي: يقال: جاءك خاصي العير: إذا وصف بقلة الحياء. فعلى هذا لا يجوز في البيت غير "تخصي حمارها"، ويدل على أن "جلبانة" و"جريانة" أصلان، غير مبدل أحدهما من صاحبه وجودك لكل واحد منهما أصلا متصرفا، واشتقاقا صحيحا، فأما جلبانة فمن الجلبة والصياح، لأنها الصخابة، وأما جربانة فمن جرب الأمور وتصرف فيها.
ألا تراه قال: "تخصي حمارها"، وإذا بلغت المرأة من البذلة٢ والحنكة٣ إلى خصاء حمارها، فناهيك بها في التجريب والدربة، وهذا وفق الصخب، لأنه ضد الحياء والخفر٤.
وأما قولهم في الدرع: نثرة ونثلة٥، فينبغي أن يكون الراء بدلا من اللام، لقولهم: نثل على درعه، ولم يقولوا ثرها، فاللام أعم تصرفا، فهي الأصل.
وأما قول الأسدي:
وخافت من جبال السغد نفسي ... وخافت من جبال خواررزم٦
стр. 192
فإنه أراد خوارزم، فزاد راء لإقامة الوزن، كذا قيل فيه، وقد قيل إن "خوار" اسم مضاف إلى "رزم".
واعلم أن الراء لما فيها من التكرير لا يجوز إدغامها فيما يليها من الحروف، لأن إدغامها في غيرها يسلبها ما فيها من الوفور بالتكرير.
فأما قراءة أبي عمرو "يغفر لكم" بإدغام الراء في اللام، فمدفوع عندنا، وغير معروف عند أصحابنا، إنما هو شيء رواه القراء، ولا قوة له في القياس١.
стр. 193
باب الزاي:
الزاي حرف مجهور، يكون أصلا وبدلا، لا زائدا، فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: زمر١ وزمر، والعين نحو: بزر وحزر٢، واللام نحو: جرز٣ وجرز.
وقال بعضهم: يقال: شزب وشسب وشسف بمعنى. أي ضمر.
وفصل الأصمعي فقال: الشازب: الذي فيه ضمور وإن لم يكن مهزولا، والشاسب والشاسف الذي قد يبس.
قال: وسمعت أعرابيا يقول: ما قال الحطيئة٤ "أينقا شزبا" إنما قال: "أعنزا شسبا"٥، وليست الزاي ولا السين بدلا إحداهما من الأخرى، لتصرف الفعلين جميعا.
وقرأت على أبي علي لذي الرمة٦:
стр. 194
خدب حنى من صلبه وهو شوقب
على قصب منضم الثميلة شازب١
وكلب تقلب السين مع القاف خاصة زايا، فيقولون في سقر٢: زقر، وفي مس سقر: مس زقر، وشاة زقعاء في صقعاء٣.
ومثله من الصاد: ازدقي في اصدقي، وزدق في صدق.
قال٤:
стр. 195
ودع ذا الهوى قبل القلى ترك ذي الهوى
متين القوى خير من الصرم مزدرا١
يريد: مصدرا.
وقال الآخر٢:
يزيد زاد الله في خيراته
حامي نزار عند مزدوقاته٣
أي مصدوقاته.
стр. 196
باب السين:
السين حرف مهموس، يكون أصلا وزائدا.
فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: سلم وسلم، والعين نحو: حسن وحسن، واللام نحو: جرس وجرس.
وإذا كانت زائدة ففي استفعل وما تصرف منه، نحو: استخرج ومستخرج. واستقصى ويستقصي، وهو مستقص.
واعلم أن العرب تقول: استخذ فلان أرضا. وفي هذا عندنا قولان:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون أصله اتخذ، وزنه افتعل، من قوله عز اسمه: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ١. ثم إنهم أبدلوا من التاء الأولى التي هي فاء افتعل سينا، كما أبدلوا التاء من السين في ست، لأن أصلها سدس، فلما كانت التاء والسين مهموستين، جاز إبدال كل واحدة منهما من أختها.
والقول الآخر: أنه يجوز أن يكون أراد استتخذ، أي استفعل، فحذفت التاء الثانية، التي هي فاء الفعل، كما حذفت التاء الأولى من قولهم: تقى يتقي، وأصله: اتقى يتقي، فحذفت التاء الأولى التي هي فاء الفعل.
وأنشدنا أبو علي لخداش بن زهير٢:
تقوه أيها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا٣
أراد: اتقوه.
стр. 197
وقال الآخر١:
زايدتنا نعمان لا تنسينها ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو٢
أي اتق الله.
وأنشدنا أيضا، قال: أنشد أبو زيد٣:
قصرت له القبيلة إذ تجهنا ... وما ضاقت بشدته ذراعي٤
أراد: اتجهنا. قال: وقصرت: حبست. والقبيلة: اسم فرسه.
وأما قولهم السده في معنى الشدة، ورجل مسدوه في معنى مشدوه، فينبغي أن يكون السين فيه بدلا من الشين، لأن الشين أعم تصرفا.
стр. 198
وأما قولهم: أسطاع يسطيع، فذهب سيبويه فيه إلى أن أصله: أطاع يطيع، وأن السين فيه زيدت عوضا من١ سكون عين الفعل، وذلك أن أطاع أصله كأطوع، فنقلت فتحة الواو إلى الطاء، فصار التقدير: أطوع، فانقلبت الواو ألفا، لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن.
وتعقب أبو العباس ﵀ هذا القول فقال: إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب، فأما إذا كان موجودا في اللفظ، فلا وجه للتعويض منه، وفتحة العين التي كانت في الواو قد نقلت إلى الطاء التي هي الفاء، ولم تعدم، وإنما نقلت، فلا وجه للعوض من شيء موجود غير مفقود.
وقد ذهب عن أبي العباس ما في قول سيبويه هذا من الصحة، فإما غالط وهي من عادته معه، وإما وهم في رأيه هذا.
والذي يدل على صحة قول سيبويه في هذا، وأن السين عوض من حركة عين الفعل، أن الحركة التي هي الفتحة وإن كانت كما قال أبو العباس موجودة منقولة إلى الفاء لما فقدتها العين، فسكنت بعد ما كانت متحركة، توهنت١ لسكونها، ولما دخلها من التهيؤ للحذف عند سكون اللام، وذلك قولك لم يطع، وأطع، ولا تطع ففي كل هذا قد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين بحالها متحركة لما حذفت، لأنه لم يكن هناك التقاء ساكنين، ألا ترى أنك لو قلت: أطوع يطوع ولم يطوع وأطوع زيدا، لصحت العين ولم تحذف، فلما نقلت عنها الحركة وسكنت سقطت، لاجتماع الساكنين، فكان هذا توهينا وضعفا لحق العين، فجعلت السين عوضا عن سكون العين الموهن لها، المسبب لقلبها وحذفها، وحركة الفاء بعد سكونها لا تدفع عن العين ما لحقها من الضعف بالسكون والتهيؤ للحذف عند سكون اللام.
وقال الفراء في هذا: شبهوا أسطعت بأفعلت.
فهذا يدل من كلامه على أن أصلها استطعت، فلما حذفت التاء بقي على وزن أفعلت، ففتحت همزته وقطعت.
стр. 199
وهذا غير مرضي عندنا من قوله، وذلك أنه قد اطرد عنهم اسطعت بكسر الهمزة، وكونها همزة وصل، فهذا يدل على أنهم إذا أرادوا استفعلت، وحذفوا التاء وهم يريدونها، بقوة الهمزة موصولة مكسورة بحالها قبل حذف التاء.
ويؤكد ما قاله سيبويه من أن السين عوض من ذهاب حركة العين، أنهم قد عوضوا من ذهاب حركة هذه العين حرفا آخر غير السين، وهو الهاء في قول من قال: أهرقت١، فسكن الهاء، وجمع بينها وبين الهمزة، فالهاء هنا عوض من ذهاب فتحة العين، لأن الأصل: أروقت أو أريقت، بل الصواب أريقت، والواو عندي أقيس لأمرين:
أحدهما: أن كون عين الفعل واو أكثر من كونها ياء فيما اعتلت عينه.
والآخر: أن الماء إذا أهريق ظهر جوهره وصفاؤه، فراق رائيه يروقه، فهذا أيضا يقوي كون العين منه واوا. وعلى أنه قد حكى الكسائي: راق الماء يريق: إذا انصب، وهذا قاطع بكون العين ياء، ثم إنهم جعلوا الهاء عوضا من نقل فتحة العين عنها إلى الفاء، كما فعلوا ذلك في أسطاع، فكما لا يكون أصل أهرقت استفعلت، فكذلك ينبغي ألا يكون أصل أسطعت أستفعلت.
قرأت على أبي الفرج علي بن الحسين، عن أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، لعبد العزيز بن وهب مولى خزاعة، يقول لكثير٢:
فأصبحت كالمهريق فضلة مائه ... لضاحي سراب بالملا يترقرق٣
وقالوا في مصدره: إهراقه، كما قالوا: إسطاعة.
стр. 200
قال ذو الرمة١:
فلما دنت إهراقة الماء أنصتت ... لأعزله عنها وفي النفس أن أثني٢
وقالوا أيضا: أستاع يستيع، فأبدلوا الطاء تاء، لتوافق السين في الهمس.
قرأت على أبي الفرج٣، عن أبي عبد الله اليزيدي للجران:
وفيك إذا لاقيتنا عجرفية ... مرارا فما نستيع من يتعجرف٤
стр. 201
ومن العرب من يزيد على كاف المؤنث في الوقف سينا، ليبين كسرة الكاف، فيؤكد التأنيث فيقول: مررت بكس، ونزلت عليكس، فإذا وصلوا حذفوا لبيان الكسرة.
وأما ما يحكى عن سحيم١ من قوله:
فلو كنت وردا لونه لعسقتني ... ولكن ربي سانني بسواديا٢
فإنما قلب الشين سينا لسواده، وضعف عبارته عن الشين، وليس ذلك بلغة، وإنما هو كاللثغ.
стр. 202
باب الشين:
الشين حرف مهموس، يكون أصلا لا غير.
فيكون فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: شجر وشجر، والعين نحو: قشر وقشر، واللام نحو: نعش١ ونعش.
وقرأت على أبي علي٢، عن أبي بكر٣، عن بعض أصحاب يعقوب، عن يعقوب، قال: قال الأصمعي: يقال: جعشوش وجعسوس٤، وكل ذلك إلى قماء وصغر وقلة. ويقال: هم من جعاسيس الناس، ولا يقال بالشين في هذا.
فهذا يدل من قول الأصمعي على أن الشين من جعشوش بدل من السين في جعسوس، ألا ترى أن الشين أعم تصرفا من الشين، لوجودك إياها في الواحد والجمع جميعا.
وقال الراجز٥:
إذ ذاك إذ حبل الوصال مدمش٦
أي مدمج، فالشين بدل من الجيم.
стр. 203
فأما قولهم: تنسمت منه علما وتنشمت، فليس واحد من الحرفين بدلا من صاحبه، لأن لكل واحد منهما وجها قائما.
ما تنسمت فكأنه من النسيم، كقولك: استروحت منه خبرا، فمعناه أنه تلطف في التماس العلم منه شيئا فشيئا، كهبوب النسيم.
وأما قولهم تنشمت فمن قولهم نشمت في الأمر، أي ابتدأته ولم أوغل١ فيه، وكذلك تنشمت منه، أي ابتدأت بطرف من العلم من عنده ولم أتمكن فيه.
ومن العرب من يبدل كاف المؤنث في الوقف شينا٢، حرصا على البيان لأن الكسرة الدالة على التأنيث فيها تخفي في الوقف، فاحتاطوا للبيان بن أبدلوها شينا، فقالوا: عليش ومنش، ومررت بش.
ومنهم من يجري الوصل مجرى الوقف، فيبدل فيه أيضا.
وأنشدوا للمجنون٣:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... سوى أن عظم الساق منش دقيق٤
стр. 204
وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن، عن أبي عباس أحمد بن يحيى لبعضهم.
علي فيما أبتغي أبغيش
بيضاء ترضيني ولا ترضيش
وتطبي ود بني أبيش
إذا دنوت جعلت تنئيش
وإن نأيت جعلت تدنيش
وإن تكلمت حثت في فيش
حتى تنقي كنقيق الديش١
فشبه كاف الديك لكسرتها بكاف ضمير المؤنث.
ومن كلامهم: "إذا أعياش جاراتش، فأقبلي على ذي بيتش".
وربما زادوا على الكاف في الوقف شينا، حرصا على البيان أيضا، فقالوا: مررت بكش، وأعطيتكش، فإذا وصلوا حذفوا الجميع.
стр. 205
باب الصاد:
الصاد حرف مهموس، يكون أصلا وبدلا، لا زائدا.
فيكون فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: صبح وصبر، والعين نحو: قصر وبصر، واللام نحو: حفص١ وفحص.
والصاد أحد الحروف المستعلية التي تمنع الإمالة٢.
والحروف التي تمنع الإمالة سبعة، وهي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والخاء، والغين، والقاف.
فمن قال في عابد: عابد، لم يقل في صالح صالح، ولا في ضامن ضامن.
وكذلك البقية.
فما قول طفيل الغنوي٣:
تنيف إذا اقورت من القود وانطوت ... بهاد رفيع يقهر الخيل صلهب٤
فيجوز أن يكون الصاد فيه لغة، ويجوز أن تكون بدلا من سين سلهب، لأنه أكثر تصرفا من صلهب.
стр. 206
وأما ما قرأته على أبي على من قول الشاعر١:
وحال دوني من الأبناء زمزمة ... كانوا الأنوف وكانوا الأكرمين أبا٢
ويروى: صمصمة، وهما الجماعة، فليس أحد الحرفين بدلا من صاحبه، لأن الأصمعي قد أثبتهما معا، ولم يجعل لأحدهما مزية على صاحبه، وإذا ورد في بعض حروف الكلمة لفظان مستعملان، فالوجه وصحيح القضاء أن نحكم بأنهما كليهما أصلان منفردان، ليس واحد منهما أولى بالأصلية من صاحبه، فلا تزال على هذا معتقدا له حتى تقوم الدلالة على إبدال أحد الحرفين من صاحبه.
وهذا عيار في جميع ما يرد عليك من هذا، فاعرفه وقسه تصب إن شاء الله.
ألا تراهم قالوا: أنى له أن يفعل كذا، وآن له أن يفعله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه﴾ ٣ فهذا من أنى.
وقال الشاعر٤:
ألما يئن لي أن تجلى عمايتي ... وأقصر عن ليلى؟ بلى قد أنى ليا٥
стр. 207
فجمع بين اللغتين، وذهب الأصمعي إلى أن آن مقلوب عن أني، وأن أني هو الأصل، واستدل على ذلك بوجوده مصدر أني في الكلام، لقوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاه﴾ ١ أي بلوغه وإدراكه، ولم يجد لآن مصدرا، فلما وجد لأني أصلا وهو المصدر، وجده بذلك أعم تصرفا، ولم يجد لآن مصدرا، فقل بذلك تصرفه، قضى لأني بأنه أصل لآن، وأما أبو زيد فقال: هما أصلان، وأثبت لآن مصدرا، وقال: يقال: أن الشيء أينا، فكل واحد منهما اتبع ما سمع، وقضى لنفسه بما صح عنده.
وتبع ابن السكيت أبا زيد فقال: آن أينا. وأخبرنا أبو علي عن أحمد بن يحيى٢ عن ابن الأعرابي قال: يقال: إني وإنى، وحسي وحسى، ومعي ومعى. قال: وحكى أبو الحسن: إنو في إني. قال أبو علي: وهذا كقولهم جبيت الخراج جباوة، أبدلت الواو من الياء، ومثله الحيوان في قول الخليل٣، لأن أصله عنده الحييان، وكأنهم إنما استجازوا قلب الياء واوا لغير علة، وإن كانت الواو أثقل من الياء، ليكون ذلك عوضا للواو من كثرة دخول الياء وغلبتها عليها، وليختلف الحرفان فيخفا.
وإذا كان بعد السين غين أو خاء أو قاف أو طاء، جاز قلبها صادا، وذلك قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُون﴾ ويصاقون، و ﴿مَسَّ سَقَر﴾ وصقر، ﴿وَسَخَّر﴾ وصخر، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه﴾ وأصبغ، "وسراط" وصراط.
وقالوا في سقت صقت، وفي سويق صويق.
стр. 208
باب الضاد:
الضاد حرف مجهور، وهو أحد الحروف المستعلية، وقد تقدم آنفا ذكرها١، ويكون أصلا لا بدلا ولا زائدا. فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: ضعف وضبر٢، والعين نحو: حضن وحضر، واللام نحو: خفض وربض٣.
فأما قولهم: نضنض لسانه ونصنصه إذا حركه، فأصلان، وليست الصاد أخت الضاد، فتبدل منها.
وأخبرني أبو علي يرفعه إلى الأصمعي، قال: حدثنا عيسى بن عمر، قال سألت ذا الرمة عن النضناض، فأخرج لسانه فحركه، وأنشد:
تبيت الحية النضناض منه ... مكان الحب يستمع السرارا٤
وقرأت عليه بإسناده قال: قال اللحياني: سمعت أبا زيد يقول: تضوك٥ في خرئه. قال: وسمعت الأصمعي يقول: تصوك. وهذان أيضا أصلان، حتى تقوم الدلالة على قلب أحدهما على صاحبه، وقد تقدم ذكر قانون٦ هذا، وكيف ينبغي أن يكون العمل فيه.
стр. 209
وأما قول الشاعر:
إن شكلي وإن شكلك شتى ... فالزمي الخص واخفضي تبيضضي١
فإنه أراد: تبيض، فزاد ضادا ضرورة، لإقامة الوزن.
واعلم أن الضاد واحدة من خمسة أحرف يدغم فيهن ما قاربهن، ولا يدغمن هن فيما قاربهن، وهي الراء والشين والضاد والفاء والميم. ويجمعها في اللفظ: ضم شفر، ومنهم من يخرج الضاد من هذه الخمسة، ويقول: قد أدغموا الضاد في الطاء في بعض اللغات، فقالوا في اضطجع: اطجع، وهذه لغة شاذة، ويجمع الأربعة الأحرف الباقية، فيقول هي: مشفر، والقول الأول هو الذي عليه العمل.
واعلم أن الضاد للعرب خاصة٢، ولا يوجد من كلام العجم إلا في القليل.
فأما قول المتنبي٣:
وهم فخر كل من نطق الضاد ... وعوذ الجاني وغوث الطريد٤
стр. 210
فذهب فيه إلى أنها للعرب خاصة، ولا يعترض مثله١ على أصحابنا٢، وقد ذكرت هذا في كتابي في تفسير شعره.
وأما قول الشاعر٣:
إلى الله أشكو من خليل أوده ... ثلاث خصال كلها لي غائض٤
فقالوا: أراد غائظ، فأبدل الظاء ضادا.
ويجوز عندي أن يكون غائض غير بدل، ولكنه من غاضه، أي نقصه، فيكون معناه أنه ينقصني ويتهضمني.
стр. 211
باب الطاء:
اعلم أن الطاء حرف مجهور مستعل، يكون أصلا وبدلا، ولا يكون زائدا.
فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: طبل وطحن، والعين نحو: فطر وخطب، واللام نحو: قرط وقرط١.
وأما البدل فإن تاء "افتعل" إذا كانت فاؤه صادا أو ضادا أو طاء أو ظاء، يقلب طاء البتة، لابد من ذلك، كما لا بد من إعلال نحو: قال وباع البتة، وذلك قولك من الصبر اصطبر، ومن الضرب اضطرب، ومن الطرد اطرد، ومن الظهر اظطهر بحاجتي.
وأما اطرد فليس الإبدال فيه من قبل الإدماغ، وإنما هو لأن قبلها حرفا مطبقا، ألا ترى إلى اصطبر واضطرب واضطهر مبدلا ولا إدغام فيه.
وأصل هذا كله اصتبر واضترب واطترد واظتهر، ولكنهم لما رأوا التاء بعد هذه الأحرف، والتاء مهموسة، وهذه الأحرف مطبقة٢، والتاء مخفتة، قربوها من لفظ الصاد والضاد والطاء، بأن قلبوها إلى أقرب الحروف منهن، وهو الطاء، لأن الطاء أخت التاء في المخرج، وأخت هؤلاء الأحرف في الإطباق والاستعلاء، وقلبوها مع الطاء طاء أيضا، لتوافقها في الجهر والاستعلاء، وليكون الصوت متفقا، ومنهم من يقلب التاء إلى لفظ ما قبلها، فيقول اصضبر ومصبر، واضرب ومضرب، واظهر ومظهر، وقرأ بعضهم "أن يصلحا"، يريد يصطلحا.
ومنهم من إذا كانت الفاء ظاء أبدل التاء طاء، ثم أبدل الظاء طاء، وأدغم الطاء في الطاء، فيقول اطهر بحاجتي، وظلمته فاطلم، وذلك لما بين الظاء والطاء من المقاربة في الإطباق والاستعلاء، ومن أجاز هذ القول فقال اطلم لم يجزه مع الصاد ولا مع الضاد، لا تقول في اصطبر: اطبر، ولا في اضطرب: اطرب. وذلك لأن
стр. 212
في الصاد طولا وصفيرا، فلا تدغم هي ولا أختاها السين والزاي في الطاء، ولا في أختيها الدال والتاء، ولا في الظاء ولا أختيها الذال والثاء، وهذا مشروح في فصل الإدغام.
وأما الضاد فلأن فيها طولا وتفشيا، فلو أدغمت في الطاء لذهب ما فيها من التفشي، فلم يجز ذلك، كما لم يجز إدغام حروف الصفير١ في الطاء ولا في أختيها، ولا في الظاء ولا في أختيها، لئلا يسلبهن الإدغام ما فيهن من الصفير.
على أن سيبويه قد حكى عن بعضهم عن طريق الشذوذ: اطجع في اضطجع، وهذا شاذ لا يؤخذ به، وينشد بيت زهير٢ على أربع أوجه.
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظطلم٣
ويروى: فيطلم، ويروى: فيظلم، وقد تقدم تفسير هذه الثلاثة، والرابع: فينظلم، وهذه ينفعل، وليست من الضرب الأول، ولا يلحق مثلها تغيير.
فأما ما قرأته على أبي علي عن أبي بكر، عن أبي العباس، عن أبي عثمان، من قوله٤:
وفي كل حي قد خبط بنعمة ... فحق لشأش من نداك ذنوب٥
стр. 213
فإنه أراد خبطت، ولو قال خبطت لكان أقيس اللغتين، وذلك أن هذه التاء ليست متصلة بما قبلها اتصال تاء افتعل بمثالها الذي هي فيه، ولكنه شبه تاء خبطت بتاء افتعل من حيث أذكره لك، فقلبها طاء، لوقوع الطاء قبلها، كقولك اطلع واطرد، وعلى هذا قالوا: فحصط برجلي، كما قالوا اصطبر.
ووجه شبه تاء فعلت بتاء افتعل أنها ضمير الفاعل، وضمير الفاعل قد أجري في كثير من أحكامه من الفعل مجرى بعض أجزاء الكلمة من الكلمة، وذلك لشدة اتصال الفعل بالفاعل، واستدل أبو علي على شدة اتصال الفعل بالفاعل بأربعة أدلة، واستدللت أنا أيضا بخمسة أدلة أخر غير ما استدل به هو، وأنا أورد ما قال في ذلك، وأتليه ما رأيته، والله الموفق.
فما استدل به على شدة اتصال الفعل بالفاعل تسكينهم لام الفعل إذا اتصلت به علامة ضمير الفاعل، وذلك نحو ضربت ودخلت وخرجت، وإنما فعلوا ذلك لأنهم كرهوا أن يقولوا: ضربت ودخلت وخرجت، لتوالي أربعة متحركات، فلولا أنهم قد نزلوا التاء من ضربت منزلة راء جعفر منه، لما امتنعوا من أن يقولوا ضربت، ولكنه لما لم يوجد في كلامهم كلمة اجتمعت فيها أربعة متحركات، ونزلت التاء من فعلت منزلة جزء من الفعل، أسكنوا اللام، كراهية اجتماع المتحركات، ألا ترى أنهم لا يكرهون هذا التوالي إذا اتصل الفعل بضمير المفعول، وذلك نحو: ضربك وضربه، وذلك أنه ليس لضمير المفعول من الاتصال بالفعل ما لضمير الفاعل، لأن الفعل لا بد له من فاعل التبة، وقد يستغنى عن المفعول في كثير من أحكامه.
стр. 214
ودليل له آخر، وهو امتناعهم من العطف على ضمير الفاعل نحو: قمت وزيد، وقعدت وبكر، فاستقباحهم لذلك حتى يؤكدوه فيقووه ويلحقوه بالأسماء في نحو: قمت أنا وزيد، وقعدت أنا وجعفر -دلالة على أنههم قد نزلوا التاء منزلة بعض الفعل، فكما لا يحسن أن تعطف الاسم على بعض الفعل، كذلك لم يستحسنوا عطفه على التاء من قمت، لضعف التاء، وامتزاجها بالفعل، وكونها كجزء منه.
ودليل له ثالث، وهو امتناعهم من جواز تقدم الفاعل على الفعل، وإن كانوا يجيزون تقدم خبر المتبدأ عليه، فكما لا يقدمون الدال على الزاي من زيد، كذلك امتنعوا من تقديم الفاعل على الفعل.
ودليل له رابع، وهو من أغربها وألطفها، وهو قولهم في التثنية: يقومان، فالنون علامة الرفع بمنزلة ضمة الميم من يقوم في الواحد، وعلامة الرفع ينبغي أن تلحق المرفوع مع انقضاء أجزائه بلا فرق ولا تراخ، فمجيء النون في يقومان بعد الألف التي هي ضمير الفاعلين، يدل من مذهبهم على أنهم قد أحلوا ضمير الفاعل محل حرف الإعراب من الفعل، لأنهم أولوا ضميره علامة الرفع، وهي النون في يقومان ويقعدان، كما أولوا حرف الإعراب في الواحد، وهو الميم من يقوم، علم الرفع، وهو الضمة في يقوم ويقعد وباشروه به، ففي هذا أقوى دليل على شدة امتزاج الفعل بالفاعل، وكونه معه كبعض أجزائه منه.
وكذلك يقومون وتقومين.
وأما الخمسة الأدلة التي رأيتها أنا في شدة اتصال الفعل بالفاعل، فأولها أني رأيتهم قد أجروا الفعل والفاعل في قولهم حبذا مجرى الجزء الواحد من ثلاث جهات: إحداها أن الفعل الذي هو "حب" والفاعل الذي هو"ذا" قد قرن أحدهما بصاحبه، ومع ذلك فلم يستقلا، ولم يفيدا شيئا حتى تربط بهما اسما بعدهما، فتقول حبذا زيد وحبذا محمد، فلولا أنهما قد تنزلا منزلة الجزء الواحد، لاستقلا بأنفسهما، كما يجب في الفعل والفاعل، نحو قام زيد وقعد محمد، فكما أنك لو قلت: زيد، وسكت، أو قلت قعد، وسكت، ولم تذكر بعد ذلك اسما، لم يتم الكلام، ولم يستقل. فكذلك أيضا جرى حبذا، وإن كان فعلا وفاعلا في حاجته إلى ما بعده حاجة الجزء المفرد إلى ما بعده، مجرى الجزء الواحد.
стр. 215
والجهة الأخرى إجازة النحويين أن يقولوا في قولهم: حبذا زيد، أن حبذا في موضع مرفوع بالابتداء، وزيد في موضع خبر حبذا، فلولا أنه قد تنزل عندهم أن حب وذا جميعا قد جريا مجرى زيد وحده، لما وسموه بأنه في موضع رفع بالابتداء، وأن ما بعده خبر عنه.
والجهة الثالثة أن حبذا قد أجري على الواحد والاثنين والثلاثة، والمذكر والمؤنث مجرى واحدا، في قولك: حبذا زيد، وحبذا هند، وحبذا الزيدان، وحبذا الهندان، وحبذا الزيدون، وحبذا الهندات، فلولا أن حب قد خلط بذا، حتى صارا معا كالجزء الواحد، وخرجا عما عليه الفعل والفاعل في فرش هذه اللغة، لقالوا: حبذه هند، وحبذان الزيادان، وحبتان الهندان، وحب هؤلاء الزيدون والهندات. فامتناعهم من هذه الفصول والفروق المطردة مع غير حبذا دلالة على امتزاجهما عندهم، وجريهما مجرى الكلمة الواحدة مما حدث لهما من الانضمام وقوة التركيب، فاعرف ذلك.
ويقوي ذلك أيضا قول العرب: لا تحبذه بما لا ينفعه، أي لا تقل له حبذا، فاشتقاقهم الفعل منهما أقوى دلالة على شدة امتزاجها. فهذا أحد الأدلة.
ودليل ثان، وهو أنهم قد قالوا: قامت هند، وقعدت جمل، فألحقوا التاء الفعل، وهي في الحقيقة علامة تأنيث الفاعل، فلولا أن الفعل والفاعل جميعا كالجزء الواحد، لما جاز أن يريدوا بالتأنيث شيئا ويجعلوه في غيره، حتى يكونا معا كالشيء الواحد.
ويدل على أن المقصود بالتأنيث إنما هو هند في الحقيقة لا الفعل الذي باشرته، وصيغت معه التاء، أن الفعل لا يصح فيه معنى التأنيث، وذلك أنه دال على الجنس، والجنس إلى الإشاعة والعموم أبدا، فهو أيضا إلى التذكير، ألا ترى أن أعم الأشياء وأشيعها "شيء"، وشيء مذكر كما ترى، فهذا يؤكد عندك أن الشيء كلما شاع وعم، فالتذكير أولى به من التأنيث، ولذلك قال سيبويه لو سميت امرأة بنعم وبئس لم تصرفهما، لأن الأفعال كلها مذكرة.
فقد صح بما أوردته أن التاء في قامت هند إنما المقصود بتأنيثها هو الفاعل الذي يصح تأنيثه، لا الفعل الذي يصح تأنيثه.