موضع نصب، إلا أن هذا الموضع متى عطفت على لفظه أفدت معنى، فإن عطفت على معناه دون
لفظه، أفدت معنى آخر، ألا ترى أنك لو قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيه به، فجررت الشبيه، فإنما أردت ولا كشبيه به، فقد أثبت له شبيها، ونفيت أن يكون زيدا كالذي يشبه عمرا، وأنت إذا قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيها، فإنما نفيت عن زيد أن يكون شبيها لعمرو، ولم تثبت لعمرو شبيها، وليس كذلك قولنا: ما أنت بعمرو ولا خالدا، لأنك إن نصبت خالدا على المعنى أو جررته على اللفظ، فإنما معناه في الموضعين واحد، أي ما أنت هذا ولا هذا.
فقول سيبويه "لأنك تريد ما هو مثل هذا ولا مفلحا، هذا معنى الكلام"، يحتمل أمرين:
أحدهما: أن معنى الكاف معنى مثل، وهي حرف.
والآخر: أن معنى الكاف معنى مثل، وهي اسم، كما أن مثلا اسم، فإن كانت الكاف اسما، فالعطف عليه ظاهر، وإن كانت حرفا، كان العطف عليها وعلى ما جره، لأنهما في موضع نصب، على ما تقدم من بياننا.
وقوله: فإن أراد أن يقول: ولا بمنزلة من يشبهه، جره" يقول: إذا جررت شبيها به، فقد أثبت لعمرو شبيها، لأنك أردت: ولا كمن يشبهه.
ومثل ذلك فقال: وذلك نحو قولك: ما أنت كزيد ولا خالد، فهذا يبين لك أنك إذا جررت، فعطفت على عمرو وحده، فقد أثبت هناك شبيها لعمرو، وهو غيره، كما أنك إذا قلت: ما أنت كزيد ولا خالد، فقد أثبت غير زيد وهو خالد.
وقوله "فإذا قلت: ما أنت بزيد ولا قريبا منه، فليس هاهنا معنى بالباء لم يكن قبل أن تجيء بها": يريد أن قولك: ما أنت بزيد، وما أنت زيدا، معناهما واحد، وإنما جئت بالباء زائدة مؤكدة، على ما تقدم في صدر كتابنا هذا من قول عقيبة:
................ ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا١
стр. 282
وغيره. وأنت إذا قلت: ما أنت زيدا، فله معنى غير معنى: ما أنت كزيد، لأنك إذا قلت: ما أنت زيدا، فإنما نفيت أن يكون هو هو، وإذا قلت: ما أنت كزيد فإنما نفيت أن يكون مشبها له، ألا ترى أن من قال: أنا زيد، فمعناه غير معنى من قال: أنا كزيد، فكما كان الإيجابان مختلفين، كذلك يكون النفيان مختلفين، وهذا واضح.
فقول سيبويه: "فإن أردت أن تقول ولا بمنزلة من يشبهه جررت" يؤكد عندك أيضا زيادة الكاف في قوله عز اسمه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] ، لأنه نفى أن يكون كمثله شيء، والكاف غير زائدة، فقد أثبت له مثلا، كما أثبت سيبويه في مسألته إذا جررت، أن لزيد من يشبهه.
وقال أبو الحسن١ في قوله: ما أنت كزيد ولا شبيها به: إذا جررت الشبيه فقد أثبت لزيد شبيها، وإذا نصبت لم تثبت له شبيها. وهذا هو تلخيص قول سيبويه، لم يزد فيه شيئا، وهذا الكلام فيهما على أن الكاف في كزيد غير زائدة، وليست كالذي في بيت رؤبة: لواحق الأقراب فيها كالمقق".
وأجاز لنا أبو علي٢ فيها الجر، وألا يكون مع الجر له شبيه. قال: وذلك على اعتقاده زيادة الكاف، فكأنه قال: ما أنت زيدا ولا شبيها به، ثم زاد الكاف، فقال: ما أنت كزيد ولا شبيه به، فلما جر زيدا بالكاف مع اعتقاده زيادته، عطف الشبيه على زيد، وهذا الذي ذهب إليه أبو علي وجه صحيح، وهو رأي أبي الحسن، ونظيره "ليس كمثله شيء"، و"فيها كالمقق".
стр. 283
ومثله أيضا قوله عز اسمه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ١ ذهب أبو الحسن إلى أن الكاف زائدة، وعطف "الذي" على" الذي" من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ٢ وأجاز أبو علي أن يكون الكلام معطوفا على المعنى، وذلك أن معنى قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ : أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية، فلا تكون الكاف على هذا زائدة. وهذا وجه حسن.
فأما قول الآخر:
فصيروا مثل كعصف مأكول٣
فلا بد فيه من زيادة الكاف. فكأنه قال: فصيروا مثل عصف مأكول. فأكد الشبه بزيادة الكاف، كما أكد الشبه بزيادة الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إلا أنه في الآية أدخل الحرف على الاسم، وهذا شائع، وفي البيت أدخل الاسم، وهو مثل، على الحرف، وهو الكاف، فشبه شيئا بشيء.
فإن قال قائل: بماذا جر عصف؟ أبالكاف التي تجاوره؟ أم بإضافة مثل إليه، على أنه فصل بالكاف بين المضاف والمضاف إليه؟
стр. 284
فالجواب: أن "العصف" في البيت "لا يجوز أن يكون مجرورا إلا بالكاف، وإن كانت زائدة، يدلك على ذلك أن الكاف في كل موضع تقع فيه زائدة، لا تكون إلا جارة، كما أن من وجميع حروف الجر في أي موضع وقعن زوائد، فلا بد من أن يجررن ما بعدهن كقولك: ما جاءني من أحد، ولست بقائم، فكذلك الكاف في مثل "كعصف" هي الجارة للعصف، وإن كانت زائدة على ما تقدم.
فإن قيل: فإذا جررت العصف بالكاف، فإلام أضفت مثلا؟ وما الذي جررت به؟
فالجواب أن "مثلا" وإن لم تكن مضافة في اللفظ، فإنها مضافة في المعنى، وجارة لما هي مضافة إليه في التقدير، وذلك أن التقدير: فصيروا مثل عصف مأكول. فلما جاءت الكاف تولت هي جر العصف، وبقيت مثل غير جارة ولا مضافة في اللفظ، وكان احتمال هذه الحال في الاسم المضاف أسوغ١ منه في الحرف الجار، وذلك لأنا لا نجد حرفا جارا معلقا غير عامل في اللفظ، وقد نجد بعض الاسماء معلقا عن الإضافة، جارا في المعنى غير جار في اللفظ، وذلك نحو قولهم: جئت قبل وبعد. وقام زيد ليس غير، وقد قالوا أيضا:
يا من رأى عارضا أسر به ... بين ذارعي وجبهة الأسد٢
أي بين ذراعي الأسد وجبهته، وجئت قبل كذا وبعد كذا، وقام زيد ليس غيره.
стр. 285
ومن أبيات الكتاب قول الأعشى:
إلا بداهة أو علا ... له سابح نهد الجزارة١
أي إلا بداهة سابح أو علالة سابح.
وحكى الفراء عن بعض العرب أنه قال: "برئت إليك من خمس وعشري النخاسين، أي من خمس النخاسين" وعشري النخاسين.
وحكى هو أيضا: قطع الله الغداة٢ يد ورجل من قاله. أي يد من قاله ورجل من قاله. وهذا كثير، وإنما أردت أن أوجدك أن الأسماء قد تعلق عن الإضافة في ظاهر اللفظ، وأن الحروف لا يمكن أن تعلق عن الجر في اللفظ البتة، ومعنى قولي في اللفظ: أن يوجد بعدها لفظ مجرور جرا مظهرا أو مقدرا.
стр. 286
فالمظهر نحو: مررت بزيد، والمقدر نحو: مررت بهذا، وذلك وغيرهما من المبني، فعلى ما قدمناه ينبغي أن يكون "عصف" من قوله "مثل كعصف" مجرورا بالكاف، دون أن يكون مجرورا بإضافة مثل إليه.
فأما قول الشاعر:
جياد بني أبي بكر تسامى ... على كان المسومة العراب١
فإنه إنما جاز الفصل بين حرف الجر وما جره بكان، من قبل أنها زائدة مؤكدة، فجرى مجرى "ما" المؤكدة في نحو قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ٢ [النساء: ١٥٥] ، و ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ، و ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: ٢٥] ، فلذلك جاز لعلى، وإن كانت حرفا جارا، أن تتخطى إلى ما بعد كان فتجره، ولا يجوز في قوله: "ككما يؤثفين" أن تكون "ما" مجرورة بالكاف الأولى، لأن الكاف الثانية عاملة للجر، وليست "كان" جارة، فتجري مجرى الكاف في ككما.
فإن قيل: فمن أي جاز تعليق الأسماء عن الإضافة في اللفظ، ولم يجز في حروف الجر ألا تتصل بالمجرور في نحو ما قدمته.
стр. 287
فالجواب أن ذلك جائز في الأسماء من وجهين:
أحدهما: أن الأسماء أقوى وأعم تصرفا من الحروف، وهي الأول الأصول. فغير منكر أن يتجوز فيه ما لا يتجوز في الحروف، ألا ترى أن التاء في ربت وثمت علامة تأنيث، كما أن التاء في مسلمة وعاقلة علامة تأنيث؟ وقد أبدلوا تاء التأنيث في الاسم هاء في الوقف، فقالوا مسلمه، وعاقله، ولم يبلدوا التاء في ربت وثمت ولات ولعلت في وقف ولا وصل، لأنه ليس للحرف قوة الاسم وتصرفه، والفعل أيضا في هذا جار مجرى الحرف.
ألا ترى أن التاء في قامت وقعدت ثابتة غير مبدلة في وصل ولا وقف؟ فهذا أحد الوجهين.
والوجه الآخر: أن الأسماء ليست في أول وضعها مبنية على أن تضاف ويجر بها، وإنما الإضافة فيها ثان لا أول، فجاز فيها أن تعرى١ في اللفظ من الإضافة، وإن كانت الإضافة فيها منوية٢، وأما حروف الجر فوضعت على أنها للجر البتة، وعلى أنها لا تفارق المجرور لضعفها وقلة استغنائها عن المجرور، فلم يمكن تعليقها عن الجر والإضافة، لئلا يبطل الغرض الذي جيء بها من أجله، فهذا أمر ظاهر واضح.
فإن قال قائل: فمن أين جاز للاسم أن يدخل على الحرف في قوله "مثل كعصف".
فالجواب أنه إنما جاز ذلك، لما بين الكاف ومثل من المضارعة في المعنى، فلما جاز لهم أن يدخلوا الكاف على الكاف في قوله:
وصاليات ككما يؤثفين٣
لمشابهته لمثل، حتى كأنه قال: كمثل ما يؤثفين، كذلك أدخلوا أيضا مثلا على الكاف في قوله: "مثل كعصف"، وجعلوا ذلك تنبيها على قوة الشبه بين الكاف ومثل.
стр. 288
فإن قال قائل: فهل يجوز أن تكون الكاف في قوله "مثل كعصف" مجرورة بإضافة مثل إليها، ويكون "العصف" مجرورا بالكاف، فتكون على هذا قد أضفت كل واحد من مثل ومن الكاف، فيزول عنك الاعتذار لتركهم مثلا غير مضافة، على ما قدمت، ويكون جر الكاف بإضافة مثل إليها، كجرها بدخول الكاف على الكاف في قوله "ككما يؤثفين"، فكما أن الكاف الثانية هنا مجرورة بالأولى، كما انجرت بعلى في قول الآخر:
على كالقطا الجوني أفزعه الزجر١
فكذلك هلا قلت: إن الكاف في مثل "كعصف" مجرورة بإضافة مثل إليها؟
فالجواب: أن قوله "مثل كعصف" قد ثبت أن مثلا أو الكاف فيه زائدة، كما أن إحداهما زائدة في قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢، وإذا ثبت ذلك، فلا يجوز أن تكون مثل هي الزائدة، لأنها اسم، والأسماء لا تزاد، وإنما تزاد الحروف، فإذا لم يجز أن تكون مثل هذه الزائدة، ولم يكن بد من زائد، ثبت أن الكاف هي الزائدة.
وإذا كانت هي الزائدة، فلا بد من أن تكون كما قدمنا حرفا، وإذا كانت حرفا، بطل أن تكون مجرورة، من حيث كانت الحروف لا إعراب في شيء منها، وإذا لم تكن مجرورة بطل أن تكون "مثل" مضافة إليها كما سامنا السائل.
على أن أبا علي قد كان أجاز أن تكون "مثل" مضافة إلى الكاف، وتكون الكاف هنا اسما.
وفيه عندي ضعف، لما ذكرته.
فأما قول الآخر "ككما يؤثفين" فقد استدللنا بدخول الكاف الأولى على الثانية، أن الثانية اسم، وأن الأولى حرف قد جر الثانية، وهو مع ذلك زائد، ولا ينكر، وإن كان زائدا، أن يكون جارا، لما قدمناه من قولهم: ما جاءني من أحد، ولست بقائم.
стр. 289
ومن زيادة الكاف قول الشاعر:
من كان أسرع في تفرق فالج ... فلبونه جربت معا وأغدت
إلا كناشرة الذي ضيعتم ... كالغصن في غلوائه المتنبت١
إنما تقديره: إلا ناشرة، والكاف زائدة.
ونحوه أيضا قول الآخر:
لولا ابن حارثة الأمير لقد ... أغضيت من شتمي على رغم
إلا كمعرض المحسر بكره ... عمدا يسببني على ظلم٢
الكاف زائدة، وتقديره إلا معرضا.
стр. 290
وكذلك قول الآخر:
إلا كخارجة المكلف نفسه ... وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا١
الكاف زائدة، وتقديره إلا خارجة، وهذا كله من الاستثناء المنقطع عن الأول، معناه: لكن.
ومن زيادة الكاف أيضا قولنا: لي عليه كذا وكذا، فالكاف هنا زائدا، لأنه لا معنى للتشبيه في هذا الكلام، إنما معناه: لي عليه عدد ما، فلا معنى للتشبيه هنا، وإذا لم يكن هنا تشبيه، فالكاف زائدة، إلا أنها زائدة لازمة، بمنزلة "آثرا ما"٢ ونحوه مما تقدم ذكره، وذا مجرور بها.
واستدل أصحابنا على أن ذا مجرور بالكاف بقوله عز اسمه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الحج: ٤٨] ، فالكاف في كأي هي الكاف في كذا وكذا، وإذا كانت الكاف زائدة، فليست متعلقة بفعل، كما أن الباء في لست بقائم لما كانت زائدة لم تكن متعلقة بفعل، ولا معنى فعل، ويدلك على أن الكاف في كذا وكذا زائدة، وأنها قد خلطت بذا، وصارت معه كالجزء الواحد، أنك لا تضيف ذا، ولا تؤكدها، ولا تؤنثها، لا تقول: له كذه وكذه ملحفة، فجريا مجرى حبذا.
стр. 291
وعلى هذا قالوا: إن كذا وكذا درهما مالك، فرفعوا المال، لأن الغرض في كذا وكذا إنما هو التوكيد والتكثير، وإذا كانت الكاف غير زائدة تعلقت بالفعل، لأنها حينئذ بمنزلة غيرها من سار حروف الجر، فكما أن تلك كلها متى لم تزد فهي متعلقة بأفعال، فكذلك ينبغي أن تكون الكاف غير الزائدة، وذلك نحو قولك: أنت كزيد، فالتقدير: أنت "كائن" كزيد، كما أنك إذا قلت: أنت لزيد، فكأنك قلت: أنت كائن لزيد.
وفي هذا الفصل مسألتان تحتاجان إلى شرح وبيان:
أما إحداهما فقولنا: كأن زيدا عمرو.
إن سأل سائل فقال: ما وجه دخول الكاف هنا، وكيف أصل وضعها وترتيبها؟
فالجواب: أن أصل قولنا: كأن زيدا عمرو، إنما هو أن زيدا كعمرو، فالكاف هنا تشبيه صريح، وهي متعلقة بمحذوف، فكأنك قلت: إن زيدا كائن كعمرو، ثم إنهم أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذي هو عليه عقدوا الجملة، فأزالوا الكاف من وسطها، وقدموها إلى أولها، لإفراط١ عنايتهم بالتشبيه، فلما أدخلوها على إن من قبلها، وجب فتح إن، لأن المكسورة لا يتقدمها حروف الجر، ولا تقع إلا أولا أبدا، وبقي معنى التشبيه، الذي كان فيها وهي متوسطة بحاله فيها وهي متقدمه، وذلك قولهم: كأن زيدا عمرو، إلا أن الكاف الآن لما تقدمت، بطل أن تكون متعلقة بفعل، ولا معنى فعل، لأنها فارقت الموضع الذي يمكن أن تتعلق فيه بمحذوف، وتقدمت إلى أول الجملة، وزالت عن الموضع الذي كانت فيه متعلقة بخبر إن المحذوف، فزال ما كان لها من التعلق بمعاني الأفعال، وليست هاهنا زائدة، لأن معنى التشبيه موجود فيها، وإن كانت قد تقدمت، وأزيلت عن مكانها، وإذا كانت غير زائدة فقد بقي النظر في "أن" التي دخلت عليها، هل هي مجرورة بها أو غير مجرورة، فأقوى الأمرين عليها عندي أن تكون "أن" في قولك كأنك زيد، مجرورة بالكاف.
فإن قلت: إن الكاف الآن ليست متعلقة بفعل، فلم يجر به؟
стр. 292
قيل له: الكاف وإن لم تكن متعلقة بفعل، فليس ذلك بمانع من الجر بها، ألا ترى أن الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هي غير متعلقة بفعل، وهي مع ذلك جارة؟ ويؤكد عندك أيضا أنها هنا جارة، فتحهم الهمزة بعدها، كما يفتحونها بعد العوامل الجارة وغيرها، وذلك نحو قولك: عجبت من أنك قائم، وأعطيتك لأنك شاكر، وأظن أنك منطلق، وبلغني أنك كريم، فكما فتحت "أن" لوقوعها بعد العوامل قبلها موقع الأسماء، كذلك فتحت أيضا في كأنك قائم، لأن قبلها عاملا قد جرها، فاعرف ذلك.
ونظير هذا الكلام في أنه قد خلط بعضه ببعض، وصارت فيه كأن حرفا واحدا، مذهب الخليل في "لن"، وذلك أن أصلها عنده "لا أن"، وكثر استعمالها، فحذفت الهمزة تخفيفا، فالتقت ألف "لا" ونون "أن" وهما ساكنتان، فحذفت الألف من "لا" لسكونها وسكون النون بعدها، فصارت "لن" فخلطت اللام بالنون، وصار لهما بالامتزاج والتركيب الذي وقع بينهما حكم آخر.
يدلك على ذلك قول العرب: زيدا لن أضرب، فلو كان حكم أن المحذوفة مبقي بعد حذفها وتركيب النون مع لام "لا" قبلها، كما كان قبل الحذف والتركيب، لما جاز لزيد أن يتقدم على "لن" لأنه كان يكون في التقدير من صلة أن المحذوفة الهمزة، ولو كان من صلتها لما جاز تقدمه عليها على وجه.
فهذا يدلك أن الشيئين إذا خلطا حدث لهما حكم ومعنى لم يكن لهما قبل أن يمتزجا، ألا ترى أن لولا مركبة من "لو" و"لا" ومعنى "لو" امتناع الشيء لامتناع غيره، ومعنى "لا" النفي أو النهي. فلما ركبا معا حدث معنى آخر، وهو امتناع الشيء لوقوع غيره.
فهذا في "لن" بمنزلة قولنا كأن، ومصحح له، ومؤنس به، وراد على سيبويه ما ألزمه الخليل: من أنه لو كان الأصل "لا أن" لما جاز: زيدا لن أضرب، لامتناع جواز تقديم الصلة على الموصول، وحجاج الخليل في هذا ما قدمنا ذكره، لأن الحرفين حدث لهما بالتركيب ما لم يكن لهما مع الأفراد.
مضت المسألة الأولى.
стр. 293
المسألة الثانية:
قول عمرو بن شأس، وهو من أبيات الكتاب:
وكاء رددنا عنكم من مدجج ... يجيء أمام الألف يردي مقنعا١
وقال الآخر٢:
وكاء ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
إن سأل سائل فقال: ما تقول في كاء هذه، وكيف حالها؟ وهل هي مركبة أو بسيطة؟
стр. 294
فالجواب أنها مركبة، والذي علقته عن أبي علي عن أصحابنا، أن أصلها كأي، كقوله عز اسمه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ثم أن العرب تصرفت في هذه اللفظة، لكثرة استعمالها إياها، فقدمت الياء المشددة، وأخرت الهمزة، كما فعلت ذلك في عدة مواضع، نحو قسي وأشياء في قول الخليل، وشاك ولاث ونحوهما في قول الجماعة، وجاء وبابه في قول الخليل أيضا، وغير ذلك، فصار التقدير فيما بعد: كيأ، ثم إنهم حذفوا الياء الثانية تخفيفا، كما حذفوها في نحو: ميت وهين ولين، فقالوا: ميت، وهين، ولين، فصار التقدير كيء، ثم إنهم قلبوا الياء ألفا لانفتاح ما قبلها، كما قلبوها في طائي وحاري وآية في قول غير الخليل، فصارت كاء.
وأخبرنا أبو علي: قال: قرأت على أبي بكر في بعض كتب أبي زيد: سمعت أبا عمر الهذلي يقول في تصغير دابة: دوابة. قال أبو علي: أراد دويبة، فقلبت الياء ألفا. فهذا أيضا كما قلنا في كاء. وفيها لغات أخرى غير هذه.
يقال: كأي وكاء، وكأي بوزن كعين، وكأ بوزن كعن. حكى ذلك أحمد بن يحيى، فمن قال كأي فهي "أي" دخلت عليها الكاف، ومن قال كاء فقد شرحنا أمره، ومن قال كأي بوزن كعين، فأشبه ما فيه أنه لما أصاره التعبير على ما ذكرنا إلى كيء، قدم الهمزة، وأخر الياء، ولم يقلب الياء ألفا، وحسن له ذلك ضعف هذه الكلمة، وما اعتورها١ من الحذف والتغيير.
ومن قال: "كأ" بوزن كعن، فإنه حذف الياء من كيئ تخفيفا أيضا.
فإن قلت: إن في هذا إجحافا بالكلمة، لأنه حذف بعد حذف، قلت: ليس ذاك بأكثر من مصيرهم من أيمن الله إلى م الله وم الله. وإذا كثر استعمال الحرف حسن فيه ما لا يحسن في غيره: من التغيير والحذف، فاعرف ذلك إن شاء الله.
فهذه حال الكاف الجارة في مواقعها، وانقسامها، وتشعبها.
وأما الكاف غير الجارة فهي على ضربين:
أحدهما اسم، والآخر: حرف.
стр. 295
فأما الاسم فكاف المذكر والمؤنث المخاطبين. فكاف المذكر مفتوحة، وكاف المؤنث مكسورة، نحو: ضربتك يا رجل، وضربتك يا امرأة، فهذه اسم بدلالة دخول حرف الجر عليها، نحو مررت بك وبك، وعجبت منك ومنك.
وأما الكاف التي هي حرف، فالتي تأتي للخطاب، مجردة من الاسمية، وذلك نحو كاف ذلك، وذاك، وتيك، وتلك، وأولئك.
ومن العرب من يقول: ليسك زيدا، أي ليس زيدا، والكاف لتوكيد الخطاب. ومن ذلك: كاف ذانك وتانك، وأبصرك زيدا أي: أبصر زيدا. وكاف النجاءك، إذا أردت: انج، وكاف قوله عز اسمه: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ ١ [الإسراء: ٦٢] فهذه الكاف في هذه المواضع كلها حرف يفيد الخطاب، وليست باسم، والدلالة على ذلك، أن الكاف لو كانت في ذلك ونحوه من أسماء الإشارة، نحو: تلك وأولئك اسما، لم تخل من أن تكون مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة، فلا يجوز أن تكون مرفوعة، لأن الكاف ليست من ضمير المرفوع، ولا يجوز أيضا أن تكون منصوبة، لأنك إذا قلت: ذلك زيد، فلا ناصب هنا للكاف، ولا يجوز أيضا أن تكون مجرورة، لأن الجر إنما هو في كلامهم من أحد وجهين: إما بحرف جر، وإما بإضافة اسم، ولا حرف جر هنا، ولا يجوز أيضا أن يضاف اسم الإشارة، من قبل أن الغرض في الإضافة إنما هو التعريف، وأسماء الإشارة معارف كلها، فقد استغنت بتعريفها عن إضافتها، وإذا كان من شروط الإضافة أنه لا يضاف الاسم إلا وهو نكرة، فما لا يجوز أن ينكر البتة لا يجوز أيضا أن يضاف البتة، وأسماء الإشارة مما لا يجوز تنكيره، فلا يجوز أيضا إضافته، ولأجل ما ذكرناه أيضا لم تجز إضافة الأسماء المضمرة، لأنها لا تكون إلا معارف.
فإن قلت: فإذا كانت أسماء الإشارة لا تنكر البتة، فما تصنع بما حكاه أبو زيد من قولهم: هؤلاء قوم، ورأيت هؤلاء. قال: فنونوا وكسروا. قال: وهي لغة بني عقيل، والتنوين عندك في هذه المبنيات إنما يجيء علما للتنكير، نحو سيبويه وعمرويه وغاق غاق، وصه، وأيهات، وإيه، وحيهلا، وما أشبه ذلك، فكيف يكون هؤلاء نكرة، وهو اسم إشارة؟ وقد تقدم من قولك ما يمنع تنكير اسم الإشارة.
стр. 296
فالجواب من وجهين:
أحدهما شذوذ هذه الحكاية، وأنه لا نظير لها.
والآخر: ما كان يقوله أبو علي، وهو أنه إنما جاز أن ينكر هذا الاسم وإن كان اسم إشارة، من قبل أنه قد يجوز أن ينظر إلى قوم من بعيد، فيتشكك في الأشباح١: ناس هم أم غيرهم، فإنما نون هؤلاء من هذا الوجه، إلا أنك لا تقيسه لضعفه.
ويؤكد عندك أيضا أن هذه الكاف حرف، وليست باسم، ثبوت النون في: تانك وذانك، ولو كانت اسما لوجب حذف النون قبلها، وجرها هي بالإضافة، كما تقول: قام غلاماك وصاحباك وجاريتاك.
ويدل على ذلك أيضا قولهم: النجاءك، أي انج. ولو كانت الكاف اسما لما جازت إضافة ما فيه الألف واللام إليها، وكذلك قولههم أبصرك زيدا، لا يجوز أن يكون الكاف اسما، لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور به.
ألا تراك لا تقول: اضربك ولا أقتلك: إذا أمرته بضرب نفسه وقتله إياها، وكذلك أيضا قولهم: عندهم رجل ليسك زيدا، لا يجوز أن تكون الكاف اسما، لأنك قد نصبت زيدا، لأنه خبر ليس، ولو كانت الكاف منصوبة لما نصبت اسما آخر.
فإن قلت: فاجعل الكاف خبر ليس، واجعل زيدا بدلا من الكاف. فذلك خطأ، من قبل أن ضمير المخاطب لا يبدل منه بدل الكل، لأنه في غاية الوضوح والبيان، فلا حاجة به إلى الإبدال منه.
ألا ترى أنك لا تقول: أنك زيدا قائم، ولا ضربتك محمدا، على أن تجعل زيدا ومحمدا بدلا من الكاف.
وأما قولهم: "أرأيتك زيدا ما صنع؟ "، فإنما الكاف هنا أيضا للخطاب بمنزلة ما تقدم، ولا يجوز أن تكون اسما، لأن "زيدا" هو المفعول الأول، و"ما صنع" في موضع المفعول الثاني، فالكاف إذا لا موضع لها من الإعراب.
فإن قلت: فهلا جعلت الكاف هي المفعول الأول، وزيدا هو المفعول الثاني؟
стр. 297
فذلك غلط، من قبل أن السؤال إنما هو عن زيد في صنيعه، ولست تسأل عن المخاطب ما صنع؟ وأيضا فلو كانت الكاف هي المفعول الأول، وزيد هو المفعول الثاني، لجاز أن يقتصر على زيد، فتقول: أرأيتك زيدا، كما تقول: ظننتك زيدا، فحاجة زيد إلى ما بعده، يدل على أنه هو المفعول الأول، وأن ما بعده في موضع المفعول الثاني، وأيضا فإنا نجد معنى: أرأيتك زيدا ما صنع، وأرأيت زيدا ما صنع واحدا، فدل هذا على أن الكاف للخطاب، وليست مغيرة شيئا من الإعراب.
وأيضا فلو كانت الكاف هي المفعول الأول، وزيدا هو المفعول الثاني، لوجب أن تقول للمؤنث: أرأيتك زيدا، فتكسر التاء، كما تقول: ظننتك قائمة، ولوجب أن تقول للاثنين: أرأيتما كما الزيدين، كما تقول: ظننتماكما قائمين. وكذلك في الجماعة المذكرة والمؤنثة، فترك العرب هذا كله، وإقرارهم التاء مفتوحة على كل حال، يدل على أن لها وللكاف في هذا النحو مذهبا ليس لهما في غير هذا الموضع.
وإنما فتحت التاء في كل حال، واقتصر في علامة المخاطبين وعددهم على ما بعد التاء في قولك للرجل: أرأيتك زيدا ما صنع؟ وللمرأة: أرأيتك زيدا ما فعل؟ وأرأيتكما وأرأيتكم وأرأيتكن، بفتح التاء البتة، لأنها أخلصت اسما، وجعلت علامة الخطاب والعدد فيما بعد، فاعرف ذلك.
وهذه مسألة لطيفة عنت١ لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها، ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا في أمرها، وهي قوله عز اسمه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وما كان مثله.
أخبرني أبو علي عن أبي بكر محمد بن السري عن أبي العباس محمد بن زيد: أن الخليل يذهب إلى أن إيا اسم مضمر مضاف إلى الكاف. وحكي عن المازني مثل هذا القول المحكي عن الخليل، في أنه مضمر مضاف.
قال: وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن الأخفش، وأبو إسحاق عن أبي العباس غير منسوب إلى الأخفش: أنه اسم مفرد مضمر، يتغير آخره، كما تغير أواخر المضمرات، لاختلاف أعداد المضمرين، وأن الكاف في إياك كالتي في
стр. 298
ذلك، في أنه دلالة على الخطاب فقط، مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما حكي عنه إياك وإيا زيد، وإياي وإيا الباطل.
انتهت الحكاية عن أبي علي.
وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل: أنه سمع أعرابيا يقول: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب.
وحكى سيبويه أيضا عن الخليل أنه قال: لو أن قائلا قال: إياك نفسك لم أعنفه١.
وحكى ابن كيسان قال: قال بعض النحويين: "إياك" بكمالها: اسم. قال: وقال بعضهم: الياء والكاف والهاء هي الأسماء، وإيا عماد لا، لأنها لا تقوم بأنفسها.
قال: وقال بعضهم: إيا: اسم مبهم، يكنى به عن المنصوب، وجعلت الهاء والياء والكاف بيانا عن المقصود، ليعلم المخاطب من الغائب، ولا موضع لها من الإعراب، كالكاف في ذلك وأرأيتك. وهذا هو قول أبي الحسن الأخفش. قال: وقال بعضهم: الهاء والكاف والياء في موضع خفض.
قال: والدليل على هذا قول العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشراب. وهذا قول الخليل، واحتج ابن كيسان في هذا الفصل بحجاج لا غرض لنا في ذكره، وإنما أورده ما حكاه، لنتبعه من القول فيه ما تراه.
وقال أبو إسحاق الزجاج: الكاف في إياك في موضع جر بإضافة إيا إليها، إلا أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات، ولو قلت: إيا زيد حدثت كان قبيحا، لأنه خص به المضمر، وحكى ما رواه الخليل من إيا الشواب.
وتأملنا هذه الأقوال على اختلافها، والاعتلال لكل قول منها، فلم نجد فيها ما صيح مع الفحص والتنقير٢، غير قول أبي الحسن الأخفش.
стр. 299
أما قول الخليل إن إيا اسم مضمر مضاف، فظاهر الفساد، وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر، فلا سبيل إلى إضافته على وجه من الوجوه، لأن الغرض في الإضافة إنما هو التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص، فلا حاجة به إلى الإضافة.
فإن قلت: فقد قالوا ربه رجلا، وربها امرأة، فأدخلوا رب على المضمر، وهو عندك على نهاية الاختصاص، فما وجه ذلك؟
فالجواب: أنه إنما جاز دخول رب في هذا الموضوع على المعرفة لمضارعتها١ النكرة، بأنها أضمرت على غير تقدم ذكر، ومن أجل ذلك احتاجت إلى التفسير بالنكرة المنصوبة، نحو رجلا وامرأة، ولو كان هذا المضمر كسائر المضمرات لما احتاج إلى تفسير، وليس كذلك إياك وإياه وإياي، لأن هذه مختصة معروفة بمنزلة أنا وأنت وهو، فكما أن هذه مضمرات مختصة، فكذلك إيا، هي مضمرة مختصة، فهذا يفسد قول الخليل والمازني جميعا.
فأما ما حكاه سيبويه عنه من قولهم: فإياه وإيا الشواب، فليس سبيله مثله مع قلته أن يعترض على السماع والقياس جميعا، ألا ترى أنه لم يسمع منهم إياك وأيا الباطل ولا حكي عنهم تأكيد الهاء والكاف بعد إيا.
فأما قول الخليل: لو أن قائلا قال: إياك نفسك لم أعنفه، فهذا ليس بتصريح قول ولا محض إجازة، وإنما قاسه على ما سمعه من قولهم، فإياه وإيا الشواب، ولو كان ذلك قويا في نفسه، وسائغا في رأيه، لما قال: لم أعنفه، كما لا يقال في قول من قال: قام زيد، فرفع زيدا بفعله: إنك في هذا عندي غير معنف، وإنما يقال له أصبت ووافقت صحيح كلام العرب الذي لا معدل عنه. أو كلام هذا نحوه.
فأما قول من قال: إن إياك بكماله الاسم، فليس بقوي، وذلك إن إياك في أن فتحة الكاف تفيد الخطاب المذكر، وكسرة الكاف تفيد الخطاب المؤنث، بمنزلة أنت، في أن الاسم هو الهمزة والنون، والتاء المفتوحة تفيد خطاب المذكر، والتاء المكسورة تفيد خطاب المؤنث، فكما أن ما قبل التاء في أنت هو الاسم، والتاء حرف خطاب.
стр. 300
فكذلك "إيا" هو الاسم، والكاف بعدها حرف خطاب، أوَلا تراك تقول: إياك وإياكما وإياكم، كما تقول: أنت وأنتما وأنتم.
وأما من قال: إن الكاف والهاء والياء في إياك وإياي هي الأسماء، وأن "إيا" إنما عمدت بها هذه الأسماء لقلتها، فغير مرضي أيضا، وذلك أن إيا في أنه ضمير منفصل، بمنزلة أنا وأنت ونحن، وهو وهي، في أن هذه مضمرات منفصلة، فكما أن أنا وأنت ونحوها مخالف للفظ المرفوع المتصل، نحو التاء في قمت والنون والألف في قمنا، والألف في قاما، والواو في قاموا، بل هي ألفاظ أخر غير ألفاظ الضمير المتصل، وليس شيء منها معمودا به شيء من الضمير المتصل، بل هو قائم بنفسه، فكذلك "إيا" اسم مضمر منفصل، ليس معمودا به غيره، وكما أن التاء في "أنت" وإن كانت بلفظ التاء في: قمت، فليست اسما مثلها، بل الاسم قبلها هو "أن"، وهي بعده للخطاب، وليست "أن" عمادا للتاء، فكذلك "إيا" هي الاسم، وما بعدها يفيد الخطاب تارة، والغيبة تارة، والتكلم أخرى، وهو حرف، كما أن التاء في أنت حرف، وغير معمودة بالهمزة والنون من قبلها، بل ما قبلها هو الاسم، وهي حرف خطاب، فكذلك ما قبل الكاف في إياك اسم، وهي حرف خطاب، فهذا هو محض القياس١.
وأما قول أبي إسحاق إن "إيا" اسم مظهر خص بالإضافة إلى المضمر، ففاسد أيضا، وليس "إيا" بمظهر كما زعم، والدليل على أن إيا ليس باسم مظهر اقتصارهم به على ضرب٢ واحد من الإعراب، وهو النصب، كما اقتصروا بأنا وأنا ونحوهما على ضرب واحد من الإعراب، وهو الرفع.
فكما أن أنا وأنت وهو ونحن وما أشبه ذلك أسماء مضمرة، فكذلك "إيا" اسم مضمر، لاقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، ولم نعلم اسما مظهرا اقتصر به على النصب البتة، إلا ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية، وذلك نحو: ذات مرة، وبعيدات بين، وذا صباح، وما جرى مجراهن.
стр. 301
وشيئا من المصادر نحو: سبحان الله١، ومعاذ الله، ولبيك٢، وليس إيا ظرفا ولا مصدرا فيلحق بهذه الأسماء.
فقد صح إذن بما أوردناه سقوط هذه الأقوال، ولم يبق هنا قول يجب اعتقاده٣، ويلزم الدخول تحته، غير قول أبي الحسن إن "إيا" اسم مضمر، وإن الكاف بعده ليست باسم، وإنما هي للخطاب بمنزلة كاف ذلك، وأرأيتك، وأبصرك زيدا، وليسك عمرا، والنجاءك.
فإن قال قائل: فإذا كانت الكاف ليس اسما في إياك، فكيف يصنع أبو الحسن بقولهم إياه وإياي، ولا كاف هناك، وإنما هناك هاء وياء، ولم نرهم جردوا الهاء ولا الياء في نحو هذا من مذهب الاسمية، وأخلصوهما حرفين، كما فعلوا ذلك بكاف ذلك وهنالك.
فالجواب أنه لا يمتنع أن يكون الهاء والياء في إياه وإياي وتثنيتهما وجمعهما حروفا، كما كانت الكاف في إياك حرفا، أن يكون ما بعد "إيا" إنما اختلف لاختلاف أعداد المضمرين وأحوالهم، من الحضور والمغيب، ولسنا نجد حالا سوغت هذا المعنى للكاف، وانكفت عن الهاء والياء، ويؤكد أيضا صحة هذا المذهب عندك، أنا قد وجدنا غير الكاف لحقه من سلب الاسمية عنه، وإخلاصه للحرفية، ما لحق الكاف، وهو التاء في أنت، والألف في قول من قال: قاما أخواك، والواو في قول من قال: قاموا إخوتك، والنون في قول من قال: قمن الهندات، ألا ترى أن من قال أخواك قاما، فالألف عنده علامة الضمير والتثنية، وإذا قال: قاما أخواك، فالألف في قاما إنما هي مخلصة لمعنى التثنية، مجردة من مذهب الاسمية، لامتناع تقدم المضمر، وخلو الفعل من علم الضمير، بارتفاع الاسم الظاهر بعده.
стр. 302
وكذلك من قال: إخوتك قاموا، فالواو في قاموا علم الضمير والجمع، وإذا قيل قاموا إخوتك، فالواو علم الجمع مجردة من معنى الاسمية البتة، وكذلك القول في نون الجمع، نحو قولك الهندات قمن وقمن الهندات، فكما جاز لجميع هذه الأشياء أن تكون في بعض المواضع دالة على معنى الاسمية والحرفية، ثم تخلع عنها دلال الاسمية في بعض المواضع، فكذلك لا ينكر أن تكون الهاء والياء في نحو ضربه وضربني يدلان على معنى الاسمية والحرفية. فإذا قلت "إياه، وإياي" تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا لدلالة الحرفية.
فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل، وبه كان أبو علي ﵀ ينتصر لمذهب أبي الحسن ويذب١ عنه، ولا غاية في جودة الحجاج بعده.
ونحو من الكاف في ذلك وهنالك وإياك، الكاف في قولك للرجل: هاك، وللمرأة هاك، فالكاف هنا حرف لمعنى الخطاب. ويدلك على ذلك أن معنى هاك زيدا، أي خذ زيدا، فزيد هو منصوب هذا الفعل، ولا يتعدى إلى مفعولين، وقد كنا قدمنا أن زيدا في نحو هذا لا يجوز أن يكون بدلا من الكاف لو كانت اسما، وهو أن ضمير المخاطب لا يبدل منه، فيقال: ضربتك زيدا، على أن زيدا بدل من الكاف.
ويدلك على أن الكاف في هاك وهاك حرف لا اسم، إيقاعهم موقعها ما لا يكون اسما على وجه، وذلك قولك: هاء وهاء، وعلى هذا قوله : ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ٢ وعلى هذا قالوا للاثنين: هاؤما، وللنساء هاؤن، كما يقال: هاك، وهاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن.
وفيها لغة ثالثة، وهي أن تترك الهمزة مفتوحة على كل حال، وتلحقها كافا مفتوحة للمذكر، ومكسورة للمؤنث، فتقول: هاءك، وهاءكما، وهاءكم، وهاءك، وهاءكما، وهاءكن.
стр. 303
وفيها لغة رابعة، وهي قولك للرجل: هأ، بوزن هع، وللمرأة هائي، بوزن هاعي، وللاثنين وللاثنتين هاءا، بوزن هاعا، وللمذكرين هاءوا، بوزن هاعوا، وللنساء هأن، بوزن هعن.
فهذه اللغة تتصرف تصرف خف، وخافي، وخافا، وخافوا، وخفن، وهي لغة مع ما ذكرناه قليلة.
فأما ما أنشدنيه أبو علي من قول الشاعر:
أفاطم هاء السيف غير مذمم١
فالوجه في أن تكون على قول من كسر الهمزة للمؤنث، لأن القرآن بهذه اللغة نزل، ولغته أفصح اللغات.
وقد يجوز أن يكون على قول من قال للمرأة: هائي، بوزن خافي، إلا أنه حذف الياء من اللفظ، لسكونها وسكون السين الأولى من السيف، كما تقول في اللفظ: خافي السيف.
وفيه لغة خامسة، وهي أن تقول للواحد، والواحدة، والتثنية، والجمع "ها" على صورة واحدة، والذي ينبغي أن يحمل هذا عليه، أن تجعله بمنزلة صه٢، ومه٣، ورويدا٤، وإيه٥، وما أشبه ذلك مما يصلح للواحد والواحدة فما فوقهما.
واعلم أن من كلام العرب إذا قيل لأحدهم كيف أصبحت؟ أن يقول: كخير، والمعنى على خير.
стр. 304
قال أبو الحسن: فالكاف في معنى على، وقد يجوز عندي أن تكون في معنى الباء، أي بخير.
قال أبو الحسن: ونحو منه قولهم: كن كما أنت، أي كن على الفعل الذي هو أنت عليه.
انتهى الجزء الأول بحمد الله تعالى
ويليه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى
وأوله:
"حرف اللام"
стр. 305
الفهرس
...
الموضوع الصفحة
المقدمة ٣
ترجمة المؤلف ٧
النسخ الخطية ١٠
مقدمة المؤلف ١٥
التمهيد ١٩
باب أسماء الحروف ٥٥
ذكر الحروف على مراتبها ٥٩
باب الهمزة ٨٣
زيادة الهمزة ١٢١
باب الباء ١٣١
باب التاء ١٥٥
زيادة التاء ١٦٩
باب الثاء ١٨٣
باب الجيم ١٨٧
باب الحاء ١٩١
باب الخاء ١٩٥
باب الدال ١٩٧
باب الذال ٢٠١
باب الراء ٢٠٣
باب الزاي ٢٠٧
стр. 306
الموضوع الصفحة
باب السين ٢١١
باب الشين ٢١٧
باب الصاد ٢٢١
باب الضاد ٢٢٥
باب الطاء ٢٢٩
باب الظاء ٢٣٧
باب العين ٢٤١
باب الغين ٢٥٥
باب الفاء ٢٥٩
باب القاف ٢٨٧
باب الكاف ٢٨٩
الفهارس ٣٢٧
стр. 307
المجلد الثاني
باب اللام
الحديث عن اللام
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب اللام:
الحديث عن اللام:
اللام حرف مجهور يكون أصلًا وبدلًا، وزائدًا.
فإذا كان أصلًا؛ وقع فاءً وعينًا ولامًا؛ فالفاء: نحو لعب ولزم، والعين: نحو قلب وسلم، واللام: نحو شعل وجعل.
فاما قول الراجز١:
لما رأى أن لا دعة ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فالطجع٢
فإنه يريد: فاضطجع؛ فأبدل الضاد لامًا، وهو شاذ. وقد روي: فاضطجع. ويروى أيضًا: فاطجع، ويروى أيضًا: فاضجع.
وأبدلوا اللام من النون فى أصيلان فقالوا: أصيلال.
وإذا كانت اللام زائدة فهي على ضريبن:
أحدهما: أن تزداد فى الكلمة مبنية معها غير مفارقة لها.
والآخر: أن تزداد فيها لمعنى، ولا تكون صيغة الكلمة.
стр. 308
الأول من هذين؛ وذلك قولهم: أذلك، وأولالك، وهنالك, وعبدل، وزيدل، وفيشلة؛ فالذي بدل على زيادة اللام فى ذلك قولهم فى معناه: ذاك. ومعنى أولالك: أولئك.
قال١:
أولالك قومي لم يكونوا أُشَابة ... وهل يعظ الضِّلِّيل إلا أولالكا٢
وقولهم هنالك يدل على زيادة اللام فى هنالك. ومعنى عبدل كمعنى عبد. ومعنى زيدل معنى زيد. ومعنى فيشلة معنى فيشة.
قال الراجز٣:
وفيشة ليست كهذي الفيش ... قد ملئت من خرق وطيش
إذ بدت قلت أمير الجيش٤
ويقال: إن امرأة من العرب قالت٥:
وفيشة قد اشفتر حوقها
стр. 309
فسمعتها ابنتها، فقالت١:
دونكها يا أم لا أطيقها٢
وقد يمكن أن تكون فيشة من غير لفظ فيشلة؛ فتكون الياء فى فيشة عينًا، وتكون فى فيشلة زائدة، ويكون وزنها فيعلة، لأن زيادة الياء ثانية أكثر من زيادة اللام، فيكون اللفظان مقتربين، والأصلان مختلفين.
ونظير هذا قولهم: رجل ضياط٣ وضيطار، فالياء فى ضياط عين الفعل، وهي في ضيطار زائدة. قال الشاعر٤:
ونركب خيلًا لا هوادة بينها ... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر٥
وقال الآخر٦:
قد علقت أحمر ضياطيًا٧
وقالوا أيضًا: هيق، وهيقل٨، والقول فيهما القول فى فيشة، وفيشلة.
стр. 310
وقالوا للأفحج: فحجل١، فاللام في هذا زائدة لا محالة. قالوا: ومن هذا أيضًا قولهم: عدد طيس وطيسل للكثير.
وأنشدنا أبو علي:
حتى لحقنا بعديد من الطيس ... قد ذهب القوم الكرام ليسي٢
والقول فى هذا هو القول فى فيشة وفيشلة.
وقال محمد بن حبيب: ومنه قالوا للعنس: عنسل٣؛ فذهب إلى اللام من عنسل زائدة، وأن وزن الكلمة فعلل، واللام الأخيرة زائدة، حتى لو بنيت مثلها على هذا القول من ضرب لقلت: ضربل، ومن خرج: خرجل، ومن صعد: صعدل. وقد ترك محمد فى هذا القول مذهب سيبويه٤ الذي عليه ينبغي أن يكون العمل، وذلك أن "عنسل" عنده فنعل، وهي من العسلان، وهو عدو الذئب.
стр. 311
قال:
عسلان الذئب أمسى قاربًا ... برد الليل عليه فنسل١
والذي ذهب إليه سيبويه هو القول، لأن الزيادة ثانية أكثر من زيادة اللام، ألا ترى إلى كثرة باب قنبر، وعنصل٢، وقنفخر، وقنعاس، وقلة باب ذلك وأولالك.
ويلزم على ذلك أن تكون اللام فى فلندع زائدة، ويجعل وزنه فلنلل؛ لأنه الملتوي الرجل، فهو من معنى الفدع، وهذا بعيد فاسد.
ونظيره ازلغب الفرخ أي رغب، لاينبغي أن يقال: إن مثال ازلغب: افلعل. فهذه أحكام اللام المصوغة فى أمثلة الكلم وهي زائدة.
وأما اللام التي زيدت لمعنى وهي غير مصوغة فى الأمثلة؛ فلحقت في ثلاثة مواضع: الاسم، والفعل، والحرف.
لحاقها للأسماء وذلك أيضًا على ضربين: أحدهما أن تكون عاملة، والآخر أن تكون غير عاملة.
فأما العاملة فلام الجر، وذلك فى قولك: المال لزيد، والغلام لعمرو، وموضعها في الكلام الإضافة، ولها في الإضافة معنيان:
أحدهما الملك نحو: المال لزيد، أي: هو في ملكه.
والآخر الاستحقاق والملابسة، نحو: هذا الجل٣ للدابة، أي قد استحقته، ولا بسته، وكذلك: هذا الباب للدار.
стр. 312
واعلم أن هذه اللام الجارة مكسورة مع المظهر، نحو: الغلام لمحمد، ومفتوحة مع المضمر١، نحو: الغلام له. وأصلها وأصل كل حرف مفرد وقع في أول الكلمة أن يكون متحركًا بالفتح، نحو واو العطف، وفائه، وهمزة الاستفهام، ولام الابتداء.
فأما لام التعريف فسنذكر لم أسكنت إذا انتهينا من القول إلى ذكرها بإذن الله.
فقد كان ينبغي للام الجر أن تكون مفتوحة مع المظهر كما أنها مفتوحة مع المضمر٢؛ إلا أنها كسرت للفرق بينها وبين لام الابتداء، وذلك نحو قولك في الملك: إن زيدًا لِهَذا، أي هو في ملكه، وإن زيدًا لَهَذا، أي هو هذا؛ فلو فتحت فى الموضعين لالتبس معنى الملك بمعنى الابتداء.
فإن قلت: فإني أقول أيضًا: إن زيدًا لِأَمير، وإن زيدًا لَأَمير؛ فهلا فتحت في الموضعين، واعتمد فى البيان على الإعراب؟
ففي هذا شيئان: أحدهما أن الوقف يزيل الإعراب؛ فيعود اللبس.
والآخر أنه لما كان كثير من الأسماء لا يبين فيه إعراب نحو هذا وهذه، والذي والتي، والمقصور كله، وما أشبه ذلك؛ كرهوا أن يقع اللبس في ما لا يظهر إعرابه، فاحتاطوا، وأخذوا بالحزم، فكسروا اللام في ما يظهر إعرابه، وفي ما لا يظهر إعرابه، ليكون ذلك أنفى للشك وأحسم للشبهة؛ فهذا وجه كسرها مع المظهر.
وأما المضمر؛ فإنما تركت مفتوحة معه لأمرين:
قال بعضهم٣: إنما فتحت لام الجر مع المضمر لزوال اللبس؛ وذلك أن ضمير المجرور فى اللفظ غير ضمير المرفوع، وذلك قولك، إن هذا لك، أي في ملكك، وإن هذا لأنت، أي: أنت هو؛ فلما اختلفت علامتا الضمير؛ زال الشك، فلزمت اللام أصلها، وهو الفتح.
ويلزم من قال هذا القول عندي أن يكسرها في الموضع الذي يشبه فيه ضمير المرفوع ضمير المجرور، وذلك قولك: الزيدون أن هؤلاء الغلمان لهم، أي: في
стр. 313
ملكهم، وكذلك إذا أردت لام الابتداء؛ فإنك تقول: الزيدون إن هؤلاء الغلمان لهم، أي: هم هم. وكذلك قولك: الهندات إن هؤلاء الجواري لهن، أي: في ملكهن، وكذلك إذا أردت لام الابتداء، فقلت: الهندات إن هؤلاء الجواري لهن، أي: هؤلاء الجواري هن الهندات؛ فإذا كان الأمر كذلك فقد شابه المضمر فى هذا الفصل المظهر؛ فمن حيث وجب كسرها مع المظهر، فمن حيث وجب كسرها مع المظهر إذا جرت، وتركها مفتوحة إذا ابتدئ بها؛ فكذلك كان يلزم أن تقول: الزيدون إن هؤلاء الغلمان لهم، أي: في ملكهم، وكذلك إذا أردت لام الابتداء؛ فإنك تقول: الزيدون إن هؤلاء الغلمان لهم أي: هم هم.
هذا هو الظاهر فى الإلزام، إلا أن الذي ينبغي أن يعتد به في هذا الموضع أن يقال: لما كان أكثر الضمير يتبين فيه المرفوع من المجرور نحو: لك، ولأنت، ولي، ولأنا، وله، ولهو، ولنا، ولنحن، ولكما، ولأنتما؛ فلما كان الفرق في أكثره ماضيًا مستمرًا وثابتًا مستقرًا؛ حملت البقية التي قد يعرض فيها في بعض المواضع؛ لبس على ما لا يعترضه لبس.
فهذا أحد الاحتجاجين فى فتح اللام الجارة مع المضمر.
والقول الآخر: أن الإضمار يرد الأشياء في أكثر أحوالها إلى أصولها وقد تقدم ذكر ذلك في صدر هذا الكتاب. وأصل هذه اللام الفتح على ما قدمناه آنفًا، لأنها حرف وقع أولًا؛ فلزمت حركته، وكانت الفتحة أحق به؛ فلما كان أصل حركى هذه اللام الفتح، وكان الإضمار مما ترجع الأشياء فيه إلى أصولها تركت هذه اللام الجارة مع المضمر مفتوحة.
وهنا زيادة ما علمتها لأحد من أصحابنا، وهى أن يقال: إذا كان الفرق بين اللام الجارة ولام الابتداء واجبًا لما ذكرته من الفرق بين المعنيين، فَلِمَ كسرت الجارة وتركت لام الابتداء بحالتها مفتوحة؟
فالجواب عن هذا أن يقال: إن أول أحوال الاسم هو الابتداء؛ وإنما يدخل الرافع أو الناصب سوى الابتداء والجار على المبتدأ؛ فلما كان الابتداء متقدمًا في المرتبة، وكان فتح هذه اللام هو الأول المتقدم من حاليها؛ جعل الفتح الذي هو أول مع الابتداء الذي هو أول، ولما كان الكسر فيها إنما هو ثان غير أول؛ جعل مع الجر الذي هو تبع للابتداء، هذا هو القياس؛ فاعرفه إن شاء الله.
стр. 314
واعلم أن هذه اللام الجارة قد تفتح مع المظهر فى بعض اللغات، فيقال: المال لَزيد، بفتح اللام، نقلت من خط أبى بكر محمد بن السري، وقرأته بعد ذلك على أبى علي عن أبي العباس، قال: كان سعيد بن جبير يقرأ: "وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ" [إبراهيم: ٤٦] ١ فيفتح اللام، ويردها إلى أصلها، وذلك أن أصل اللام الجارة الفتح، انتهت الحكاية.
وحكي أن الكسائي سمع من أبي حزام العُكْلي: ما كنت لآتيك، ففتح لام كي.
وأما لام المستغاث به نحو: يا لَبكر، ويا لَلَّهِ؛ فلام جر، وإنما فتحت لأن المستغاث به منادى، والمنادى واقع موضع المضمر؛ فلذلك فتحت اللام كما تفتح مع المضمر.
وقد قيل: إنها إنما فتحت للفرق بينها وبين لام التعجب، نحو قوله٢:
يا لَلرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النهى طربا
وحدثني أبو علي قال: حكى أبو الحسن عن أبي عبيدة، والأحمر، ويونس أنهم سمعوا العرب تفتح اللام الجارة مع المظهر، قال: وقال أبو الحسن: وقد سمعته أنا منهم أيضًا.
стр. 315
وقال أبو زيد: سمعت من يقول "وَمَا كَانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَهُم"١ [الأنفال: ٣٣] بفتح اللام. وهذا من الشذوذ بحيث لايقاس عليه. وأشد منه ما حكاه اللحياني عن بعضهم أنه كسر اللام الجارة مع المضمر٢، فقال: المال له؛ وإنما كان هذا أشد من الأول من قبل أن أصل اللام الفتح؛ فإذا ردت في بعض المواضع على ضرب من التأول إليه؛ فله وجه من القياس. وأما الكسر ففرع، والحمل على الأصول أجوز من النزول إلى الفروع. ووجه جوازه أنه لما شبه المظهر بالمضمر فى فتح لام الجر معه نحو قراءة سعيد بن جبير وغيرها، كذلك شبه المضمر بالمظهر فى كسر لام الجر معه فى هذه الحكاية الشاذة. وكما شبهت الباء فى بزيد باللام فى لِزيد حتى كسرت مثلها؛ كذلك جاز أيضًا لبعضهم أن شبه الباء باللام؛ ففتحها مع المضمر كما يفتح اللام معه، وذلك أيضًا فى ما حكاه اللحياني من قول بعضهم: مررت به، بفتح الباء٣، وهذه التشابيه إنما تقع شبيهًا بالغلط، على أن أصحابنا فى كثير مما يحكيه اللحياني كالمتوقفين.
حكى أبو العباس عن إسحاق بن إبراهيم، قال: سمعت اللحياني ينشد:
كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد جليت علي عشار٤
فقلت له: ويحك! إنما هو: قد حلبت علي عشاري، فقال لي: وهذه أيضًا رواية.
стр. 316
ومما صحفه أيضًا قولهم في المثل، "يا حامل اذكر حلًا" كذا رواه "يا حامل" وإنما هو "يا حابل اذكر حلا"١ أي: يا من يشد الحبل اذكر وقت حله.
وذاكرت بنوادره شيخنا أبا علي؛ فرأيته غير راضٍ بها، وكان يكاد يصلي بنوادر أبي زيد إعظامًا لها، وقال لي وقت قراءتي إياها عليه: "ليس فيها حرف إلا ولأبي زيد تحته غرض ما" وهي كذلك، لأنها محشوة بالنكت والأسرار.
واعلم أن اللام في نحو قولهم: جئت لأكرمك، وقوله تعالي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١] ٢، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ٣، إنما هي حرف جر، وليست من خصائص الأفعال كلام الأمر، ولام القسم وغيرهما؛ وإنما الفعل بعدها منصوب ب "أن" مضمرة، والتقدير: جئت لأن أكرمك، فـ "أن" والفعل بعدها في تقدير المصدر، والمصدر اسم، فكأنه قال: جئت لإكرامك.
وقد زيدت اللام الجارة مؤكدة للإضافة نحو قولهم "لا أبا لك"، و"لا يدي لك بالظلم" أي: لا أباك، و: لا يديك، ونحو قول النابغة:
قالت بنو عامر: خالوا بني أسد ... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام٤
أي: يا بؤس الجهل.
стр. 317
وقد زادوها في أشد من هذا، قال:
فلا والله لا يفلي لما بي ... ولا للما بهم أبدًا دواء١
أي: لما بهم؛ فزاد لامًا أخرى مؤكدًا للإضافة بها. فهذه أحوال اللام العاملة فى الأسماء.
وأما اللام التي تلحق الأسماء وهي غير عاملة فيها؛ فعلى ضربين: أحدهما لام التعريف، والأخرى لام الابتداء.
فأما لام التعريف؛ فهى نحو قولك: الغلام، والجارية؛ فاللام هي حرف التعريف، وإنما دخلت الهمزة عليها لأنها ساكنة، فتوصلت إلى الابتداء بها بالهمزة قبلها، وقد ذكرنا فى باب الهمزة٢ لم فتحت هذه الهمزة، ولم تكسر.
وذهب الخليل٣ إلى أن "أل" حرف التعريف بمنزلة "قد" في الأفعال، وأن الهمزة واللام جميعًا للتعريف، وحكي عنه٤ أنه كان يسميها "أل" كقولنا "قد" وأنه لم يكن يقول الألف واللام، كما لا يقول في قد: القاف والدال.
ويقوي هذا المذهب قطع "أل" في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد:
يا خليلي اربعا واستخبرا الـ ... منزل الدارس عن أهل الحلال
مثل سحق البرد عفَّى بعدك الـ ... قطر مغناه وتأويب الشمال٥
стр. 318
وهذه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتًا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلا بيتًا واحدًا من جملتها؛ ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف؛ لما جاز فصلها من الكلمة التي عرّفتها، لا سيما واللام ساكنة، والساكن لا ينوى به الانفصال.
ويقوي ذلك أيضًا قول الآخر:
عجل لنا هذا وألحقنا بذا الـ ... الشحم إنا قد مللناه بجل١
فإفراده "أل" وإعادته إياها في البيت الثاني يدل من مذهبهم على قوة اعتقادهم لقطعها؛ فصار قطعهم "أل" وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة "قد" وهو يريد الفعل بعدها، وذلك قوله٢:
стр. 319
أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد١
ألا ترى أن التقدير فيه: "وكأنْ قد زالت"؛ فقطع "قد" من الفعل كقطع "أل" من الاسم. وعلى هذا قالوا أيضًا فى التذكر: "قام اَلِي" إذا نويت بعده كلامًا، أي: الحارث أو العباس؛ فجرى قولك في التذكر: "قدي"، أي: قد انقطع، أو قد قام، أو قد استخرج ونحو ذلك.
وإذا كان "اَلْ" عند الخليل حرفًا واحدًا؛ فقد كان ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة كقاف "قد" وباء "بل"؛ إلا أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف؛ عرف موضعه؛ فحذفت همزته، كما حذفوا "لم يَكُ"، و"لا أدرِ"، و"لم أبلْ".
ويؤكد هذا القول عندك أيضًا أنهم أثبتوا هذه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل البتة؛ وذلك نحو قول الله : ﴿أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] ٢،
стр. 320
و ﴿أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ١، ونحو قولهم في القسم: "أفألله"، و"لاها ألله ذا"، ولم نر همزة الوصل ثبتت في نحو هذا. فهذا كله يؤكد أن همزة "أل" ليست بهمزة وصل، وأنها مع اللام بمنزلة "قد" و"هل" ونحوهما.
وأما ما يدل على أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها؛ فهو إيصالهم جر الجار إلى ما بعد حرف التعريف، وذلك نحو قولهم: عجبت من الرجل، ومررت بالغلام، والغلام كالجارية؛ فنفوذ الجر بحرفه إلى ما بعد حرف التعريف؛ يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور؛ وإنما كان ذلك كذلك لأنه فى نهاية اللطافة والاتصال بما عرّفه.
وإنما كان كذلك لأنه على حرف واحد ولا سيما ساكن، ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين كـ "قد"، و"هل"؛ لما جاز الفصل له بين الجار والمجرور به؛ لأن "قد" و"هل" كلمتان بائنتان قائمتان بأنفسهما؛ ألا ترى أن أصحابنا٢ أنكروا على الكسائي وغيره قراءته ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] ٣ بسكون اللام من "ليَقْطَعْ" وكذلك ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ٤؛ لأن "ثم" قائمة بنفسها؛ لأنها على أكثر من حرف واحد، وليست كواو العطف وفائه؛ لأن تينك ضعيفتان متصلتان بما بعدهما؛ فلطفتا عن نية فصلهما وقيامهما بأنفسهما.