← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وهذا أوسع من أن يحصى، ولم تكن به حاجة إلى هذا التشعب الذي يقوده إلى هذا الإلزام. وفي هذا الكتاب الذي ذكرته لهذا الرجل أشياء من هذا النحو تركت إيرادها لوضوح أمرها، ولأن كتابنا هذا ليس مشروطًا فيه إصلاح أغفال١ كتاب أحد؛ وإنما ربما اعترض الكلام شيء، فذكرناه لاتصاله بما يكون فيه. واعلم أن لام الابتداء موضعها من الكلام الاسم المبتدأ نحو: "لزيد كريم"، و"لمحمد عاقل"، و"لأنت أشجع من أسامة"، ولاتدخل هذه اللام في الخبر إلا على أحد وجهين كلاهما ضرورة؛ إلا أن إحدى الضرورتين مقيس عليها، والأخرى مرجوع إلى السماع فيها: الأولى: أن تدخل هذه اللام على الجملة التي في أولها إن المثقلة المحققة؛ فيلزم تأخير اللام إلى الخبر، وذلك قولك: "إن زيدًا لمنطلق، فأصل هذا: إن زيدًا منطلق، ثم جاءت اللام؛ فصار التقدير: "لإن زيدًا منطلق؛ فلما اجتمع حرفان لمعنى واحد، وهو التحقيق والتوكيد، كره اجتماعهما، فأخرت اللام إلى الخبر، فصار الكلام: "إن زيدًا لمنطلق". واعلم أن هذا الشرح قد اشتمل على ثلاثة أشياء ينبغي أن يسأل عنها، وهي: أن اللام في المرتبة قبل إن، وتقدير الكلام: "لإن زيدًا منطلق"، وأنه ليس المرتبة أن تكون اللام بعد إن نحو "إن لزيدًا منطلق". والثاني: لِمَ لما اجتمع حرفان للتوكيد؛ فصل بينهما، وهلا كان اجتماعهما أبلغ وأوكد؟ والثالث: لِمَ لما وجب الفصل بينهما أخرت اللام إلى الخبر دون إن؟ فالذي يدل على أن اللام في المرتبة قبل "إن" ثلاثة أشياء: الأول: أن العرب قد نطقت بهذا نطقًا، وذلك مع إبدال الهمزة هاء في نحو قولهم: "لهنك قائم"؛ إنما أصلها: "لإنك قائم"، ولكنهم أبدلوا الهمزة هاء كما أبدلت هاء في نحو: "هياك" و"هرقت الماء"؛ فلما زال لفظ الهمزة، وحلت مكانها الهاء؛ صارت ذلك مسهلًا للجمع بينهما إذ حلت الهاء محل الهمزة؛ فزال لفظ إن،

стр. 352

فصارت كأنها حرف آخر، قرأت على أبي بكر بن الحسن، أو قرئ عليه وأنا حاضر عن أحمد بن يحيى، وحدثنا به عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد محمد بن سلمة١: ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنك من برق علي كريم٢ فهذا أقوى دليل على أن مرتبة اللام قبل "إن"، وبه رأيت شيخنا أبا علي يستدل٣. والدليل الثاني: أن "إن" وما عملت فيه جميعًا في موضع اسم مرفوع بالابتداء بدلالة قوله : ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢] ٤، وعلى هذا قالوا٥: ................ ... فإني وقيار بها لغريب٦

стр. 353

وإذا كانت "إن" وما نصبته في تقدير اسم مرفوع؛ وجب أن تكون اللام داخلة عليهما كليهما؛ لأنهما في موضع اسم مبتدأ كما تدخل على الاسم المبتدأ، وهذا أيضًا واضح. والدليل الثاني: أن "إن" عاملة للنصب، وهي تقتضي الأسماء لتنصبها؛ فلا يجوز أن تكون مرتبة اللام بعدها وأن يكون التقدير: "إن لزيدًا قائم"؛ لأن "إن" لا تلي الحروف؛ لا سيما إذا كان ذلك الحرف مما يحصن الاسم من العوامل ويصرفه إلى الابتداء. فإن قيل: فقد ثبت أن اللام كان سبيلها أن تكون فى أول الكلام، وصح بما قدمته؛ فهلا جمع بينها وبين "إن" فكان ذلك يكون أوكد، ولِمَ فصل بينهما؟ فالجواب أنه ليس في الكلام حرفان لمعنى واحد مجتمعان، والعلة في ذلك أن الغرض في هذه الحروف الدوال على المعاني؛ إنما هو التخفيف والاختصار، ألا ترى أن "هل" تنوب عن أستفهم و"ما" تنوب عن أنفي. وقد تقدم نحو هذا في أول هذا الكتاب؛ فإذا كان الغرض فيها إنما هو الاختصار والاستغناء بالقليل عن الكثير؛ فلا وجه للجمع بين حرفين لمعنى واحد، إذ في الواحد كفاية في الآخر وغناء عنه، ولو جمع معه لانتقض الغرض بتكريره والإكثار بإعادته؛ فإذا تباعد عنه؛ لم يجتمع في اللفظ معه استجيز اجتماعهما في الجملة الواحدة؛ كما جاز الجمع بين حرف النداء والإضافة لتباعدهما في نحو يا عبد الله وما أشبهه. فإن قيل: فإذا كان كذلك فلم أخرت اللام إلى الخبر، وأقرت إن في أول الكلام، وهلا عمس الأمر في ذلك؟ فالجواب: أنه إنما أخرت اللام إلى الخبر، وجعلت إن مع المبتدأ من قبل أن "إن" عاملة، والمبتدأ لا يكون إلا اسمًا؛ فقد يجوز أن يكون جمل وظرفًا؛ فلما لم يلزم أن يكون الخبر اسمًا مفردًا، وجاز أن يكون مبتدأ وخبرًا، وفعلًا وفاعلًا، وظرفًا؛ جعلت اللام التي هي غير عاملة في ما قد لا يكون مفردًا، وجعلت "إن" العاملة تلي الاسم الذي سبيله أن يكون مفردًا؛ فالضرورة التي أخرت لها اللام إلى

стр. 354

الخبر، وموضعها في الأصل المبتدأ، هو ما ذكرناه من دخول إن في الكلام وكراهيتهم اجتماعها مع اللام؛ فاعرف ذلك إن شاء الله. واعلم أنه إذا ثبت أن اللام داخلة على خبر "إن"، وكان خبر "إن" هو خبر المبتدأ في الأصل، وكان خبر المبتدأ على المعروف المتعالم من حالة اسمًا مفردًا، وجملة مركبة من مبتدأ وخبر، وجملة مركبة من فعل وفاعل، وظرفًا؛ فسبيل هذه اللام أن تدخل كل ضرب من هذه الأخبار، تقول: "إن زيدًا لقائم"، و"إن زيدًا لأبوه منطلق"، و"إن زيدًا ليقوم أخوه"، و"إن زيدًا لفي الدار"؛ فإن كان الخبر فعلًا ماضيًا؛ لم تدخل اللام عليه؛ لأنه ليس بمضارع للاسم كما ضارعه الفعل المضارع، فلا تقول إذًا: "إن زيدًا لقام"، ولا: "إن بكرًا لقعد"، ولاتدخل هذه اللام على فعل ولا على غيره من أمثلة الفعل المضارع للاسم. فأما قول امرئ القيس١: حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي٢ فليست هذه اللام بلام الابتداء؛ وإنما هي اللام التي يتلقى بها القسم نحو: والله لقام زيد، أي: لقد قام زيد وسنذكرها في موضعها٣ إن شاء. فإن كانت لخبر إن فضله تتعلق به فى ظرف أو مفعول أو مصدر أو حرف جر، فتقدمت تلك الفضلة في اللفظ على الخبر؛ جاز دخول اللام عليها قبل الخبر، ثم يأتي الخبر في ما بعد، وذلك قولك: "إن زيدًا لفى الدار لقائم"، و"إن بكرًا لطعامك آكل"، و"إن محمدًا لقيامًا حسنًا قائم"، و"إن أخاك لبك مأخوذ"، و"إن الأمير لعليك واجد".

стр. 355

قال أبو زبيد١: إن امرءًا خصني عمدًا مودته ... على التنائي لعندي غير مكفور٢ أي: لغير مكفور عندي، وربما كررت اللام في الخبر إذا تقدمت فضلته عليه فقالوا: "إن زيدًا لبك لمأخوذ"، و"إن محمدًا لفيك راغب". وحكى قطرب عن يونس: إن زيدًا لبك واثق. فإن تأخرت الفضلة؛ دخل اللام في الخبر الذي قبلها، ولم تدخل فيها، وذلك قولك: "إن زيدًا لقائم عندك"، ولا يجوز: "إن زيدًا قائم لعندك". والفرق بين: إن زيدًا لعندك قائم، و"إن زيدا قائم لعندك" في جواز المسألة الأولى وفساد الثانية: أنك إذا تقدمت الفضلة على الخبر، وأدخلت اللام عليها؛ فإنما قصدك بها الخبر دون فضلته، وجاز دخول اللام على الفضلة التي قبل الخبر لأن موضع الخبر أن يكون قبل فضلته عقيب الاسم؛ فلما تقدمت الفضلة، فوقعت موقع الخبر دخلتها اللام كما تدخل الخبر؛ فأما إذا تأخرت الفضلة وتقدم الخبر؛ فقد وقع الخبر موقعه، فدخلت اللام عليه لأنه أحق بها. فإن قيل: ولِمَ دخلت اللام على خبر "إن" المكسورة دون سائر أخواتها؟ فالجواب: أنها إنما اختصت بخبر المكسورة من قبل "أن" كل واحدة من اللام ومن "إن" يجاب بها للقسم، وذلك قولك: "والله إن زيدًا قائم"، "والله لزيد قائم"؛ فلما اشتركنا في هذا الوجه، وكانت كل واحدة منهما حرف توكيد أدخلت اللام على خبر "إن" للمبالغة في التوكيد، وفرق بينهما لما ذكرنا من كراهتهم اجتماع حرفين لمعنى واحد، ولما لم يكن في أخوات إن شيء يجاب به القسم كما يجاب بها؛ لم تدخل اللام خبره كما دخلت خبرها.

стр. 356

واعلم أن هذه اللام لا تدخل على اسم "إن" كما ذكرنا؛ إلا أن يفصل بينها وبينه فتباعد منه، وذلك نحو قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ [البقرة: ٢٤٨] ١، و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] ٢، ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا﴾ ٣ [الأنبياء: ١٠٦] . فهذا دخول اللام على خبر "إن" وذكر الضرورة التي دعت إلى تأخرها، ولست أعني بهذه الضرورة أنها جارية مجرى ضرورة الشعر؛ كيف ذلك والقرآن وفصيح الكلام قد جاء بذلك، ولكن هذا يجري مجرى الضرورة التي دعت إلى إعلال فاء "يعد" و"يزن"، وعين "باع" و"قام"، ولام "غزا" و"رمى"، وغير ذلك من العلل التي تلحق فتؤثر، وهي مع ذلك مطردة في الاستعمال متقبلة في القياس. وإذا كانت "إن" مشددة فأنت في إدخال اللام في الخبر وتركها مخير، تقول: "إن زيدًا قائم"، و"إن زيدًا لقائم"؛ فإن خففت "إن"؛ لزمت اللام، وذلك قولك: "إنْ زيد لقائم"، و ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] ٤ فعلوا ذلك لئلا تلتبس "إن" المؤكدة بـ "إن" النافية في قوله : ﴿إِنْ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] ٥ فهذه بمعنى ما.

стр. 357

وأما قول أبي حزام العكلي١: وأعلم أن تسليمًا وتركًا ... للا متشابهان ولا سواء٢ فإنما أدخل اللام وهي للإيجاب على "لا" وهي للنفي من قبل أنه شبهها بغير، فكأنه قال: "لغير متشابهين"، كما شبه الآخر "ما" التي للنفي ب "ما" التي في معنى الذي، فقال٣: لما أغفلت شكرك فاصطنعني ... وكيف ومن عطائك جل مالي٤ ولم يكن سبيل اللام الموجبة أن تدخل على "ما" النافية لولا ما ذكرت لك من الشبه اللفظي، كما قال الآخر: ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خيرًا لا يزال يزيد٥ فزاد "إن" مع "ما"، وليست للنفي؛ فاعرفه إن شاء الله. وأما الضرورة التي تدخل لها اللام في خبر غير "إن"؛ فمن ضرورات الشعر، ولا يقاس عليها، قرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب٦:

стр. 358

أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من الشاة بعظم الرقبه١ والوجه أن يقال: "لأم الحليس عجوز شهربه"، كما تقول: "لزيد قائم"، ولا تقول: "زيد لقائم". وقال الآخر٢: خالي لأنت، ومن جرير خاله ... ينل العلاء ويكرم الأخوالا٣ فهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أراد: لخالي أنت؛ فأخر اللام إلى الخبر ضرورة. والآخر: أن يكون أراد: لأنت خالي، فقدم الخبر على المبتدأ وإن كانت فيه اللام ضرورة. وأخبرني أبو علي أن أبا الحسن حكى "إن زيدًا وجهه لحسن" فهذه أيضًا ضرورة.

стр. 359

وربما أخلوها في خبر "أن" المفتوحة، أخبرنا علي بن محمد يرفعه بإسناده إلى قطرب١: ألم تكن حلفت بالله العلي ... أن مطاياك لمن خير المطي٢ والوجه الصحيح هنا كسر "إن" لتزول الضرورة، إلا أنا سمعناها مفتوحة الهمزة. وقد أدخلت في خبر أمسى، قرأت على أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى، وأنشدناه أبو علي٣: مروا عجالًا وقالوا: كيف صاحبكم؟ ... قال الذي سألوا: أمسى لمجهودا٤ وروينا عن قطرب بإسناده أن بعضهم قال: "فإذا أني لبه"، قال: وسمعنا بعض العرب يقول: "أراك لشاتمي"، و"إنى رأيته لسمحًا"، قال: وقال يونس: زيد -والله- لواثق بك. وقال كثير: ومازلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكل سبيل٥ وهذا كله شاذ.

стр. 360

ومثله١: ............................ ... ولكنني من حبها لكميد٢ وأخبرنا أبو علي أن أبا إسحاق ذهب في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] ٣ إلى أن "إن" بمعنى نعم، وهذان مرفوع بالابتداء، وأن اللام في "لساحران" داخلة في موضعها على غير ضرورة، وأن تقديره: "نعم هذان لهما ساحران". وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: هذا الذي عندي فيه، والله أعلم، وكنت عرضته٤ على عالمنا محمد بن يزيد، وعلى إسماعيل بن إسحاق؛ فقبلاه، وذكرا أنه أجود ما سمعاه. واعلم أن هذا الذي رواه أبو إسحاق في هذه المسألة مدخول غير صحيح، وأنا أذكره لتقف منه على ما في قوله. ووجه الخطأ فيه أن "هما" المحذوفة التي قدرها مرفوعة بالابتداء لم تحذف إلا بعد العلم بها والمعرفة بموضعها، وكذلك كل محذوف لا يحذف إلا مع العلم به، ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل بمكانه ضرب من تكليف علم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفًا؛ فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام؛ ألا ترى أنه يقبح أن تأتي بالمؤكد وتترك المؤكد فلا تأتي به.

стр. 361

ألا ترى أن التوكيد من مواضع الإطناب والإسهاب، والحذف من مواضع الاكتفاء والاختصار؛ فهما إذن -كما ذكرت لك- ضدان لا يجوز أن يشتمل عليهما عقد كلام. ويزيد ذلك وضوحًا امتناع أصحابنا من تأكيد المضمر المحذوف العائد على المبتدأ في نحو "زيد ضربت" في من أجازه؛ فلا يجيزون "زيد ضربت نفسه" على أن تجعل النفس توكيدًا للهاء المرادة في ضربته، لأن الحذف لا يكون إلا بعد التحقيق والعلم، وإذا كان ذلك كذلك؛ فقد استغني عن تأكيده. ويؤكد عندك ما ذكرت لك أن أبا عثمان وغيره من النحويين حلموا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهربه١ على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة، ولو كان ما ذهب إليه أبو إسحاق وجهًا جائزًا؛ لما عدل عنه النحويون ولا حملوا على الاضطرار إذا وجدوا له وجهًا ظاهرًا قويًا، وحذف المبتدأ وإن كان شائعًا في مواضع كثيرة من كلامهم؛ فإنه إذا نقل عن أول الكلام قبح حذفه؛ ألا ترى إلى ضعف قراءة من قرأ: ﴿تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] ٢ قالوا: وقبحه أنه أراد: على الذي هو أحسن؛ فحذف المبتدأ في موضع الإيضاح والبيان، لأن الصلة لذلك وقعت في الكلام، وإذا كان ذلك موضع إكثار وإيضاح؛ فغير لائق به الحذف والاختصار. فإن قلت: فقد حكى سيبويه في الكتاب: "لحق أنه ذاهب؛ فيضيفون، كأنه قال: ليقين ذلك أمرك، وليست في كلام كل العرب"٣ فأمرك هو خبر يقين؛ لأنه قد أضافه إلى ذلك، وإذا أضافه إليه؛ لم يجز أن يكون خبرًا عنه. قال سيبويه: "سمعنا فصحاء العرب يقولونه"٤؛ فكيف جاز أن يحذف الخبر واللام في أول الكلام، وقد شرطت على نفسك أن الحذف لا يليق بالتوكيد؟

стр. 362

فالجواب أن هذه الكلمة ليس كل العرب يقولها كما قال سيبويه، وقال أيضًا أبو الحسن: "لم أسمع هذا من العرب؛ وإنما وجدته في الكتاب"١. ووجه جوازه على قلته طول الكلام بما أضيف هذا المبتدأ إليه، وإذا طال الكلام؛ جاز فيه من الحذف ما لا يجوز فيه إذا قصر، ألا ترى إلى ما حكاه الخليل عنهم من قولهم: "ما أنا بالذي قائل لك شيئًا"٢ ولو قلت: "ما أنا بالذي قائم لقبح". فأما قول الشاعر٣: لم أر مثل الفتيان في غير الـ ... أيام ينسون ما عواقبها٤ فالوجه أن تكون "ما" استفهامًا و"عواقبها" الخبر، كقوله تعالى ذكره: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: ٥] ٥ أي: ما أدراك أي شيء الحطمة؛ فكأنه قال: أي شيء عواقبها، على مذهب التعجب منها والاستعظام لها؛ فهذا أوجه من أن يحمل الكلام على أنه: ينسون الذي هو عواقبها، لقلة ﴿تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] ٦. وقال أبو الحسن في هذا الفصل: "لو قلت: لعبد الله، وأضمرت الخبر لم يحسن"٧؛ وإنما لم يحسن عنده لأن الكلام لم يطل ههنا كما طال في لحق أنه ذاهب. انقضى دخول اللام على الخبر.

стр. 363

واعلم أن لام الابتداء أحد الحرفين الموجبين اللذين يتلقى بهما القسم، وهما: اللام، وأن، وذلك قولك: والله لزيد عاقل، والله إن زيدًا عاقل؛ إلا أن هذه اللام قد تتعرى من معنى الجواب، وتخلص للابتداء؛ فهو لذلك أخص معنييها بها، وذلك قولك: لعمرك لأقومن، و: .............. ... ليمن الله ماندري١ فهذه اللام لام الابتداء معراة من معنى الجواب، وذلك أن قولك "لعمرك" قسم، ومحال أن يجاب القسم بالقسم؛ فلا يجوز إذن أن يكون التقدير: والله لعمرك لأقومن، كما يجوز إذا قلت: لزيد قائم، أن يكون تقديره: والله لزيد قائم، فاعرف ذلك إن شاء الله.

стр. 364

لحاق اللام الأفعال: وتلحقها على ضربين: عاملة، وغير عاملة: فالعاملة: لام الأمر، وهي مكسورة جازمة؛ وذلك قولك: ليقم زيد، وليقعد عمرو. وزعم الفراء أن من العرب من يفتح هذه اللام لفتحة الياء بعدها، وهذا كلام يستفاد منه أنه إن انكسر حرف المضارعة أو انضم أن لا تكون هذه اللام مفتوحة، نحو: "ليكرم زيد عمرًا"، و"لتعلم ذلك". ومتى اتصل بهذه اللام من قبلها واو العطف أو فاؤه فإسكانها للتخفيف جائز، وذلك قولك: وليقم زيد؛ فليقعد جعفر؛ وإنما جاز إسكانها لأن الواو والفاء كل واحد منهما حرف منفرد ضعيف لا يمكن الوقوف عليه دون اللام؛ فأشبهت اللام لاتصالها بما قبلها واحتياجه إليها الخاء من "فخذ"، واللام من "علم"، فكما تقول: فخذ، وعلم الله ذاك؛ كذلك جاز أن تقول: فليقم، وليقعد، وقد فعلوا هذا أيضًا في غير هذا الموضع، فقالوا: أراك منتفخًا، فأسكنوه الفاء لأن "تفخًا" من "منتفخ" ضارع بالوزن فخذًا وكبدًا. فأما قراءة الكسائي وغيره١ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ٢ و ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] ٣ فمردودة عند أصحابنا؛ وذلك أن "ثم" حرف على ثلاثة أحرف يمكن الوقوف عليه، وإذا أمكن الوقوف؛ لزمك الابتداء بالساكن، وهذا غير جائز بإجماعٍ، فمن هنا دفعه أصحابنا واستنكروه؛ فلم يجيزوه. وسألت أبا علي يومًا عن هذا، فقلت له: هلا جازت قراءة الكسائي هذه على تشبيه ثم بالواو والفاء إذ كانت حرف عطف كما كانا حرفي عطف؛ فهلا جاز حمل ثم على الواو والفاء كما حملوا بعض حروف المضارعة على بعض في نحو قولك: أعد،

стр. 365

ونعد، وتعد؛ ألا ترى أن هذه الأحرف الثلاثة محمولة على الياء في قولك: "يعد"؛ لأن الواو من "يعد" حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وحملت الهمزة والنون والتاء في هذا على الياء؛ فحذفت الواو معهن كما حذفت مع الياء لئلا يختلف الباب، وكما حذفت الهمزة من مضارع أكرم إذا قلت: "أكرم"، وأصلة "أؤكرم"، لاجتماع الهمزتين، ثم حملت النون في "نكرم"، والتاء في "تكرم"، والياء في "يكرم" على الهمزة في "أكرم"؛ فحذفت الهمزة معهن كما حذفت معها ليتفق الباب ولا تختلف أحوال حروف المضارعة. فقال: الفرق بين الموضعين أن حروف المضارعة أشد اشتباه بعض ببعض من حروف العطف؛ وذلك أنها تجري مجرى الحرف الواحد؛ ألا ترى أن سيبويه قال: إنهم امتنعوا من إمالة فتحة تاء تحسب لكسرة سينها، من حيث كانت الياء في يحسب لا تجوز إمالتها استنكارًا للإمالة في الياء في "يحسب"؛ فدل ذلك على أن حروف المضارعة بعضها قوي الشبه ببعض أشد من قوة شبه حروف العطف بعضها ببعض. ويؤكد عندك قوة اشتباه حروف المضارعة أن كل واحد منها على حرف واحد، وحروف العطف تجدها مختلفة أعداد الحروف، منها ما هو على حرف واحد، وهو الواو والفاء. ومنها ما هو على حرفين، وهي: "أو، ولا، وأم، وبل". ومنها ما هو على ثلاثة أحرف، وهو "ثم". ومنها ما هو على أربعة أحرف، وهو "لكن، وإما، وحتى. وليس"؛ كذلك حروف المضارعة، بل جميعها على حرف حرف. وشيء آخر، وهو أنا نجد بعض حروف العطف يدخل على بعض، وذلك نحو: "ما قام زيد ولكن عمرو"، و"قام إما زيد وإما عمرو، ولأضربنه حتى يتقيني بحقي، وحتى لا يبقى لي عنده شيء منه". ونسخت من خط أبي بكر محمد بن السري، وقرأته على أبي علي، قال: قال أبو العباس: إذا اضطر الشاعر أدخل الواو من حرف العطف على سائر حروف العطف.

стр. 366

وأنشد للأعشى١: وثمت لا تجزونني بعد ذاكم ... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا٢ قال: واستعمله أبو نواس؛ فقال٣: البدر أشبه ما رأيت بها ... حين استوى وبدا من الحجب٤ وبل الرشا لم يخطها شبهًا ... في الجيد والعينين واللبب٥ وأنشد أبو الحسن بيتًا فيه "فثم"٦ فأدخل الفاء على ثم. فهذا كله يؤكد عندك اختلاف حروف العطف لجواز دخول بعضها على بعض إذ كان حرفان لمعنى واحد لا يتواليان، ولما كانت حروف المضارعة كلها كالحرف الواحد

стр. 367

لم يجز أن يدخلوا بعضها على بعض، كما لا يجمعون بين حرفي استفهام ولا حرفي نفي؛ فلذلك جاز حمل بعض حروف المضارعة على بعض، ولم يجز حمل بعض حروف العطف على بعض، فاعرف ذلك إن شاء الله. واعلم أن هذه اللام الجازمة أيضًا حرف مفرد جاء لمعنى كواو العطف، وفائه، وهمزة الاستفهام، ولام الابتداء، وقد كان ينبغي أن تفتح كما فتحن؛ إلا أن العلة في كسرها أنها في الأفعال نظيرة حرف الجر في الأسماء، ألا ترى أن كل واحدة منهما مختصة من العمل بما يخص القبيل الذي هي فيه؛ فلا يتعداه إلى ما سواه، فمن حيث وجب كسر لام الجر في نحو: لزيد مال، ولجعفر، للفرق بينها وبين لام الابتداء، كذلك أيضًا وجب كسر هذه اللام، لأنها في الأفعال نظيرة تلك الأسماء. ولو قال قائل: إنما كسرت لام الأمر للفرق بينها وبين لام الابتداء التي تدخل على الأفعال المضارعة لأسماء الفاعلين؛ لكان قولًا قويًا، ألا ترى أنك تقول: "إن زيدًا ليضرب"، أي: لضارب، فكرهوا أن يقولوا في الأمر: "إن زيدًا ليضرب"، فيلتبس بقولك: "إن زيدًا لضارب". فإن قيل: فهل يجوز أن تقول: إن زيدًا ليضرب؛ فتجعل خبر "إن" أمرًا حتى تخاف التباسه بالخبر في قولك: "إن زيدًا ليضرب"؟ فالجواب: أن ذلك جائز، وقد جاء به الشاعر، فجعل خبر "إن"، وخبر المبتدأ، وخبر كان، ونحو ذلك أمرًا لا يحتمل الصدق والكذب. قال الجميح١: ولو أصابت لقالت وهي صادقة ... إن الرياضة لا تنصبك للشيب٢ والنهي كالأمر في هذا.

стр. 368

وعلى هذا قال سيبويه "وقد يكون في الأمر والنهي أن يبنى الفعل على الاسم؛ وذلك قولك: "عبد الله اضربه"، ابتدأت عبد الله؛ فعرفته بالابتداء، ونبهت المخاطب له لتعرفه باسمه، ثم بنيت الفعل عليه، كما فعلت ذلك في الخبر". فهذا نص من سيبويه يجواز كون خبر المبتدأ أمرًا ونهيًا، وعلى هذا يجوز: "زيد لا يقم أخوه". وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد، وسمعت أبا علي ينشده أيضًا غير مرة: ألا يا أم فارع لا تلومي ... على شيء رفعت به سماعي١ وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دل ماجدة صناع٢ أي: وكوني بالمكارم مذكرة. وغير منكر أن يقع لفظ الأمر موقع الخبر؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٢٥] ٣ أي: فليمدن له. وعلى هذا قول الآخر٤: بئس مقام الشيخ أمرس أمرس ... إما على قعو وإما اقعنسس٥ أي: مقام يقال له فيه: أمرس أمرس.

стр. 369

وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن سليمان عن ابن أخت أبي الوزير عن ابن الأعرابي١: فإنما أنت أخ لا نعدمه أي: لا نعدمه؛ فنقل ضمة الهاء إلى الميم، كما قال الآخر٢: عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي سبني لم أضربه٣ أي: لم أضربه، وهذا واسع عنهم كثير. وكما أن لام الجر قد تفتح مع المظهر في ما حكيناه من قراءة سعيد بن جبير: "وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ"٤ وغير ذلك، فكذلك قد فتحت لام الأمر في ما حكيناه عن الفراء من قولهم: "ليقم زيد". والعلة في فتح هاتين اللامين في هذه المواضع القليلة أن أصل حركتهما الفتح، فربما خرجتا على أصلهما. واعلم أن هذه اللام الجازمة لا تضمر إلا في ضرورة الشعر، كما أن حرف الجر لا يحذف إلا في الضرورة. قرأت على أبي علي، قال: أنشد أبو زيد٥: فتضحي صريعًا ما تجيب لدعوة ... ولا تسمع الداعي ويسمعك من دعا٦ أي: وليسمعك.

стр. 370

وقال الآخر١: فلا تستطل مني بقائي ومدتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب٢ أي: ليكن. وأنشد سيبويه٣: على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حر الوجه أو يبك من بكى٤ قال: أراد أو "ليبك". وحسن ذلك له قليلًا أن قبله أمرًا، وإن لم يكن مجزومًا؛ فإنه في معنى المجزوم، ألا ترى أن معنى "اخمشي": لتخمشى. ومن أبياته أيضًا٥: محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا أراد: لتفد نفسك؛ فحذف اللام، وهذا أقبح من الأول، لأن قبل ذاك شيئًا فيه معنى اللام، وهو "اخمشي"، لأن معناه: "لتخمشي"، وهذا ليس قبله شيء معناه معنى اللام.

стр. 371

ومثل البيت الأول ما أنشدنيه أبو علي١: فقلت: ادعي وأدع فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان٢ أي: ولأدع؛ لأن معنى ادعي: لتدعي. وأنشد البغداديون: من كان لا يزعم أني شاعر ... فيدن مني تنهه المزاجر٣ و: "البصائر" أيضًا، أراد: فليدن. وكل هذا شاذ لا يحسن القياس عليه؛ فهذه اللام العاملة في الأفعال. وأما اللام غير العاملة فلام القسم، وتدخل من الأفعال في موضعين: أحدهما المضي، والآخر المستقبل. فأما الماضي فكقولك: والله لقد قمت، وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١] ٤ وربما حذفت اللام، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠] ٥ أي: لقد أفلح من زكاها، ولقد خاب من دساها. وربما حذفت قد.

стр. 372

قال امرؤ القيس: حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا، فما إن من حديث ولا صالي١ أي: لقد ناموا. وكذلك قولهم: والله لو قمت لقمت، ولو قعدت لقعدت، قال: والله لو كنت لهذا خالصًا ... لكنت عبدًا آكل الأبارصا٢ وأما قول الآخر٣: فلو أن قومي لم يكونوا أعزة ... لبعد لقد لاقيت لا بد مصرعا٤ فاللام الأولى في لبعد زائدة مؤكدة، والتي في لقد هي الجواب، ولا يبعد أن يكون هذا الكلام على معنى القسم، كأنه قال: "والله لو أن قومي". وقد تحذف هذه اللام من بعد "لو" إذا لم يكن القسم ظاهرًا. قال٥: فلو أن قومى أنطقتني رماحهم ... نطقت، ولكن الرماح أجرت٦ أي: لنطقت.

стр. 373

ومثل هذه اللام اللام التي في جواب لولا، نحو قوله : ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] ١، و ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين﴾ [سبأ: ٣١] ٢. وقال الشاعر٣: فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه٤ فهذه اللام التي في جواب لولا؛ إنما هي جواب القسم. وربما حذفت إذا لم يظهر القسم إلى اللفظ، قال يزيد بن الحكم: وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي٥ أي: لطحت.

стр. 374

ولا تدخل اللام في جواب "لو" و"لولا"؛ إلا على الماضي دون المستقبل، وكان أبو علي قد قال لي قديمًا: إن اللام في جواب "لولا" زائدة مؤكدة، واستدل على ذلك بجواز سقوطها. وكذلك مذهبه في "لو" على هذا القياس لجواز خلو جوابها من اللام. أنشد ابن الأعرابي١: فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين٢ أي: لجرى الدميان. وأما ما أنشدناه أبو علي من قول الشاعر٣: لما أغفلت شكرك فاصطنعني ... وكيف ومن عطائك جل مالي٤ فإنما أدخل اللام -وهي موجبة- على ما -وهي نافية-، وهذان أمران ضدان من قبل أنه شبه ما في اللفظ بـ "ما" الموصولة التي في معنى الذي، وقد تقدم٥ ذكرنا لهذا الشبه اللفظي. وأما اللام الداخلة على المستقبل فتلزمها النون للتوكيد ولإعلام السامع أن هذا فعل مستقبل وليس للحال كالذي في قول الله : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [النحل: ١٢٤] ٦ أي: لحاكم. فإن زال الشك بغير النون؛ استغنى عنها، قال الله تعالى: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩] لأن سوف تخص الاستقبال، وذلك قولك: "والله لأقومن ولأقعدن". واعلم أن هذه اللام إذا وليت المستقبل فلحقته النون؛ لم تأت إلا على نية القسم.

стр. 375

قال سيبويه: "سألت الخليل عن "ليفعلن" إذا جاءت مبتدأة؛ فقال: هي على نية القسم"١؛ فكانت إذا قلت على هذا: لأضربنك، وإذا قلت: لينطلقن زيد؛ فكأنك قلت: والله لينطلقن زيد، وكذلك قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] ٢ أي: والله لتعلمن. وإذا كان ذلك كذلك؛ فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ٣؛ ليست اللام في "لئن" بجواب القسم، إنما الجواب لنذهبن، وعليه وقع الحلف، واللام في "لئن"؛ إنما هي زائدة مؤكدة، يدلك على أن اللام الأولى زائدة وأن اللام الثانية هي التي تلقت القسم: جواز سقوط الأولى في نحو قول الشاعر: قرأته على أبي علي في نوادر أبي زيد لقيس بن جروة الطائي جاهلي: فأقسمت لا أحتل إلا بصهوة ... حرام علي رمله وشقائقه فإن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه٤ ولم يقل: فلئن لم تغير؛ فهذا نظير قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٣] أي: والله إن لم ينتهوا ليمسن. وقد شبه بعضهم "إذ" بـ "إن" فأولاها اللام، فقال٥: غضبت علي وقد شربت بجزة ... فلإذ غضبت لأشربن بخروف٦

стр. 376

ويدل أيضًا على أنك إذا قلت: والله لئن قمت لأقومن فاعتماد القسم على اللام في لأقومن، وأن اللام في "لئن قمت" منها بد قول كثير: لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذن لا أقيلها١ فرفع "أقيلها" يدل على أن اعتماد القسم عليه كقوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢] ٢ أي: "والله لا يخرجون معهم إن أخرجوا"، ولو كانت اللام التي في "لئن عاد لي عبد العزيز" جواب القسم لا نجزم لا أقيلها، كما تقول: "إن تقم إذن لا أقم"، وأما قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ فقال الخليل٣: "معناها ليظلن" فأوقع الماضي موقع المستقبل. ومثله مما وضع فيه الماضي موضع المستقبل قول الحطيئة٤: شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر٥ أي: يشهد. وأنشدنا أبو علي٦: وإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستجاب ما كان في الغد٧ أي: ما يكون. وأما قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] ٨؛ فاللام في "لقد علموا" لام قسم محذوف

стр. 377

مقدر، ومعناه: والله لقد علموا، واللام في "لمن اشتراه" لام الابتداء، و"من" بمنزلة الذي، وتقديره -والله أعلم- والله لقد علموا للذي اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، و"الذي" في موضع رفع بالابتداء، وصلته اشتراه، وقوله : ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ خبر "الذي"، والجملة التي هي مبتدأ وخبر في موضع نصب بعلموا، كما تقول: "قد علمت لزيد أفضل منك"، و"لقد علمت أزيد عندك أم عمرو"، فلام الابتداء في هذا وهمزة الاستفهام في إقطاعهما الاسم من العامل الذي قبله، وحولهما بينه وبينه سواء. فهذا هو الوجه أن تجعل من بمنزلة "الذي"، واللام فيه لام الابتداء، وهو مذهب سيبويه١. وفيه وجه ثان ذهب إليه غيره، وهو أن تجعل "من" شرطًا، وتجعل اللام فيه كالتي تعترض زائدة بين القسم والمقسم عليه نحو قوله : ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ [الروم: ٥١] ٢ فيصير التقدير "والله لقد علموا لئن أحد اشتراه ما له في الآخرة من خلاق"؛ فيجري هذا مجرى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] ٣ أي: "لئن آتيتكم شيئًا من كتاب وحكمة". على أن مذهب سيبويه والخليل٤ أن "ما" ههنا بمنزلة "الذي"، واللام فيها لام الابتداء. وفى اعتقاد من جعل "من" في قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] شرطًا بعض الضعف؛ وذلك أن "علموا" تقتضي مفعوليها؛ فإذا أوقعت القسم بعدها حتى يصير كأنه قال: "ولقد علموا والله لئن اشتراه أحد ما له في الآخرة من خلاق"، وأصل "والله" -كما علمت- أحلف بالله؛ فقد صار التقدير -والله أعلم-: ولقد علموا -أحلف بالله- لئن اشتراه أحد ليكونن كذا وكذا، وإذا تأدى الأمر إلى هذا؛ قبح أن يلي "علمت" فعل القسم؛ لأن "علمت" وأخواتها إنما تدخل على المبتدأ وخبره لا على الفعل وفاعله.

стр. 378

فإن قلت: فعلام تجيز كون "من" شرطًا وقد قدمت قبح ذلك؟ فالجواب: أن جواز ذلك على أن تجعل "علموا" نفسها قسمًا، وقد استعملتها العرب بمعنى القسم، ومن أبيات الكتاب١: ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها٢ فكأنه قال: والله لتأتين منيتي. فإن قلت: فإذا جعلت علموا جاريًا مجرى القسم بما ذكرته، وعندك أن اللام في "لقد" دالة على القسم المحذوف؛ فكأنه عندك: والله لقد علموا، وقوله: ﴿قَدْ عَلِمُوا﴾ جار مجرى القسم؛ فكيف يجوز على هذا دخول القسم على القسم، أولا ترى أن سيبويه والخليل٣ ذهبا في قوله تعالى ذكره: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس: ١، ٢] ٤ أن جميع ما بعد الواو الأولى من الواوات إنما هو واو عطف، وليس بواو قسم لئلا يدخل قسم على قسم؛ فيبقى الأول منها غير مجاب؟ فالجواب: أن ذلك إنما جاز في "علموا" من حيث كان إنما هو في معنى القسم، وليس قسمًا صريحًا؛ وإنما هو بمنزلة "أشهد لقد كان كذا"، وماجرى مجرى هذا مما ليس بقسم محض؛ فلأجل هذا جاز أن تكون من في قوله سبحانه: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ شرطًا، واللام في أولها مؤكدة للشرط، فاعرف ذلك إن شاء الله. وذهب أبو إسحاق في قوله جل ثناؤه: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] ٥ إلى أن التقدير: "يدعو من لضره أقرب من نفعه".

стр. 379

قال: فقدمت اللام عن موضعها، وحكى هذا القول عن البصريين والكوفيين جميعًا، وهذا عندنا على إجماع الكافة عليه في ما حكاه أبو إسحاق غير جائز ولا مرضٍ، وقد أنكره أبو علي، وذهب في فساده إلى أن اللام على هذا التقدير من صلة من، ومحله أن تتقدم الصلة أو شيء منها على الموصول. فإن قلت: فما تقول في هذه اللام، وكيف موقع الكلام؟ فالجواب: أن فيه أربعة أوجة غير ما حكاه أبو إسحاق: أحدها: أن تجعل يدعو تكرارًا لـ "يدعو" الأولى١، وترك إعمالها؛ لأنها قد أعملت متقدمة؛ فاستغني فيها عن إعادة العمل، كما تقول: "ضربت زيدًا ضربت"، حكى ذلك سيبويه، أعني قولهم: ضربت زيدًا ضربت، وتكون اللام في "لمن" لام الابتداء و"من" مرفوعة بالابتداء، وقوله : ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ [الحج: ١٣] ٢ خبر "من" كأنه قال: للذي ضره أقرب من نفعه لبئس المولى، واللام التي في "لبئس" هي اللام التي يتلقى بها القسم في نحو: ................................. ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي٣ وهي تدل على يمين محذوفة؛ فكأنه -والله أعلم- للذي ضره أقرب من نفعه والله لبئس المولى، كما تقول: زيد والله لقد قام؛ فهذا وجه. والثاني: أن تكون هناك هاء محذوفة منصوبة بـ "يدعو"، وتكون الجملة في موضع نصب على الحال من "ذلك" في قوله : ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] ٤ التقدير: "ذلك هو ضلال البعيد مدعوًا"، وغير منكر حذف

стр. 380

الهاء من الحال لأنها تضارع الصفة، والصفة قد يجوز فيها حذف الهاء جوازًا حسنًا؛ وذلك نحو قولك: "الناس رجلان فرجل أكرمت ورجل أهنت، والقوم مختلفون فواحد ضربني وآخر ضربت"، قال: وهو من أبيات الكتاب١: أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح٢ أي: حميته، فعلى هذا تقول: "نظرت إلى زيد تضرب هند"، أي: تضربه هند، فتحذف الهاء من الحال لمضارعتها الصفة. والوجة الثالث: أن تجعل "ذلك" بمنزلة "الذي" وتجعل الجملة التي هي قوله تعالى: ﴿هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ صلة له، وتنصب "ذلك" الذي بمعنى "الذي "بيدعو"؛ فيصير التقدير: الذي هو الضلال البعيد يدعو، كما تقول: زيدًا يضرب، و"ذا" قد استعملت بمعنى الذي، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ٣ في من رفع الجواب، فقال: "قُلِ الْعَفْوُ"٤ أي: ما الذي ينفقون؟ فرفع "العفو" يدل على أن ما مرفوعة بالابتداء، وذا خبرها، وينفقون صلة ذا، وأنه ليس "ماذا" جميعًا كالشيء الواحد، هذا هو الوجه عند سيبويه، وإن كان قد أجاز الوجه الآخر مع الرفع.

стр. 381

والوجه الرابع: أن يكون "يدعو" بمنزلة يقول، أي: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله أو رب؛ فتكون من مرفوعة بالابتداء، وخبرها محذوف مقدر كما أريتك. ويدلك على أن "يدعو" بمنزلة يقول قول عنترة١: يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأهم٢ أي: يقولون: يا عنتر؛ فدلت "يدعون" عليها. وقد ذهب أيضًا أبو إسحاق في هذه الآية إلى أن "يدعو" بمنزلة يقول، وهو صحيح. فإن قلت: فلم جعلت خبر "من" محذوفًا دون أن يكون قوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ كما أجزت أنت ذلك في ما تقدم من كلامك؟ فالجواب: أن الكفار ليسوا يقولون لمن يدعونه إلهًا: "لبئس المولى ولبئس العشير"؛ لأنهم لو قالوا ذلك؛ لكان سوء ثناء منهم عليه، والكافر لا يسيء الثناء على معبوده؛ لأنه لو ساء ثناؤه عليه لما عبده أصلًا، ونحن في أول الأمر لم نحك ذلك عنهم؛ وإنما أخبرنا أن من ضره أقرب من نفعه؛ فإنه بئس المولى، وكذلك هو عندنا، وليس هو كذلك، عند من يكفر بالله ﵎. فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فكيف جاز أن يقول: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إله، والكافر لا يقول: لمن ضره أقرب من نفعه إله؛ لأن ذلك أيضًا سوء ثناء منه عليه، كما أن قوله: "لبئس المولى" سوء ثناء عليه، فما الفرق بين الموضعين؟ ولم جاز أحدهما دون الآخر؟ فالجواب: أن ذلك إنما جاز على حكاية قولنا نحن فيه، ونظير هذا قولك لمن تريد أن تردعه عن الشيء وتثنيه٣ إلى غيره: انته عن كذا وكذا فإنه باطل، فيقول

стр. 382

المزجور مجيبًا: ما هو إلا الحق؛ فتقول أنت منكرًا عليه ومتعجبًا منه: هذا يقول: الباطل حق، ويقول: الغي رشد، وهو لم يقل إنه باطل، والا إنه غي، بل هو يعتقد فيه ضد البطلان والغواية١؛ ولكن صار تقديره: هذا يقول: إن ما يفعله- وهو باطل عندي - حق عنده؛ فسميته باطلًا على طريق الحكاية لا على أنه على الحقيقة عنده باطل، وكيف يجوز أن يعتقد فيه أنه باطل، ثم يعتقد مع ذلك أنه حق، هذا ظاهر التناقض. فكذلك قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] ٢ معناه: يقول: إن معبوده الذي ضره أقرب من نفعه عندي إله عنده، وقد جاءت هذه الحكاية عنهم مجيئًا متسعًا. أنشدني أبو علي لرجل يهجو جريرًا٣: أبلغ كليبًا، أبلغ عنك شاعرها ... أني الأغر وأني زهرة اليمن٤ فقال جرير مجيبًا: ألم تكن في وسوم قد وسمت بها ... من حان موعظة يا زهرة اليمن٥ فسماه زهرة اليمن على مذهب الحكاية لقوله، أي: يا من قال إني زهرة اليمن، ولست عندي كذلك.

стр. 383

وكذلك قوله : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٦] ١ وإنما هو في الحقيقة عنده الذليل المهان؛ ولكن تقديره -والله أعلم-: إنك أنت الذي يقول له رهطه وعشيرته: أنت عزيز كريم. وكذلك قوله تعالى أيضًا: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ٢؛ وإنما قالوا هذا بعد إيمانهم به؛ ولكن تقديره -والله أعلم- يا أيها الساحر عند أولئك القوم الذين يدعونك ساحرًا؛ فأما نحن نعلم أنك لست ساحرًا. وعلى تأول أهل النظر قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ٣ قالوا: معناه وأرسلناه إلى جمع لو رأيتهم لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. فهذا الشك إنما دخل الكلام على الحكاية لقول المخلوقين؛ لأن الخالق ﷻ وتقدست أسماؤه لا يعترضه الشك في شيء من خبره. وهذا ألطف وأوضح معنى من قول قطرب: إن "أو" بمعنى الواو، ومن قول الفراء٤: إن "أو" بمعنى "بل"؛ فهذا ما احتملته هذه الآية من القول. واعلم أن اللام قد لحقت من الحروف موضعين، جاءت في أحدهما للتوكيد، وفي الآخر للتوصل إلى النطق بالساكن. الأول نحو قولك: "لعل زيدًا قائم"؛ إنما هو "عل"، واللام زائدة مؤكدة.

стр. 384

قال الشاعر١: يا أبتا علك أو عساكا٢ أي: لعلك. وقال الآخر٣: عل صروف الدهر أو دولاتها ... يدلننا اللمة من لماتها٤ فتستريح النفس من زفراتها٥ وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: علِّي في ما أبتغي أبغيش٦ أي: لعلي. وحكى أبو زيد٧ أن لغة عقيل "لعل زيد منطلق"، بكسر اللام الآخرة من "لعل" وجر "زيد".

стр. 385

وقال كعب بن سعد الغنوي١: فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت ثانيًا ... لعل أبي المغوار منك قريب٢ وقال أبو الحسن٣: "ذكر أبو عبيدة أنه سمع لام "لعل" مفتوحة في لغة من يجر في قول الشاعر٤: لعل الله يمكنني عليها ... جهارًا من زهير أو أسيد٥ وقال الراجز٦: فباد حتى لكأن لم يسكن ... فاليوم أبكى، ومتى لم يبكني٧ فأكد الحرف باللام. وقال الآخر٨: للولا حصين عينه أن أسره ... وأن بني سعد صديق ووالد٩

стр. 386

وقال الآخر: للولا قاسم ويدًا بسيل ... لقد جرت عليك يد غشوم١ وأما قولنا: "إن زيدًا لفي الدار"، و"أن زيدًا لبك واثق"؛ فاللام داخلة فيه على خبر "إن" لا على الحرف. وكذلك ما أشبهه، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩] ٢، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] ٣؛ إنما اللام داخلة فيه على الفعل لا على الحرف. الثاني منهما: قولنا في حروف المعجم "هَـ ولا يَ" ولا يقال هنا: لام ألف كما يقول المعلمون؛ إنما يقال: "لا ي" ووجه ذلك أن ألف "لا" إنما هي المدة الساكنة في نحو قام، وحمار، وكتاب، ولا يمكن الابتداء بهذه الألف؛ لأنها لا تكون إلا مدة ساكنة، وأرادوا النطق بها كما أرادوا النطق بسائر حروف المعجم غيرها؛ فدعمها واضع الهجاء بحرف يقع الابتداء به، وهو اللام، توصلًا إلى النطق بها ساكنة بحالها، فقال: "لا". فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون؛ إنما أراد واضع الحروف أن يرينا كيف تتركب اللام والألف، فشكل هذا الشكل الذي هو "لا" دون ما ذهبت إليه من أنه أدخل اللام لسكون الألف؟ فالجواب: أنه لو كان غرض واضع حروف المعجم أن يرينا في هذا الموضع كيف تتركب اللام والألف؛ لأرانا أيضًا كيف تتركب الجيم والطاء، وكيف تتركب السين والباء، وكيف تتركب القاف والدال، ومعلوم أنه ليس ذلك غرضه،

стр. 387

وإنما غرضه تصوير هذه الحروف منفردة غير مركبة، وأن ينطق لها ليذاق جرسها، وأول كل حرف من اسم كل واحد من هذه الحروف الحرف المقصود. ألا ترى أن أول قولنا "قاف"، وأول قولنا "طاء" طاء، وأول قولنا "جيم" جيم؛ فلما كانت الألف التي هي مدة ساكنة لا يمكن الابتداء بها، وتذاق الألف ساكنة على جنسها، فقالوا: "و، لا، ي" فقولنا "لا" كقولنا "ما" و"ها" في التنبيه، و"يا" في النداء، و"وا" في الندابة. فإن قال قائل: فإذا كان الأمر كذلك؛ فلم خصت اللام بالابتداء في هذا الموضع دون غيرها من سائر الحروف؟ فالجواب: أن واضع حروف المعجم أجرى هنا على مذهب اللفظ، وقفًا في ذلك سنة العرب، وذلك أنه رأى العرب لما أرادت النطق بلام المعرفة وهي ساكنة مبتدأة؛ توصلت إلى ذلك بأن ألحقتها الألف المتحركة ليقع الابتداء بها، وذلك قولهم: الغلام، والجارية، فكما أدخلوا الألف المتحركة في هذا ونحوه ليقع الابتداء بها، كذلك أدخل واضع الحروف اللام المتحركة على الألف الساكنة لما لم يكن الابتداء بها، فقال "لا" فهذا هنا كذلك ثمة. فإن قال قائل: فإن أصل حركة الحرف المدخل للابتداء به؛ إنما هو الكسر، نحو: اذهب، انطلق، امش، استخرج، اقتطع. ولا تضم هذه الهمزة إلا إذا كان ثالثها مضمومًا، نحو: اقتل، انقطع بزيد. فهلا إذا كان الأمر كذلك أدخلت اللام على الألف مكسورة كما كسرت الهمزة في الأمر الشائع المطرد على ماذكرناه آنفًا؟ فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن اللام في قولنا "لا"؛ إنما هي مشبهة بالهمزة اللاحقة للام المعرفة، نحو الغلام والجارية، وتلك الهمزة أبدًا مفتوحة، فكذلك فتحت لام "لا". والوجه الآخر: أنهم لو جاءوا باللام مكسورة كالعادة فيما أدخل للابتداء به في غالب الأمر؛ لوجب قلب الألف ياء لانكسار اللام قبلها؛ فكان يلزم أن يقال "لي" فيصار إلى لفظ الياء، وليس إلى هذا قصد الواضع للحروف.

стр. 388

وكذلك لو ضم اللام؛ لوجب أن تنقلب الألف واوًا لانضمام اللام قبلها، فيقال "لو" وهذا في الامتناع كالذي قبله، فمن هنا وجب أيضًا أن تكون لام "لا" مفتوحة لتصبح الألف المقصودة بعدها إذ كانت الألف لا يكون ما قبلها أبدًا إلا مفتوحًا. قد أتينا بحمد الله ومنه على ما في اللام من الأحكام بأبلغ ما يمكن. والله تعالى الموفق للصواب.

стр. 389

باب الميم: اعلم أن الميم حرف مجهور يكون أصلًا، وبدلًا، وزائدًا. فإذا كانت أصلًا؛ وقعت فاءً وعينًا ولامًا؛ فالفاء نحو: مسد١، ومرس٢، والعين نحو: سمر٣، وعمر٤، واللام نحو: قلم، وعلم. وأما البدل فقد أبدلت الميم من أربعة أحرف، وهي: الواو، والنون، واللام، والباء. أما إبدالها من الواو فقولهم "فم"، وأصلة "فوه" بوزن "سوط"، فحذفت الهاء تخفيفًا كما حذفت من "سنة" في من قال٥: ليست بسنهاء........ ....... ... ......... ......... .......٦ وعملت معه مسانهة٧؛ ومن شاة، ومن عضة في من قال: بعير عاضة٨، ومن است؛ فصار التقدير "فو"؛ فلما بقي الاسم على حرفين الثاني منهما حرف لين

стр. 390

كرهوا حذفه للتنوين؛ فيجحفوا به؛ فأبدلوا من الواو ميمًا لقرب الميم من الواو؛ لأنهما شفهيتان، وفى الميم هوي في الفم يضارع امتداد الواو. ويدل على أن "فمًا" مفتوح الفاء وجودك إياها مفتوحة في اللفظ؛ هذا هو المشهور في هذه اللفظة؛ فأما ما حكاه فيها أبو زيد وغيره من كسر الفاء وضمها فبضرب من التغيير لحق الكلمة لإعلالها بحذف لامها وإبدال عينها. وأما قول الراجز١: يا ليتها قد خرجت من فمه ... حتى يعود الملك فى أصطمه٢ يروى بضم الفاء من فمه وفتحها؛ فالقول في تشديد الميم عندي أنه ليس ذلك في هذه الكلمة؛ ألا ترى أنك لا تجد لهذه المشددة الميم تصرفًا؛ وإنما التصرف كله على "ف وه"؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ٣. وقال الشاعر٤: فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدًا مقيم٥
следующие страницы →