← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

واعلم أن "إذا" هذه التي ذكرناها ولا يجوز وقوع الفعل بعدها: وذلك أن ما بعدها مرفوع بالابتداء، وهي خبر عنه، فكما أن المبتدأ لا يكون إلا اسما، فكذلك "إذا" هذه لا يكون ما بعدها إلا اسما، ومن ذلك قولهم: حسبته شتمني فأثب عليه، ليست الفاء هنا عاطفة على الفعل الذي قبلها، ولكن معناها الإتباع ألا ترى أن معنى الكلام: إن شتمني وثبت عليه. ومن ذلك قول الرجل لصاحبه: دعوتك أمس فلم تجبني، فيقول له صاحبه، فقد أجبتك اليوم، فدخول الفاء هنا يدل على أنه قد أجابه عن كلامه. ولو قال له: قد أجبتك اليوم، لكان آخذا في كلام منه على غير وجه الجواب وتعليق الثاني بالأول. ومن ذلك قوله، وهو من أبيات الكتاب١: فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور٢ فجعل الإسلام مسببا عن براءة صدورهم من الإحن، وهي العدوات، إلا أنه قدم في اللفظ المسبب على السبب، لأن معناه: قد برئت من الإحن الصدور، فأسلموا من اجل ذلك، إلا أن الفاء عقدت الأول بالآخر، وجرى هذا الكلام مجرى: اشكرني فقد أحسنت إليك، فالإحسان وإن كان مؤخرا في اللفظ، فهو مقدم في المعنى، لأنه هو سبب الشكر، فينبغي أن يتقدمه في الرتبة، فكأنه قال: قد أحسنت إليك فاشكرني.

стр. 247

ومن ذلك قول امرئ القيس: وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عن رسم دارس من معول١ ففي قوله "معول" مذهبان: أحدهما: أنه مصدر عولت، بمعنى أعولت، أي بكيت، أي فهل عند رسم دارس من إعوال وبكاء؟ والآخر: أنه مصدر عولت على كذا: أي اعتمدت عليه، كقولهم: "إنما عليك معولي"، أي اتكالي. وعلى أي الأمرين حملت المعول، فدخول الفاء على "فهل عند رسم" حسن جميل. وأما إذا دخلت المعول بمعنى العويل٢ والإعوال، أي البكاء، فكأنه قال: إن شفائي أن أسفح٣ عبرتي، ثم خاطب نفسه أو صاحبيه فقال: إذا كان الأمر على ما قدمته من أن في البكاء شفاء وجدي٤، فهل بي من بكاء أشفي به غليلي٥. فهذا ظاهره استفهام لنفسه، ومعناه التحضيض٦ لها على البكاء، كما تقول: قد أحسنت إلي فهل أشكرك؟ أي فلأشكرنك، وقد زرتني، فهل أكافئنك، أي فلأكافئنك، وإذا خاطب صاحبيه فكأنه قال: قد عرفتكما سبب شفائي، وهو البكاء والعويل، فهل تعولان وتبكيان معي، لأشفي وجدي ببكائكما.

стр. 248

فهذا التفسير على قول من قال: إن معولي بمنزلة إعوالي، والفاء عقدت آخر الكلام بأوله، لأنه كأنه قال: إذ كنتما قد عرفتما ما أوثره من البكاء، فابكيا وأعولا معي، كما أنه إذا استفهم نفسه، فكأنه قال: إذا كنت قد علمت أن في الإعوال راحة لي فلا عذر لي في ترك البكاء. وأما من جعل معولي بمعنى تعويلي على كذا، أي اعتمادي واتكالي عليه، فوجه دخول الفاء على فهل في قوله، أنه لما قال إن شفائي عبرة مهراقة، فكأنه قال: إنما راحتي في البكاء، فما معنى اتكالي في شفاء غليلي على رسم دارس لا غناء عنده عني، فسبيلي أن أقبل على بكائي، ولا أعول في برد غليلي على ما لا غناء عنده، وهذا أيضا معنى يحتاج معه إلى الفاء، لتربط آخر الكلام بأوله، فكأنه قال: إذا كان شفائي إنما هو في فيض دمعي، فسبيلي ألا أعول على رسم دارس في دفع حزني، وينبغي أن أجد في البكاء الذي هو سبب الشفا. واعلم أن المعارف الموصولة، والنكرات الموصوفة، إذا تضمنت صلاتها وصفاتها معنى الشرط، دخلت الفاء في أخبارها، وذلك نحو قولك: الذي يكرمني فله درهم، فلما كان الإكرام سبب وجوب الدرهم دخلت الفاء في الكلام، ولو قلت: الذي يكرمني له درهم، لم يدل هذا القول على أن الدرهم إنما يستحق للإكرام، بل هو حاصل للمكرم على كل حال، وتقول في النكرة: كل رجل يزورني فله دينار، فالفاء هي التي أوجبت استحقاق الدينار بالزيارة. ولو قلت: كل رجل يزورني له دينار، لما دل ذلك على أن الدينار مستحق عن الزيارة، بل يدل على أنه في ملك الزائر على كل حال. فلأجل معنى الشرك في الصلة والصفة ما دخلت الفاء في آخر الكلام، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] ١، فالفاء قد دلت على أن الأجر إنما استحق عن الإنفاق.

стр. 249

فإذا تضمنت الصلة والصفة جواب الشرط لم تدخل الفاء في آخر الكلام، وذلك قولك: الذي إن يزرني أزره له درهم، ولو قلت هنا فله درهم لم يجز، لأن الشرط لا يجاب دفعتين. وكذلك: كل رجل إن يزرني أكرمه له درهم، ولا يجوز فله درهم، لأن الصفة قد تضمنت الجواب، فلم يحتج إلى إعادته، ولو قلت الذي أبوه أبوك فزيد، لم يجز لأنه لم يتقدم في الصلة ما يصح به الشرط. وكذلك لو قلت: كل إنسان فله درهم، لم يجز، لأنه لم يتقدم صفة يستفاد منها معنى الشرط، فجرى هذان في الامتناع مجرى قولك: زيد فقائم، وعمرو فمنطلق، فاعرفه. فهذا أيضا حال الفاء إذا خلصت للإتباع، وتجردت من العطف، وهي في الكلام كثيرة جدا، وقد بينت لك رسومها١، وأوضحت وجوهها، لتتناول الأمر من قرب. فإن قيل: إذا صح بما قدمته حال الفاء في كونها عاطفة ومتبعة، فهل دلالتها على الأمرين سواء؟ أم هل لها اختصاص بأحدهما؟ فالجواب: أن أخص هذين المعنيين بالفاء إنما هو الإتباع دون العطف. وذلك أنها إذا كانت عاطفة فمعنى الإتباع موجود فيها، نحو ضربته فبكي، وأحسنت إليه فشكر، وقد تتجرد من معنى العطف فيما قدمنا ذكره من الجزاء، وهذه الأماكن التي أحدها ببيت أمرئ القيس: فهل عند رسم دارس من معول٢ فلما كان الإتباع لا يفارقها، والعطف قد يفارقها، كان أخص معنييها بها الإتباع، لملازمته لها. وأما وجه زيادتها فقد جاء مجيئا صالحا. أخبرنا أبو علي٣ أن أبا الحسن٤ حكى عنهم: أخوك فوجد، يريد أخوك وجد.

стр. 250

ومن ذلك قولهم: زيدا فاضرب، وعمرا فاشكر، وبمحمد فامرر، إنما تقديره: زيدا اضرب، وعمرا اشكر، وبمحمد امرر. وعلى هذا قوله جل ثناؤه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ [المدثر: ٤] ، أي: وثيابك طهر، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ١ [المدثر: ٥] أي والرجز اهجر، ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] ، أي لربك اصبر. وهذه مسألة اعترضت هذا الباب، ونحن نشرحه بإذن الله: تقول العرب: خرجت فإذا زيد. واختلفت العلماء في هذه الفاء: فذهب أبو عثمان٢ إلى أنها زائدة، وذهب أبو إسحاق الزيادي٣ إلى أنها دخلت على حد دخولها في جواب الشرط، وذهب مبرمان٤ إلى أنها عاطفة. وأصح هذه الأقوال قول أبي عثمان. وذلك أن إذا هذه التي للمفاجأة قد تقدم من قولنا فيها أنها للإتباع، بدلالة قوله عز اسمه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] ، فوقوعها جوابا للشرط يدل على أن فيها معنى الإتباع، كما أن الفاء في قولك: إن تحسن إلي فأنا أشكرك، إنما أجاز الجواب بها لما فيها من معنى الإتباع، وإذا كانت إذا هذه التي للمفاجأة بما قدمناه للإتباع، فالفاء في قولنا خرجت فإذا زيد، زائدة، لأنك قد استغنيت بما في إذا من معنى الإتباع، عن الفاء التي تفيد معنى الإتباع. كما استغني عنها في قوله جل اسمه: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ .

стр. 251

فإن قال قائل: إذا كانت الفاء في قولنا: "خرجت فإذا زيد" زائدة، فأجز: خرجت إذا زيد، لأن الزائد حكمه أن يمكن طرحه١ ولا يختل الكلام بذلك، ألا ترى إلى قوله عز اسمه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ٢ لما كانت ما زائدة، جاز أن تقول في الكلام لا في القرآن، فبرحمة من الله لنت لهم. وكذلك ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ٣ يجوز في الكلام أن تقول: عن قليل. فالجواب: أن الفاء وإن كانت ها هنا زائدة، فإنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها. وذلك أن من الزوائد ما يلزم البتة، وذلك قولهم "افعله آثرا ما" أي أول شيء٤، فما زيادة لا يجوز حذفها، لأن معناه: افعله آثرا مختارا له، معنيا به، من قولهم: آثرت أن أفعل كذا وكذا. ومن ذلك قوله عز اسمه: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] ، فالألف واللام في الآن زائدتان عندنا، لأن هذا الاسم معرفة بغيرهما، وإنما هو معرفة بلام أخرى مقدرة، غير هذه الظاهرة، وقد دللنا على ذلك في غير هذا الموضع٥، وكذلك قولك مهما تفعل أفعل، ما زيادة لازمة. وكذلك الألف واللام في الذي والتي، وتثنيتهما وجمعهما، والألى في معنى الذين زائدة أيضا، وإنما هن متعرفات بصلاتهن، والألف واللام فيهن زائدتان، لا يمكن

стр. 252

حذفهما، فرب زائدة ما يلزم، فلا يجوز حذفه، وكذلك أيضا قولنا خرجت فإذا زيد، الفاء فيه زائدة أيضا. وأما مذهب الزيادي١ في أن الفاء في قولهم: خرجت فإذا زيد، إنما دخلت الكلام لما فيه من معنى الشرط، ففاسد، وذلك أن قولك خرجت فإذا زيد، لا تجد فيه معنى شرط ولا جزاء، وإنما هو إخبار عن حال ماضية، منقضية، والشرط لا يصح إلا مع الاستقبال، ألا ترى أنك لا تجيز: إن قمت أمس قمت أول من أمس، هذا ونحوه من الكلام الخطأ، ليس يرتكبه أحد، فهذا وجه نراه، صحيح. وشيء آخر يدل على فساد قول الزيادي، وهو أنه لو كان في الكلام معنى شرط لاستغني بما في إذا من معنى الإتباع عن الفاء، كما استغني عنها في قوله عز اسمه: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] ألا ترى أنهم يقولون: لن نفعل، وهي نفي، وسنفعل، ولم يقولوا لن سنفعل، وإن كانت لن نفيا لها، لأنهم استغنوا بما في لن من معنى الاستقبال، عن إعادة السين التي للاستقبال فكذلك كان ينبغي لو كان في الكلام معنى شرط، أن يستغنوا بما في إذا من معنى الإتباع، عن الفاء الموضوعة للإتباع. وأما مذهب مبرمان في أنها للعطف، فسقوطه أظهر٢. وذلك أن الجملة التي هي "خرجت" جملة مركبة من فعل وفاعل. وقولك "فإذا زيد" جملة مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ زيد، وخبره إذا، وحكم المعطوف أن يكون وفق المعطوف عليه، لأن العطف نظير٣ التثنية، وليست الجملة المركبة من المبتدأ والخبر، وفق المركبة من الفعل والفاعل، فتعطف عليها. فإن قيل: ألست تجيز: قام زيد وأخوك محمد، فتعطف إحدى الجملتين على الأخرى وإن اختلفتا بالتركيب، فهلا أجزت أيضا مثل هذا في: خرجت فإذا زيد؟

стр. 253

فالجواب أنه قد يجوز مع الواو، لقوتها وتصرفها، ما لا يجوز مع الفاء من الاتساع، ألا ترى أنك لو قلت: قام محمد فعمرو جالس، وأنت تعطف على حد ما تعطف بالواو، لم يكن للفاء هنا مدخل، لأن الثاني ليس متعلقا بالأول، وحكم الفاء إذا كانت عاطفة، ألا تتجرد من معنى الإتباع والتعليق بالأول، كما تقدم من قولنا وهذا جواب أبو علي، وهو الصواب. ومن طريف زيادة الفاء قول سيبويه: "زيدا إن يأتك فاضرب". وقد أجمع البصريون على أن ما انتصب بفعل الشرط، أو بفعل جواب الشرط. لم يجز تقديمه على إن، وأنت قد تجد "زيدا" في هذه المسألة منصوبا، فلا يجوز إذا جعلت "فاضرب" جوابا أن تنصب به زيدا، لما قدمناه. قال أبو علي: الفاء هنا: زائدة، واضرب: واقع غير موقعه. وجواب الشرط: محذوف دل عليه فاضرب. فكان تقديره: زيدا اضرب إن يأتك، ثم زاد الفاء، واكتفى بقوله: فاضرب، من جواب الجزاء، فكأنه قال: زيدا فاضرب، إن يأتك فاضرب، فزيد منصوب باضرب الأولى، والفاء فيها زائدة، وهي التي كانت مؤخرة فقدمت، وقوله "فاضرب" الثانية، هي جواب الشرط في الحقيقة. ومن زيادتها بيت أنشده أبو الحسن: أراني إذا ما بت بت على هوى ... فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا١ كأنه قال: ثم أذا أصبحت أصبحت غاديا.

стр. 254

وكما زيدت الفاء فيما ذكرناه وفي غيره مما يطول ذكره، كذلك حذفت أيضا اختصارا وهي مرادة١، وذلك نحو ما أنشده سيبويه: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عن الله مثلان٢ أراد: فالله يشكرها، وحذف الفاء تخفيفا. هكذا أنشده سيبويه، ورواه غيره من أصحابنا: من يفعلِ الخير فالرحمن يشكره٣ وقد خالف جماعة من أصحابنا سيبويه في أشياء كثيرة مما استشهده، هذا واحدا منها.

стр. 255

ومن ذلك أيضا: فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرا في عراض المواكب١ أراد: فلا قتال لديكم. ومنه أيضا: فأما الصدور لا صدور لجعفر ... ولكن أعجازا شديدا ضريرها٢ أراد: فلا صدور لجعفر.

стр. 256

فإن قال قائل: فلم دخلت الفاء في جواب إما؟ فالجواب أنها إنما دخلت في الجواب لما في أما من معنى الشرط، وذلك أنك إذا قلت: أما زيد فمنطلق، فمعناه: مهما يقع من شيء، فزيد منطلق. فإن قيل: فإذا كان تقدير الكلام: مهما يقع من شيء فزيد منطلق، فنحن نرى الفاء قبل الجملة التي هي زيد منطلق. ونحن إذا قلنا: أما زيد فمنطلق، فقد نرى زيدا قد تقدم على الفاء، وصار بعد الفاء اسم واحد، وهو منطلق، فما بال أحد الاسمين تقدم على الفاء مع ما، وتراهما جميعا متأخرين عن الفاء مع مهما؟ فالجواب: أن العرب كما تعنى بالمعاني فتحققها١، فكذلك أيضا تعنى بالألفاظ فتصلحها. وذلك أن هذه الفاء وإن كانت هنا متبعة٢ غير عاطفة، فإنها قد تستعمل في العطف في كثير من المواضع، نحو قام زيد فعمرو، ورأيت محمدا فصالحا، فمن عادتها -عاطفة كانت أو متبعة- ألا تقع مبتدأة في أول الكلام، وأنه لا بد من أن يقع قبلها اسم أو فعل، فلو أنهم قالوا: أما فزيد منطلق، على تقدير مهما يقع من شيء فزيد منطلق، وأوجبوا على أنفسهم تقدم الفاء على الاسمين مع أما، كما يقدمونها عليهما مع مهما لوقعت الفاء مبتداة ليس قبلها في اللفظ اسم ولا فعل، إنما قبلها حرف، وهو أما، فقدموا أحد الاسمين قبل الفاء مع أما، لما حاولوه من إصلاح اللفظ، ليقع قبلها اسم في اللفظ، ويكون الاسم الثاني الذي بعده، وهو خبر المبتدأ، وإن لم يكن معطوفا الآن على المبتدأ، تابعا في اللفظ لاسم قبله، وهو زيد، فيكون الفاء هنا على صورة العاطفة وإن لم تكن عاطفة، كل ذلك لإصلاح اللفظ، فاعرفه، فإنه لطيف، وهو رأي أبي علي ومذهبه، وعنه علقت ما كتبته هنا، فإن اختلفت الألفاظ فإن المعاني متفقة.

стр. 257

فأما قوله عز اسمه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ ١ [الجمعة: ٨] فليست الفاء في "فإنه" زائدة، ولكنها دخلت لما في الكلام من معنى الشرط، فكأنه والله أعلم، إن فررتم منه لاقاكم. فإن قال قائل: إن الموت ملاقيهم على كل حال، فروا منه أو لم يفروا، فما معنى الشرط والجواب هنا؟ وهل يصح الجواب بما هو واقع لا محالة؟ فالجواب أن هذا على جهة الرد عليهم أن يظنوا أن الفرار ينجيهم، وقد صرح بهذا المعنى وأفصح عنه بالشرط الحقيقي زهير في قوله: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أن يلقى السماء بسلم٢ أي إن اعتقد أن التحرز ينجيه من الموت، كان ذلك أدعى لوقوع الموت به على جهة الرد عليهم، وإبطال ظنهم.

стр. 258

فأما قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: ١٣] ١، فذهب أبو الحسن٢ في إلى أن الفاء زائدة. وذهب أيضا في قوله جل اسمه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] ، وفي قول الناس: "أفالله لتصنعن كذا وكذا"، وقولنا للرجل: "أفلا تقوم" إلى أن الفاء زائدة، وجوز أيضا أن تكون حرف عطف، والوجه أن تكون هنا غير زائدة، وأن تكون للإتباع، لتعلق٣ ما قبلها بما بعدها. وعلى هذا قول رسول الله ﷺ : -وقد قيل له لما رئي قد جهد نفسه بالعبادة: يا رسول الله أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ - "أفلا أكون عبدا شكورا؟ ". فالوجه أن تكون الفاء هنا متبعة غير زائدة. ومن زيادة الفاء أيضا قوله جل ثناؤه: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] الفاء زائدة، وتحسب الثانية بدل من تحسب الأولى. إلى هذا ذهب أبو الحسن، وهو قياس مذهبه في كثرة زيادة الفاء. وقال حاتم: أخبرنا به علي بن محمد، يرفعه بإسناده إلى قطرب: وحتى تركت العائدات يعدنه ... يقلن فلا تبعد وقلت له ابعد٤

стр. 259

وبهذا الإسناد أيضا: لما اتقى بيد عظيم جرمها ... فتركت ضاحي كفه يتذبذب١ فالفاء في هذين البيتين زائدة. وهذا فصل اعترض الكلام، فلنحكمه، لنعرف مذهب العرب فيه، ثم نعود إلى بقية ما في الفاء. اعلم أن الحروف لا يليق بها الزيادة ولا الحذف، وأن أعدل٢ أحوالها أن تستعمل غير مزيدة ولا محذوفة. فأما وجه القياس في امتناع حذفها من قبل أن الغرض من الحروف إنما هو الاختصار، ألا ترى أنك إذا قلت: ما قام زيد، فقد نابت "ما" عن "أنفي" وإذا قلت: هل قام زيد؟ فقد نابت هل عن "أستفهم"، فوقوع الحرف مقام الفعل وفاعله غاية الاختصار، فلو ذهبت تحذف الحرف تخفيفا لأفرطت٣ في الإيجاز٤، لأن اختصار المختصر إجحاف٥ به. فهذا وجه، وأما وجه ضعف زيادتها فمن قبل أن الغرض في الحروف الاختصار، كما قدمناه، فلو ذهبت تزيدها، لنقضت الغرض الذي قصدته، لأنك كنت تصير من الزيادة إلى ضد ما قصدته من الاختصار، فاعرف هذا.

стр. 260

فإن أبا علي حكاه على الشيخ أبي بكر١ ﵁، وهو نهاية في معناه، ولولا أن في الحرف إذا زيد ضربا من التوكيد، لما جازت زيادته البتة. كما أنه لولا قوة العلم بمكانه، لما جاز حذفه البتة، فإنما جاز فيه الحذف والزيادة من حيث أريتك على ما به من ضعف القياس. وإذا كان الأمر كذلك، فقد علمنا من هذا أننا متى رأيناهم قد زادوا الحرف فقد أرادوا غاية التوكيد، كما أنا إذا رأيناهم حذفوا حرفا، فقد أرادوا غاية الاختصار ولولا ذلك الذي أجمعوا عليه واعتزموه، لما استجازوا زيادة ما الغرض فيه الإيجاز، ولا حذف ما وضعه على نهاية الاختصار، فقد استغني عن حذفه بقوة اختصاره. واعلم أن الفاء قد يجاب بها سبعة أشياء٢: وهي الأمر، والنهي، والاستفهام، والنفي، والدعاء، والتمني، والعرض. فالأمر نحو قولك: قم فأقوم. قال الشاعر: يا ناق سير عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا٣ والنهي نحو قولك: لا تشتمه فيشتمك، قال الله : ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] ٤.

стр. 261

والاستفهام نحو قولك: أين بيتك فأزورك. قال: هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج١ والنفي نحو قولك: ما أنت بصاحبي فأكرمك، قال زياد بن منقذ: وما أصاحب من قوم فأذكرهم ... إلا يزيدهم حبا إلي هم٢ والدعاء نحو قولك: اللهم ارزقني بعيرا فأحج عليه. والتمني نحو: ليت لي مالا فأنفقه. والعرض نحو: ألا تنزل فنتحدث. واعلم أن الفعل بعد هذه الفاء إذا كانت جوابا، منتصب بأن مضمرة٣، وإنما أضمرت أن ههنا، ونصب بها الفعل، من قبل أنهم تخيلوا في أول الكلام معنى المصدر فإذا قال: زرني فأزورك، فكأنه قد قال: لتكن منك زيارة، فزيارة مني.

стр. 262

فلما كان الأول في تقدير المصدر، والمصدر اسم، لم يسغ١ عطف الفعل بعده عليه، لأن الفعل لا يعطف على الاسم، فإذا أضمرت أن قبل الفعل، صارا معا في تقدير المصدر، والمصدر اسم، فلذلك جاز عطف اسم على اسم. فإن قيل: ولم قدر في أول الكلام مصدر، حتي اضطروا إلى إضمار "أن"، ثم عطفوا المصدر المنعقد للمعنى بأن والفعل جميعا، على المصدر الذي قبله؟ فالجواب: أنهم إنما فعلوا ذلك لمخالفة الفعل الثاني للفعل الأول في المعنى، وذلك أنك إذا قلت: ما تزورني فتحدثني، فلم ترد أن تنفيهما جميعا، ولو أردت ذلك، لرفعت الفعلين جميعا، ولكنك تريد: ما تزورني محدثا، أي قد تزورني ولكنك إذا زرتني لم تحدثني، فأنت الآن قد أثبت الزيارة، ونفيت الحديث، فلما اختلف الفعلان، ولم يجز العطف على ظاهر الفعل الأول، وأضمروا مصدره، وكان ذلك مستقيما سائغا، لدلالة الفعل الأول على مصدره، فلما تخيلوا في الفعل الأول معنى المصدر، عطفوا الثاني عليه، فاضطروا إلى إضمار "أن" لما ذكرت لك. ويجوز لك أيضا إذا قلت: ما تزورني فتحدثني، فنصبت الثاني، أن يكون المعنى غير المعنى: ما تزورني إلا لم تحدثني. وذلك أنه يجوز أن يكون المعنى: ما تزورني، فكيف تحدثني؟ فهذا أيضا معنى ما تزورني محدثا، لأن معناه: لو زرتني لحدثتني، فأنت الآن ناف للزيارة، ومعلم أن الزيارة لو كانت لكان الحديث عنها. فهذا أيضا معنى غير معنى رفع "فتحدثني". فهذا مجيء الفعل بعد الفعل. وأما مجيئه بعد غير الفعل فهو أسهل في اعتقاد المصدر في أول الكلام، لأنه ليس هناك فعل يجوز عطف هذا الفعل المتأخر عليه، وذلك قولك: أين بيتك فأزورك؟ ألا ترى أن أين بيتك، ليس بفعل، فيعطف عليه أزورك، فهذا أظهر أمرا، فحمل هذا أيضا على المعنى، لأن معناه: ليكن تعريف منك، فزيارة مني، لأن معنى أين بيتك؟ عرفني بيتك، فجاز تقدير التعريف لذلك.

стр. 263

ويدلك على أن الفعل إذا تقدمه اسم ولم يسغ عطفه عليه، اضطر معه إلى إضمار "أن" ليفيدا معا معنى المصدر، فيعطف المصدر الذي هو اسم، على الاسم الذي قبله، قول ميسون بنت بجدل الكلبية: للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف١ فكأنها قالت: لأن ألبس عباءة، وأن تقر عيني، أحب إلي من كذا. ونظير٢ ذلك قول الآخر، وهو من أبيات الكتاب أيضا: فلولا رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما٣ أراد: وأن أسوءك. فكأنه قال في البيت الأول: للبس عباءة وقرة عيني: أحب من كذا. وفي الآخر: ولولا رجال وآل سبيع أو مساءتي إياك، لكان كذا، فالقرة: اسم بمنزلة اللبس، والمساءة: اسم بمنزلة آل سبيع.

стр. 264

واعلم أنك إذا أجبت هذه السبعة الأشياء١ بالفاء، فإن الكلام الذي هو مجاب، والكلام الذي هو جواب جميعا ينعقدان انعقاد الجملة الواحدة، وليستا بجملتين، وذلك أنك إذا قلت: ما أنت بصاحبي فأكرمك، فكأنك قلت، ليست بيننا صحبة مقتضية إكراما، فمقتضية جزء متصل بالجملة، على حد اتصال الصفة بالموصوف من الجملة المقدمة، وكذلك قوله. يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا٢ في معنى: سيري سيرا مؤديا إلى الاستراحة، فمؤد متصل بما قبله، وليس منفصلا منه. وكذلك قولك: لا تشتمه فيشتمك، معناه: لا يكن منك شتيمة له داعية إلى شتمه إياك. وعلى هذا جميع هذه المسائل. وأنت لو قلت: ما تزورني فتحدثني، فرفعت تحدثني، لم يكن الكلام كله جملة واحدة، بل هو جملتان، أي: ما تزورني، فهذه واحدة، وما تحدثني، فهذه أخرى، فاعرف حال هذا الفاء وما بعدها. وقول البغداديين: إننا ننصب الجواب على الصرف، كلام فيه إجمال، بعضه صحيح، وبعضه فاسد. أما الصحيح فقولهم: الصرف: أي ينصرف بالفعل الثاني عن معنى الأول، وهذا هو معنى قولنا: إن الثاني يخالف الأول. فأما انتصابه بالصرف فخطأ، ولا بد له من ناصب مقتض له، لأن المعاني لا تنصب الأفعال، وإنما ترفعها المعاني، والمعنى الذي يرفع الفعل هو وقوع الفعل موقع الاسم، وجاز في الأفعال أن يرفعها المعنى، كما جاز في الأسماء أن يرفعا المعنى، أعني الابتداء، لمضارعة الاسم للفعل، فكما أن المضارعة في الفعل بمنزلة التمكن في الاسم، في إيجابها جنس الإعراب لهما، فكذلك وقوع الفعل موقع الاسم يوجب له الرفع، كما أن ابتداء الاسم يوجب له الرفع، وكما أن الأسماء لا تنتصب إلا بناصب لفظي، فكذلك الأفعال لا تنتصب إلا بناصب لفظي.

стр. 265

فأما من ادعى انتصاب شيء من الكلام بالمعنى دون اللفظ، فقد وجب عليه من إقامة الدلالة على ذلك مثل الذي وجب علينا فأقمناه، من الدلالة على ارتفاع١ الاسم المبتدأ والفعل المضارع، بالمعنى. فإن قيل: فإذا كان تقدير قولنا: ما أنت بصاحبي فأكرمك عندك: ما أنت بصاحبي فأن أكرمك، فهل يجوز أن تظهر "أن" هذه المقدرة عندك إلى اللفظ، فتقول: ما أنت بصاحبي فأن أكرمك؟ فالجواب أن هذا أصل وإن قامت الدلالة عليه فإنه مرفوض، كما أن أصل قام: قوم، ولكنه لا ينطق به على أصله. وهاهنا أشياء كثيرة ترفض أصولها، ويقتصر في الاستعمال على فروعها، وقد حذفت الفاء. قالوا: أف، خفيفة الفاء، وأصلها أف، مشددة.

стр. 266

باب القاف: القاف: حرف مجهور، يكون أصلا لا بدلا ولا زائدا. فإذا كان أصلا وقع فاء، وعينا، ولاما. فالفء نحو: قرن وقعد، والعين نحو: سقف وثقل، واللام نحو: خرق وعلق. وأخبرني أبو علي: قراءة عليه، عن أبي بكر، عن بعض أصحاب يعقوب، عنه، قال: قال الفراء: قريش تقول: كشطت١، وقيس وتميم تقول: قشطت، بالقاف. وليست القاف في هذا بدلا من الكاف، لأنهما لغتان لأقوام مختلفين. فأما ما حكاه الأصمعي من قولهم: امتك الفصيل ما في ضرع أمه وامتق، وتمقق وتمكك، إذا شرب كله. فالأظهر فيه أن تكون القاف بدلا من الكاف، لما ذهب إليه أبو علي، لأنه قال: من هذا أخذ اسم مكة، لأنها كالمجرى للماء، فهو ينجذب إليها. قال: فأما موضع الطواف، فهو بكة، بالباء، لأنه من الازدحام. وقرأت عليه، عن أبي الحسن علي بن سليمان، عن أبي العباس، عن أبي الفضل الرياشي، في نوادر أبي زيد. تبك الحوض علاها ونهلى ... ودون زيادها عطن منيم٢ فقول الجميع مكة ولم يقولوا: مقة، يقوي أن الكاف هو الأصل. فأما قولهم: مققت الشيء: إذا فتحته، فليس من امتق في شيء، فيحكم بأنه من معناه، وكذلك قولهم للرجل الطويل: أمق، لا نسبة بينه وبين امتق في المعنى.

стр. 267

باب الكاف: الكاف حرف مهموس، يكون أصلا لا بدلا ولا زائدا. فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: كعب وكعم١، والعين نحو: شكر وشكر، واللام نحو: محك٢ وضحك. وأخبرني أبو علي قرءة عليه، عن أبي بكر، عن بعض أصحاب يعقوب عنه، قال: قال أبو عمرو: يقال أعرابي كح وأعرابية كحة، تريد قح وقحة. قال: وقال الأصمعي القح٣: الخالص من اللؤم والكرم. فينبغي أن تكون الكاف في كح بدلا من قاف قح، لأن أبا زيد حكى في جمعه أقحاح، ولم نسمعهم قالوا أكحاح، فيجري هذا مجرى ما قلناه في جدث٤ وجدف. وأما قولهم: كشطت وقشطت، فقد تقدم من القول فيه ما يدل على أنها لغتان. وأخبرني أبو علي عن أبي بكر عن أبي جعفر بن رستم الطبري قال: مر رجل برجلين وقد نحرا ناقة وهما يكشطانها، فسأل رجلا من ناحية، فقال: ما جلاء الكاشطين؟ أي ما اسماهما؟ فقال: خابئة مصادع٥، ورأس بلا شعر، فأتاهما فقال: يا كنانة ويا صليع أطعماني. وقال أبو علي: اعرفه "خابية المصابع، وهصار الأقران٦"، فقال: يا كنانة ويا أسد أطعماني.

стр. 268

وقد تقدم من قولنا في الحروف التي تبدل في بعض المواضع وهي غير مذكورة في حروف البدل الأحد عشر، وإنما لم تحتسب هناك من حيث كان البدل فيها قليلا غير مطرد، ما فيه مقنع إن شاء الله. وأنشدنا أبو علي: يابن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيتنا إليكا لنضربن بسيفنا قفيكا١ أبدل الكاف من التاء، لأنها أختها في الهمس، وكان سحيم إذا أنشد شعرا جيدا قال: أحسنك والله، يريد: أحسنت. وأما قول كثير٢: ومقربة دهم وكمت كنها ... طماطم يوفون الوفار هنادك٣ فقال محمد بن حبيب: أراد بالهنادك: رجال الهند، وظاهر هذا القول منه يقتضي أن تكون الكاف زائدة. قال: ويقال: رجل هندي وهندكي. ولو قيل إن الكاف أصل، وإن هندي وهندكي أصلان، بمنزلة سبط وسبطر، لكان قولا قويا، وهو الصواب.

стр. 269

واعلم أن الكاف المفردة تستعمل في الكلام على ضربين: جارة وغير جارة، والجارة أيضا على ضربين: أحدهما حرف، والآخر اسم. فأما الحرف فما لم يقع مواقع الأسماء وذلك نحو قولك: مررت بالذي كزيد، والكاف هنا حرف لا محالة، لأنك لو قلت مررت بالذي مثل زيد، أو مررت بالذي مثل جعفر، لكان خلفا١ وقبيحا من الكلام، حتى تظهر الضمير المبتدأ المحذوف، فتقول: مررت بالذي هو مثل زيد، ومررت بالذي هو مثل جعفر، فإجماعهم على استحسان مررت بالذي كزيد، دلالة على أن الكاف حرف جر، وأنه بمنزلة قولك: مررت بالذي في الدار، وضربت الذي من الكرام، وجاءني الغلام الذي لمحمد. وهذا استدلال سيبويه، وهو الصواب الذي لا معدل عنه. وأما الكاف التي في تأويل الاسم، فالتي تقع مواقع الأسماء. وذلك نحو قول الشاعر: وصاليات ككما يؤثفين٢ فالأولى حرف، والثانية اسم، لدخول حرف الجر عليها. فأما قول الآخر: فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء٣ فليست اللام الثانية باسم، وإن كانت قد دخلت عليها اللام الأولى، لأنه لم يثبت في موضع غير هذا أن اللام اسم، كما ثبت أن الكاف اسم، وإذا كان ذلك كذلك، فإحدى اللامين زائدة مؤكدة، وينبغي أن تكون الزائدة هي الثانية دون الأولى، لأن حكم الزائد ألا يبتدأ به.

стр. 270

وكذلك قول الأعشى: هل تنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل١ فالكاف هنا موضع اسم مرفوع، فكأنه قال: ولن ينهى ذوي شطط مثل الطعن، فيرفعه بفعله. فإن قال قائل: فهل يجوز أن تكون الكاف في هذا البيت حرف جر، وتكون صفة قامت مقام الموصوف، وتقدير الموصوف على قولنا: ولن ينهى ذوي شطط شيء كالطعن، فيكون الفاعل شيء المحذوف، وتكون الكاف حرف جر صفة لشيء الفاعل، لأن شيئا نكرة، والنكرات قد توصف بحروف الجر، نحو قولك: جاءني رجل من أهل البصرة، وكلمت غلاما لمحمد، ويكون حذف الموصوف هنا جائزا، كما جاز في قول من تأول الآية على إقامة الصفة مقام الموصوف، وهي قوله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] قالوا: أراد: وجزاهم بما صبرو جنة وحريرا، وجنة دانية عليهم ظلالها، فحذف جنة، وأقام دانية مقامها.

стр. 271

وكقول الآخر: كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن١ أي جمل من جمال بني أقيش، وغير ذلك مما يطول ذكره. فالجواب أن حذف الموصول وإقامة الصفة مقامة على كل حال قبيح، وهو في بعض الأماكن أقبح منه في بعض، فأما قوله : ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا﴾ فالوجه فيها أن تكون منصوبة على الحال، معطوفة على قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ فهذا هو القول الذي لا ضرورة فيه. وأما قوله: "كأنك من جمال بني أقيش" فإنما جاز ذلك في ضرورة الشعر، ولو جاز لنا أن نجد "من" في بعض المواضع قد جعلت اسما، لجعلناها ها هنا اسما، ولم نحمل الكلام هنا على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه.

стр. 272

فأما قوله: "ولن ينهى ذوي شطط كالطعن" فلو حملته على إقامة الصفة مقام الموصوف، لكان أقبح من تأول١ قوله عز اسمه ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا﴾ على حذف الموصوف، لأن الكاف في بيت الأعشى هي الفاعلة في المعنى، و"دانية" في هذا القول إنما هي مفعول به، والمفعول قد يكون غير اسم صريح، نحو: ظننت زيدا يقوم، وحسبت محمدا يفعل، والفاعل لا يكون إلا اسما صريحا محضا، وهم على إمحاضه اسما أشد محافظة من جميع الأسماء، ألا ترى أن المبتدأ قد يقع غير اسم محض، وهو قولهم "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، فتسمع، كما ترى فعل، وتقديره: أن تسمع، فحذفهم "أن" ورفعهم تسمع، يدل على أن المبتدأ قد يمكن أن يكون عندهم غير اسم صريح. وإذا جاز هذا في المبتدأ على قوة شبهه بالفاعل، فهو في المفعول الذي يبعد عنهما أجوز، فمن أجل ذلك ارتفع الفعل في قول طرفة٢: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى٣

стр. 273

عند كثير من الناس، لأنه أراد: أن أحضر، وأجاز سيبويه في قوله "مره يحفرها" أن يكون الرفع على قوله "مره أن يحفرها"، فلما حذفت أن ارتفع الفعل بعدها، وقد حملهم كثرة حذف "أن" مع غير الفاعل، على أن استجازوا ذلك مع اسم ما لم يسم فاعله، وإن كان جاريا مجرى الفاعل، وقائما مقامه. وذلك قول جميل: جزعت حذار البيت يوم تحملوا ... وحق لمثلي يا بثينة يجزع١ أراد: أن يجزع، على أن هذا قليل. فإن قلت: ألست تعلم أن خبر كان يجري مجرى الفاعل، وقد قالوا: كأنك من جمال بني أقيش وأرادوا: جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف وهو خبر كأن، فهلا أجزت حذف الفاعل وإقامة الصفة مقامه في قول الأعشى: "ولن ينهى ذوي شطط كالطعن"، وقلت إنه أراد: شيء كالطعن، حملا على بيت النابغة؟ فالجواب أن بينهما فرقا من وجهين: أحدهما: أن خبر كان وإن شبه بالفاعل في ارتفاعه، فليس في الحقيقة فاعلا، ولا في مذهب الفاعل، أولا تراك تقول: كأن زيدا يصلي، وكن أخاك يقفوا أثرك، فجعلهم خبرها، فعلا يدلك على أنه لا تبلغ قوة الفاعل في الاسمية، لأن الفاعل لا يكون إلا اسما محضا.

стр. 274

والآخر: أن بيت النابغة: "كأنك من جمال بني أقيش" اضطررنا فيه إلى إقامة الصفة مقام الموصوف، وبيت الأعشى لم نضطر فيه إلى ذلك، لأنه قد قامت الدلالة المبنية عندنا على استعمالهم الكاف اسما في نحو قول الآخر: وزعت بكالهراوة أعوجي ... إذا ونت الركاب جرى وثابا١ فدخول حرف الجر عليها يؤكد كونها اسما، وكذلك قول الآخر: قليل غرار النوم حتى تقلصوا ... على كالقطا الجوني أفزعه الزجر٢

стр. 275

وقال ذو الرمة: أبيت على مي كئيبا وبعلها ... على كالنقا من عالج يتبطح١ وكذلك قول الآخر: على كالخنيف السحق يدعو به الصدى ... له قلب عفى الحياض أجون٢

стр. 276

فهذا ونحوه يشهد بكون الكاف اسما، وبيت الأعشى أيضا يشهد بما قلنا، فلسنا ننزل عن الظاهر، ونخالف الشائع المطرد، إلى ضرورة واستقباح، إلا بأمر يدعو إلى ذلك، ولا ضرورة هنا، فنحن على ما يجب من لزوم الظاهر، ومخالفنا معتقد لما لا قياس يعضده، ولا سماع يؤيده. ووجه ثالث: وهو أن خبر كأن هو خبر المبتدأ في الأصل، وخبر المبتدأ لا يلزم إمحاضه اسما. فإن قال قائل: فما بال الفاعل خالف المبتدأ في وجوب كونه اسما محضا، وجواز كون المبتدأ غير اسم محض، وكلاهما محدث عنه، ومسند إليه؟ فالجواب: أن الفرق بينهما ظاهر لمتأمله، وذلك أن الجمل إنما تتركب من جزأين جزأين: إما اسم اسم، وهو نحو المبتدأ وخبره، وإما فعل واسم، نحو الفعل والفاعل، وما أقيم من المفعولين مقام الفاعل، ولا بد في كل واحدة من هاتين الجملتين إذا عقدت من اسم يسند إليه غيره، فأنت إذا أزلت عن المبتدأ أن يكون اسما محضا، فقد بقيت الجزء الذي هو اسم، وذلك نحو قولهم "تسمع بالمعيدي خير"١ فالمبتدأ الذي هو في اللفظ تسمع، قد أخبرت عنه باسم، وذلك الاسم خبر، فقد بقيت على كل حال في الجملة اسما، ولو ذهبت تحذف الفعل، وتقيم مقامه غير اسم، لبقيت الجملة معقودة بلا اسم، وهذا لفظ يناقض٢ ما عقدت عليه الجمل في أول تركيبها، ولذلك رفض ذلك: فلم يوجد في الكلام. فأما بيت جمل: "وحق لمثلي يا بثينة يجزع" فقليل شاد، على أن حذف "أن" في الكلام قد كثر، حتي صار كلا حذف، ألا ترى أن أصحابنا استقبحوا٣

стр. 277

نصب "غير" من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] ١، بأعبد. قالوا: لأن التقدير والمعنى: قل أفغير الله تأمروني أن أعبد، فكأن "أن" هناك، وما بعد "أن" لا يجوز أن يعمل فيما قبلها، لامتناع تقديم الصلة أو شيء منها على الموصول، أولا تراهم كيف تخيلوا أن التقدير: قل أتأمروني أن أعبد غير الله. ولولا أنهم قد أنسوا بحذف "أن" من الكلام، وإرادتها، لما استقبحوا انتصاب "غير" بأعبد، فهذا شرح الفاعل والمبتدأ وما لم يسم فاعله. فأما خبر المبتدأ، فلا يلزم أن يكون اسما محضا، لأن الجمل تقع هناك وقوعا حسنا مطردا، وهذا في خبر "كان" أحسن منه في خبر "إن" لأنك قد استوفيت بكان واسمها لفظ الفعل والفاعل، ولم تستوف بإن واسمها إلا لفظ الفعل والمفعول، لأن اسم كان مشبه بالفاعل، واسم إن مشبه بالمفعول، إلا أنه جاز في خبر "إن" أن يكون جملة، وغير اسم محض، من حيث كان خبر المبتدأ في المعنى، فكما جاز أن يكون خبر المبتدأ غير اسم محض وجملة، جاز أيضا في خبر إن، إلا أنه في خبر إن ليس في حسن خبر المبتدأ، لأن المبتدأ اسم مرفوع، فقد حصل معك شب الفاعل، واسم إن وأخواتها منصوب، فإذا جعلت الخبر غير اسم محض، فقد أخليت العقدة من اسم مرفوع. فأما اسم كان فجعلك إياه غير اسم محض، أقبح من فعلك ذلك بخبر إن، وذلك أن اسم كان مشبه بالفاعل من خبر إن، ألا ترى أنه يباشر كان مباشرة الفاعل لفعله، ويضمر في الفعل كإضمار الفاعل، وذلك نحو: كنت أخاك، كقولهم: ضربت أخاك، وخبر إن لا يباشر إن ولا يضمر فيها، فلم يقو في شبه الفاعل قوة اسم كان في ذلك.

стр. 278

فقد صح بما قدمنا أن كاف الجر قد تكون مرة اسما ومرة حرفا، فإذا رأيتها في موضع تصلح فيه لأن تكون اسما ولأن تكون حرفا، فجوز فيها الأمرين، وذلك نحو قولك زيد كعمرو، فقد تصلح أن تكون الكاف هنا اسما، كقولك زيد مثل عمرو، ويجوز أن تكون حرفا، كقولك زيد من الكرام، فكما أن من حرف جر وقع خبرا عن المبتدأ، فكذلك الكاف تصلح أن تكون حرف جر، فإذا قلت: أنت كزيد، وجعلت الكاف اسما، فلا ضمير فيها، كما أنك إذا قلت: أنت مثل زيد، فلا ضمير في مثل، كما لا ضمير في الأخ ولا الابن إذا قلت: أنت أخو زيد، وأنت ابن زيد. هذا قول أصحابنا، وإن كان قد أجاز بعض البغداديين أن يكون في هذا النحو الذي هو غير مشتق من الفعل ضمير، كما يكون في المشتق، فإذا جعلت الكاف في قول: أنت كزيد حرفا، ففيها ضمير، كما تتضمن حروف الجر الضمير إذا نابت عن الأفعال في قولك: زيد من الكرام، ومحمد على الفرس. واعلم أنه كما جاز أن تجعل هذه الكاف فاعلة في بيت الأعشى وغيره، فكذلك يجوز أن تجعل مبتدأة، فتقول على هذا: كزيد جاءني، وأنت تريد: مثل زيد جاءني، وكبكر غلام لمحمد، فإن أدخلت "إن" على هذا قلت: إن كبكر غلام لمحمد، فرفعت الغلام، لأنه خبر إن، والكاف في موضع نصب، لأنها اسم إن، وتقول إذا جعلت الكاف حرفا وخبرا مقدما: إن كبكر أخاك. وتريد: إن أخاك كبكر، كما تقول: إن من الكرام زيدا. واعلم أن أقيس الوجهين إذا قلت: أنت كزيد، أن تكون الكاف حرفا جارا، بمنزلة الباء واللام، لأنها مبنية مثلهما، ولأنها أيضا على حرف واحد، ولا أصل لها في الثلاثة، فهي بالحرف أشبه، ولأن استعمالها حرفا أكثر من استعمالها اسما. واعلم أن هذه الكاف التي هي حرف جار، كما كانت غير زائدة فيم قدمنا ذكره فقد تكون زائدة مؤكدة، بمنزلة الباء في خبر ليس، وما، ومن، وغير ذلك من حروف الجر، وذلك نحو قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] ١.

стр. 279

تقديره والله أعلم: ليس مثله شيء، فلا بد من زيادة الكاف، ليصح المعنى، لأنك إن لم تعتقد ذلك أثبت له "عز اسمه" مثلا، فزعمت أنه ليس كالذي هو مثله شيء، فيفسد هذا من وجهين: أحدهما ما فيه من إثبات المثل له عز اسمه وعلا علوا عظيما، والآخر أن الشيء إذا أثبت له مثلا فهو مثل مثله، لأن الشيء إذا ماثله شيء، فهو أيضا مماثل لما ماثله، ولو كان ذلك كذلك -على فساد اعتقاد معتقده- لما جاز أن يقال: ليس كمثله شيء، لأنه تعالى مثل مثله، وهو شيء، لأنه تعالى قد سمى نفسه شيئا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ١ [الأنعام: ١٩] وذلك أن "أيا" إذا كانت استفهاما، فلا يجوز أن يكون جوابها إلا من جنس ما أضيفت إليه، ألا ترى أنك لو قال لك قائل: أي الطعام أحب إليك؟ لم يجز أن تقول له: الركوب، ولا المشي، ولا نحو ذلك، مما ليس من جنس الطعام. فهذا كله يؤكد عندك أن الكاف في كمثله لا بد أن تكون زائدة. ومن ذلك أيضا قول رؤبة: لواحق الأقراب فيا كالمقق٢

стр. 280

والمقق: الطول. ولا يقال في الشيء كالطول، وإنما يقال: فيه طويل، فكأنه قال: فيها مقق، أي طول. وهذه مسألة من الكتاب. قال سيبويه١: تقول: ما زيد كعمرو ولا شبيها به، وما عمرو كخالد ولا مفلحا النصب في هذا جيد، لأنك إنما تريد ما هو مثل فلان، ولا مفلحا، هذا معنى الكلام، فإن أردت أن تقول: ولا بمنزلة من يشبهه، جررت، وذلك نحو قولك: ما أنت كزيد ولا خالد، فإنما أردت ولا كخالد، فإذا قلت: ما أنت بزيد ولا قريبا منه، فليس هاهنا معنى بالباء لم يكن قبل أن تجيء بها، وأنت إذا ذكرت الكاف تمثل بها. انقضى كلام سيبويه. واعلم أن هذا الكلام يحتاج إلى شرح، لتتلخص معانيه، فإن في ظاهره إشكالا٢. أما قوله: ما أنت كعمرو ولا شبيها به، فلا يخلو الكاف في كعمرو أن يكون اسما كمثل، أو حرفا فيه معنى مثل، على ما صدرناه٣ من قولنا، فإن كانت الكاف في كعمرو اسما، فشبيه معطوف عليها، كما كان يعطف على مثل لو كانت هناك، فقلت: ما أنت مثل عمرو ولا شبيها به، كقولك: ما أنت غلام عمرو ولا جارا له، وهذا أمر ظاهر. وإن كانت الكاف في كعمرو حرفا كالتي في قولنا مررت بالذي كزيد، فشبيه المنصوب معطوف على كعمرو جميعا، لأن الجار والمجرور في موضع نصب، لأن هذه لغة حجازية، لأن نصب "شبيه" يدل على أن الأول في

стр. 281

موضع نصب، إلا أن هذا الموضع متى عطفت على لفظه أفدت معنى، فإن عطفت على معناه دون لفظه، أفدت معنى آخر، ألا ترى أنك لو قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيه به، فجررت الشبيه، فإنما أردت ولا كشبيه به، فقد أثبت له شبيها، ونفيت أن يكون زيدا كالذي يشبه عمرا، وأنت إذا قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيها، فإنما نفيت عن زيد أن يكون شبيها لعمرو، ولم تثبت لعمرو شبيها، وليس كذلك قولنا: ما أنت بعمرو ولا خالدا، لأنك إن نصبت خالدا على المعنى أو جررته على اللفظ، فإنما معناه في الموضعين واحد، أي ما أنت هذا ولا هذا. فقول سيبويه "لأنك تريد ما هو مثل هذا ولا مفلحا، هذا معنى الكلام"، يحتمل أمرين: أحدهما: أن معنى الكاف معنى مثل، وهي حرف. والآخر: أن معنى الكاف معنى مثل، وهي اسم، كما أن مثلا اسم، فإن كانت الكاف اسما، فالعطف عليه ظاهر، وإن كانت حرفا، كان العطف عليها وعلى ما جره، لأنهما في موضع نصب، على ما تقدم من بياننا. وقوله: فإن أراد أن يقول: ولا بمنزلة من يشبهه، جره" يقول: إذا جررت شبيها به، فقد أثبت لعمرو شبيها، لأنك أردت: ولا كمن يشبهه. ومثل ذلك فقال: وذلك نحو قولك: ما أنت كزيد ولا خالد، فهذا يبين لك أنك إذا جررت، فعطفت على عمرو وحده، فقد أثبت هناك شبيها لعمرو، وهو غيره، كما أنك إذا قلت: ما أنت كزيد ولا خالد، فقد أثبت غير زيد وهو خالد. وقوله "فإذا قلت: ما أنت بزيد ولا قريبا منه، فليس هاهنا معنى بالباء لم يكن قبل أن تجيء بها": يريد أن قولك: ما أنت بزيد، وما أنت زيدا، معناهما واحد، وإنما جئت بالباء زائدة مؤكدة، على ما تقدم في صدر كتابنا هذا من قول عقيبة: ................ ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا١

стр. 282

وغيره. وأنت إذا قلت: ما أنت زيدا، فله معنى غير معنى: ما أنت كزيد، لأنك إذا قلت: ما أنت زيدا، فإنما نفيت أن يكون هو هو، وإذا قلت: ما أنت كزيد فإنما نفيت أن يكون مشبها له، ألا ترى أن من قال: أنا زيد، فمعناه غير معنى من قال: أنا كزيد، فكما كان الإيجابان مختلفين، كذلك يكون النفيان مختلفين، وهذا واضح. فقول سيبويه: "فإن أردت أن تقول ولا بمنزلة من يشبهه جررت" يؤكد عندك أيضا زيادة الكاف في قوله عز اسمه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] ، لأنه نفى أن يكون كمثله شيء، والكاف غير زائدة، فقد أثبت له مثلا، كما أثبت سيبويه في مسألته إذا جررت، أن لزيد من يشبهه. وقال أبو الحسن١ في قوله: ما أنت كزيد ولا شبيها به: إذا جررت الشبيه فقد أثبت لزيد شبيها، وإذا نصبت لم تثبت له شبيها. وهذا هو تلخيص قول سيبويه، لم يزد فيه شيئا، وهذا الكلام فيهما على أن الكاف في كزيد غير زائدة، وليست كالذي في بيت رؤبة: لواحق الأقراب فيها كالمقق". وأجاز لنا أبو علي٢ فيها الجر، وألا يكون مع الجر له شبيه. قال: وذلك على اعتقاده زيادة الكاف، فكأنه قال: ما أنت زيدا ولا شبيها به، ثم زاد الكاف، فقال: ما أنت كزيد ولا شبيه به، فلما جر زيدا بالكاف مع اعتقاده زيادته، عطف الشبيه على زيد، وهذا الذي ذهب إليه أبو علي وجه صحيح، وهو رأي أبي الحسن، ونظيره "ليس كمثله شيء"، و"فيها كالمقق".

стр. 283

ومثله أيضا قوله عز اسمه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ١ ذهب أبو الحسن إلى أن الكاف زائدة، وعطف "الذي" على" الذي" من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ٢ وأجاز أبو علي أن يكون الكلام معطوفا على المعنى، وذلك أن معنى قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ : أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية، فلا تكون الكاف على هذا زائدة. وهذا وجه حسن. فأما قول الآخر: فصيروا مثل كعصف مأكول٣ فلا بد فيه من زيادة الكاف. فكأنه قال: فصيروا مثل عصف مأكول. فأكد الشبه بزيادة الكاف، كما أكد الشبه بزيادة الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إلا أنه في الآية أدخل الحرف على الاسم، وهذا شائع، وفي البيت أدخل الاسم، وهو مثل، على الحرف، وهو الكاف، فشبه شيئا بشيء. فإن قال قائل: بماذا جر عصف؟ أبالكاف التي تجاوره؟ أم بإضافة مثل إليه، على أنه فصل بالكاف بين المضاف والمضاف إليه؟

стр. 284

فالجواب: أن "العصف" في البيت "لا يجوز أن يكون مجرورا إلا بالكاف، وإن كانت زائدة، يدلك على ذلك أن الكاف في كل موضع تقع فيه زائدة، لا تكون إلا جارة، كما أن من وجميع حروف الجر في أي موضع وقعن زوائد، فلا بد من أن يجررن ما بعدهن كقولك: ما جاءني من أحد، ولست بقائم، فكذلك الكاف في مثل "كعصف" هي الجارة للعصف، وإن كانت زائدة على ما تقدم. فإن قيل: فإذا جررت العصف بالكاف، فإلام أضفت مثلا؟ وما الذي جررت به؟ فالجواب أن "مثلا" وإن لم تكن مضافة في اللفظ، فإنها مضافة في المعنى، وجارة لما هي مضافة إليه في التقدير، وذلك أن التقدير: فصيروا مثل عصف مأكول. فلما جاءت الكاف تولت هي جر العصف، وبقيت مثل غير جارة ولا مضافة في اللفظ، وكان احتمال هذه الحال في الاسم المضاف أسوغ١ منه في الحرف الجار، وذلك لأنا لا نجد حرفا جارا معلقا غير عامل في اللفظ، وقد نجد بعض الاسماء معلقا عن الإضافة، جارا في المعنى غير جار في اللفظ، وذلك نحو قولهم: جئت قبل وبعد. وقام زيد ليس غير، وقد قالوا أيضا: يا من رأى عارضا أسر به ... بين ذارعي وجبهة الأسد٢ أي بين ذراعي الأسد وجبهته، وجئت قبل كذا وبعد كذا، وقام زيد ليس غيره.

стр. 285

ومن أبيات الكتاب قول الأعشى: إلا بداهة أو علا ... له سابح نهد الجزارة١ أي إلا بداهة سابح أو علالة سابح. وحكى الفراء عن بعض العرب أنه قال: "برئت إليك من خمس وعشري النخاسين، أي من خمس النخاسين" وعشري النخاسين. وحكى هو أيضا: قطع الله الغداة٢ يد ورجل من قاله. أي يد من قاله ورجل من قاله. وهذا كثير، وإنما أردت أن أوجدك أن الأسماء قد تعلق عن الإضافة في ظاهر اللفظ، وأن الحروف لا يمكن أن تعلق عن الجر في اللفظ البتة، ومعنى قولي في اللفظ: أن يوجد بعدها لفظ مجرور جرا مظهرا أو مقدرا.
следующие страницы →