← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

باب الطاء: اعلم أن الطاء حرف مجهور مستعل، يكون أصلا وبدلا، ولا يكون زائدا. فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: طبل وطحن، والعين نحو: فطر وخطب، واللام نحو: قرط وقرط١. وأما البدل فإن تاء "افتعل" إذا كانت فاؤه صادا أو ضادا أو طاء أو ظاء، يقلب طاء البتة، لابد من ذلك، كما لا بد من إعلال نحو: قال وباع البتة، وذلك قولك من الصبر اصطبر، ومن الضرب اضطرب، ومن الطرد اطرد، ومن الظهر اظطهر بحاجتي. وأما اطرد فليس الإبدال فيه من قبل الإدماغ، وإنما هو لأن قبلها حرفا مطبقا، ألا ترى إلى اصطبر واضطرب واضطهر مبدلا ولا إدغام فيه. وأصل هذا كله اصتبر واضترب واطترد واظتهر، ولكنهم لما رأوا التاء بعد هذه الأحرف، والتاء مهموسة، وهذه الأحرف مطبقة٢، والتاء مخفتة، قربوها من لفظ الصاد والضاد والطاء، بأن قلبوها إلى أقرب الحروف منهن، وهو الطاء، لأن الطاء أخت التاء في المخرج، وأخت هؤلاء الأحرف في الإطباق والاستعلاء، وقلبوها مع الطاء طاء أيضا، لتوافقها في الجهر والاستعلاء، وليكون الصوت متفقا، ومنهم من يقلب التاء إلى لفظ ما قبلها، فيقول اصضبر ومصبر، واضرب ومضرب، واظهر ومظهر، وقرأ بعضهم "أن يصلحا"، يريد يصطلحا. ومنهم من إذا كانت الفاء ظاء أبدل التاء طاء، ثم أبدل الظاء طاء، وأدغم الطاء في الطاء، فيقول اطهر بحاجتي، وظلمته فاطلم، وذلك لما بين الظاء والطاء من المقاربة في الإطباق والاستعلاء، ومن أجاز هذ القول فقال اطلم لم يجزه مع الصاد ولا مع الضاد، لا تقول في اصطبر: اطبر، ولا في اضطرب: اطرب. وذلك لأن

стр. 212

في الصاد طولا وصفيرا، فلا تدغم هي ولا أختاها السين والزاي في الطاء، ولا في أختيها الدال والتاء، ولا في الظاء ولا أختيها الذال والثاء، وهذا مشروح في فصل الإدغام. وأما الضاد فلأن فيها طولا وتفشيا، فلو أدغمت في الطاء لذهب ما فيها من التفشي، فلم يجز ذلك، كما لم يجز إدغام حروف الصفير١ في الطاء ولا في أختيها، ولا في الظاء ولا في أختيها، لئلا يسلبهن الإدغام ما فيهن من الصفير. على أن سيبويه قد حكى عن بعضهم عن طريق الشذوذ: اطجع في اضطجع، وهذا شاذ لا يؤخذ به، وينشد بيت زهير٢ على أربع أوجه. هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظطلم٣ ويروى: فيطلم، ويروى: فيظلم، وقد تقدم تفسير هذه الثلاثة، والرابع: فينظلم، وهذه ينفعل، وليست من الضرب الأول، ولا يلحق مثلها تغيير. فأما ما قرأته على أبي علي عن أبي بكر، عن أبي العباس، عن أبي عثمان، من قوله٤: وفي كل حي قد خبط بنعمة ... فحق لشأش من نداك ذنوب٥

стр. 213

فإنه أراد خبطت، ولو قال خبطت لكان أقيس اللغتين، وذلك أن هذه التاء ليست متصلة بما قبلها اتصال تاء افتعل بمثالها الذي هي فيه، ولكنه شبه تاء خبطت بتاء افتعل من حيث أذكره لك، فقلبها طاء، لوقوع الطاء قبلها، كقولك اطلع واطرد، وعلى هذا قالوا: فحصط برجلي، كما قالوا اصطبر. ووجه شبه تاء فعلت بتاء افتعل أنها ضمير الفاعل، وضمير الفاعل قد أجري في كثير من أحكامه من الفعل مجرى بعض أجزاء الكلمة من الكلمة، وذلك لشدة اتصال الفعل بالفاعل، واستدل أبو علي على شدة اتصال الفعل بالفاعل بأربعة أدلة، واستدللت أنا أيضا بخمسة أدلة أخر غير ما استدل به هو، وأنا أورد ما قال في ذلك، وأتليه ما رأيته، والله الموفق. فما استدل به على شدة اتصال الفعل بالفاعل تسكينهم لام الفعل إذا اتصلت به علامة ضمير الفاعل، وذلك نحو ضربت ودخلت وخرجت، وإنما فعلوا ذلك لأنهم كرهوا أن يقولوا: ضربت ودخلت وخرجت، لتوالي أربعة متحركات، فلولا أنهم قد نزلوا التاء من ضربت منزلة راء جعفر منه، لما امتنعوا من أن يقولوا ضربت، ولكنه لما لم يوجد في كلامهم كلمة اجتمعت فيها أربعة متحركات، ونزلت التاء من فعلت منزلة جزء من الفعل، أسكنوا اللام، كراهية اجتماع المتحركات، ألا ترى أنهم لا يكرهون هذا التوالي إذا اتصل الفعل بضمير المفعول، وذلك نحو: ضربك وضربه، وذلك أنه ليس لضمير المفعول من الاتصال بالفعل ما لضمير الفاعل، لأن الفعل لا بد له من فاعل التبة، وقد يستغنى عن المفعول في كثير من أحكامه.

стр. 214

ودليل له آخر، وهو امتناعهم من العطف على ضمير الفاعل نحو: قمت وزيد، وقعدت وبكر، فاستقباحهم لذلك حتى يؤكدوه فيقووه ويلحقوه بالأسماء في نحو: قمت أنا وزيد، وقعدت أنا وجعفر -دلالة على أنههم قد نزلوا التاء منزلة بعض الفعل، فكما لا يحسن أن تعطف الاسم على بعض الفعل، كذلك لم يستحسنوا عطفه على التاء من قمت، لضعف التاء، وامتزاجها بالفعل، وكونها كجزء منه. ودليل له ثالث، وهو امتناعهم من جواز تقدم الفاعل على الفعل، وإن كانوا يجيزون تقدم خبر المتبدأ عليه، فكما لا يقدمون الدال على الزاي من زيد، كذلك امتنعوا من تقديم الفاعل على الفعل. ودليل له رابع، وهو من أغربها وألطفها، وهو قولهم في التثنية: يقومان، فالنون علامة الرفع بمنزلة ضمة الميم من يقوم في الواحد، وعلامة الرفع ينبغي أن تلحق المرفوع مع انقضاء أجزائه بلا فرق ولا تراخ، فمجيء النون في يقومان بعد الألف التي هي ضمير الفاعلين، يدل من مذهبهم على أنهم قد أحلوا ضمير الفاعل محل حرف الإعراب من الفعل، لأنهم أولوا ضميره علامة الرفع، وهي النون في يقومان ويقعدان، كما أولوا حرف الإعراب في الواحد، وهو الميم من يقوم، علم الرفع، وهو الضمة في يقوم ويقعد وباشروه به، ففي هذا أقوى دليل على شدة امتزاج الفعل بالفاعل، وكونه معه كبعض أجزائه منه. وكذلك يقومون وتقومين. وأما الخمسة الأدلة التي رأيتها أنا في شدة اتصال الفعل بالفاعل، فأولها أني رأيتهم قد أجروا الفعل والفاعل في قولهم حبذا مجرى الجزء الواحد من ثلاث جهات: إحداها أن الفعل الذي هو "حب" والفاعل الذي هو"ذا" قد قرن أحدهما بصاحبه، ومع ذلك فلم يستقلا، ولم يفيدا شيئا حتى تربط بهما اسما بعدهما، فتقول حبذا زيد وحبذا محمد، فلولا أنهما قد تنزلا منزلة الجزء الواحد، لاستقلا بأنفسهما، كما يجب في الفعل والفاعل، نحو قام زيد وقعد محمد، فكما أنك لو قلت: زيد، وسكت، أو قلت قعد، وسكت، ولم تذكر بعد ذلك اسما، لم يتم الكلام، ولم يستقل. فكذلك أيضا جرى حبذا، وإن كان فعلا وفاعلا في حاجته إلى ما بعده حاجة الجزء المفرد إلى ما بعده، مجرى الجزء الواحد.

стр. 215

والجهة الأخرى إجازة النحويين أن يقولوا في قولهم: حبذا زيد، أن حبذا في موضع مرفوع بالابتداء، وزيد في موضع خبر حبذا، فلولا أنه قد تنزل عندهم أن حب وذا جميعا قد جريا مجرى زيد وحده، لما وسموه بأنه في موضع رفع بالابتداء، وأن ما بعده خبر عنه. والجهة الثالثة أن حبذا قد أجري على الواحد والاثنين والثلاثة، والمذكر والمؤنث مجرى واحدا، في قولك: حبذا زيد، وحبذا هند، وحبذا الزيدان، وحبذا الهندان، وحبذا الزيدون، وحبذا الهندات، فلولا أن حب قد خلط بذا، حتى صارا معا كالجزء الواحد، وخرجا عما عليه الفعل والفاعل في فرش هذه اللغة، لقالوا: حبذه هند، وحبذان الزيادان، وحبتان الهندان، وحب هؤلاء الزيدون والهندات. فامتناعهم من هذه الفصول والفروق المطردة مع غير حبذا دلالة على امتزاجهما عندهم، وجريهما مجرى الكلمة الواحدة مما حدث لهما من الانضمام وقوة التركيب، فاعرف ذلك. ويقوي ذلك أيضا قول العرب: لا تحبذه بما لا ينفعه، أي لا تقل له حبذا، فاشتقاقهم الفعل منهما أقوى دلالة على شدة امتزاجها. فهذا أحد الأدلة. ودليل ثان، وهو أنهم قد قالوا: قامت هند، وقعدت جمل، فألحقوا التاء الفعل، وهي في الحقيقة علامة تأنيث الفاعل، فلولا أن الفعل والفاعل جميعا كالجزء الواحد، لما جاز أن يريدوا بالتأنيث شيئا ويجعلوه في غيره، حتى يكونا معا كالشيء الواحد. ويدل على أن المقصود بالتأنيث إنما هو هند في الحقيقة لا الفعل الذي باشرته، وصيغت معه التاء، أن الفعل لا يصح فيه معنى التأنيث، وذلك أنه دال على الجنس، والجنس إلى الإشاعة والعموم أبدا، فهو أيضا إلى التذكير، ألا ترى أن أعم الأشياء وأشيعها "شيء"، وشيء مذكر كما ترى، فهذا يؤكد عندك أن الشيء كلما شاع وعم، فالتذكير أولى به من التأنيث، ولذلك قال سيبويه لو سميت امرأة بنعم وبئس لم تصرفهما، لأن الأفعال كلها مذكرة. فقد صح بما أوردته أن التاء في قامت هند إنما المقصود بتأنيثها هو الفاعل الذي يصح تأنيثه، لا الفعل الذي يصح تأنيثه.

стр. 216

وأيضا فلو كان المراد تأنيث الفعل دون فاعله لجاز قامت زيد ونحو ذلك. ودليل ثالث، وهو أن أبا زيد١ أنشد٢: إذا ما كنت ملتمسا لغوث ... فلا تصرخ بكنتي كبير٣ وأنشد أحمد بن يحيى٤: فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا ... وشر خصال المرء كنت وعاجن٥ فقوله "كنتيا" معناه أنه يقول: كنت في شبابي أفعل كذ ا، وكنت في حداثتي أصنع كذا، وكنت: فعل، وفاعله التاء، ومن الأصول المستمرة أنك لو سميت رجلا بجملة مركبة من فعل وفاعل، ثم أضفت إليه، أي نسبت، لأوقعت الإضافة على الصدر، وحذفت الفاعل، وعلى ذلك قالوا في النسب إلى تأبط شرا: تأبطي، وفي قمت: قومي، حذفوا التاء، وحركت الميم بالكسرة التي تجتلبها ياء الإضافة، فلما تحركت رجعت الواو التي كانت سقطت لسكونها وسكون الميم، وتلك الواو عين الفعل من قام، فقلت: قومي، وكذا كان القياس أن تقول في كنت: كوني، تحذف التاء، لأنها الفاعل، وتحرك النون، فترد الواو التي هي عين الفعل من كنت، فقولهم: كنتي، وإقرارهم التاء التي هي ضمير الفاعل مع ياء الإضافة، يدل على أنهم قد

стр. 217

أجروا الضمير الفاعل مع الفعل مجرى دال زيد من زايه ويائه، وكأنهم نبهوا بهذا ونحوه مما يجري مجراه على اعتقادهم قوة اتصال الفعل بالفاعل، وأنهما قد حلا جميعا محل الجزء الواحد. ودليل رابع: وهو أن أبا عثمان ذهب في قوله عز اسمه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّم﴾ ١ إلى أنه أراد: ألق ألق. قال. فثنى ضمير الفاعل، فناب ذلك عن تكرير الفعل فهذا أيضا يشهد بشدة اشتراكهما، ألا ترى أنه لما ثنى أحدهما وهو ضمير الفاعل، ناب عن تكرير الفعل، وإنما ناب عنه لقوة امتزاجهما، فكأن أحدهما إذا حضر فقد حضرا جميعا. ودليل خامس: وهو قولهم: زيد ظننت قائم، فيمن ألغى، فلولا أن الفعل مع الفاعل كالجزء الواحد، لما جاز إلغاء الفاعل في ظننت. فهذا كله يشهد بقوة اختلاط الفعل بالفاعل، وإذا كان ذلك كذلك، فمن هنا جاز تشبيه تاء "فعلت" بتاء "افتعل" حتى جاز لبعضهم أن يقول: فحصط برجلي، وخبط بنعمة، قياسا على اصطبر واطلع. فاعرف ذلك، فإنه من سر هذه الصناعة.

стр. 218

باب الظاء: الظاء حرف مجهور، يكون أصلا لا بدلا ولا زائدا. فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: ظلم وظفر، والعين نحو: عظم وحظر، واللام نحو: حفظ ووعظ. واعلم أن الظاء لا توجد في كلام النبط١، وإذا وقعت فيه قلبوها طاء، ولهذا قالوا: البرطلة٢، وإنما هو ابن الظل، وقالوا ناطور، وإنما هو ناظور، فاعول من نظر ينظر. كذا قول أصحابنا، فأما أحمد بن يحيى فإنه قال: ناطور ونواطير، مثل حاصود وحواصيد، والنواطر مثل الحواصد، وقد نطر ينطر، فصحح أمر الطاء كما ترى، وأنشد: تغذينا إذا هبت علينا ... وتملأ وجه ناطركم غبارا ٣ ومن هذا قولهم مستنظر، وإنما هو مستنظر مستفعل من نظرت أنظر بالظاء معجمة.

стр. 219

وقد ذكرت هذا الحرف من هذا الوجه١ في كتاب في تفسير شعر المتنبي، عند قوله: نامت نواطير مصر عن ثعالبها ... فقد بشمن وما تفنى العناقيد٢ وأنشد ابن الأعرابي: وشف فؤادي أن للعذب ناظرا ... حمَاه وأني لا أعيج بمالح٣ فجاء بالظاء معجمة كما ترى.

стр. 220

وقرأت على أبي علي، عن أبي بكر١، عن بعض أصحاب يعقوب، عنه، قال: يقال: تركته وقيذا٢ ووقيظا. والوجه عندي٣ والقياس أن تكون الظاء بدلا من الذال لقوله عز اسمه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ بالذال. ولقولهم: وقذه يقذه، ولم أسمع وقظه، ولا موقوظه، فالذال إذن أعم تصرفا، فلذلك قضينا بأنها هي الأصل.

стр. 221

باب العين: العين حرف مجهور، يكون أصلا وبدلا. فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: عرق١ وعرق، والعين نحو: شعر وشعر، واللام نحو: صنع وصنع. وأما البدل فقد أبدلت من الهمزة، أنشدوا لذي الرمة: أعن توسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم٢ يريد: أن. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن قراءة عليه، عن أبي العباس أحمد بن يحيى، أحسبه أنا عن الأصمعي، قال: ارتفعت قريش في الفصاحة٣ عن عنعنة٤ تميم، وتلتلة٥ بهراء، وكشكشة٦ ربيعة، وكسكسة٧ هوازن، وتضجع ٨ قيس، وعجرفية ضبة.

стр. 222

فأما عنعنة تميم، فإن تميما في موضع "أن": "عن"، وتقول: ظننت عن عبد الله قائم. قال: وسمعت١ ابن هرمة ينشد هارون: أعن تغنت على ساق مطوقة ... ورقاء تدعو هديلا فوق أعواد٢ وأما تلتلة بهراء، فإنها تقول: تعلمون وتفعلون وتصنعون بكسر أوائل الحروف. انقضت الحكاية. ومعنى قوله "كشكشة ربيعة"، فإنما يريد قولها مع كاف ضمير المؤنث إنكش ورأيتكش، وأعطيتكش. تفعل هذا في الوقف، فإذا وصلت أسقطت الشين. وأما "كسكسة هوازن" فقولهم أيضا: أعطيتكس، ومنكس، وعنكس. وهذا أيضا في الوقف دون الوصل، وقد مضى ذكر هاتين اللغتين في حرف السين والشين.

стр. 223

وأنشدني أبو علي: من لي من هجران ليلى من لي والحبل من حبالها المنحل تعرضت لي بمكان حل تعرض المهرة١ في الطول تعرضا لم تأل٢ عن قتلا لي٣ هكذا أنشدنيه: "عن قتلا"، وحمله تأولين: أحدهما أنه قال: يجوز أن يكون أراد الحكاية، كأنه حكى النصب الذي كان معتادا من قولها في بابه، أي كانت تقول: قتلا قتلا، أي أنا أقتله قتلا، ثم حكى ما كانت تلفظ به، كما تقول: بدأت بالحمد الله، وقرأت على خاتمة: الله ربنا. وكقول الآخر٤: وجدنا في كتاب بني تميم ... أحق الخيل بالركض المعار٥ أي وجدنا هذا مكتوبا عندهم، والمعار ها هنا: السمين، هكذا قال أبو حاتم. وليس المعار هنا من باب العارية٦ كما يظن قوم.

стр. 224

ونحو من هذه الحكاية ما أجازه أبو علي في قول الشاعر: تنادوا بالرحيل غدا ... وفي ترحالهم نفسي١ أجاز في الرحيل ثلاثة أوجه: الجر بالباء، والرفع، والنصب على الحكاية. فكأنهم قالوا: الرحيل غدا، أو نرحل الرحيل غدا، أو نجعل الرحيل، أو أجمعوا الرحيل غدا، فحكي المرفوع والمنصوب. وأنشد أبو العباس لذي الرمة: سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا٢ أي سمعت من يقول: الناس ينتجعون غيثا، وحكى سيبويه أن بعضهم قيل له ألست قرشيا؟ فقال: لست بقرشيا. والحكاية كثيرة يطول الكتاب بذكرها وشرح أحكامها، وخلاف العرب والعلماء فيها.

стр. 225

والوجه الآخر الذي أجازه أبو علي١ في قوله "عن قتلا لي": أنه قال: يجوز أن يكون أراد "أن قتلا لي" أي أن قتلتني قتلا، فأبدل الهمزة عينا. فهذا أيضا من عنعنة تميم. وقولهم "عنعنة" مشتق من قولهم "عن، عن، عن" في كثير من المواضع، ومجيء النون في العنعنة يدل على أن إبدالهم إياها إنما هو في همزة "أن" دون غيرها. وقد اشتقت العرب أفعالا ومصادر من الحروف. أخبرني أبو علي أن بعضهم قال: سألتك حاجة فلاليت لي، وسألتك حاجة فلوليت لي، أي قلت لي في الأول: لا، وفي الثاني: لولا. وقد اشتقوهما أيضا من الأصوات، قالوا: بأبأ الصبي أبوه: إذا قال له: بأبي، وبأبأه الصبي إذا قال له: بابا. وقال الفراء: بأبأت بالصبي بئباء: إذا قلت له: بئبا٢. وقالوا: صهصهت بالرجل: إذا قلت له: صه٣ صه. وقد قالوا أيضا: صهصيت، فأبدلوا الياء من الهاء، كما قالوا: دهديت الحجر، وأصله دهدهته٤ والدلالة على أنه من الهاء قولهم دهدوهة الجعل لدحروجته. وقال أبو النجم: كأن صوت جرعها المستجل ... جندلة دهديتها في جندل٥

стр. 226

ومن ذلك قولهم في زجر١ الإبل وغيرها: حاحيت، وعاعيت، وهاهيت: إذا صحت بها: حاء، وعاء، وهاء. ومن هذا قولهم هلل الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، وحولق: إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسمل إذا قال: باسم الله، وسبحل إذا قال: سبحان الله، ولبى إذا قال: لبيك، فالألف في لبى عند بعضهم هي ياء التثنية في لبيك، لأنه اشتق من الاسم المثنى مع حرف التثنية فعلا، ومن هذا قولهم: دعدع إذا قال للغنم: داع داع. قال الكميت: ولو ولي الهوج الثوائج بالذي ... ولينا به ما دعدع المترخل٢ وأخبرني أبو علي قال: قال الأصمعي: إذا قيل لك: هلم٣ فقل لا أهلم، وقال: هلممت بالرجل إذا قلت له: هلم، فاشتقوا منها، وأصلها: هالم.

стр. 227

وأخبرني أيضا قال: قال الأصمعي أو أبو زيد "أشك أنا"١: رجل ويلمة: للداهية، فهذا أيضا من قولهم: ويل ام سعد سعدا٢

стр. 228

ومن قول امرئ القيس: ويلمها في هواء الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب١ وللاشتقاق من الأصوات باب يطول استقصاؤه٢. وقد أبدلو الهمزة عينا في غير "عن". وأخبرني أبو علي قراءة عليه، يرفعه إلى الأصمعي، قال: سمعت أبا ثعلب ينشد بيت طفيل: فنحن منعنا يوم حرس نساءكم ... غداة دعانا عامر غير معتلي٣ قال: يريد: غير مؤتلي.

стр. 229

قال: وسمع أبا الصقر ينشد: أريني جوادا مات هزلا لأنني ... أرى ما ترى، أو بخيلا مخلدا١ قال: يريد: لعلني، وقالوا: رجل إنزهوا٢، أخبرنا بذلك ابن مقسم، عن ثعلب، عن اللحياني، وقالوا أيضا: عنزهو، فجائز أن تكون العين بدلا من الهمزة، وجائز أن تكونا أصلين. وقرأت على أبي علي، عن أبي بكر، عن بعض أصحاب يعقوب، عنه، قال: قال الأصمعي: يقال: آديته٣، وأعديته على كذا وكذا، أي قويته وأعنته. وذكر يعقوب هذه اللفظة في باب الإبدال. وأنشد ليزيد بن خذاق٤:

стр. 230

ولقد أضاء لك الطرق وأنهجت ... سبل المسالك والهدى تعدي١ يقول: إبصارك الهدى يقويك على طريقك. ومعنى تعدى: أي تقوى. وأقول أنا: إن تودي وتعدي ليس أحدهما مقلوبا عن صاحبه، بل كل واحد منهما أصل يقوم برأسه. ما تعدي فمن الأعداء، وأعديته أي أعنته، ولذلك تقول العامة٢ لسلطانها: أعدني على فلان، أي أعني عليه، ومنه العدو والعداوة، لأنها لا تكون إلا مع القوة والشدة، وأما آديته على فلان، أي قويته، فيحتمل عندي تأويلين: أحدهما: أنه أفعلته من الأداة، لأن الأداة يتقوى بها الصانع وغيره على عمله، وتكون لام آديته من هذا واوا، لقولهم في جمع أداة أدوات، فظهور اللام واوا في أدوات، يدل على أن لام آديت واو في الأصل، بمنزلة لام أعطيت وأغزيت، لأنهما من غزوت وعطوت، أي تناولت. أنشد٣ أبو الحسن: تحت بقرنيها برير أراكة ... وتعطو بظلفيها إذا الغصن طالها٤

стр. 231

وقال امرؤ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل١ ومن هذا قيل لما يستصحب فيه الماء في الأسفار٢ إداوة، إنما هي فعالة من الأداة، لأنها تعين بما تتضمنه من الماء على السفر، وتقوى عليه، فهذا أحد وجهي آديته، وهو الأظهر الأعرف. وفيه وجه آخر غامض، وهو أن أبا علي٣ أخبرني أن يعقوب حكى عنهم أنهم يقولون: قطع الله أديه، يريد يده٤، قال: قال أبو علي: فالهمزة في أديه ليست بدلا من الياء، إنما هي لغة في الكلمة، بمنزلة يسروع وأسروع، ويلملم وألملم. ونحو قول طرفة: أرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء أسر٥ ويروى: يسر.

стр. 232

فهذه كلها لغات، وليس بعضها بدلا من بعض، وقولهم: أديه وزنه: فعله، رد اللام، وهي ياء لقولهم يديت إليه يدا، فصارت أدى كما ترى بوزن فعل. وكذلك قرأت هذه اللفظة على أبي علي في كتاب القلب والإبدال، عن يعقوب، ورأيت هذا الكتاب بخط أبي العباس محمد بن يزيد، فالتمست فيه هذه اللفظة في باب الهمزة والياء، فلم أر لها هناك أثرا. وقرأت هذا الفصل من كتاب إصلاح المنطق عن يعقوب على غير أبي علي، فقال: إنما هو: قطع الله أديه. مثنى، في معنى يديه، وكذلك رأيتها في عدة نسخ. وكيف تصرف الأمر فقد ثبت أنهم قد نطقوا بالفاء من هذه اللفظة همزة، مثناة كانت أو مفردة، وإذا كان ذلك كذلك، فقد يجوز أن يكون قولهم آديته على كذا أفعلته من الأدي في قول أبي علي، أو الأدين في قول غيره، أي كنت له يدا عليه، وظهيرا معه، فيكون كقول النبي ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى ب ذمتهم ١ أدناهم، وهم يد ٢ على من سواهم" أي كلمتهم واحدة، فبعضهم يقوي بعضا. إلا أنني أنا أرى في هذه اللفظة خلاف ما رآه أبو علي، لأنه ذهب إلى أن الهمزة في أديه ليست بدلا من الياء، وإنما هي أصل برأسه، ولو كان الأمر على ما ذهب إليه، لتصرف الهمزة في هذه اللفظة تصرف الياء، وليس الأمر كذلك، لأنا نجدهم يقولون: يديت إليه يدا، وأيديت أيضا، ويديت الصيد: إذا أصبت يده، وكسروها فقالوا: يدي وأيد وأياد. وقال الشاعر:

стр. 233

فلن أذكر النعمان إلا بصالح ... فإن له عندي يديا وأنعما١ فجاء بالجمع على فعيل، وهذا اسم للجميع عندنا، وليس مكسرا كأيد وأياد، وإنما هو بمنزلة عبيد وكليب، لجماعة عبد وكلب، ولم نر الهمزة في أدى موجودة في غير هذه اللفظة، وفي أحد وجهي آديته، الذي جوزناه آنفا٢. على أنا نعتقد فيه أنه إنما بنى أفعلته من لفظ الأدى بعد أن قلبت همزته عن يدي، وإلا فالياء هي الأصل، وليس كذلك ما أشبهه به من نحو: يسروع وأسروع، ويلملم وألملم، وأسر ويسر، لاطراد كل واحد من هذه الحروف في مكان صاحبه، وقلة استعمالهم الأدي في معنى اليد، فاعرف ذلك. فهذان الوجهان اللذان احتملهما عندي قولهم آديت زيدا أي قويته، وفيه وجه آخر غامض أيضا، وهو أن يكون أراد أعديته، فأبدل العين همزة، فصارت أأديته، ثم أبدل الهمزة ألفا، لسكونها وانفتاح ما قبلها، واجتماعها مع الهمزة التي قبلها، فصارت آديته. على أن في هذا الوجه عندي بعض الضعف وإن كان أبو علي قد أجازه، لأنا لم نرهم في غير هذا أبدلوا الهمزة من العين، وإنما رأيناهم لعمري أبدلوا العين من الهمزة، فنحن نتبعهم في الإبدال ولا نقيسه إلا أن يضطر أمر إلى الدخول تحت القياس والقول به.

стр. 234

وقد أبدلت العين من الحاء في بعض المواضع: قرأ بعضهم: "عتى حين" يريد: ﴿حَتَّى حِين﴾ [المؤمنون: ٥٤] ، ولولا بحة١ في الحاء لكانت عينا، كما أنه لولا إطباق٢ في الصاد لكانت سينا، ولولا إطباق في الطاء لكانت دالا، ولولا الإطباق في الظاء لكانت ذالا، ولأجل البحة التي في الحاء، ما يكررها الشارق٣ في تنحنحه. وحكي أن رجلا من العرب بايع أن يشرب علبة لبن ولا يتنحنح، فشرب بعضه، فلما كظه٤ الأمر قال: كبش أملح، فقيل له: ما هذا؟ تنحنت. فقال: من تنحنح، فلا أفلح، وكرر الحاء مستروحا إليها، لما فيها من البحة التي يجري معها النفس، وليست كالعين التي تحصر النفس، وذلك لأن الحاء مهموسة ومضارعة بالحلقية والهمس للهاء الخفية، وليست فيها نصاعة العين ولا جهرها. وحكى ابن الأعرابي عن أبي فقعس في صفة الكلأ: خضع مضع٥، ضاف رتع. قال: أراد أن الإبل تخضع٦ فيه وتمضغه. فأبدل الغين عينا.

стр. 235

باب الغين: الغين حرف مجهور مستعل١، يكون أصلا، لا بدلا ولا زائدا. فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: غرم وغرب. والعين نحو: مغر وفغر٢، واللام نحو: مرغ٣ وفرغ. وقالوا: خطر بيده يخطر، وغطر يغطر، فالغين كأنها بدل من الخاء، لكثرة الخاء، وقلة الغين، وقد يجوز أن يكونا أصلين، إلا أن أحدهما أقل استعمالا من صاحبه. فأما قولهم في لعل: لعني ولغني ورغني، فينبغي أن يكون الغين فيه بدلا من العين، لسعة العين في الكلام، وكثرتها في هذا المعنى، وقلة الغين، وأما ارمعل وارمغل فلغتان، قال٤: بكى جزعا من أن يموت وأجهشت ... إليه الجرشي وارمعل خنينها٥ وارمغل أيضا.

стр. 236

وكذلك قولهم: علث الطعام وغلثه١، والنشوع والنشوغ: لغات كلها، لاستوائها في الاطراد والاستعمال. وأما بيت زهير، وهو قوله: حتى إذا ما هوت كف الغلام لها ... طارت وفي كفه من ريشها بتك٢ فيروى: الغلام بالغين معجمة، والعلام، بالعين غير معجمة. فأما الغلام فمعروف، وأما العلام، بالعين غير معجمة، فأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن٣، عن أبي الحسين أحمد بن سليمان المعبدي٤، عن ابن أخت.

стр. 237

أبي الوزير١، عن ابن الأعرابي قال: العلام هنا: الصقر. وهذا من طريف٢ الرواية. وغريب اللغة. وقد قال في قول الراجز٣: قبحت من سالفة٤ ومن صدغ كأنها كشية ضب في صقغ٥ إنه أراد صقع بالعين، فأبدلها غينا.

стр. 238

باب الفاء: الفاء: حرف مهموس، يكون أصلا وبدلا. ولا يكون زائدا مصوغا في الكلمة، إنما يزاد في أولها للعطف ونحو ذلك. فإذا كانت أصلا وقعت فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: فحم وفخر، والعين نحو: قفل وسفر، واللام نحو: حلف وشرف. واعلم أن العين واللام قد يكرر كل واحد منهما في الأصول: متصلين ومنفصلين، وذلك نحو: عشب واعشوشب، وخدب١ وجلبب. وفاء الفعل لم تكرر في شيء من الكلام إلا في حرف واحد، وهو مرمريس، ووزنها فعفعيل. وهي الداهية٢، وأنشدنا أبو علي لرؤبة: يعدل عني الجدل الشخيسا٣ كد العدا أخلق مرمريسا٤ وقد قالوا أيضا: مرمريت. وأما البدل فأخبرني أبو علي قراءة عليه بإسناده إلى يعقوب، أن العرب تقول في العطف: قام زيد فم عمرو، أي ثم عمرو، وكذلك قولهم جدث٥ وجدف.

стр. 239

والوجه أن تكون الفاء بدلا من الثاء، لأنهم قد أجمعوا على أجداث، ولم يقولوا أجداف. وأما قولهم فناء الدار وثناؤها١ فأصلان، أما فناؤها فمن فني يفنى، لأنها هناك تفنى، لأنك إذا تناهيت إلى أقصى حدودها فنيت. وأما ثناؤها فمن ثنى يثني، لأنها هناك أيضا ثنثنى عن الانبساط، لمجيء آخرها، وانقضاء حدودها. فإن قلت: هلا جعلت إجماعهم على أفنية بالفاء دلالة على أن الثاء في ثناء بدل من الفاء في فناء، كما زعمت أن فاء جدف بدل من ثاء جدث، لإجماعهم على أجداث بالثاء، فالفرق بينهما وجودنا لثناء من الاشتقاق ما وجدناه لفناء، ألا ترى أن الفعل يتصرف منهما جميعا، ولسنا نعلم لجدف بالفاء تصرف جدث، فلذلك قضينا بأن الفاء بدل من الثاء. وأما قول العجاج: وبلدة مرهوبة العافور٢ فذهب فيه يعقوب إلى أنه من عثر يعثر، أي وقع في الشر، وذهب إلى أن الفاء من عافور بدل من الثاء، بما اشتق له. والذي ذهب إليه وجه، إلا أنا إذا وجدنا للفاء وجها نحملها فيه على أنها أصل لم يجز الحكم بكونها بدلا إلا على قبح وضعف تجويز. وذلك أنه قد يجوز أن يكون قولهم: وقعوا في عافور، فاعولا من العفر٣، لأن العفر من الشدة أيضا، ولذلك قالوا: عفريت لشدته، ومثاله: فعليت منه، ويشهد لهذا قولهم: وقعنا في عفرة، أي اختلاط وشدة، وأما أفرة ففعلة، من أفر

стр. 240

يأفر إذا وثب، وهذا أيضا معنى يليق بالشدة، لأن الوثوب والنزاء١ كثيرا ما يصحبان الشدة والبلاء٢، وإذا كان ذلك كذلك فليس ينبغي أن تحمل واحدة من الهمزة والعين في أفره وعفره على أنها بدل من أختها، وغير منكر أيضا أن تكون الهمزة بدلا من العين، والعين بدلا من الهمزة، إلا أن الاختيار ما قدمته. وأما قولهم لما نفاه الرشاء٣ من الماء عند الاستقاء نفي ونثي فأصلان أيضا، لأنا نجد لكل واحد منهما أصلا نرده إليه، واشتقاقا نحمله عليه. أما النفي ففعيل من نفيت، لأن الرشاء ينفيه، ولامه ياء بمنزلة رمي وعصي. وأما النثي ففعيل من نثا الشيء ينثوه إذا أذاعه وفرقه، لأن الرشاء يفرقه وينشره، ولام الفعل واو، لأنها لام نثوت، وهو بمنزلة سري وقصي. وقد يجوز أن يكون الثاء بدلا من الفاء، قال الشاعر: كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي٤ بضم الصاد وكسرها.

стр. 241

ويؤنسك بجواز كون الثاء بدلا من الفاء إجماعهم في بيت امرئ القيس: ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل١ على الفاء، ولم نسمعهم قالوا: نثوانه. وذهب بعض أهل التفسير في قوله عز اسمه: "وفومها" إلى أنه أراد الثوم، فالفاء على هذا بدل عنده من الثاء. والصواب عندنا: أن الفوم الحنطة٢ وما يختبز من الحبوب، يقال: فومت الخبز، أي خبزته، وليست الفاء على هذا بدلا من الثاء. واعلم أن الفاء إذا وقعت في أوائل الكلم غير مبنية من أصلها، فإنها في الكلام على ثلاثة أضرب: ضرب تكون فيه للعطف والإتباع جميعا، وضرب تكون فيه للإتباع مجردا من العطف، وضرب تكون فيه زائدة، دخولها كخروجها، إلا أن المعنى الذي تختص به وتنسب إليه، هو معنى الاتباع٣، وما سوى ذلك فعارض فيها غير ملازم لها.

стр. 242

الأول: نحو قولك قام زيد فعمرو، وضربت زيدا فأوجعته: أردت أن تخبر أن قيام عمرو وقع عقيب١ قيام زيد بلا مهلة، وأن إيجاد زيد كان عقيب ضربك إياه، وعلى هذا تقول: مطرنا ما بين زبالة فالثعلبية، إذا أردت أن المطر انتظم الأماكن التي ما بين هاتين القريتين، يقروها٢ شيئا فشيئا بلا فرجة. وإذا قلت مطرنا ما بين زبالة والثعلبية، فإنما أفدت بهذا القول أن المطر وقع بينهما، ولم ترد أنه اتصل في هذه الأماكن، من أولها إلى آخرها، ولما ذكرناه من حال هذه الفاء، من أن ما بعدها يقع عقيب ما قبلها، ما جاز أن يقع ما قبلها علة٣ وسببا لما بعدها، وذلك أن العلة سبب كون المعلول وموجبته وذلك قولك: الذي أكرمني فشكرته زيد، فإنما اخترت الفاء هنا من بين حروف العطف، لأن الإكرام علة لوقوع الشكر، فعطف بالفاء، لأن المعلول ينبغي أن يقع ثاني العلة بلا مهلة. وكذلك الذي ضربته فغضب زيد، لأن الضرب علة الغضب. ولو قلت: الذي أكرمني وشكرته زيد، لم يفد هذا الكلام أن الإكرام علة للشكر، كما يفيده العطف بالفاء، وإنما كان يكون معناه أنه وقع الإكرام منه، والشكر منك، غير مسبب أحدهما عن صاحبه كان، أو مسببا عنه، بل وقعا منكما معا، فهذا يكشف لك حال الفاء. الثاني: وهو الذي يكون فيه الفاء للإتباع دون العطف، إلا أن الثاني ليس مدخلا في إعراب الأول، ولا مشاركا له في الموضع، وذلك في كل مكان يكون فيه الأول علة للآخر، ويكون فيه الآخر مسببا عن الأول، فمن ذلك جواب الشرط في نحو قولك: إن تحسن إلي فالله مجازيك، فهذه هنا للإتباع مجردة من معنى العطف، ألا ترى أن الذي قبل الفاء من الفعل مجزوم، وليس بعد الفاء شيء يجوز أن يدخله الجزم، وإنما بعدها جملة مركبة من اسمين مبتدأ وخبر، وكذلك قولك: إن تقم فأنا قائم معك، وإنما اختاروا الفاء هنا من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط، وليس في جميع حروف العطف حرف يوجد هذا المعنى فيه سوى الفاء.

стр. 243

فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى الفاء في جواب الشرط؟ فالجواب أنه إنما دخلت الفاء في جواب الشرط توصلا إلى المجازاة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر، أو الكلام الذي قد يجوز أن يبتدأ به، فالجملة في نحو قولك: إن تحسن إلي فالله يكافئك، لولا الفاء لم يرتبط أول الكلام بآخره، وذلك أن الشرط والجزاء١ لا يصحان إلا بالأفعال، لأنه إنما يعقد وقوع فعل بوقوع فعل غيره، وهذا معنى لا يوجد في الأسماء ولا في الحروف، بل هو من الحروف أبعد، فلما لم يرتبط أول الكلام بآخره، لأن أوله فعل، وآخره اسمان، والأسماء لا يعادل بها الأفعال، أدخلوا هناك حرفا يدل على أن ما بعده مسبب عما قبله، لا معنى للعطف فيه، فلم يجدوا هذا المعنى إلا في الفاء وحدها، فلذلك اختصوها من بين حروف العطف، فلم يقولوا: إن تحسن إلي والله يكافئك، ولا: ثم الله يكافئك. ومن ذلك قولك: إن يقم فاضربه، فالجملة التي هي اضربه: جملة أمرية، وكذلك أن يقعد فلا تضربه، فقولك: لا تضربه جملة نهيية، وكل واحدة منهما يجوز أن يبتدأ بها فتقول: اضرب زيدا، ولا تضرب عمرا، فلما كان الابتداء بهما مما يصح وقوعه في الكلام، احتاجوا إلى الفاء، ليدلوا على أن مثالي الأمر والنهي بعدها ليس على ما يعهد في الكلام من وجودهما مبتدأين غير معقودين بما قبلهما، ومن هنا أيضا احتاجوا إلى الفاء في جواب الشرط مع الابتداء والخبر، لأن الابتداء مما يجوز أن يقع أولا غير مرتبط بما قبله. هذا مع ما قدمناه من أن الأفعال لا يعادل بها الأسماء. ويزيد ما ذكرته لك وضوحا من أن جواب الشرط سبيله٢ ألا يجوز الابتداء به، أنك لو قلت مبتدئا: فالله يكافئك، لم يجز، كما لا يجوز أن تبتدئ فتقول: فزيد جالس، وكذلك لا يجوز أن تبتدئ أيضا فتقول: فاضرب زيدا، ولا فلا تضرب محمدا، لأن الفاء حكمها أن تأتي رابطة ما بعدها بما قبلها، فإذا استؤنفت مبتدأة فقد انتقض٣ شرطها. وهذا كله غير جائز أن يبتدأ به، كما أن الفعل المجزوم لا يجوز

стр. 244

الابتداء من غير تقدم حرف الجزم عليه. ألا تراك لا تقول مبتدئا: أقم، على حد قولك: إن تقم أقم، فهذا كله يؤكد لك أن جواب الشرط سبيله أن يكون كلاما لا يحسن الابتداء به. ولهذا أيضا ما جاز أن يجازي بإذا التي للمفاجأة، نحو قوله عز اسمه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] ١، فقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ في موضع قنطوا، وإنما جاز لإذا هذه أن يجاب بها الشرط لما فيها من المعنى المطابق للجواب، وذلك أن معناها المفاجأة، ولا بد هناك من عملين، كما لا بد للشرط وجوابه من فعلين، حتى إذا صادفه ووافقه كانت المفاجأة مسببة بينهما، حادثة عنهما، وذلك قولك: خرجت فإذا زيد، فتقدير إعرابه: خرجت فبالحضرة زيد، فإذا التي هي ظرف في معنى قولنا بالحضرة، وزيد: مرفوع بالابتداء، والظرف قبله خبر عنه. فهذا تقدير الإعراب. وأما تفسير المعنى فهو: خرجت ففاجأت زيدا، وإن شئت خرجت ففاجأني زيد، لأن فعلت في أكثر أحوالها إنما تكون من اثنين، نحو ضاربت وقاتلت، فلما ذكرت لك من حال "إذ" هذه، وأن معناها المفاجأة والموافقة ووقوع الأمر مسببا عن غيره، ما جاز أن يجازى بها. ويزيد حالها في ذلك وضوحا لك ما أنشدنا أبو علي عن أبي بكر، عن أبي العباس، عن أبي عثمان، عن الأصمعي، عن أبي عمرو: أن شيخا من أهل نجد أنشده: استقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير٢

стр. 245

فهذا كقولك: بينما المرء في الأحياء مغتبط عفته الأعاصير، فوقوع الفعل في موضع إذا يؤكد عندك جواز وقوعها جوابا للشرط، لأن أصل الجواب أن يكون بالفعل، ليعادل به الفعل الذي قبله، إذا كان مسببا عنه، والعلل بيننا والأسباب لا تتعلق بالجواهر١، إنما تتعلق بالأعراض٢ والأفعال، فكما كانت عبرة٣ "إذا" في هذا البيت الذي أنشدنا وفي غيره مما يطول الكتاب بذكره عبرة الفعل، فكذلك قوله ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ، يكون أيضا عبرته "قنطوا" فافهم ذلك.

стр. 246

واعلم أن "إذا" هذه التي ذكرناها ولا يجوز وقوع الفعل بعدها: وذلك أن ما بعدها مرفوع بالابتداء، وهي خبر عنه، فكما أن المبتدأ لا يكون إلا اسما، فكذلك "إذا" هذه لا يكون ما بعدها إلا اسما، ومن ذلك قولهم: حسبته شتمني فأثب عليه، ليست الفاء هنا عاطفة على الفعل الذي قبلها، ولكن معناها الإتباع ألا ترى أن معنى الكلام: إن شتمني وثبت عليه. ومن ذلك قول الرجل لصاحبه: دعوتك أمس فلم تجبني، فيقول له صاحبه، فقد أجبتك اليوم، فدخول الفاء هنا يدل على أنه قد أجابه عن كلامه. ولو قال له: قد أجبتك اليوم، لكان آخذا في كلام منه على غير وجه الجواب وتعليق الثاني بالأول. ومن ذلك قوله، وهو من أبيات الكتاب١: فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور٢ فجعل الإسلام مسببا عن براءة صدورهم من الإحن، وهي العدوات، إلا أنه قدم في اللفظ المسبب على السبب، لأن معناه: قد برئت من الإحن الصدور، فأسلموا من اجل ذلك، إلا أن الفاء عقدت الأول بالآخر، وجرى هذا الكلام مجرى: اشكرني فقد أحسنت إليك، فالإحسان وإن كان مؤخرا في اللفظ، فهو مقدم في المعنى، لأنه هو سبب الشكر، فينبغي أن يتقدمه في الرتبة، فكأنه قال: قد أحسنت إليك فاشكرني.

стр. 247

ومن ذلك قول امرئ القيس: وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عن رسم دارس من معول١ ففي قوله "معول" مذهبان: أحدهما: أنه مصدر عولت، بمعنى أعولت، أي بكيت، أي فهل عند رسم دارس من إعوال وبكاء؟ والآخر: أنه مصدر عولت على كذا: أي اعتمدت عليه، كقولهم: "إنما عليك معولي"، أي اتكالي. وعلى أي الأمرين حملت المعول، فدخول الفاء على "فهل عند رسم" حسن جميل. وأما إذا دخلت المعول بمعنى العويل٢ والإعوال، أي البكاء، فكأنه قال: إن شفائي أن أسفح٣ عبرتي، ثم خاطب نفسه أو صاحبيه فقال: إذا كان الأمر على ما قدمته من أن في البكاء شفاء وجدي٤، فهل بي من بكاء أشفي به غليلي٥. فهذا ظاهره استفهام لنفسه، ومعناه التحضيض٦ لها على البكاء، كما تقول: قد أحسنت إلي فهل أشكرك؟ أي فلأشكرنك، وقد زرتني، فهل أكافئنك، أي فلأكافئنك، وإذا خاطب صاحبيه فكأنه قال: قد عرفتكما سبب شفائي، وهو البكاء والعويل، فهل تعولان وتبكيان معي، لأشفي وجدي ببكائكما.

стр. 248

فهذا التفسير على قول من قال: إن معولي بمنزلة إعوالي، والفاء عقدت آخر الكلام بأوله، لأنه كأنه قال: إذ كنتما قد عرفتما ما أوثره من البكاء، فابكيا وأعولا معي، كما أنه إذا استفهم نفسه، فكأنه قال: إذا كنت قد علمت أن في الإعوال راحة لي فلا عذر لي في ترك البكاء. وأما من جعل معولي بمعنى تعويلي على كذا، أي اعتمادي واتكالي عليه، فوجه دخول الفاء على فهل في قوله، أنه لما قال إن شفائي عبرة مهراقة، فكأنه قال: إنما راحتي في البكاء، فما معنى اتكالي في شفاء غليلي على رسم دارس لا غناء عنده عني، فسبيلي أن أقبل على بكائي، ولا أعول في برد غليلي على ما لا غناء عنده، وهذا أيضا معنى يحتاج معه إلى الفاء، لتربط آخر الكلام بأوله، فكأنه قال: إذا كان شفائي إنما هو في فيض دمعي، فسبيلي ألا أعول على رسم دارس في دفع حزني، وينبغي أن أجد في البكاء الذي هو سبب الشفا. واعلم أن المعارف الموصولة، والنكرات الموصوفة، إذا تضمنت صلاتها وصفاتها معنى الشرط، دخلت الفاء في أخبارها، وذلك نحو قولك: الذي يكرمني فله درهم، فلما كان الإكرام سبب وجوب الدرهم دخلت الفاء في الكلام، ولو قلت: الذي يكرمني له درهم، لم يدل هذا القول على أن الدرهم إنما يستحق للإكرام، بل هو حاصل للمكرم على كل حال، وتقول في النكرة: كل رجل يزورني فله دينار، فالفاء هي التي أوجبت استحقاق الدينار بالزيارة. ولو قلت: كل رجل يزورني له دينار، لما دل ذلك على أن الدينار مستحق عن الزيارة، بل يدل على أنه في ملك الزائر على كل حال. فلأجل معنى الشرك في الصلة والصفة ما دخلت الفاء في آخر الكلام، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] ١، فالفاء قد دلت على أن الأجر إنما استحق عن الإنفاق.

стр. 249

فإذا تضمنت الصلة والصفة جواب الشرط لم تدخل الفاء في آخر الكلام، وذلك قولك: الذي إن يزرني أزره له درهم، ولو قلت هنا فله درهم لم يجز، لأن الشرط لا يجاب دفعتين. وكذلك: كل رجل إن يزرني أكرمه له درهم، ولا يجوز فله درهم، لأن الصفة قد تضمنت الجواب، فلم يحتج إلى إعادته، ولو قلت الذي أبوه أبوك فزيد، لم يجز لأنه لم يتقدم في الصلة ما يصح به الشرط. وكذلك لو قلت: كل إنسان فله درهم، لم يجز، لأنه لم يتقدم صفة يستفاد منها معنى الشرط، فجرى هذان في الامتناع مجرى قولك: زيد فقائم، وعمرو فمنطلق، فاعرفه. فهذا أيضا حال الفاء إذا خلصت للإتباع، وتجردت من العطف، وهي في الكلام كثيرة جدا، وقد بينت لك رسومها١، وأوضحت وجوهها، لتتناول الأمر من قرب. فإن قيل: إذا صح بما قدمته حال الفاء في كونها عاطفة ومتبعة، فهل دلالتها على الأمرين سواء؟ أم هل لها اختصاص بأحدهما؟ فالجواب: أن أخص هذين المعنيين بالفاء إنما هو الإتباع دون العطف. وذلك أنها إذا كانت عاطفة فمعنى الإتباع موجود فيها، نحو ضربته فبكي، وأحسنت إليه فشكر، وقد تتجرد من معنى العطف فيما قدمنا ذكره من الجزاء، وهذه الأماكن التي أحدها ببيت أمرئ القيس: فهل عند رسم دارس من معول٢ فلما كان الإتباع لا يفارقها، والعطف قد يفارقها، كان أخص معنييها بها الإتباع، لملازمته لها. وأما وجه زيادتها فقد جاء مجيئا صالحا. أخبرنا أبو علي٣ أن أبا الحسن٤ حكى عنهم: أخوك فوجد، يريد أخوك وجد.

стр. 250

ومن ذلك قولهم: زيدا فاضرب، وعمرا فاشكر، وبمحمد فامرر، إنما تقديره: زيدا اضرب، وعمرا اشكر، وبمحمد امرر. وعلى هذا قوله جل ثناؤه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ [المدثر: ٤] ، أي: وثيابك طهر، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ١ [المدثر: ٥] أي والرجز اهجر، ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] ، أي لربك اصبر. وهذه مسألة اعترضت هذا الباب، ونحن نشرحه بإذن الله: تقول العرب: خرجت فإذا زيد. واختلفت العلماء في هذه الفاء: فذهب أبو عثمان٢ إلى أنها زائدة، وذهب أبو إسحاق الزيادي٣ إلى أنها دخلت على حد دخولها في جواب الشرط، وذهب مبرمان٤ إلى أنها عاطفة. وأصح هذه الأقوال قول أبي عثمان. وذلك أن إذا هذه التي للمفاجأة قد تقدم من قولنا فيها أنها للإتباع، بدلالة قوله عز اسمه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] ، فوقوعها جوابا للشرط يدل على أن فيها معنى الإتباع، كما أن الفاء في قولك: إن تحسن إلي فأنا أشكرك، إنما أجاز الجواب بها لما فيها من معنى الإتباع، وإذا كانت إذا هذه التي للمفاجأة بما قدمناه للإتباع، فالفاء في قولنا خرجت فإذا زيد، زائدة، لأنك قد استغنيت بما في إذا من معنى الإتباع، عن الفاء التي تفيد معنى الإتباع. كما استغني عنها في قوله جل اسمه: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ .
следующие страницы →