← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ومما صحفه أيضًا قولهم في المثل، "يا حامل اذكر حلًا" كذا رواه "يا حامل" وإنما هو "يا حابل اذكر حلا"١ أي: يا من يشد الحبل اذكر وقت حله. وذاكرت بنوادره شيخنا أبا علي؛ فرأيته غير راضٍ بها، وكان يكاد يصلي بنوادر أبي زيد إعظامًا لها، وقال لي وقت قراءتي إياها عليه: "ليس فيها حرف إلا ولأبي زيد تحته غرض ما" وهي كذلك، لأنها محشوة بالنكت والأسرار. واعلم أن اللام في نحو قولهم: جئت لأكرمك، وقوله تعالي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١] ٢، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ٣، إنما هي حرف جر، وليست من خصائص الأفعال كلام الأمر، ولام القسم وغيرهما؛ وإنما الفعل بعدها منصوب ب "أن" مضمرة، والتقدير: جئت لأن أكرمك، فـ "أن" والفعل بعدها في تقدير المصدر، والمصدر اسم، فكأنه قال: جئت لإكرامك. وقد زيدت اللام الجارة مؤكدة للإضافة نحو قولهم "لا أبا لك"، و"لا يدي لك بالظلم" أي: لا أباك، و: لا يديك، ونحو قول النابغة: قالت بنو عامر: خالوا بني أسد ... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام٤ أي: يا بؤس الجهل.

стр. 317

وقد زادوها في أشد من هذا، قال: فلا والله لا يفلي لما بي ... ولا للما بهم أبدًا دواء١ أي: لما بهم؛ فزاد لامًا أخرى مؤكدًا للإضافة بها. فهذه أحوال اللام العاملة فى الأسماء. وأما اللام التي تلحق الأسماء وهي غير عاملة فيها؛ فعلى ضربين: أحدهما لام التعريف، والأخرى لام الابتداء. فأما لام التعريف؛ فهى نحو قولك: الغلام، والجارية؛ فاللام هي حرف التعريف، وإنما دخلت الهمزة عليها لأنها ساكنة، فتوصلت إلى الابتداء بها بالهمزة قبلها، وقد ذكرنا فى باب الهمزة٢ لم فتحت هذه الهمزة، ولم تكسر. وذهب الخليل٣ إلى أن "أل" حرف التعريف بمنزلة "قد" في الأفعال، وأن الهمزة واللام جميعًا للتعريف، وحكي عنه٤ أنه كان يسميها "أل" كقولنا "قد" وأنه لم يكن يقول الألف واللام، كما لا يقول في قد: القاف والدال. ويقوي هذا المذهب قطع "أل" في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد: يا خليلي اربعا واستخبرا الـ ... منزل الدارس عن أهل الحلال مثل سحق البرد عفَّى بعدك الـ ... قطر مغناه وتأويب الشمال٥

стр. 318

وهذه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتًا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلا بيتًا واحدًا من جملتها؛ ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف؛ لما جاز فصلها من الكلمة التي عرّفتها، لا سيما واللام ساكنة، والساكن لا ينوى به الانفصال. ويقوي ذلك أيضًا قول الآخر: عجل لنا هذا وألحقنا بذا الـ ... الشحم إنا قد مللناه بجل١ فإفراده "أل" وإعادته إياها في البيت الثاني يدل من مذهبهم على قوة اعتقادهم لقطعها؛ فصار قطعهم "أل" وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة "قد" وهو يريد الفعل بعدها، وذلك قوله٢:

стр. 319

أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد١ ألا ترى أن التقدير فيه: "وكأنْ قد زالت"؛ فقطع "قد" من الفعل كقطع "أل" من الاسم. وعلى هذا قالوا أيضًا فى التذكر: "قام اَلِي" إذا نويت بعده كلامًا، أي: الحارث أو العباس؛ فجرى قولك في التذكر: "قدي"، أي: قد انقطع، أو قد قام، أو قد استخرج ونحو ذلك. وإذا كان "اَلْ" عند الخليل حرفًا واحدًا؛ فقد كان ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة كقاف "قد" وباء "بل"؛ إلا أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف؛ عرف موضعه؛ فحذفت همزته، كما حذفوا "لم يَكُ"، و"لا أدرِ"، و"لم أبلْ". ويؤكد هذا القول عندك أيضًا أنهم أثبتوا هذه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل البتة؛ وذلك نحو قول الله : ﴿أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] ٢،

стр. 320

و ﴿أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ١، ونحو قولهم في القسم: "أفألله"، و"لاها ألله ذا"، ولم نر همزة الوصل ثبتت في نحو هذا. فهذا كله يؤكد أن همزة "أل" ليست بهمزة وصل، وأنها مع اللام بمنزلة "قد" و"هل" ونحوهما. وأما ما يدل على أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها؛ فهو إيصالهم جر الجار إلى ما بعد حرف التعريف، وذلك نحو قولهم: عجبت من الرجل، ومررت بالغلام، والغلام كالجارية؛ فنفوذ الجر بحرفه إلى ما بعد حرف التعريف؛ يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور؛ وإنما كان ذلك كذلك لأنه فى نهاية اللطافة والاتصال بما عرّفه. وإنما كان كذلك لأنه على حرف واحد ولا سيما ساكن، ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين كـ "قد"، و"هل"؛ لما جاز الفصل له بين الجار والمجرور به؛ لأن "قد" و"هل" كلمتان بائنتان قائمتان بأنفسهما؛ ألا ترى أن أصحابنا٢ أنكروا على الكسائي وغيره قراءته ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] ٣ بسكون اللام من "ليَقْطَعْ" وكذلك ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ٤؛ لأن "ثم" قائمة بنفسها؛ لأنها على أكثر من حرف واحد، وليست كواو العطف وفائه؛ لأن تينك ضعيفتان متصلتان بما بعدهما؛ فلطفتا عن نية فصلهما وقيامهما بأنفسهما.

стр. 321

وكذلك لو كان حرف التعريف في نية الانفصال؛ لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف. وهذا يدل على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرفه؛ وإنما كان كذلك لقلته وضعفه عن قيامه بنفسه، ولو كان حرفين؛ لما لحقته هذه القلة، ولا جاز تجاوز حرف الجر له إلى ما بعده. ودليل آخر يدل على شدة اتصال حرف التعريف لما دخل عليه، وهو أنه قد حدث بدخوله معنى في ما عرفه لم يكن قبل دخوله، وهو معنى التعريف؛ فصار المعرف كأنه غير ذلك المنكر وشيء سواه؛ ألا ترى إلى إجازتهم الجمع بين رجل والرجل، غلام والغلام قافيتين في شعر واحد من غير استكراه ولا اعتقاد إيطاء؛ فهذا يدلك على أن حرف التعريف كأنه مبني مع ما عرفه، كما أن ياء التحقير مبنية مع ما حقرته، وكما أن ألف التكسير مبنية مع ما كسرته؛ فكما جاز أن يجمع بين رجلكم ورجيلكم قافيتين، وبين درهمك ودراهمكم؛ كذلك جاز أيضًا أن يجمع بين رجل والرجل؛ لأن النكرة شيء سوى المعرفة، كما أن المكبر غير المصغر، وكما أن الواحد غير الجمع؛ فهذا أيضًا دليل قوي يدل على أن حرف التعريف مبني مع ما عرفه أو كالمبني معه. فأما ما يحتج به الخليل١ من انفصاله عنه بالوقوف عليه عند التذكر؛ فإن ذلك لا يدل على أنه في نية الانفصال منه؛ لأن لقائل أن يقول: إنه حرف واحد؛ ولكن الهمزة لما دخلت على اللام، فكثر اللفظ بها أشبهت اللام بدخول الهمزة عليها من جهة اللفظ لا المعنى ما كان من الحروف على حرفين نحو "هل"، و"لو"، و"من"، و"قد"؛ فجاز فصلها فى بعض المواضع. وهذا الشبه اللفظي موجود في كثير من كلامهم؛ ألا ترى أن أحمد وبابه مما ضارع الفعل لفظًا؛ إنما روعيت فيه مشابهة اللفظ فمنع ما يتختص بالأسماء، وهو التنوين، وجذب إلى حكم الفعل من ترك التنوين.

стр. 322

ومن الشبة اللفظي ما حكاه سيبويه١ من صرفهم جَنَدِلًا وذَلَذِلًا؛ وذلك أنه لما فقد الألف التي فى جَنَادِل٢ وذَلَاذِل٣ من اللفظ أشبه الآحاد نحو، عُلَبِط٤ وخُزَخِز٥، فصرف كما صرفا؛ وإن كان الجميع من وراء الإحاصة بالعلم أنه لا يراد هنا إلا بالجمع؛ فغلب شبه اللفظ بالواحد وإن كانت الدلالة قد قامت من طريق المعنى على إرادة الجمع. ومن شبه اللفظ أيضًا أنك لو سميت رجلًا بـ "أَنْظُرُ"؛ لمنعته الصرف للتعريف ووزن الفعل، ولو سميته بـ "أَنْظُور" من قول الشاعر: وإنني حيث ما يُشري الهوى بصري ... من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور٦ لصرفته لزوال لفظ الفعل وإن كنا نعلم أن الواو إنما تولدت عن إشباع ضمة الظاء؛ وأن المراد عند الجميع "أنظر".

стр. 323

وأنشدنا أبو علي لعنترة: ينباع من ذفري غصوبٍ جسرة ... زيافة مثل الفنيق المكدم١ وقال: أراد "ينبع"، فأشبع فتحة الباء. فإن سأل سائل فقال: إذا كان "ينباع" إنما هو إشباع "ينبع"؛ فما تقول في "ينباع" هذه اللفظة إذا سميت بها رجلًا؟ أتصرفه معرفة أم لا؟ فالجواب: أن سبيله أن لا يصرف معرفة؛ وذلك أنه وإن كان أصله "ينبع"، فنقل إلى "ينباع"؛ فإنه بعد النقل قد أشبه مثالًا آخر من الفعل، وهو "ينفعل"، نحو "ينقاد"، و"ينحاز"؛ فكما أنك لو سميت رجلًا بـ "ينقاد" و"ينحاز"؛ لما صرفته معرفة؛ فكذلك ينباع وإن كان قد فقد لفظ ينبع، وهو يفعل؛ فقد صار إلى ينباع الذي هو بوزن ينحاز.

стр. 324

فإن قلت: إن ينباع: يفعال، وينحاز: ينفعل، وأصله يَنْحَوِز؛ فكيف يجوز أن تشبه ألف يفعال بعين ينفعل؟ فالجواب: أنا إنما شبهناه به شبهًا لفظيًا؛ فساغ١ لنا ذلك، ولم نشبهه شبهًا معنويًا؛ فيفسد ذلك علينا، على أن الأصمعي قد ذهب فى ينباع إلى أنه ينفعل، وقال: يقال: انباع الشجاع ينباع انبياعًا: إذا انخرط من الصف ماضيًا؛ فهذا ينفعل لا محالة لأجل ماضيه ومصدره، لأن انباع لا يكون إلا انفعل، والانبياع لا يكون إلا انفعالًا. وأنشد الأصمعي، وقراته على أبي سهل أحمد بن محمد عن أبي العباس محمد بن يزيد: يطرق حلمًا وأناة معًا ... ثمت ينباع انبياع الشجاع٢ فإذا جاز أن يعتقد في "ينباع" أنه ينفعل؛ فهو بأن يقوى شبهه، وهو يراد به يفعل، بينفعل نحو ينحاز وينقاد؛ أجدر. وهذا الشبه اللفظي أكثر من أن أضبطه لك؛ فكذلك جاز أن تشبه اللام لما دخلت الهمزة عليها فكثرتها فى اللفظ بما جاء من الحروف على حرفين نحو: "هل"، و"قد"، و"لو"، وكما جاز الوقوف عليها مع التذكر لما ذكرناه من مشابهتها قد، وبل؛ كذلك جاز أيضًا قطعها فى المصراع الأول ومجيء ما تعرف بها في المصراع الثاني نحو ما أنشدناه لعبيد، وما جرى مجراه.

стр. 325

وأما قوله سبحانه: ﴿أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ، وقوله: ﴿أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] ؛ فإنما جاز احتمالهم لقطع همزة الوصل مخافة التباس الاستفهام بالخبر، وأيضًا فقد يقطعون في المصراع الأول بعض الكلمة وما هو منها أصل، ويأتون بالبقية في أول المصراع الثاني؛ فإذا جاز ذلك فى أنفس الكلم، ولم يدل على انفصال بعض الكلمة من بعض؛ فغير منكر أيضًا أن يفصل لام المعرفة في المصراع الأول. ولا يدل ذلك على أنها عندهم في نية الانفصال، كما لم يكن ذلك في ما هو من أصل الكلمة، قال: يا نفسِ أكلا واضطجا ... عًا نفسِ لست بخالدة١ وهو كثير. ومنه قول الأعشى: حل أهلي ما بين دُرْنِي فبادو ... لي، وحلت عُلْوِيَّةً بالسِّخَال٢

стр. 326

وإذا جاز قطع همزة الوصل التي لا اختلاف بينهم فيها نحو ما أنشده أبو الحسن: ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدهر مني ومن جمل١ ونحو قول الآخر: يا نفس صبرًا كل حي لاقِ ... وكل إثنين إلى افتراق٢ وقول الآخر: إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... بنشر وتكثير الحديث قمين٣

стр. 327

فإنه يجوز قطع الهمزة التي هي مختلف في أمرها، وهي مفتوحة أيضًا، مشابهة لما لا يكون من الهمز إلا قطعًا، نحو همزة أحمر وأصفر ونحوهما، أولى وأجدر. فإن قال قائل: ما الفرق بينك وبين من قلب عليك هذه الطريق؟ فقال: ما تنكر أن يكون إفضاؤهم بجر الجار إلى ما بعد حرف التعريف في نحو: "مررت بالرجل"، و"نظرت إلى الغلام"؛ لم يجز من حيث اشتد امتزاج حرف التعريف بما عرفه على ما ذهبت إليه؛ بل إنما جاز تجاوز حرف الجر إلى ما بعد حرف التعريف وإن كان حرفه "ال" هذين الحرفين -أعني الهمزة واللام- من حيث اطرد الحذف في هذه الهمزة لكثرة استعمالها لها؛ فلما فقدت في الوصل من اللفظ، وثبتت اللام وحدها صارت كأنها هي حرف التعريف وحدها، وصارت الهمزة كأنها ليست من أصل حرف التعريف لحذفها في أكثر الأحوال. فالجواب عن هذه الزيادة: أن في جمعهم بين رجل والرجل، وغلام والغلام قافيتين في شعر واحد من غير استكراره ولا ضرورة إبطاء؛ ما دل على أن بين المعرفة فى هذا والنكرة فرقًا قد أبان أحدهما من صاحبه، وصيره كأنه كلمة أخرى، ولم يكن ذلك إلا لما دخل الكلمة من حرف التعريف الممازج لها المشابه لياء التحقير وألف التكسير في نحو رجيل ودراهم؛ فلما ضارعت لام التعريف ياء التحقير وألف التكسير وكانت تانيك مصوغتين في نفس المثال صوغ الأصول التي تتبارى في اللزوم؛ دل ذلك على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرفه، ولم يمازجه هذه الممازجه المؤكدة إلا بكونه على حرف واحد؛ ولا سيما ساكن، ولو كان حرفين بمنزله "هل"، و"بل"، و"قد"؛ لما اتصل بالاسم هذا لاتصال المفرط، لأنه كان يقدر فيه الانفكاك حينئذ والانفصال. فإن قال قائل: ألست تقول: مررت بهذا، فتجاوز عمل الباء إلى ذا؛ فتجره وبينهما "هاء" وهي على حرفين، فما تنكر أيضًا أن يكون حرف التعريف "آل" هذين الحرفين، أعني الهمزة واللام، ويكون تجاوز الجار لهما إلى ما بعدهما في نحو: مررت بالرجل كتجاوز الجار قبل "ها" إلى"ذا" في قولك: مررت بهذا؟ فالجواب: أن بين موضعين فرقًا، وذلك أن "ها" إنما معناها التنبيه، والتنبيه ضرب من التوكيد.

стр. 328

ألا ترى أنك إذا قلت: "السلام عليكم"؛ فأنت مخبر غير مؤكد؛ فإذا قلت: "ها السلام عليكم"؛ كنت بالتنبيه مؤكدًا؛ فلما كانت هذه حال "ها" ضارعت عندهم "ما" المؤكدة نحو قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ١، و: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ٢ أي: فبنقضهم، وعن قليل. فكما جاز لـ "ما" هذه أن تعترض بين الجار والمجرور مؤكدة كما زيدت "ما" في قوله" ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ ونحوه، وليس كذلك حرف التعريف؛ لأنه ليس الغرض فيه التوكيد؛ وإنما الغرض نقل النكرة إلى معنى المعرفة؛ فهذان معنيان كما تراهما متباينان٣، وأنت تجد معنى مررت بذا كذا معنى مررت بهذا، وليس بينهما أكثر من توكيد الكلام على المعنى الأول، ولا تجد بينهما الفرق الذي تجده بين مررت برجل، ومررت بالرجل؛ فدل هذا على أن اتصال حرف التعريف بما عرفه ليس كاتصال "ها" بما نبه عليه، قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] ٤. وقال الشاعر: وقفنا، فقلنا: ها السلام عليكم ... فأنكرها ضيق المجم غيور٥

стр. 329

وقال الآخر: ها إنها إن تضق الصدور ... لا ينفع القُل ولا الكثير١ وبذلك على أن "ها" لم يتجاوزها حرف الجر إلى "ذا" من حيث كانت شديدة الاتصال به على ما يظنه هذا السائل بيت الكتاب، وهو قوله: ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا ... فقلت: لها هذا لها ها وذا ليا٢ أي: وهذا ليا؛ فتقديم "ها" على حرف العطف بدل على أنه ليس متصلًا بـ "إذا". وإذا جاز أن يعترضوا بـ "ما" بين الجار والمجزوم وليس فيها غرض أكثر من التوكيد نحو قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] ٣، و ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] ٤، و ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾

стр. 330

[مريم: ٢٦] ١، و ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٨] ٢، مع أن الجازم أضعف من الجار؛ لأن عوامل الأفعال في الجملة أضعف من عوامل الأسماء؛ فالاعتراض بـ "ما" ومشابهتها "ها" بين الجار والمجرور؛ أولى بالجواز؛ فهذا عندي جواب هذه الزيادة والانفصال منها، وليس يجاب عنها بأبلغ ولا أحوط مما ذكرناه. فاعرفه إن شاء الله. فقد صح بما أوردناه ولخصناه واستقصيناه: أن حرف التعريف إنما هو اللام وحدها دون الهمزة، ويبقى ههنا بعد هذا كله أربعة سؤالات، وهي: أنه إذ صح أن اللام وحدها حرف التعريف؛ فما الذي دعاهم إلى أن جعلوا مفيد التعريف حرفًا واحدًا؟ فهذا سؤال واحد. والآخر: إذ جعلوه حرفًا واحدًا؛ فلم جعلوه ساكنًا؟ والثالث: إذ جعلوه حرفًا واحدًا ساكنًا؛ فلم جعلوه اللام دون سائر الحروف؟ الرابع: إذ جعلوه حرفًا واحدًا ساكنًا، وهو اللام؛ فلم جعلوه في أول الكلمة دون آخرها؟ واعلم أن الأجوبة عن هذه المسائل وإن اختلفت جهاتها؛ فإنها ترجع إلى تصحيح غرض واحد وتأكيده، وإذا كانت الأجوبة تنساق إلى وجه واحد؛ دل ذلك على صحتها في النفس وشهادة بعضها لبعض. فأما لِمَ جعل حرف التعريف حرفًا واحدًا؛ فقد تقدم من قولنا ما يكون جوابًا له، وهو أنهم لما أرادوا خلطه بما بعده ومزجه به لما أحدث فيه من انتقال المعنى؛ أشبعوا ما قصدوا له بأن جعلوه على حرف واحد ليضعف عن انفصاله مما بعده؛ فيعلم بذلك أنهم قد اعتزموا على خلطه به.

стр. 331

وأما لم سَكَّنُوه؛ فالجواب عنه أن تسكينه أشد وأبلغ في إضعافهم إياه وإعلامهم حاجته إلى ما اتصل به؛ لأن الساكن أضعف من المتحرك وأشد حاجة وافتقارًا إلى ما يتصل به. وأما لم اختاروا له اللام دون سائر حروف المعجم، فالجواب عنه أنهم إنما أرادوا إدغام حرف التعريف في ما بعده؛ لأن الحرف المدغم أضعف من الحرف الساكن غير المدغم، ليكون إدغامه دليلًا على شدة اتصاله وأقوى منه علية لو كان ساكنًا غير مدغم؛ فلما آثروا إدغامه١ في ما بعده لما ذكرناه اعتبروا حروف المعجم؛ فلم يجدوا فيها حرفًا أشد مشاركة لأكثر الحروف من اللام. وقد ذكرنا هذا وغيره من حال اللام عند ذكر مخارج الحروف ومدارجها في أول الكتاب؛ فعدلوا إلى اللام لأنها تجاور أكثر حروف الفم التي هي معظم الحروف، ليصلوا بذلك إلى الإدغام المترجم عما اعتزموه من شدة اتصال حرف التعريف بما عرفه؛ فيستدل بذلك على أنه قد نقله عن معنى التنكير إلى معنى التعريف كما نقلت ياء التحقير معنى التكبير، وأفادت التصغير، وكما أفادت ألف التكسير معنى الجمع بعد الإفراد، ولو جاءوا بغير اللام للتعريف؛ لما أمكنهم أن يكثر إدغامها كما أمكنهم ذلك مع اللام. وإدغامهم إياها مع ثلاثة عشر حرفًا، وهي: التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والنون، وذلك قولهم: التمر، الثريد، والدبس، والذرق٢، والرطب، والزبد، والسفرجل٣، والشعير، والصناب٤، والضرو٥، والطبخ٦، والظبي، والنبق٧.

стр. 332

ويدلك على إيثارهم الإدغام للام التعريف -لما قصدوا من الإبانة عن غرضهم- أنك لا تجد لام التعريف مع واحد من هذه الأحرف الثلاثة عشر إلا مدغمًا في جميع اللغات، ولا يجوز إظهارها ولا إخفاؤها معهن ما دامت للتعريف البتة، وأنك قد تجد اللام إذا كانت ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة غير مدغمة مع أكثر هذه الحروف الثلاثة عشر؛ وذلك نحو "التفت"، و"هل ثم أحد"، و"هل دخل"، و"ألزم به"، و"هل رأى ذلك أحد"، و"ألسنة"، وأنشدوا: تقول إذا أنفق مالًا للذة ... فكيهة هشيء بكفيك لائق١ أي: هل شيء؛ فأدغم، وليس ذلك بواجب كوجوب إدغام الشم، والشراب، ولا جميعهم يدغم هل شيء، ولا جميعهم يقرأ "بَتُّوثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا" [الأعلى: ١٦] قرأها الكسائي٢. وكذلك: "هَثُّوِّبَ الْكُفَّارُ" [المطففين: ٣٦] إنما قرأها بالإدغام الكسائي٣ أيضًا. وكذلك قول مزاحم العقيلي: فذر ذا ولكن هتعين متيمًا ... على ضوء برق آخر الليل ناصب٤ أي: هل تعين، وذلك غير واجب؛ وإنما هو جائز، فتحييرهم في هذه الأشياء بين الإدغام وتركه دائمًا، وإجماعهم مع لام التعريف على التزامه البتة؛ دليل قاطع على عنايتهم بإدغام حرف التعريف؛ وإنما ذلك لما ذكرت لك من تنبيههم على مزجه بما بعده.

стр. 333

وأما لِمَ جعلت لام التعريف في أول الاسم دون آخره؟ فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: هو اللطيف القوي -أنهم إنما خصوا لام التعريف بأول الاسم دون آخره من قبل أنهم صانوه، وشحوا عليه لحاجتهم إليه، فجعلوه في موضع لا يضاف فيه حرف صحيح البتة، واللام حرف صحيح وذلك الموضع هو أول الكلمة؛ ولما كان آخر الكلمة ضعيفًا قابلًا للتغيير في الوقف وغيره، وقد يحذف فيه أيضًا ما هو من أنفس الكلم نحو قولهم في الترخيم: "يا حار"، و"يا منص"١، وغير ذلك كرهوا أن يجعلوا اللام في آخر الاسم؛ فيتطرق عليها الحذف في بعض الأحوال مع قوة حاجتهم إليها وشدة عنايتهم بها؛ فحصنوها، واحتاطوا عليها بأن وضعوا في أول الاسم لتبعد عن الحذف والاعتلال؛ فهذا هو الجواب القوي الحسن اللطيف. والجواب الآخر: أنها حرف زائد لمعنى، وحرف المعاني في غالب الأمر إنما مواقعها في أوائل الكلم لا سيما وهي لام، فأجريت مجرى لام الابتداء، ولام الإضافة، ولام الأمر، وغير ذلك؛ فقدمت كما قدمن. والقول الأول هو الوجه، وهذا الثاني لا بأس به. قد أتينا على أحكام لام التعريف كيف حالها في نفسها، وأثبتنا من الحجاج في ذلك ما هو مقنع كاف، وبقي علينا أن نذكر مواقعها في الكلام، وعلى كم قسمٍ تتنوع فيه. اعلم أن لام التعريف تقع من الكلام فى أربعة مواضع، وهي: تعريف الواحد بعهد، وتعريف الوحد بغير عهد، وتعريف الجنس، وزائدة. الأول: نحو قولك لمن كنت معه في ذكر رجل: قد وافى الرجل، أي: الرجل الذي كنا في حديثه وذكره. الثاني: قولك لمن لم تره قط ولا ذكرته: يا أيها الرجل أقبل؛ فهذا تعريف لم يتقدمة ذكر ولا عهد.

стр. 334

الثالث نحو قولك: الملك أفضل من الإنسان، والعسل حلو، والخل حامض، وأهلك الناس الدينار والدرهم١؛ فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ولا مشاهدة له؛ لأن ذلك متعذر غير ممكن؛ لأنه لا يمكن أحد أن يشاهد جميع الدراهم، ولا جميع الدنانير، ولا جميع العسل، ولا جميع الخل، وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة، أفضل من كل واحد من الجنس الآخر، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو، وكل جزء من الخل الذي لا تمكن مشاهدة جميعه حامضًا. الرابع: قوله : ﴿الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] ؛ فالألف واللام في "الآن" زائدة، وكذلك لام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى في قول أبي الحسن٢، ولا أعرف لسيبويه فيه خلافًا. ولهذا نظائر٣ سأذكرها إن شاء الله ﵎. فالذي يدل على أن اللام في "الآن" زائدة؛ أنها لا تخلو من أن تكون للتعريف كما يظن مخالفنا أو تكون زائدة لغير التعريف كما نقول نحن. فالذي يدل على أنها لغير التعريف أنا اعتبرنا جميع ما لامه للتعريف؛ فإذًا إسقاط لامه جائز فيه، وذلك نحو: الرجل ورجل، والغلام وغلام، ولم يقولوا: "افعله آن"، كما قالوا: "افعله الآن". فدل هذا على أن اللام فيه ليست للتعريف، بل هي زائدة كما يزاد غيرها من الحروف، وإذا ثبت أنها زائدة؛ فقد وجب النظر في ما تعرف به الآن؛ فلا يخلو من أحد وجوه التعريف الخمسة، إما لأنه من الأسماء المضمرة٤، أو من

стр. 335

الأسماء الأعلام١، أو من الأسماء المبهمة٢، أو من الأسماء المضافة٣، أو من الأسماء المعرفة باللام٤. فمحال أن يكون من الأسماء المضمرة لأنها معروفة محدودة، وليس "الآن" واحدًا منها. ومحال أيضًا أن يكون من الأسماء الأعلام نحو زيد وعمرو؛ لأن تلك تخص الواحد بعينه، والآن يقع على كل وقت حاضر لا يخص بعض ذلك دون بعض، ولم يقل أحد أن الآن من الأسماء الأعلام. ومحال أيضًا أن يكون من أسماء الإشارة؛ لأن جميع أسماء الإشارة لا تجد فيه لام التعريف، وذلك نحو: هذا، وهذه، وذلك، وتلك، وهؤلاء، وما أشبه ذلك. وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن "الآن" إنما تعرفه بالإشارة، وأنه إنما بني لما كانت الألف واللام فيه لغير عهد متقدم؛ إنما تقول: "الآن كان كذا وكذا"، لمن لم يتقدم لك معه ذكر الوقت الحاضر. فأما فساد كونه من أسماء الإشارة؛ فقد تقدم. وأما ما اعتل به من أنه إنما بني لأن الألف واللام فيه لغير عهد متقدم؛ ففاسد أيضًا، لأنا قد نجد الألف واللام في كثير من الأسماء على غير تقدم عهد، وتلك الأسماء مع كون اللام فيها معربة؛ وذلك نحو قولك: يا أيها الرجل، ونظرت إلى هذا الغلام؛ فقد بطل بما ذكرنا أن يكون "الآن" من الأسماء المشار بها.

стр. 336

ومحال أيضًا أن يكون من الأسماء المتعرفة بالإضافة؛ لأنا لا نشاهد بعده اسمًا هو مضاف إليه؛ فإذا بطلت، واستحالت الأربعة الأوجه١ المقد ذكرها؛ لم يبق إلا أن يكون معرفًا باللام نحو الرجل والغلام. وقد دلت الدلالة على أن "الآن" ليس معرفًا باللام الظاهرة التي فيه؛ لأنه لو كان معرفًا بها؛ لجاز سقوطها منه؛ فلزوم هذه اللام الآن؛ دلالة على أنها ليست للتعريف، وإذا كان معرفًا باللام لا محالة، واستحال أن تكون التي فيه هي التي عرفته؛ وجب أن يكون معرفًا بلام أخرى محذوفة غير هذه الظاهرة التي فيه، بمنزلة أمس في أنه تعرف بلام مرادة، والقول فيهما واحد؛ ولذلك بنيا لتضمنهما معنى حرف التعريف. وهذا رأي أبي علي، وعنه أخذته، وهو الصواب الذب لا بد من القول به. وأما الألف واللام في "الذي" و"التي" وبابهما من الأسماء الموصولة؛ فيدل على زيادتها وجودك أسماء موصولة مثلها معراة من الألف واللام وهي مع ذلك معرفة، وتلك: من، وما وأي في نحو قولك: "ضربت من عندك"، و"أكلت ما أطعمتني"، و"لأضربن أيهم يقوم"؛ فتعرف هذه الأسماء التي هي أخوات الذي والتي بغير لام، وحصول ذلك لها بما تبعها من صلاتها دون اللام؛ يدل على أن الذي إنما تعرفه بصلته دون اللام التي فيه، وأن اللام فيه زائدة؛ إلا أنها زيادة لازمة. فإن قال قائل: فما كانت الحاجة إلى زيادة اللام في الذي والتي ونحوهما حتى أنها لما زيدت لزمت؟ فالجواب: أن "الذي" إنما وقع في الكلام توصلًا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكرات، ألا تراها تجري أوصافًا على النكرات في نحو قولك: مررت برجل أبوه كريم، ونظرت إلى غلام قامت أخته؛ فلما أريد مثل هذا في المعرفة بم يمكن أن تقول: مررت بزيد أبوه كريم؛ على أن تكون الجملة وصفًا لزيد؛ لأنه قد ثبت أن الجملة نكرة، ومحال أن توصف المعرفة بالنكرة؛ فجرى هذا في الامتناع مجرى امتناعهم أن يقولوا: "مررت بزيد كريم" على الوصف؛ فإذا كان الوصف جملة نحو: مررت برجل أبوه كريم؛ لم يكن إذا أرادوا وصف المعرفة بنحو ذلك أن يدخلوا اللام

стр. 337

على الجملة؛ لأن اللام من خواص الأسماء، فجاءوا بـ "الذي" متوصلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة لـ "الذي" فقالوا: مررت بزيد أبوه منطلق، وبهند التي قام أخوها؛ فألزموا اللام هذا الموضع لما أرادوا التعريف للوصف ليعلموا أن الجملة الآن قد صارت وصفًا لمعرفة؛ فجاءوا بالحرف الذي وضع للتعريف، وهو اللام، فأولوه "الذي" ليتحصل لهم بذلك لفظ التعريف الذي قصدوه، ويطابق اللفظ المعنى الذي حاولوه. ونظير هذا أنهم لما أرادوا نداء ما فيه لام المعرفة، ولم يمكنهم أن يباشروه بـ "يا" لما فيها من التعريف والإشارة؛ توصلوا إلى ندائها بإدخال أي بينهما، فقالوا: يا أيها الرجل؛ فالمقصود بالنداء هو الرجل، و"أي" وصلة إليه كما أن القصد في قولك: "مررت بالرجل الذي قام أخوه" أن يوصف الرجل بقيام أخيه؛ فلما لم يمكنهم ذلك لما ذكرناه توصلوا إليه بـ "الذي". فإن قال قائل: إن الأسماء الموصولة كثيرة؛ فلم اقتصروا في وصف المعرفة على "الذي" دون "ما" و"من" و"أي"؟ وهلا قالوا: "مررت بزيد المن١ أخوه منطلق"، و"نظرت إلى محمد المن قام صاحبه"، كما تقول: "الذي أخوه منطلق" و"الذي قام صاحبه"؟ فالجواب: أنهم إنما قصدوا في هذا الموضع إصلاح لفظ الوصف على ما تقدم من قولنا، ولم يكن ينبغي مع الاحتياط لذلك أن يعدلوا إلى "من" و"ما" و"أي" دون "الذي"؛ وذلك أن "من" و"ما" كل منهما على حرفين، وليس في أوصاف شيء على حرفين؛ وإنما أقل ذلك ثلاثة نحو صعب، وخدل٢، وبطل، ونجد، ومرس٣؛ فلما قل لفظ "ما" و"من" عن عدد الأوصاف، وكان أصل "الذي" ثلاثة أحرف، وهو "لذي" كملت فيه العدة التي يكون عليها الوصف، وذلك نحو: "مَحِك" و"غَرِض" و"مَرِح"، فقالوا: "مررت بزيد الذي قام أخوه"، كما تقول: "مررت بزيد العمي، والمكان الندي".

стр. 338

فإن قلت: فـ "أي" أيضًا على ثلاثة أحرف؛ فهلا دخلت اللام عليها، فقيل: "مررت بزيد الأي أخوه منطلق"، كما تقول: "الذي أخوه منطلق"، ويكون "الأي" في الوصف بمنزلة "الرث"١ و"الصب"٢ و"الخب"٣، كما كان "الذي" منزلة "العمي" و"الجوي"٤ و"الندي"؟ فالجواب: أن في "أي" سرًا يمنع من هذا الذي سُمْتَه فيها، وأن الحكمة في عدولهم عنها إلى "الذي"؛ وذلك أن "أيًا" في أي موضع وقعت من كلامهم من الخبر والاستفهام والشرط والتعجب؛ فليست منفكة من معنى الإضافة؛ لأنها أبدًا بعض من كل؛ فلا بد من اعتقاد إضافتها وإرادتها لفظًا أو معنى فيها؛ فلما شاع فيها معنى الإضافة بعدت عن الصفة، فلم توضع موضعًا يُقْتَصر بها لأجله على الصفة البتة كما فعل ذلك بـ "الذي"؛ وإنما منعت الإضافة من ذلك لأنها تنافر الصفة في اللفظ والمعنى، أما في اللفظ: فلأن كل صفة معرفة، فلا بد فيها من لام المعرفة على ما تقدم، ولام المعرفة لا تجامع الإضافة لأنهما يتعقبان الكلمة، فلا يجتمعان معًا، فأما قولهم: "الحسن الوجه"، و"الكريم الأب" وبابهما؛ فإن الإضافة فيهما غير محضة٥، وتقدير الانفصال فيهما واجب، ألا ترى أن المعنى: "الحسن وجهه"، و"الكريم أبوه"؛ على أن هذا الاتساع في اللفظ بالجمع بين اللام والإضافة إنما جاء في الصفات المشتقة من الأفعال٦ نحو: الحسن من حَسُنَ، والظريف من ظَرُفَ، و"أي" ليست بصفة ولا جارية على فعل؛ فبعدت من أحكام الصفات.

стр. 339

وأما المعنى؛ فلأن الإضافة تكسب التعريف والتخصيص، والصفة مشابهة للفعل، والفعل لا يكون إلا للنكرة؛ فأما "الذي" فتعرفه بالصلة دون اللام على ما قدمنا. فإن قلت: فإذا كانت الصفة مشابهة للفعل، والفعل لا يكون معرفة أبدًا؛ فما بالك تقول: "مررت بزيد أخي عمرو"؛ فتصف "بأخي عمرو" وهو مضاف إضافة محضة إلى اسم علم؟ فالجواب: أن قولنا: "مررت بزيد أخي عمرو"، و"نظرت إلى هند بنت محمد"، ونحوه؛ ليست بصفات محضة؛ وإنما هي في الحقيقة عطف بيان، ولكن النحويين أطلقوا عليها الوصف لأنها تفيد ما تفيد الأوصاف، ألا ترى أن معنى "مررت بزيد أخي عمرو" كمعنى "مررت بزيد المعروف بِأُخُوَّة عمرو"، وكذلك "مررت بهند بنت محمد"؛ إنما معناه "مررت بهند المشهورة" ببنوة محمد؛ فلما كان المعنى معنى الصفات؛ جاز أن يطلق عليها أنها صفات اتساعًا لا حقيقة، وكيف يكون ذلك وقد أجمعوا أنه لا تكون الصفة معرفة إلا باللام. ونظير هذا الإطلاق في الوصف في هذا الموضع قولهم في مررت بهذا الرجل: إن الرجل صفة لهذا، وليس في الحقيقة بصفة؛ لأن الصفة لا بد من أن تكون مأخوذة من فعل أو راجعة إلى معنى الفعل، وليس الرجل ونحوه مما بينه وبين الفعل نسبة؛ ولكنه لما كان "هذا" و"الرجل" في هذا الموضع كالشيء الواحد، والثاني منهما يفيد الأول بيانيًا وإيضاحًا، أشبه ذلك حال الصفة الصريحة نحو مررت بزيد الكريم، ونظرت إلى محمد العاقل؛ فجاز لهم أن يسموا الرجل ونحوه وصفًا مجازًا لا حقيقة؛ فلأجل ما شرحناه فى حال أي ما عدلوا عنها لتضمنها معنى الإضافة إلى الذي لأنه ليس فيه معنى إضافة، ولا ما ينافي الصفة لفظًا ولا معنى. وكذلك "الاتي" و"اللائي"؛ لأنهما بوزن "القاضي" و"الداعي"، واللاء بوزن قولهم: "رجل مالٌ ونالٌ"، و"يوم راحٌ"١، و"كبش صاف"، و"الألى بوزن الحطم"٢، و"اللبد"٣،

стр. 340

و "اللواتي" بوزن "الجواري" و"الغواني" جمع غانية، فاعرف هذه النكت؛ فقد استودعتها ما لا يكاد كتاب ينطوي عليه للطفه. ولأجل ما ذكرناه من أن "الذي" إنما وقع في الكلام وصفًا لا محالة ما وجب عندهم أن يعود ضميره عليه أبدًا بلفظ الغيبة لا الحضور، وذلك قولك: "أنت الذي قام أخوه"، ولا تقول: "أخوك" إلا في ضرورة شعر، و"أنا الذي قام صاحبه"، ولا تقول "صاحبي" إلا للضرورة؛ وإنما ذلك لأن التقدير: "أنا الرجل الذي قام صاحبه"، و"أنت الرجل الذي قام أخوه"، كما قال طرفة١: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد٢ ولم يقل: الذي تعرفونني. وعلى هذا كلام العرب الفصيح. وقد جاء أيضًا الحمل فى مثل هذا على المعنى دون اللفظ، قال٣: وأنا الذي قتَّلْت بكرًا بالقنا ... وتركت تغلب غير ذات سنام٤ فقال: قتلت، ولم يقل: قتل.

стр. 341

وأنشدني أبو علي: يا أبجر بن أبجر يا أنتا ... أنت الذي طلقت عام جعتا قد أحسن الله وقد أسأتا١ فقال: طلقت، ولم يقل طلق، وله نظائر. قال أبو عثمان في كتاب الألف واللام: ولولا أنا سمعناه من الثقة يرويه؛ لما أجزناه. فهذه أحوال اللام في الذي وبابه. وأما اللات والعزى؛ فذهب أبو الحسن٢ إلى أن اللام فيها زائدة. والذي يدل على صحة مذهبه أن اللات والعزى علمان بمنزلة يغوث٣، ويعوق٤، ونسر٥، ومناة٦، وغير ذلك من أسماء الأصنام، فهذه كلها أعلام وغير محتاجة في تعريفها إلى اللام، وليست من باب الحارث والعباس من الأوصاف التي نقلت، فجعلت علمًا، وأقرت فيها لام التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها، فتحمل على ذلك؛ فوجب أن تكون اللام فيها زائدة، ويؤكد زيادتها فيها أيضًا لزومها إياها كلزوم لام "الآن" و"الذي" وبابه.

стр. 342

فإن قلت: فقد حكى أبو زيد: "لقيته فينة والفينة"، وقالوا للشمس "إلاهة" و"الإلاهة"، وليست "فينة" ولا "إلاهة" بصفتين؛ فيجوز تعريفهما وفيهما اللام كالحارث والعباس. فالجواب: أن "فينة" و"الفينة"١ و"إلاهة" و"الإلاهة" مما اعتقب عليه تعريفان: أحدهما بالألف واللام، والآخر بالوضع والعلمية، ولم نسمعهم يقولون "لات" ولا "عزى" بغير لام؛ فدل لزوم اللام على زيادتها وأن ما هي فيه ليس مما اعتقب عليه تعريفان. وأنشدنا أبو علي٢: أما ودماء لا تزال كأنها ... على قنة العزى وبالنسر عندما٣ قال أبو علي: "واللام في النسر زائدة" وهو كما قال؛ لأن النسر بمنزلة "عمرو". واعلم أنك لا تجد في كلامهم اسمًا يغلب على واحد من أمته وفيه لام التعريف لازمة له إلا وهو مشتق أو مشتق منه صفة كان أو مصدرًا؛ فالصفة نحو الحارث والعباس والحسن والمظفر. ألا ترى أن أصل هذا أن تقول: "مررت برجل الحارث"، و"نظرت إلى آخر عباس"، و"جاءني الحارث". والمصدر نحو: "الفضل" و"العلاء"؛ وإنما دخلتهما اللام لأنك قدرتهما قبل على قول من قال: "مررت برجل فضل"، و"كلمني رجل علاء"، كما يقول:

стр. 343

ماء غور١، ورجل عدل، ثم صار التقدير: مررت بالرجل الفضل والعلاء، ثم نقلته إلى العلم وفيه اللام، فأقررتها فيه على أنه الشيء بعينه، كما قال الخليل٢ في الحارث والعباس. وقد يجوز في "العزى" أن تكون تأنيث الأعز بمنزلة الفضلى من الأفضل، والكبرى من الأكبر، والصغرى من الأصغر؛ فإذا كان ذلك كذلك فاللام في "العزى" ليست بزائدة، بل هي فيها على حد اللام في الحارث والعباس والخليل. والوجه هو القول الأول وأن تكون زائدة؛ لأنا لم نسمع في الصفات العزى كما سمعنا فيها الصغرى والكبرى. فإن قلت: فإنا لم نسمعهم أيضًا قالوا: "رجل علاء"، ولا: "مررت بالرجل العلاء"، وقد أجزت أنت أن تكون بمنزلة "رجل عدل" و"فطر" فإذا أجزت اعتقاد الصفة بالمصدر الذي ليس بصفة على الحقيقة، وإنما هو واقع موقع الصفة الصريحة؛ فأنت باعتقاد "العزى" أن تكون صفة محضة جارية على الموصوف؛ لأنها من أمثلة الصفات نحو الفضلى، والكوسى، والحسنى أجدر. فالجواب أن اعتقاد الوصف في المصادر -وإن لم تجر أوصافًا مستعملة في اللفظ- أجدر من اعتقاد مثال الصفة وصفًا إذا لم يجر به استعمال؛ وذلك أن المصدر ليس في الأصل مما سبيله أن يوصف به؛ وإنما جرى في بعض المواضع وصفًا على أحد أمرين: إما على اعتقاد حذف المضاف، وإما على جعل الموصوف الذي هو جوهر عرضًا للمبالغة، ولولا اعتقاد أحد هذين المعنيين؛ لما جاز وصف الجوهر بالمصدر الذي هو عرض؛ لأن حكم الوصف أن يكون وفق الموصوف، وإذا كان الأمر كذلك؛ فغير منكر أن يعتقد في ترك إجرائهما المصدر وصفًا أنه إنما فعل به ذلك لأنه ليس مما سبيله في الحقيقة أن يوصف به، ولذلك قل الوصف به إل اللفظ، واستنكر؛ فغير خطأ أن يعتقد وصفًا في المعنى وإن لم يخرج الوصف به إلى اللفظ, والصفات الصريحة ليست كذلك لأنها مما حكمه وسبيله أن يستعمل في اللفظ صفة كما يستعمل في المعنى؛ فترك إجرائهم الصفة الصريحة صفة في اللفظ على أنهم قد هجروها صفة في المعنى،

стр. 344

إذ لو كانت مقدرة في المعنى صفة للزوم خروجها على ذلك إلى اللفظ؛ إذ ليس إجراء الصفة في اللفظ صفة مستكرهًا. وأما المصدر فجريانه وصفًا في اللفظ فيه استكراه؛ فغير منكر أن يمتنع منه في اللفظ ويعتقد في المعنى؛ وإنما جاز اعتقاده في المعنى وأن لم يكن الوصف بالمصدر في قوة الوصف بصريح الصفة؛ لأنه وإن كان كذلك؛ فهو على كل حال جائز مستعمل في بعض المواضع، فاعرف ذلك إن شاء الله. ونظير هذا الذي أريتك قول سيبويه١ في عدة إذا سميت به رجلًا أن تقول: عدات، وعدون؛ فتجيز جمعه بالتاء، وبالواو وبالنون، ولا يمنع من ذلك فيه وإن كان قبل التسمية به؛ لم يجمع؛ وإنما جاز فيه الجمع بالتاء، وبالواو والنون بعد التسمية به وإن لم يكن ذلك جائزًا ولا مسموعًا فيه قبل التسمية من قبل أنه كان قبل التسمية مصدرًا، والمصادر يقل الجمع فيها؛ فلما سمي به خرج عن مذهب المصدر إلى الاسمية؛ فلحق بـ "سنة" و"عضة"؛ فجرى عليه ما يجري عليهما من جواز الجمع لأنهما ليسا مصدرين. أفلا ترى إلى سيبويه٢ كيف احتج لترك جمعهم عدة وهي مصدر بأن المصادر يضعف جمعها؛ فيقبح في اللفظ، فكذلك أيضًا يضعف في القياس أن تجري المصادر أوصافًا إلا على ضرب من التأول؛ فلما ضعف ذلك فيها القياس؛ قل استعمالهم إياها في اللفظ أوصافًا، وحصل فيه بعض الاستكراه؛ فلذلك لم يسمع عنهم: مررت بالرجل العلاء لضعف جريان المصادر أوصافًا في القياس، فمن هنا جفا ذلك في اللفظ وإن كان قد يجوز تخيله على ضرب من التوسع في المعنى. فأما العزى فمن امثلة الأوصاف بمنزلة الصغرى والكبرى؛ فلو اعتقدوا الوصف بها لما منع من خروجها إلى اللفظ صفة مانع؛ فمن هنا ضعف أن تكون "العزى" صفة وتأنيث الأعز، وذا لم تكن صفة فاللام فيها زائدة كما قال أبو الحسن.

стр. 345

فهذا ما اقتصاه الوارد إلى عنهم في باب "العزى" إذ كنت لم أسمعها وصفًا؛ فإن وجدتها قد استعملت وصفًا في شعر قديم، أو حكاها بعض الثقات في كتابه أنها صفة، وأنها تأنيث الأعز بمنزلة الفضلى من الأفضل، والكبرى من الأكبر، والصغرى من الأصغر؛ فاللام فيها بمنزلة اللام في "العباس" و"الخليل" ونحو ذلك، وليست بزائدة على ما ذكر أبو الحسن، على أنه ﵀ كان من سعة الرواية بحيث لا ينستر١ عليه حال هذه اللفظة، ولو علم أنها قد استعملت صفة لما قطع بزيادة اللام، ولما ألحقتها بـ "اللات". فأما "اللات"؛ فلا إشكال٢ مع ما قدمناه من كونها غير صفة أن اللام فيها زائدة، وكذلك اللام فيها أيضًا في قراءة من قرأ: "أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتِ" [النجم: ١٩] ٣، بكسر التاء؛ لأنها أيضًا ليست بصفة. فأما اللام في الاثنين من قولك: "اليوم الاثنان"؛ فليست بزائدة وإن لم يكن الاثنان صفة. قال أبو العباس: وإنما جاز دخول اللام عليه لأن فيه تقدير الوصف، ألا ترى أن معناه "اليوم الثاني"، وكذلك أيضًا اللام في الأحد، والثلاثاء، والأربعاء ونحوها، لأن تقديرها: الواحد، والثالث، والرابع، والخامس، والجامع، والسابت. والسِّبْت: القطع. وقيل: إنه سمي بذلك لأن الله جل وعز خلق السموات والأرض في ستة أيان أولها الأحد، وآخرها الجمعة، فأصبحت يوم السبت منسبتة، أي: قد تمت وانقطع العمل فيها. وقيل: سمي بذلك لأن اليهود كانوا ينقطعون فيه عن تصرفهم؛ ففي كلا القولين معنى الصفة موجود فيه.

стр. 346

فأما ما أنشدناه أبو علي عن أبي عثمان١: حتى إذا كانا هما الذين ... مثل الجديلين المحملجين٢ فإنه إنما يشبه الذي بـ "من" و"ما" فحذف صلتها، ووصفها كما يفعل ذلك بـ "من" و"ما" ويجيء هذا في قول البغداديين على أنه وصلها بـ "مثل" لأنهم يجرونها مجرى الظرف. ومن زيادة اللام ما أخبرني به أبو علي٣ أن أبا الحسن حكى عنهم: الخمسة العشر درهمًا؛ فاللام في العشر لا تخلو من أن تكون للتعريف، أو زائدة؛ فلا يجوز أن تكون للتعريف لأن "خمسة عشر" اسمان في الأصل جعلا كالاسم الواحد، وقد تعرف الاسم من أوله باللام في الخمسة، ومحال أن يتعرف الاسم من جهتين وبلامين؛ فثبت أن اللام في العشر زيادة. إلا أنها ليست لازمة لزومها في "الآن" و"الذي" ونحو ذلك. ومن ذلك ما أخبرني به أبو علي٤، قال: أخبرني أبو بكر عن أبي العباس عن أبي عثمان، قال سألت الأصمعي عن قول الشاعر: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر٥ لِمَ أدخل اللام في الأوبر؟

стр. 347

فقال: أدخله زيادة للضرورة كقول الآخر١: باعد أم العمرو من أسيرها ... حراس أبواب على قصورها٢ وجائز أيضًا أن يكون أوبر نكرة؛ فعرفه باللام كما حكى سيبويه أن "عرسًا" من "ابن عرس" قد نكره بعضهم؛ فقال هذا ابن عرس مقبل٣، ولو قال مقبلًا ما صحت هذه المسألة. وأنشدنا أبو علي، عن أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: يا ليت أم العمرو كانت صاحبي ... مكان من أنشى على الركائب٤ يريد: أم عمرو وقال الآخر:

стр. 348

يقول المجتلون عروس تيم ... شوى أم الحبين ورأس فيل١ يريد: أم حبين، وهي معرفة، واللام فيها زائدة. فأما قولهم في المنية شعوب بغير لام، والشعوب بلام؛ فقد يمكن أن يكون صفة في الأصل؛ لأنه من أمثلة الصفات بمنزلة قتول وصبور وضروب، وإذا كان كذلك؛ فاللام فيها بمنزلتها في العباس والشمردل٢ والحسن والحارث. ويؤكد هذا عندك أنهم قالوا في اشتقاقها: إنها سميت شعوب لأنها تشعب أي تفرق، وهذا المعنى يؤكد مذهب الوصفية فيها، وهذا أقوى في نفسي من أن تجعل اللام زائدة، ومن قال شعوب بلا لام؛ فقد خلصت عنده اسمًا صريحًا، وعراها في اللفظ من مذهب الصفة؛ فلذلك لم يلحقها اللام كما فعل ذلك من قال عباس وسعيد وحارث وحسن إلا أن روائح الصفة فيه على كل حال وإن لم تكن فيه لام. ألا ترى أن أبا علي حكى عن أبي زيد٣ أنهم يسمون الخبر جابر بن جبة، وإنما سموه بذلك لأنه يجبر الجائع، فقد ترى معنى الصفة فيه وإن لم تدخله اللام. ومن ذلك أيضًا قولهم واسط، قال سيبويه٤: "سموه واسطًا لأنه وسط ما بين العراق وبصرة"؛ فمعنى الصفة فيه قائم وإن لم يكن في لفظه لام. واعلم أن لام المعرفة قد أدخلت في بعض المواضع على الفعل المضارع لمضارعة اللام لـ "الذي". قرأت على أبي في نوادر أبي زيد٥:

стр. 349

فيستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن بيته ذي الشيحة اليتقصع١ أي: الذي يتقصع فيه. يقول الخنا وأبغض العجم ناطقًا ... إلى ربه صوت الحمار اليجدع٢ أي: الذي يجدع. وحكى الفراء أن رجلًا أقبل، فقال آخر: ها هو ذا، فقال السامع: نعم الها هو ذا، فأدخل اللام على الجملة المركبة من المبتدأ والخبر؛ تشبيهًا لها بالجملة المركبة من الفعل والفعال. فهذه أحكام لام التعريف، وما علمت أحدًا من أصحابنا ﵏ وصل من كشف أسرارها إلى هذه المواضع التي شرحتها وأوضحتها، نسأل الله المعونة، ونستمده التوفيق. وأما لام الابتداء فمن خواص الأسماء٣، وهي مفتوحة مع المظهر والمضمر، تقول: لزيد أفضل من عمرو، ولأنت أكرم من محمد، ورأيت بعض متأخري البغداديين وقد صنف كتابا اللامات، ثم قسمها فيها كذا وكذا قسمًا؛ فقال

стр. 350

في بعض تلك الأقسام: ومنها لام التفضيل كقوله تعالى ذكره: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: ٨] ١، وقد كان هذا الرجل في غناء عن هذه السمة لهذه اللام؛ لأنها لام الابتداء كيف شاءت فلتقع من تفضيل أو نقص أو مدح أو ذم أو تقريب أو تبعيد أو تكبير أو تصغير ونحو ذلك من وجوه الكلام، وإذا كان هذا الرجل قد وسم لام قوله تعالى: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ ٢ بلام التفضيل؛ فقد كان من الواجب عليه على ما عقده على نفسه أن يسمي اللام في قول قيس بن الخطيم٣: ظأرناكم بالبيض حتى لأنتم ... أذل من السقبان بين الحلائب٤ بلام النقص والتحقير لأنها موجودة في أول الجملة المستفاد من أحد جزأيها معنى النقص والتحقير كما وسمهما في آية يوسف ﵇ بلام التفضيل. وأن يسمي اللام في قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] ٥ بلام التطول والإنعام، لأنها قد وجدت في جملة مستفاد من أحد جزأيها معنى الإنعام.

стр. 351

وهذا أوسع من أن يحصى، ولم تكن به حاجة إلى هذا التشعب الذي يقوده إلى هذا الإلزام. وفي هذا الكتاب الذي ذكرته لهذا الرجل أشياء من هذا النحو تركت إيرادها لوضوح أمرها، ولأن كتابنا هذا ليس مشروطًا فيه إصلاح أغفال١ كتاب أحد؛ وإنما ربما اعترض الكلام شيء، فذكرناه لاتصاله بما يكون فيه. واعلم أن لام الابتداء موضعها من الكلام الاسم المبتدأ نحو: "لزيد كريم"، و"لمحمد عاقل"، و"لأنت أشجع من أسامة"، ولاتدخل هذه اللام في الخبر إلا على أحد وجهين كلاهما ضرورة؛ إلا أن إحدى الضرورتين مقيس عليها، والأخرى مرجوع إلى السماع فيها: الأولى: أن تدخل هذه اللام على الجملة التي في أولها إن المثقلة المحققة؛ فيلزم تأخير اللام إلى الخبر، وذلك قولك: "إن زيدًا لمنطلق، فأصل هذا: إن زيدًا منطلق، ثم جاءت اللام؛ فصار التقدير: "لإن زيدًا منطلق؛ فلما اجتمع حرفان لمعنى واحد، وهو التحقيق والتوكيد، كره اجتماعهما، فأخرت اللام إلى الخبر، فصار الكلام: "إن زيدًا لمنطلق". واعلم أن هذا الشرح قد اشتمل على ثلاثة أشياء ينبغي أن يسأل عنها، وهي: أن اللام في المرتبة قبل إن، وتقدير الكلام: "لإن زيدًا منطلق"، وأنه ليس المرتبة أن تكون اللام بعد إن نحو "إن لزيدًا منطلق". والثاني: لِمَ لما اجتمع حرفان للتوكيد؛ فصل بينهما، وهلا كان اجتماعهما أبلغ وأوكد؟ والثالث: لِمَ لما وجب الفصل بينهما أخرت اللام إلى الخبر دون إن؟ فالذي يدل على أن اللام في المرتبة قبل "إن" ثلاثة أشياء: الأول: أن العرب قد نطقت بهذا نطقًا، وذلك مع إبدال الهمزة هاء في نحو قولهم: "لهنك قائم"؛ إنما أصلها: "لإنك قائم"، ولكنهم أبدلوا الهمزة هاء كما أبدلت هاء في نحو: "هياك" و"هرقت الماء"؛ فلما زال لفظ الهمزة، وحلت مكانها الهاء؛ صارت ذلك مسهلًا للجمع بينهما إذ حلت الهاء محل الهمزة؛ فزال لفظ إن،

стр. 352

فصارت كأنها حرف آخر، قرأت على أبي بكر بن الحسن، أو قرئ عليه وأنا حاضر عن أحمد بن يحيى، وحدثنا به عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد محمد بن سلمة١: ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنك من برق علي كريم٢ فهذا أقوى دليل على أن مرتبة اللام قبل "إن"، وبه رأيت شيخنا أبا علي يستدل٣. والدليل الثاني: أن "إن" وما عملت فيه جميعًا في موضع اسم مرفوع بالابتداء بدلالة قوله : ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢] ٤، وعلى هذا قالوا٥: ................ ... فإني وقيار بها لغريب٦

стр. 353

وإذا كانت "إن" وما نصبته في تقدير اسم مرفوع؛ وجب أن تكون اللام داخلة عليهما كليهما؛ لأنهما في موضع اسم مبتدأ كما تدخل على الاسم المبتدأ، وهذا أيضًا واضح. والدليل الثاني: أن "إن" عاملة للنصب، وهي تقتضي الأسماء لتنصبها؛ فلا يجوز أن تكون مرتبة اللام بعدها وأن يكون التقدير: "إن لزيدًا قائم"؛ لأن "إن" لا تلي الحروف؛ لا سيما إذا كان ذلك الحرف مما يحصن الاسم من العوامل ويصرفه إلى الابتداء. فإن قيل: فقد ثبت أن اللام كان سبيلها أن تكون فى أول الكلام، وصح بما قدمته؛ فهلا جمع بينها وبين "إن" فكان ذلك يكون أوكد، ولِمَ فصل بينهما؟ فالجواب أنه ليس في الكلام حرفان لمعنى واحد مجتمعان، والعلة في ذلك أن الغرض في هذه الحروف الدوال على المعاني؛ إنما هو التخفيف والاختصار، ألا ترى أن "هل" تنوب عن أستفهم و"ما" تنوب عن أنفي. وقد تقدم نحو هذا في أول هذا الكتاب؛ فإذا كان الغرض فيها إنما هو الاختصار والاستغناء بالقليل عن الكثير؛ فلا وجه للجمع بين حرفين لمعنى واحد، إذ في الواحد كفاية في الآخر وغناء عنه، ولو جمع معه لانتقض الغرض بتكريره والإكثار بإعادته؛ فإذا تباعد عنه؛ لم يجتمع في اللفظ معه استجيز اجتماعهما في الجملة الواحدة؛ كما جاز الجمع بين حرف النداء والإضافة لتباعدهما في نحو يا عبد الله وما أشبهه. فإن قيل: فإذا كان كذلك فلم أخرت اللام إلى الخبر، وأقرت إن في أول الكلام، وهلا عمس الأمر في ذلك؟ فالجواب: أنه إنما أخرت اللام إلى الخبر، وجعلت إن مع المبتدأ من قبل أن "إن" عاملة، والمبتدأ لا يكون إلا اسمًا؛ فقد يجوز أن يكون جمل وظرفًا؛ فلما لم يلزم أن يكون الخبر اسمًا مفردًا، وجاز أن يكون مبتدأ وخبرًا، وفعلًا وفاعلًا، وظرفًا؛ جعلت اللام التي هي غير عاملة في ما قد لا يكون مفردًا، وجعلت "إن" العاملة تلي الاسم الذي سبيله أن يكون مفردًا؛ فالضرورة التي أخرت لها اللام إلى

стр. 354

الخبر، وموضعها في الأصل المبتدأ، هو ما ذكرناه من دخول إن في الكلام وكراهيتهم اجتماعها مع اللام؛ فاعرف ذلك إن شاء الله. واعلم أنه إذا ثبت أن اللام داخلة على خبر "إن"، وكان خبر "إن" هو خبر المبتدأ في الأصل، وكان خبر المبتدأ على المعروف المتعالم من حالة اسمًا مفردًا، وجملة مركبة من مبتدأ وخبر، وجملة مركبة من فعل وفاعل، وظرفًا؛ فسبيل هذه اللام أن تدخل كل ضرب من هذه الأخبار، تقول: "إن زيدًا لقائم"، و"إن زيدًا لأبوه منطلق"، و"إن زيدًا ليقوم أخوه"، و"إن زيدًا لفي الدار"؛ فإن كان الخبر فعلًا ماضيًا؛ لم تدخل اللام عليه؛ لأنه ليس بمضارع للاسم كما ضارعه الفعل المضارع، فلا تقول إذًا: "إن زيدًا لقام"، ولا: "إن بكرًا لقعد"، ولاتدخل هذه اللام على فعل ولا على غيره من أمثلة الفعل المضارع للاسم. فأما قول امرئ القيس١: حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي٢ فليست هذه اللام بلام الابتداء؛ وإنما هي اللام التي يتلقى بها القسم نحو: والله لقام زيد، أي: لقد قام زيد وسنذكرها في موضعها٣ إن شاء. فإن كانت لخبر إن فضله تتعلق به فى ظرف أو مفعول أو مصدر أو حرف جر، فتقدمت تلك الفضلة في اللفظ على الخبر؛ جاز دخول اللام عليها قبل الخبر، ثم يأتي الخبر في ما بعد، وذلك قولك: "إن زيدًا لفى الدار لقائم"، و"إن بكرًا لطعامك آكل"، و"إن محمدًا لقيامًا حسنًا قائم"، و"إن أخاك لبك مأخوذ"، و"إن الأمير لعليك واجد".

стр. 355

قال أبو زبيد١: إن امرءًا خصني عمدًا مودته ... على التنائي لعندي غير مكفور٢ أي: لغير مكفور عندي، وربما كررت اللام في الخبر إذا تقدمت فضلته عليه فقالوا: "إن زيدًا لبك لمأخوذ"، و"إن محمدًا لفيك راغب". وحكى قطرب عن يونس: إن زيدًا لبك واثق. فإن تأخرت الفضلة؛ دخل اللام في الخبر الذي قبلها، ولم تدخل فيها، وذلك قولك: "إن زيدًا لقائم عندك"، ولا يجوز: "إن زيدًا قائم لعندك". والفرق بين: إن زيدًا لعندك قائم، و"إن زيدا قائم لعندك" في جواز المسألة الأولى وفساد الثانية: أنك إذا تقدمت الفضلة على الخبر، وأدخلت اللام عليها؛ فإنما قصدك بها الخبر دون فضلته، وجاز دخول اللام على الفضلة التي قبل الخبر لأن موضع الخبر أن يكون قبل فضلته عقيب الاسم؛ فلما تقدمت الفضلة، فوقعت موقع الخبر دخلتها اللام كما تدخل الخبر؛ فأما إذا تأخرت الفضلة وتقدم الخبر؛ فقد وقع الخبر موقعه، فدخلت اللام عليه لأنه أحق بها. فإن قيل: ولِمَ دخلت اللام على خبر "إن" المكسورة دون سائر أخواتها؟ فالجواب: أنها إنما اختصت بخبر المكسورة من قبل "أن" كل واحدة من اللام ومن "إن" يجاب بها للقسم، وذلك قولك: "والله إن زيدًا قائم"، "والله لزيد قائم"؛ فلما اشتركنا في هذا الوجه، وكانت كل واحدة منهما حرف توكيد أدخلت اللام على خبر "إن" للمبالغة في التوكيد، وفرق بينهما لما ذكرنا من كراهتهم اجتماع حرفين لمعنى واحد، ولما لم يكن في أخوات إن شيء يجاب به القسم كما يجاب بها؛ لم تدخل اللام خبره كما دخلت خبرها.
следующие страницы →