← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فالجواب: أن العرب قد أجرت هاء التأنيث مجرى لام الفعل في أماكن: منها: أنهم حقروا ما كان من المؤنث على أربعة حروف، نحو: "عَقْرَب" و"عَناق" و"سُعاد" و"زَيْنَب" بلا هاء، وذلك قولهم: "عُقَيْرِب" و"عُنَيِّق" و"سُعَيِّد" و"زُيَيْنِب". إنما فعلوا، ذلك ولم يلحقوا الهاء كما ألحقوا الثلاثي، نحو "قِدْر وقُدَيْرَة" و"شَمْس وشُمَيْسَة" و"هِنْد وهُنَيْدَة" من أن قبل أنهم شبهوا باء "عقرب" وقاف "عناق" ودال "سعاد" وباء "زينب" وإن كنّ لامات أصولا بهاء التأنيث في نحو "طلحة" و"حمزة" إذ كانت الباء والقاف والدال متجاوزة للثلاثة التي هي أول الأصول وأعدلها وأخفها وأعمها تصرفًا كتجاوز الهاء في "طلحة" و"حمزة" للثلاثة. فكما أن هاء التأنيث لا تدخل عليها هاء أخرى كذلك منعوا الباء في "عقرب" ونحوها أن يقولوا "عقيربة" كما امتنعوا أن يقولوا في "حمزة": "حميزتة" فيدخلوا تأنيثًا على تأنيث، فلولا أنهم قد أحلوا الباء من "عقرب" وهي أصل محل الهاء الزائدة في نحو "طلحة" و"بيضة" و"تمرة" لما امتنعوا أن يقولوا "عقيربة". فهذا حد ما ضارعت فيه هاء التأنيث لام الفعل. ومنها: أنهم قد عاقبوا بين هاء التأنيث وبين اللام، وذلك نحو قولهم "بُرة وبرًا" و"لُغة ولُغًى" و"ظُبة وظبًى" و"لِثة ولِثًى" أفلا تراهم كيف عاقبوا بينهما، حتى إنهم إذا فقدوا اللام جاءوا بالهاء، فقالوا "برة" و"ظبة" وقالوا: "رأيت مئيا" في معنى "مائة" فلما حذفوا اللام جاءوا بالهاء، ولما جاءوا باللام لم يأتوا بالهاء، وهذا أيضًا مما يقرب ما بينهما، ويشهد بتضارعهما. ومنها: أن الهاء وإن كانت أبدًا في تقدير الانفصال فإن العرب قد أحلتها أيضًا محل اللام وما هو من الأصل أو جار مجرى الأصل، وذلك نحو قولهم "تَرْقُوة"١ و"عَرْقُوة"٢ و"قَمَحْدُوة"٣ فلولا أن الهاء في هذه الحال في تقدير الاتصال لوجب أن تقلب الواو ياء لأنها كانت تقدر طرفًا، فتقلب ياء كما تقلب في نحو "أحْقٍ"

стр. 562

جمع "حَقْو"١ و"أدْلٍ" جمع "دلو" فيقال: "عَرْقِية" و"تَرْقِية" و"قَمَحْدِية" كما قالوا: "أحقٍ" و"أدلٍ" و"أجرٍ" فلولا أنهم قد أجروا الهاء في "ترقوة" و"قمحدوة" مجرى الراء في "منصور" والطاء في "عضرفوط" فصحت الواو قبلها كما صحت قبل الراء والطاء، لوجب أن تقلب ياء على ما قدمناه من أمرهما، فكما جاز أن تشبه هاء التأنيث في هذا كله وغيره باللام الأصلية كذلك أيضًا أن تجرى الهاء المقدرة في "أرض" مجرى اللام الأصلية، فيعوض من حذفها من "أرض" أن يجمع الاسم بالواو والنون في "أرْضُون" كما عوِّض من حذف لام "برة" و"مائة" و"سنة" أن تجمع بالواو والنون في "برون" و"مئون" و"سنون"، كما كسرت سين "سنة" في قولك "سِنون" كذلك فتحت راء "أرض" في قولهم "أرَضون" ليدخل الكلمة ضرب من التغيير، ولذلك أجازوا أيضًا في نحو "قلة" و"برة" أن يكسروا أوائلها في "بِرون" و"قِلون" ليدخل المثال أيضًا جزء من التغيير. فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فما بالهم قالوا في جمع "حَرَّة"٢ "حَرُّون" وفي "إِحَرَّة": "إِحَرُّون"، وفي "إِوَزَّة": "إِوَزُّون". وقال الراجز٣: لا خَمْسَ إلا جَنْدَلُ الإحَرِّين٤

стр. 563

وقال الآخر١: فما حَوَتْ نُقْدةُ ذاتُ الحرين ... إلى كَرِيبٍ فنخيل يَبْرِين٢ وليست "حرة" ولا "إحرة" ولا "إوزة" مما حذف شيء من أصوله، ولا هو بمنزلة "أرض" في أنه مؤنث بغير هاء. فالجواب: أن الأصل في "إحرة: إحررة" وفي "إوزة: إوززة" وكلتاهما "إفعلة" ثم إنهم كرهوا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد، فأسكنوا الأول منهما، ونقلوا حركته إلى ما قبله، وأدغموه في الذي بعده، فلما دخل الكلمة هذا الإعلال والتوهين عوضوها منه أن جمعوها بالواو والنون، فقالوا: "إحَرُّون" و"إوَزُّون" ولما فعلوا ذلك في "إحرة" أجروا عليها "حرّة" فقالوا: "حرُّون وإن لم يكن لحقها تغيير ولا حذف، لأنها أخت "إحرة" من لفظها ومعناها، وإن شئت فقل: لأنهم قد أدغموا عين "حرة" في لامها، وذلك ضرب من الإعلال لحقها. فإن قلت: فما بالهم قالوا٣: قد رَوِيَتْ إلا دُهَيْدِهِينا ... قُلَيِّصاتٍ وأُبَيْكِرِينا٤ فجمعوا تصغير "دَهْداهٍ" وهو الحاشية من الإبل و"أبيكرا" تصغير "أبكر" بالواو والنون، وليسا من جنس ما ذكرت؟

стр. 564

فالجواب: أن "أبْكُرًا" جمع "بَكْر"، وكل جمع فتأنيثه سائغ مستمر لأنه جماعة في المعنى، فكأنه قد كان ينبغي أن يكون في "أبْكُر" و"أكْلُب" و"أعْبُد" هاء فيكون تقديره "أكلبه" و"أبكرة" و"أعبدة" كما قالوا في غير هذا "فِحالة" جمع "فَحْل" و"ذِكارة" جمع "ذَكَر" و"عُيُورة" و"سُيُورة" و"خُيُوطة" جمع "عَيْر" و"سَيْر" و"خَيْط" و"أعْمِدة" و"أحْمِرة" و"أرْدِية" و"أجْرِبة"١ جمع "عمُود" و"حِمار" و"رِداء" و"جَرِيب". وقالوا "صَيَاقِلة"٢ و"مَلائِكَة" جمع "صَيْقَل" و"مَلَك" فكما جاز أن تأتي الهاءُ في هذه الجموع وغيرها، كذلك جاز أيضًا أن تقدر في "أبْكُر" الهاء، فيصير كأنه "أبْكُرة" وقد جاءت الهاء في "أَفْعُلٍ" نفسها. قال الشاعر٣: بأَجْرِيةٍ بُقْعٍ عِظامٍ رؤوسها ... لَهُنّ إذا حركن في البطن أَزْمَلُ٤ فهذا جمع "جرو" و"أجرية" أفْعُلَة فألحق الهاء في "أَفْعُلٍ". ويدلك على أنه أراد "أفعل" قول الآخر٥: وتَجُرُّ مُجْرِية لها ... لَحْمي إلى أجْرٍ حواشب٦

стр. 565

وجاز أن تجمع "فِعْلا" على "أفعُل" و"أفعُل" على "فَعْل" مفتوحة الفاء، من حيث كان "فَعْل" و"فِعْل" ثلاثيين ساكني العينين. وقد اعتقبا أيضًا على المعنى الواحد نحو "حَجَّ وحِجٍّ" و"فَضّ وفِضّ" و"نَفْط ونِفْط" و"بَرْز وبِرز" و"جَصّ وجِصّ" كما قال الآخر١: ................................... ... وقَرَعْنَ نابَكَ قَرْعَةً بالأَضْرُس٢ يريد جمع "ضِرْس". وقال أبو ذؤيب٣: .................................. ... في كفه جَشْءٌ أَجَشُّ وأَقْطُعُ٤ يريد جمع "قِطْع" وقالوا أيضًا "ذِئْبٌ وأَذْؤُب" على أن بعضهم قد قال٥: إن "أجْرِية" جمع "جِرَاء" و"جِرَاء" جمع "جِرْو". وإنما حمله على هذا المذهب -فيما أحسب- لطف ما ذكرناه عنه. وإذا كان ما ذهبنا إليه في ذلك -وهو مذهب أصحابنا كافة- سائغًا مطردًا جاز أن يكون قول مُرَّة بن مَحْكَان٦: في ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أنديةٍ ... لا يُبصرُ الكلبُ من ظَلمائها الطُّنُبا٧

стр. 566

لا يريد به "أفعِلة" نحو "أحمزة" و"أقفزة"١ كما ذهبتْ إليه الكافة، ولكن يجوز أن يريد به "أفعُلة" بضم العين تأنيث "أفعُل" وجمع "فَعَلٍ" وهو "ندى" على "أفعُل" كما قال ذو الرمة٢: ........................................... ... هل الأزْمُنُ اللائي مَضَيْنَ رَوَاجِعُ٣ وكما قالوا: "رَسَنٌ٤ وأَرْسُنٌ" و"جَبَلٌ وأَجْبُلٌ". والناس في "أندية" إذا أريد بها "أفعِلة" مكسورة العين على ثلاثة أضرب: منهم من قال٥: إنه جَمَعَ "فَعَلا" على "أفعِلة" قالوا: وهو شاذ. وذهب أبو الحسن٦ إلى أنه جمع "نَدًى" على "نِداء" ليصير مثل "جَمَلٍ وجِمَال" ثم جمع "نِداء" على "أندِية" ليكون كـ "رِشاء٧ وأرْشِية" و"رِداء وأردِية". وقال أبو العباس٨: زعم بعضهم أنه جمع "نَدِيّ" وذلك أنهم يجتمعون في مجالسهم لِقرى الأضياف.

стр. 567

كما قال سلامة بن جَنْدَل١: يومان: يومُ مقاماتٍ وأنديةٍ ... ويومُ سيرٍ إلى الأعداءِ تأويب٢ وكل هذه الأقوال ليست "أندية" فيها لفظ جمع اسم ثلاثي، إنما هو جمع ما كان على "فِعال" أو "فَعِيل" أو نحوهما. والذي ذهبنا نحن إليه من كون "أندية" "أفعُل" بضم العين أمْثَلُ؛ لأن "أفعُلَة" إنما هي تأنيث "أفعُلٍ" و"أفعُلُ" جمع كثير من الثلاثي، وإن كان في "فَعْلٍ" أكثر. وإذا ثبت بما قدمناه أن "أفعُلا" من أمثلة الجموع يجوز في الاستعمال والقياس تأنيثه لم ينكر أن يعتقد أن "أبْكُرًا" قد كان ينبغي أن يكون فيها هاء تأنيث الجماعة، فصار إذن جمعهم إياها بالواو والنون في قوله "وأْبَيْكِرِينا" إنما هو عوض من الهاء المقدرة في "أَبْكُر" فجرى ذلك مجرى "أرض" في جمعهم إياها بالواو والنون في قولهم "أرْضُون". فأما "دْهَيْدِهِينا" فإن واحده "دَهْدَاهٌ" وهو القطعة من حاشية الإبل، فهو نظير "الصِّرْمَة"٣ و"الهَجْمَة"٤ و"العَكَرة"٥ فكأن الهاء فيها لتأنيث الفِرقة والقِطعة، كما أن الهاء في "عُصْبة" و"طائفة" لتأنيث الجماعة، فكأنه كان في التقدير "دَهْداهة" فلما حذفت الهاء وصار "دَهْداهًا" جمع تصغيره بالواو والنون تعويضًا من الهاء المقدرة المرادة في "دهداهة" فقصته أيضًا قصة "أرض" فلذلك قيل "دُهَيْدِهِينا".

стр. 568

قال أبو علي: وحسّن أيضًا جمعه بالواو والنون أنه قد حُذفت ألف "دَهْداهٍ" في التحقير، ولو جاء على أصله لقيل "دُهَيْدِهة" بوزن "صَلْصال"١ و"صُلَيْصِيل" فواحد "دُهَيْدِهِينا" إنما هو "دُهَيْدِيهٌ" وقد حذفت الألف من مكبّره، فكان ذلك أيضًا مسهلا للواو والنون، وداعيًا إلى التعويض بهما. وعلى هذا قولهم في أسماء الدواهي: "البِرَحُون"٢ و"الفِتَكَرُون"٣ و"الأقْوَرْون" فكأن واحد "الفِتَكْرِين" "فِتَكْرٌ" وواحد "البِرَحِين" "بِرَحٌ" وواحد "الأقْوَرين" "أقْوَرٌ" وإن لم ينطق بذلك إلا أنه مقدر، وكان سبيله أن يكون الواحد "فِتَكْرة" و"بِرَحة" و"أقْوَرة" بالتأنيث كله، كما قالوا: "داهية" و"مُنْكَرة" و"أم أدْرَاص"٤ و"الفَلِيقة" ٥ و"أم الرُّبَيْق"٦، فلما لم تظهر الهاء في الواحد جعلوا جمعه بالواو والنون عوضًا من الهاء المقدرة، وجرى ذلك مجرى "أرض" و"أرضين". وإنما لم يستعملوا في هذه الأسماء الأفراد فيقولوا "بَرِح" و"أَقْوَر" و"فِتَكْرٌ" واقتصروا فيه على الجمعية دون الإفراد من حيث كانوا يصفون الدواهي بالكثرة والعموم والاشتمال والغلبة. ألا ترى أن الكسائي ذهب في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْراً﴾ [الكهف: ٧١] إلى أن معناه "شيئًا داهيًا منكرًا عجبًا" واشتق له من قولهم: "أَمِرَ القومُ" إذا كثروا. وكذلك ما حكاه لنا أبو علي عن الأصمعي من قولهم في الداهية والأمر المنكر: "جئت بها زباء وذات وبر٧" فهذا يدل على أنهم قد أرادوا فيها معنى الكثرة والاشتمال، ويشهد بصحة ما ذهب إليه الكسائي. ومثله أيضًا عن الأصمعي "داهية شعراء" فهذا أيضًا من معنى العموم والكثرة، فمعنى الاشتمال والعموم غير مباين لمعنى الجمع، فلذلك اجتمعوا في بعض أسماء الدواهي على الجمع دون الإفراد، لأنه أليق بما قصدوه وأدنى لما أرادوه.

стр. 569

وهذا الذي ذهبت إليه، وأقمت الأدلة عليه أحد ما أخذته عن شيخنا أبي علي وهو معنى قوله وجمل مذهبه الذي حصله عن جلة أصحابه، وقد أوردت ألفاظه فيه، وفتقت كلامه، وأوضحت معانيه، فاعرفه، فإنه من غامض هذه الصناعة ولطيفها، وقس عليه ما جرى مجراه، فهذا كله يؤكد عندك أنهم إنما جمعوا بالواو والنون ما ليس مذكرا عاقلا، لأنهم عوضوه ذلك من الحذف أو الإعلال العارض له. فإن قلت: فيلزمك على هذا أن تقول في "قِدْرٍ": "قِدْرُون" لأنها مؤنثة بغير هاء، وكذلك في "نَعْلٍ": "نَعْلُون" وفي "عَناقٍ": "عناقُون" وفي "يدٍ": "يدُون" لأنها محذوفة، وفي "شابّة"١: "شابُّون" لأنها مسكنة الحرف الأول مدغمتُهُ. فالجواب: أن ذلك لا يجوز شيء منه كما جاز غيره مما قدمنا ذكره، وذلك أنه قد كان القياس في: "ثُبُون" و"ظُبُون" و"أرضُون" و"إِحَرُّون" و"إِوَزُّون" و"أُبَيْكِرِين" و"الدُّهَيْدِهِين" و"الفِتَكْرِين" و"البِرَحِين" ألا يجوز شيء منه إذ كانت الواو للمذكر العاقل، وهذه مؤنثة غير ذات عقل، ولكنهم فعلوا ما فعلوه توسعًا وعلى ضرب من التأول، فإ جاء له نظير فقد عرفت طريقه، وإن لم تسمع له نظيرًا لم تقس عليه غيره لأنه لم يَنْقَدْ في بابه. ومثل ما تقدم قولهم في اسم البلد: "قِنَّسْرُون" و"فِلَسْطُونَ" و"يَبْرُونَ"، "نَصِيبْونَ" و"صَرِيفُونَ" و"عانِدُونَ". ووجه الجمع في هذه الأشياء أنهم جعلوا كل ناحية من "فِلَسْطِين" و"قِنَّسْرِينَ" كأنه "فِلَسْطٌ" و"قِنَّسْرٌ" وكأن واحد "يِبْرِينَ": "يَبْرٌ"٢ وواحد "نَصِيبِينَ": "نَصِيبٌ" وواحد "صَرِيفِينَ" و"عانِدينَ": "صَرِيفٌ" و"عانِدٌ". وكذلك "السَّيْلَحُون"٣ كأن واحدها "سَيْلَحٌ" وإن لم ينطق به مفردا، و"الناحية" و"الجهة" مؤنثتان، فكأنه قد كان ينبغي أن تكون في الواحد هاء، فصار "فِلَسْطٌ" و"قِنَّسْرٌ"

стр. 570

المقدر كأنه كان يبنغي أن يكون "فِلَسْطة" و"قِنَّسْرة" و"يَبرة" و"نَصِيبة" و"صَرِيفة" و"عانِدة" و"سَيْلَحة" فلما لم تظهر الهاء وقد كان "قِنَّسْر" في القياس في نية الملفوظ به عوضوه الجمع بالواو والنون، وأجري في ذلك مجرى "أرْضٍ" في قولهم "أرْضُون". وكذلك قوله عزَّ اسمه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٨-١٩] كأنه جمع "عِلِّيّ" وهو "فِعِّيل" من العُلُّوّ، كأنه مما كان سبيله أن يكون "عِلِّيَّة" فيذهب بتأنيثه إلى الرفعة والنباوة، على أنهم أيضًا قد قالوا للغرفة "عِلِّيَّة": لأنها من العلو، فجرى ذلك مجرى "فلسطينَ" و"يبرينَ" و"قنسرينَ" و"صريفينَ" و"نصيبينَ". وأما من قال "فلسطينُ" و"يبرينُ" و"قنسرينُ" و"صريفينُ" و"نصيبينُ" فجعل النون حرف الإعراب، ورفعها، فأمره واضح، لأنه واحد لا جمع له، أو جمع لا واحد له مستعمل. ومثله قوله تعالى: ﴿مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ٢ فهو "فِعْلِين" من الغُسالة٣. وكذلك "اليَاسِمُون"٤ وكأنه جمع "ياسِم" وكأنه في التقدير "ياسِمة" بالهاء؛ لأنهم ذهبوا إلى تأنيث الريحانة والزهرة. فأما "الماطرون" فليست النون فيه زائدة، لأنها تعرب، قال الشاعر٥: ولها بالماطِرونِ إذا ... أكلَ النمل الذي جمعا٦ بكسر النون، فالكلمة إذن رباعية. ومن قال: "ياسِمِينٌ" فأمره واضح.

стр. 571

ونظيرُ "عِلِّيُّون" و"فِلَسْطُونَ" العقود من "عشرينَ" إلى "تسعينَ" فكأن "عِشْرُون" جمع "عِشْرٍ" و"ثلاثونَ" جمع "ثَلاثٌ" و"أرْبعونَ" جمع "أرْبَعٍ" وليس الأمر كذلك، لأن "العِشْرَ" غير معروف إلا في أظماء الإبل، ولو كان "ثلاثون" جمع "ثلاث" لوجب أن يستعمل في "تسعة" وفي "اثني عشر" وفي "خمسة عشر" وكذلك إلى "سبعة"، ولجاز أن يتجاوز به إلى ما فوق الثلاثين من الأعداد التي الواحد من تثليثها فوق العشرة، نحو "ثلاثة وثلاثين" لأن الواحد من تثليث هذه "أَحَدَ عَشَرَ" وكذلك "ستة وثلاثون" لأن الواحد من تثليثها "اثنا عشر" وكذلك ما فوق ذلك من الأعداد. وكذلك أيضًا القول في "أربعين" و"خمسين" إلي "التسْعِين" كالقول في "ثلاثين" فندعه هربًا من الإطالة بذكره. فقد ثبت أن "ثلاثين" ليس جمع "ثلاث" وأن "أربعين" ليس جمع "أربع" ولكنه جرى مجرى "فلسطين" في أن اعتُقِدَ له واحد مقدر وإن لم يجر به استعمال، فكأن "ثلاثين" جمع "ثلاث"، و"ثلاثٌ" جماعة، فكأنه قد كان ينبغي أن تكون فيه الهاء، فعوض من ذلك الجمع بالواو والنون، وعاد الأمر فيه إلى قصة "أرض" و"أرضون" وهو في ذلك أشبه حالا من "فلسطُون" لأنه جمع في الحقيقة و"فلسطون" وأخواتها إنما هي جمع على ضرب من التأول، ولأجل ما ذكرناه من أن مذهب الجمعية في "يَبْرُون" إنما هو على التأول ما جازت فيه اللغتان "يَبْرُون" و"يَبْرِين" و"فلسطُون" و"فلسطِين" ولم تجز في "أربعون" "أربعين" ولا في "عشرون" "عشرين" لأن مذهب الجمع فيه أغلب وأقوى منه في "فلسطين" وبابها. فأما قول سُحَيْم بنِ وَثِيل١: وماذا يَدَّرِي الشعراءُ منّي ... وقد جاوزتُ حدَّ الأربعينِ٢

стр. 572

فلسيت النون في "الأربعين" حرف إعراب، ولا الكسرة فيها علامة جر الاسم، وإنما هي حركة التقاء الساكنين، وهما الياء والنون، وكسرت على أصل حركة الساكنين إذا التقيا، فلم تفتح كما تفتح نون الجمع لأن الشاعر اضطر إلى ذلك لئلا تختلف حركة حرف الرويّ في سائر الأبيات، ألا ترى أن فيها١: أخو خمسينَ مجتمِعٌ أشُدّي ... ونجَّذَني مداورة الشُّؤونِ٢ ويدلك على أن الكسرة في نون "الأربعينِ" ليست جرًّا، وأنها كسر التقاء الساكنين قول ذي الإصبع٣: إنِّي أبيٌّ أبيٌّ ذو محافظةٍ ... وابنُ أبيٍّ أبيٍّ منْ أبيِّين٤ فـ "أبيُّون" جمعُ "أبيٍّ" مثل "ظريفِين" من "ظريفٍ" فكما لا يشك في أن كسرة نون "أبيينِ" إنما هي لالتقاء الساكنين لأنه جمع تصحيح مثل: "الزيدينَ" و"العمرينَ" كذلك ينبغي أن تكون كسرة نون "الأربعين". وكذلك قول الآخر ٥:

стр. 573

...................................... ... إلا الخلائفَ من بعد النَّبِيِّينِ١ وهذه أيضًا جمع "نبيّ" على الصحة لا محالة، فكُسِرتْ نون الجمع في هذه الأشياء ضرورة، وأجريت في ذلك مجرى نون التثنية، فلم يوقعوا بينهما فصلا لما ذكرت لك. فاعرف هذا من حال واو الجمع، فقد تَقَصَّيْتُهُ، وقسمت وجوهه، واغترقت طرق الكلام فيه. وتزاد الواو في الفعل علامة للجمع والضمير نحو "الرجال يقومون ويقعدون". وتزاد علامة للجمع مجردة من الضمير في قول بعض العرب٢: "أكلوني البراغيث"٣ وعلى هذا أحدُ ما تُؤُوِّلَتْ عليه الآية ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: من الآية ٣] ٤ فيمن لم يجعل في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ ضميرًا. ومثل ذلك سواء قوله تعالى ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: من الآية ٧١] ٥ وقال الشاعر٦:

стр. 574

يلومونني في اشتراء النخيل ... أهلي وكلهم أَلْوَمُ١ فاعرفه. وتزاد أيضًا بعد هاء الإضمار نحو "ضَرَبْتُهُو" و"كَلَّمْتُهُو" فهذه الواو في المذكر نظيره الألف في المؤنث نحو "ضَرَبْتُها" و"كَلَّمْتُها" وربما حذفت في الشعر في الوصل، قال٢: وما له من مجدٍ تليدٍ وما لَهُ ... من الريح حظٌّ لا الجنوب ولا الصبا٣ وتزاد بعد ميم الإضمار نحو "ضربْتُهُمُو" و"هُمُو قَامُوا" وتحذف تخفيفًا. واعلم أن العرب قد تشبع الضمة، فتحدث بعدها واو، أنشدنا أبو علي٤: وأنني حوْثُ ما يشري الهوى بصري ... من حوث ما سلكوا أدنُو فأنْظُورُ٥ يريد: "فأنْظُر" فأشبع ضمة الظاء، فتولد بعدها واو.

стр. 575

ولقد يتوجه على هذا عندي قول الشاعر١: هجوتَ زبّانَ ثم جئتَ معتذرًا ... من هجوِ زبانَ لم تهجُو ولم تَدَعِ٢ فكأنه أراد "لم تهجُ" بحذف الواو للجزم، ثم أشبع ضمة الجيم، فنشأت بعدها الواو، ويجوز أيضًا أن يكون ممن يقول في الرفع "هو يهجو" فيضم الواو، ويجريها مجرى الصحيح. فإذا جزم سكنها، فتكون علامة الجزم على هذا القول سكون الواو من "تهجو" كما أسكن الآخر ياء "يأتي" في موضع الجزم، فقال٣: ألم يأتيكَ والأنباءُ تَنْمي ... بما لاقت لَبُونُ بَنِي زِيادِ٤ فكأنه ممن يقول: "هو يأتيُك" وسنذكر ذلك في حرف الياء بإذن الله تعالى. وقد استعمل أبو تمام -وإن كان محدثا- ما ذكرناه من إشباع الضمة حتى نشأت بعدها واو، وذلك قوله٥: يقول فيسمعُ، ويمشي فيسرعُ ... ويضرب في ذات الإله فيوجعُ٦ فالواو في اللفظ بعد العين في "يسمعُ" إنما هي إشباع ضمة العين، وذلك أن البيت لا يُقَفَّى ولا يصرع في وسط المصراع الأول، وأما الواو بعد عين "يسرعُ" فواو

стр. 576

الإطلاق، وذلك أن البيت مُقَفًّى، والبيت إذا كان مُقَفًّى أو مَصَرَّعًا جرى على عروضه ما يجري على ضربه، وهذا بين حال التصريع والتقفية. وكما تزاد هذه الواو لإشباع الضمة فكذلك قد تحذف تخفيفًا. قال الأخطل١: كَلَمْعِ أيدي مَثاكيلٍ مُسَلَّبةٍ ... يَنْدُبْنَ ضَرْسَ بَناتِ الدهرِ والخُطُبِ٢ يريد: الخطوب. وقال الآخر٣: حتى إذا بَلَّتْ حَلاقيمَ الحُلُقْ يريد: الحُلُوق. وقال الآخر٥: أن تَرِدَ الماء إذا غاب النُّجُمْ٦ يريد: النجوم. ويجوز أن يكون جمع "فَعْلا" على "فُعْل" ثم ثَقَّل. فهذه حال الواو المزيدة المصوغة في أنفس الكلم.

стр. 577

فأما إذا لم تكن الحاجة ممزوجة بأنفس الأمثلة فتأتي على أربعة أضرب، وهي: واو العطف، والواو التي بمعنى مع، وواو الحال، وواو القسم. فأما واو العطف فنحو قولك: "قام زيد وعمرو" وليس فيها دليل على المبدوء به في المعنى، لأنها ليست مُرَتِّبة، قال لبيد١: أُغْلي السباءَ بكلِّ أَدْكَنَ عاتِقٍ ... أو جَوْنةٍ قُدِحَتْ، وفُضَّ خِتامُها٢ فقوله: "قدحت" أي "غرفت" ومنه سميت المغرفة مقدحة، وفض ختامها: فتح رأسها، وإنما تغرف بعد أن تفتح، فقد علمت أن "قدحت"، مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى. وعلى هذا يتوجه قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [مريم: ٤٣] ٣ فبدأ بالسجود قبل الركوع لفظًا، وهو مؤخر معنى، ولذلك لم يلزم عند أبي حنيفة٤ وأصحابه من قوله عَزَّ اسْمُهُ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] ٥ الآية تقديم بعض الأعضاء على بعض في الغسل، وذلك أنها معطوفة بالواو، ولا ترتيب فيها.

стр. 578

وكلمني بعضهم، فقال: أنا أوجدك في الآية ترتيبًا، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: من الآية٦] قال: والفاء للترتيب بلا خلاف، وحكى ذلك عن بعض متأخريهم -وأحسبه ابن القطان ﵀ فقلت له: قد ذهب عليك ما في الحال، وذلك أن معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: إذا عزمتم على الصلاة، وأردتموها، وليس الغرض -والله أعلم- في ﴿قمتم﴾ النهوض والانتصاب، لأنهم قد أجمعوا أنه لو غسل أعضاءه قبل الصلاة قائمًا أو قاعدًا لكان قد أدى فرض هذه الآية، فالفاء إذن إنما رتبت الغسل والمسح عقيب الإرادة والعزم، ولم تجعل للغسل مزية في التقدم على المسح، لأن المسح معطوف على الغسل بالواو في قوله: ﴿وَامْسَحُوا﴾ فجرى هذا مجرى قولك: "إذا قمت فاضرب زيدًا واشتم بكرًا" فلو بدأ بالشتم قبل الضرب كان جائزًا، فالفاء لم ترتب الغسل قبل المسح، ولا الضرب قبل الشتم، ولم ترتب أيضًا نفس المغسول به، لأن المغسول معطوف بعضه على بعض بحرف لا يوجب الترتيب، وهو الواو، وهذا واضح، فَفَهِمَهُ، وعرف الحقيقة فيه. ونظير "قمتم" في هذا الموضع قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] ١ وليس يراد هنا -والله أعلم- القيام الذي هو المثول والتنصيب وضد القعود، وإنما هو من قولهم: "قمت بأمرك" و"عليَّ القيامُ بهذا الشأن" فكأنه -والله أعلم- الرجال متكلفون لأمور النساء معنيون بشؤونهن. فكذلك قوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: إذا هممتم بالصلاة، وتوجهتم إليها بالعناية، وكنتم غير متطهرين، فافعلوا كذا وكذا، لابد من هذا الشرط، لأن من كان على طهر وأراد الصلاة لم يلزمه غسل شيء من أعضائه لا مرتبًا ولا مُخَيَّرًا فيه، فيصير هذا كقوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وهذا، أعني قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ فافعلوا كذا، وهو يريد: إذا قمتم ولستم على طهارة، فحذف ذلك للدلالة عليه أحد الاختصارات التي في القرآن،

стр. 579

ومنه قول طرفة١: فإن مِتُ فانْعِينِي بما أنا أهْلُهُ ... وشُقِّي على الجيبَ يا ابنةَ مَعْبَدِ٢ فتأويله: فإن مِتُ قَبْلَكِ، لا بد من أن يكون الكلام معقودا على هذا، لأنه معلوم أنه لا يكلفها نعيه والبكاء عليه بعد موتها إذ التكليف لا يصح إلا مع القدرة، والميت لا قدرة فيه، بل لا حياة عنده، وهذا واضح، وهو شيء اعترض الكلام، فقلنا فيه، ثم نعود إلى أمر الواو. واعلم أن حرف العطف هذا قد حذف في بعض الكلام، إلا أنه من الشاذ لا ينبغي لأحد أن يقيس عليه غيره، حدثنا أبو علي، قال: حكى أبو عثمان٣: أكلت لحمًا، سمكًا، تمرًا، يريد: لحمًا، وسمكًا، وتمرًا، وقال٤: ما ليَ لا أبكِي على عِلاتي ... صَبائحي غَبائقي قَيلاتي٥

стр. 580

أراد: وغبائقي، وقيلاتي فحذف حرف العطف. وهذا عندنا ضعيف في القياس، معدوم في الاستعمال. ووجه ضعفه أن حرف العطف فيه ضرب من الاختصار، وذلك أنه قد أقيم مقام العامل؛ ألا ترى أن قولك: قام زيد وعمرو، أصله: قام زيد وقام عمرو، فحذفت "قام" الثانية، وبقيت الواو كأنها عوض منها، فإذا ذهبت تحذف الواو النائبة عن الفعل تجاوزت حد الاختصار إلى مذهب الانتهاك١ والإجحاف٢، فلذلك رفض ذلك، وقد تقدم من القول في هذا المعنى ما هو مغنٍ بإذن الله تعالى. وشيء آخر، وهو أنك لو حذفت حرف العطف لتجاوزت قبح الإجحاف إلى كلفة الإشكال، وذلك أنك لو حذفت الواو في نحو قولك: ضربت زيدًا وأبا عمرو، فقلت: ضربت زيدًا أبا عمرو، لأوهمت أن زيدًا هو أبو عمرو، ولم يعلم من هذا أن "زيدا" غير "أبي عمرو" فلما اجتمع إلى الإجحاف الإشكال قبح الحذف جدًّا. وكما أنابوا حرف العطف عن العامل فيما ذكرنا وما يجري مجراه، نحو: ضربت زيدًا فبكرًا، وكلمت محمدًا ثم سعيدًا، وجاءني محمد لا صالح، كذلك أيضًا قد أنابوا الواو مناب "رب" في نحو قوله٣:

стр. 581

وقاتمٍ الأعماقِ خاوِي المُخْتَرَق١ وفي قوله٢: وبلدٍ عاميةٍ أعماؤُهُ ... كأنَّ لو أرضِهِ سماؤُهُ٣ وقوله٤: وليلةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ٥ وفي قوله٦: ومَنْهِلٍ مِن الأنيسِ نائي٧ تقديره: ورُبَّ كَذَا، وهذه الواو حرف عطف.

стр. 582

فإن قلت: فإنا نجدها مبتدأة في أوائل القصائد، فعلى أي شيء عطفت؟ فالجواب: أن القصيدة تجري مجرى الرسالة، وإنما يؤتى بالشعر بعد خطب يجري أو خطاب يتصل، فيأتي بالقصيدة معطوفة بالواو على ما تقدمها من الكلام. ويدل على ذلك أيضًا قولهم في أوائل الرسائل: أما بعد فقد كان كذا وكذا، فكأنه قال: أما بعد ما نحن فيه، أو بعد ما كنا بسبيله فقد كان كذا وكذا، فاستعمالهم هنا لفظ "بعد" يدل على ما ذكرناه عنهم من أنهم يعطفون القصيدة على ما قبلها من الحال والكلام، وكما أن "بل" من قول الآخر: بَلْ جَوْزِ تِيْهَاءَ كَظَهر الحَجَفتْ١ في أنها وإن كانت بدلا من "رب" فهي حرف عطف لا محالة، فكذلك الواو في: وبلدٍ عاميةٍ أعماؤه٢ واو عطف وإن كانت نائبة عن "رب". فإن قيل: فبم الجر فيما بعد واو "رُبَّ" أبِ "رُبَّ" المحذوفة أم بالواو النائبة عنها؟ فالجواب: أن الجر بعد هذه الواو إنما هو بـ "رُبَّ" المرادة المحذوفة تخفيفًا لا بالواو، ويدل على ذلك أنها في غير هذه الحال من العطف إنما هي نائبة عن العامل دالة عليه، وليست بمتولية للعمل دونه، وذلك قولك: قام عمرو، ورأيت زيدا وبكرا، ومررت بسعيد وخالد، فلو كانت ناصبة لم تكن جارة وهي بلفظ واحد، وكذلك لو كانت الواو رافعة لم تكن جارة. ويدلك على أن العمل فيما بعد حرف العطف إنما هو لما ناب الحرف عنه، ودل عليه من العوامل، إظهارهم العامل بعده في نحو: ضربت زيدا وضربت بكرا، ونظرت إلى جعفر وإلى خالد، فالعمل إذن إنما هو للعامل المراد لا الحرف العاطف.

стр. 583

فإن قلت: فما بالك تقول: والله لأقومن، فتبدل الواو من الباء في قولك: بالله لأقومن، وأنت تزعم أن الجر بعد واو القسم إنما هو للواو نفسها لأنها نائبة عن الباء وبدل منها، فهلا زعمت مثل ذلك في الواو إذا كانت عاطفة؟ فالجواب: أن بين الموضعين فرقًا، وذلك أن الواو في القسم إنما هي بدل من الباء وواقعة موقعها، وليست الباء مقدرة بعد الواو كما يقدر العامل بعد حرف العطف، ألا ترى أن من قال: قام زيد وقام عمرو، فأظهر العامل بعد حرف العطف لم يجز على وجه من الوجوه أن يقول: وبالله لأقومن، على أن تكون الواو للقسم، وإنما هي ههنا عطف، وحرف القسم الموصل له إنما هو الباء بعد الواو، وليست الواو ههنا للقسم، وأما حرف العطف فهو مع إظهار العامل بعده وحذفه جميعًا حرف عطف. ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيد وعمرو فالواو حرف عطف، وإذا قلت: قام زيد وقام عمرو فالواو أيضًا حرف عطف أظهرت العامل أو حذفته، وليست الواو في قولك: والله لأقومن هي الواو في قولك: وبالله لأقومن، فلما كانت الواو في القسم إنما هي بدل من بائه البتة حتى لا تظهر معها، جرت في العمل مجراها، وحسن إقامتها في العمل مقامها أن الواو ضارعت الباء لفظًا ومعنًى، أما اللفظ فلأن الباء شفهية، والواو أيضًا كذلك، وأما المعنى فلأن الباء للإلصاق والواو للاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جامعه، وليست كذلك واو العطف، لأنها لا تضارع العامل الذي دلت عليه وقامت مقامه لفظًا ولا معنًى، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت زيدا وبكرا فإن أصله: ضربت زيدا وضربت بكرا، فالواو لا تضارع العامل الذي دلت عليه وقامت مقامه لفظا ولا معنى، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت زيدا وبكرا فإن أصله: ضربت زيدا وضربت بكرا، فالواو لا تضارع "ضَرَبَ" لفظا ولا معنى، ألا ترى أن "ضَرَبَ" ثلاثة أحرف والواو حرف واحد، وهذه حرف، وذلك فعل، فهما جنسان متباينان، فلذلك جاز أن تكون الواو في القسم عاملة، ولم يجز أن يكون حرف العطف عاملا، فتفهَّمْه. واعلم أن هذه الواو إذا كانت عاطفة فإنها دالة على شيئين: أحدهما الجمع، والآخر العطف، إلا أن دلالتها على الجمع أعم فيها من دلالتها على العطف، يدل على ذلك أنا لا نجدها إذا لم تكن بدلا من باء القسم مجردة من معنى الجمع، وقد نجدها معراة من معنى العطف، ألا ترى أن الواو التي بمعنى "مع" في قولك: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة، قد تجدها

стр. 584

مفيدة للجمع لأنها نائبة عن "مع" الموضوعة لإفادة الجمع، ولا تجد فيها في هذه الحال معنى العطف، وكذلك إذا كانت للحال نحو قوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٤] ١ أي: يغشى طائفة منكم إذ طائفة في هذه الحال. وهذه الواو أيضًا الدالة على معنى الحال غير معراة من معنى الجمع، ألا ترى أن الحال مصاحبة لذي الحال، فقد أفادت إذن معنى الاجتماع. وهذا كله تلخيص أبي علي، وعنه أخذته. وأما الواو التي بمعنى "مع" فقولهم: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة٢ ومازلت أسير والنيل، أي: مع النيل، وكيف تكون وقصعة من ثريد، أي: مع قصعة، ولو خليت والأسد لأكلك، أي: مع الأسد، ولو تركت الناقة وفصيلها٣ لرضعها، أي: مع فصيلها، وكيف تصنع وزيدًا، أي: مع زيد، واجتمع زيد وأبا محمد على حفظ المال، ومن أبيات الكتاب: فكونوا أنتم وبنِي أبيكم ... مكانَ الكُليتين من الطحال٤

стр. 585

أي: مع بني أبيكم، فلما حذف "مع" وأقام الواو مقامها أفضى الفعل الذي قبل الواو إلى الاسم الذي بعدها. فنصبه بواسطة الواو، وذلك أن الواو قوته، فأوصلته إليه، وقد استقصيت هذا الفصل في حرف الباء من كتابنا هذا. وأما الواو التي للحال فنحو قولك: مررت بزيد وعلى يده بازٍ، أي: مررت به وهذه حاله، ولقيت محمدًا وأبوه يتلو، أي: لقيته وهذه حاله. ولا يقع بعد هذه الواو إلا جملة مركبة من مبتدأ وخبر، لو قلت: كلمت محمدًا وقام أخوه، وأنت تريد معنى الحال لم يجز إلا أن تريد معنى "قد" فكأنك قلت: كلمت محمدًا وقد قام أخوه، وذلك أن "قد" تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه أو تكاد. ألا تراهم يقولون: "قد قامت الصلاة" قبل حال قيامها، وإنما جاز ذلك لمكان "قد" وعلى قول الشاعر١: أُمَّ صَبِيّ قد حَبا أو دارِجِ٢ فكأنه قال: أم صبي حابٍ أو دارجٍ.

стр. 586

وتأولوا قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: من الآية٩٠] على معنى: قد حصرت صدورهم١. وذهب آخرون إلى أن تقديره: أو جاءوكم رجالا أو قومًا حصرت صدورهم، فـ ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ الآن في موضع نصب لأنها صفة حلت محل موصوف منصوب على الحال، على أن في هذا بعض الضعف لإقامتك الصفة مقام الموصوف، وهذا مما الشعرُ وموضعُ الاضطرارِ أولى به من النثر وحال الاختيار, وإذا وقعت هذه الجملة بعد هذه الواو كنت في تضمينها إياه مخيرًا، فالتضمين كقولك: جاء زيد وتحته فرس، وترك التضمين كقولك: جاء زيد وعمرو يقرأ. وإنما جاز استغناء هذه الجملة عن ضمير يعود منها إلى صاحب الحال من قبل أن الواو ربطت ما بعدها بما قبلها، فلم تحتج إلى أن يعود منها ضمير على الأول ليرتبط به آخر الكلام بأوله، وإن جئت به فيها فحسنٌ جميلٌ؛ لأن فيه تأكيدًا لارتباط الجملة بما قبلها. فأما إذا لم يكن هناك واو فلا بد من تضمّن الجملة ضميرًا من الأول، وذلك نحو قولك: أقبل محمد على رأسه قلنسوة٢، ولو قلت: أقبل محمد على جعفر قلنسوة، وأنت تريد: أقبل محمد وهذه حاله لم يجز؛ لأنك لم تأت بالواو التي هي رابطة ما بعدها بما قبلها، ولا بضمير يعود من آخر الكلام فيدل على أنه معقود بأوله. وإذا فقدت جملة الحال هاتين الحالتين انقطعت مما قبله، ولم يكن هناك ما يربط الآخر بالأول. وعلى هذا قول الشاعر٣: نَصَفَ النهارُ الماءُ غامِرُهُ ... ورفيقه بالغيب لا يدري٤

стр. 587

يصف غائصًا غاص في الماء من أول النهار إلى انتصافه ورفيقه على شاطئ الماء ينتظره ولا يدري ما كان منه، فيقول: انتصف النهار وهذه حاله، فالهاء من "غامره" ربطت الجملة بما قبلها حتى جرت حالا على ما قبلها، فكأنك قلت: انتصف النهار على الغائص غامرًا له الماء، كما أنك إذا قلت: جاء زيد حسنًا وجهه. فأما قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: من الآية ٢٢] فلا يجوز أن يكون ﴿رَابِعُهُمْ﴾ وصفًا لـ ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ على أن يكون ﴿كَلْبُهُمْ﴾ رفعًا لغلام، وترفع زيدًا بفعله، وهو الضرب، من قبل أن "رابعهم" في هذا الموضع وإن كان اسم فاعل، فإنه يراد به الماضي، وإذا كان اسم الفاعل ماضيا في المعنى لم يجز أن يعمل عمل الأفعال، لا رفعا ولا نصبا، ألا ترى أنك لا تقول: هذا رجل قائم أمس أخوه على أن ترفع الأخ بفعله، وهو القيام، كما لا يجوز أن تقول: هذا رجل غلام أخوه، فترفع الأخ بفعله، وتجعل الغلام فعلا له، لأن اسم الفاعل إذا أريد به الماضي جرى مجرى غلام وفرس ورجل وما لا معنى فعل فيه، فقد بطل إذن أن يرفع "كلبهم" بما في ﴿رَابِعُهُمْ﴾ من معنى الفعل إذ كان "رابعهم" يراد به هنا المضي. ولا يجوز أيضًا أن يرتفع "رابعهم" بالابتداء، ويجعل ﴿كَلْبُهُمْ﴾ خبرا عنه على أن تكون الجملة حالا لـ "ثلاثة" لأنك لو فعلت ذلك لم تجد للحال ما ينصبها، ألا ترى أن التقدير: سيقولون هم ثلاثة، وليس في قولك هم ثلاثة ما يجوز أن ينصب على الحال. فإن قلت: فهلا جعلت تقديره: هؤلاء ثلاثة، فنصبت الحال بعدها بما في هؤلاء من معنى التنبيه، كما تقول: هؤلاء إخوتك قياما؟ فذلك محال هنا لأنهم يكونوا مشاهدين، ولو كانوا مشاهدين لما وقع التشكك في عدتهم، أولا ترى أن في الآية ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ وإنما وقع الإخبار عنهم وهم غير مشاهدين، فإذا لم يجز أن يكون في الكلام ما ينصب حالا لم يجز على شيء منه، ولأن "ثلاثة" أيضًا نكرة، وسبيل الحال أن تأتي بعد المعرفة، هذا هو الغالب من أمرها والأسير في أحكامها، إلا أن يجيء ذلك شاذًا أو على ضرورة أو قلة من الكلام، وليست هنا ضرورة ولا ظهور نصب يحتمل له إجراء الحال على النكرة.

стр. 588

فإن قلت: فاجعل ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مبتدأ وخبرًا، واجعل الجملة المنعقدة منها وصفا لـ "ثلاثة" كما تقول: هم ثلاثة غلامهم أبوهم؟ فذلك عندنا في هذا الموضع غير سائغ ولا مختار، وإن كان في غير هذا الموضع جائزًا، والذي منع من إجازته هنا وضعفها أن الجملة التي في آخر الكلام فيها واو العطف، وهو قوله : ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فكما ظهرت الواو في آخر الكلام، فكذلك -والله أعلم- هي مرادة في أوله لتتجنس الجمل في أحوالها والمراد بها، فكأنه -والله أعلم- سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة وسادسهم كلبهم رجمًا بالغيب، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، إلا أن الواو حذفت من الجملتين المتقدمتين لأن الذي فيهما من الضمير يعقدهما بما قبلهما لا عقد الوصف ولا عقد الحال لما ذكرناه، ولكن عقد الإتباع، لاسيما وقد ظهرت الواو في الجملة الثالثة، فدل ذلك على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين. واعلم أن هذه الواو وما بعدها إذا أريد بالجميع الحال في موضع نصب بما قبلها من العوامل التي يجوز لمثلها نصب الحال، فقولك: أقبل أخوك وثوبه نظيف، في موضع: أقبل أخوك نظيفًا ثوبه، فكما تنصب "نظيفًا" بـ "أقبل" كذلك تنصب موضع قولك: وثوبه نظيف بـ "أقبل". وإذا كان ذلك فقوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٤] في تقدير: يغشى طائفة منكم مهمّةً طائفة منكم أخرى أنفسُهم في وقت غشيانه تلك الطائفة الأولى، ولا بد من هذا التقدير، كما أن قولك: جاءت هند وعمرو ضاحك في تقدير: جاءت هند ضاحكًا عمرو في وقت مجيئها، حتى يعود من الجملة التي هي حالٌ ضميرٌ على صاحب الحال، ولهذا شبهها سيبويه بـ "إذ" قال أبو علي: إنما فعل ذلك من حيث كانت "إذ" لا يكون إلا جملة، كما أن ما بعد واو الحال لا يكون إلا جملة، ولهذا قال سيبويه: "واو الابتداء" يعني هذه الواو إذ كان ما بعدها سبيله أن يكون جملة من مبتدأ وخبر، ولأجل أن بين الحال والظرف هذه المصاقبة١ ما ذهب الكسائي إلى أن نصب الحال إنما

стр. 589

هو لشبهها بالظرف. ويؤكد الشبه أيضًا أنك قد تعبر عن الحال بلفظ الظرف، ألا ترى أن قولك: جاء زيدًا ضاحكًا فى معنى: جاء زيد في حال ضحكه، وعلى حال ضحكه، فاستعمالك هنا لفظ "في" و"على" يؤنسك بالوقت والظرفية، فاعرفه. وأما واو القسم فنحو قولك: والله لأقومن، والله لأقعدن، وقد تقدم القول عليها، وأنها بدل من باء الجر، والعلة في جواز إبدالها منها في حرف الباء. واعلم أن البغداديين١ قد أجازوا في الواو أن تكون زائدة في مواضع: منها قوله جَلَّ اسْمُهُ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣-١٠٤] ٢ قالوا: معناه ناديناه، والواو زائدة. ومنها قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ. وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١-٣] قالوا: معناه إذا السماء انشقت إذا الأرض مدت، فتكون "إذا" الثانية خبرًا عن "إذا" الأولى، كما تقول: وقت يقوم زيد وقت يقعد عمرو. وأجازوا أيضًا في هذه الآية أن يكون التقدير: إذا السماء انشقت أذنت لربها. ومنها قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر: من الآية٧٣] تقديره عندهم: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها. واحتجوا لجواز ذلك بقول الشاعر٣: حتى إذا امتلأتْ بُطُونُكم ... ورأيتُم أبناءكُم شَبُّوا وقلبتم ظهرَ المِجَنّ لنا ... إنَّ الغَدُور الفاحش الخب٤

стр. 590

معناه عندهم: قلبتم ظهر المجن لنا. فأما أصحابنا فيدفعون هذا التأويل البتة، ولا يجيزون زيادة هذه الواو ويرون أن أجوبة هذه الأشياء محذوفة للعلم بها والاعتياد في مثلها، وتأويل ذلك عندنا على معنى: فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدَّقْتَ الرؤيا أدركَ ثوابَنا، ونال المنزلةَ الرفيعةَ عندنا. وكذلك: إذا السماء انشقت وكان كذا وكذا عرف كل واحد ما صار إليه من ثواب وعقاب١. ودليل ذلك قوله عَزَّ اسْمُهُ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] ٢ وكان كذا وكذا ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] ٣. وكقوله تعالى فى موضع آخر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] ٤ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] ، وكذلك قوله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ تقديره: صادفوا الثواب الذي وُعِدُوه. وكذلك قول الشاعر: حتى إذا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ... ورأيتُم أبناءكُم شَبُّوا وقَلَبْتُم ظهرَ المِجَنّ لنا ... إنَّ الغَدُور الفاحشُ الخبّ٥ تقديره: لما كان هذا كله منكم عرف الناس غدرَكُم، واستحقَقْتُم صرف اللائمة إليكم/ أو نحو ذلك مما يصح لمثله أن يكونَ جوابًا عن هذا، وصار أيضًا قوله: "إن الغدور الفاحش الخب" بدلا من الجواب ودليلا عليه.

стр. 591

ويؤكد هذا عندك قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] ١ ولم يقل: لكان هذا القرآن. وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] ولم يقل: لرأيت سوء منقلبهم. وعلى هذا قول امرئ القيس٢: فلو أنها نفسٌ تموتُ جَمِيعَةً ... ولكنها نفسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسا٣ ولم يقل: لفنيت، ولا: لاستراحت. وكذلك قول جرير٤: كَذَبَ العَوَاذِلُ لو رأين مُناخَنا ... بحزيز رامةَ والمطيُّ سَوَامي٥ ولم يقل: لرأينَ ما يُشجِيهُن ويُسْخِنُ أعينَهُنّ.

стр. 592

وقال الآخر١: لو قد حداهُنّ أبو الجوديِّ ... برجز مسحَنْفِرِ الرَّوِيِّ مستوياتٍ كَنَوى الرنيِّ٢ ولم يقل: لأسرعن، ولا لقطعن، ونحو ذلك. وعلى هذا قول حاتم: "لو غيرُ ذاتِ سوارٍ لَطَمْتني"٣ ولم يقل: لانتصفت منها. وزعم سيبويه٤ أن الشماخ لم يأت لقوله٥: ودَوِّيةٍ قَفْرٍ تَمَشَّى نَعامُها ... كمَشْي النَّصارَى في خِفاف اليَرَنْدَجِ٦ بجواب في القصيدة علمًا بأن المعنى: قَطَعْتُ، أو جُزْتُ، أو نحو ذلك.

стр. 593

وذهب أصحابنا إلى أن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، وأنه لذلك ما حذفت هذه الأجوبة، قالوا: ألا ترى أنك إذا قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك، وسكت عن الجواب، ذهب بفكره إلى أنواع المكروه من الضرب والقتل والكسر وغير ذلك، فتمثلت في فكره أنواع العقوبات، فتكاثرت عليه، وعظمت الحال في نفسه، ولم يدر أيها يتقي، ولو قلت: والله لئن قمت إليك لأضربنك، فأتيت بالجواب لم يتق شيئًا غير الضرب، ولا خطر بباله نوع من المكروه سواه، فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه. قال أبو علي: ومثل معناه قول كثير١: فَقلْتُ لها: ياعَزُّ كلُّ مصيبةٍ ... إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ٢ وكذلك الحال في الجميل من الفعل نحو قولك: والله لئن زرتني، إذا حذفت الجواب تصورَتْ له أنواع الجميل وضروبه من الإحسان إليه والإنعام عليه. ولو قلت: والله لئن زرتني لأعطينك دينارًا، رمى بفكره نحو الدينار، ولم يجُل في خلده شيء من الجميل سواه، ولعله أيضًا أن يكون مستغنيًا عنه غيرَ راغبٍ فيه، فلا يدعوه ذلك إلى الزيارة، وإذا حذفتَ الجوابَ تطلعت نفسُه إلى علم ما توليه إياه، فكان ذلك

стр. 594

أدعى له إلى الزيارة، كما كان الباب الأول أدعى له إلى الترك، فهذا بيان هذا الفصل وتلخيص ما فيه، وذكر السبب الداعي إلى حذف الأجوبة منه. وقد زيدت الواو على الحرف المضموم إذا وقفت عليه مستذكرًا لما بعده من الكلام فتقول: الرجل يقومو، أي: يقوم غدًا أو نحوه، والرجل ينطلقو، أي: ينطلق إلينا، ونحو ذلك، فمدوا بالواو لأنهم لا ينوون القطعَ. ويزيدون أيضًا على الواو واوًا أخرى عند التذكر، فيقولون: زيدٌ يغزُوو، ومحمد يدعُوو، جعلوا ذلك علامة الاستذكار، وأنه قد بقيت بقية من الكلام، وتكلفوا الجمع بين الساكنين لذلك. وقد حذفت الواو فاء، نحو "يَعِد" و"عِدَة" و"تَقَيْتُ زيدًا" وهو كثير. وعينًا في حرف واحد، وهو "حَبْ" في زجر الإبل، و"سَفْ" في معنى "سوف" ولامًا في "أخٍ" و"غدٍ" و"هنٍ" و"كُرة" و"لُغة" ونحو ذلك. وقد زيدت الواو في نحو قولهم: كنتَ ولا مالَ لكَ، أي: كنت لا مال لك، وكان زيدٌ ولا أحد فوقه. وكأنهم إنما استجازوا زيادتها هنا لمشابهة خبر كان للحال؛ ألا ترى أن قولك: كان زيد قائمًا، مشبه من طريق اللفظ بقولهم: جاء زيدٌ راكبًا، وكما جاز أن يشبه خبر كان بالمفعول فينصب، فغير منكر أيضًا أن يشبه بالحال في نحو قولهم: جاء زيد وعلى يده بازٍ، فتزاد فيه الواو.

стр. 595

باب الألف الساكنة مدخل ... باب الألف الساكنة: اعلم أن هذه الألف هي التي بعد اللام قبل الياء في آخر حروف المعجم وهي التي في قولنا "لا". وإنما لم يجز أن تفرد من اللام وتقام بنفسها كما أقيم سائر حروف المعجم سواها بأنفسها من قبل أنها لا تكون ساكنة تابعة للفتحة، والساكن لا يمكن ابتداؤه، فدعمت باللام ليقع الابتداء بها، وتأتي الألف ساكنة بعدها. وقول من لا خبرة له بحقيقة اللفظ بحروف المعجم "لامَ الِف" خطأ. فأما قول أبي النجم١: خرجت من عند زيادٍ كالخَرِف ... تَخْطُّ رِجْلاي بِخَطٍّ مُخْتلِف تكتبانِ في الطريقِ لامَ الِف٢ فلم يرد شكل "لا" دون غيره، وإنما هذا كقولك: تكتبان قاف دال، أو جيم طاء، أي كأنهما تخطان حروف المعجم، لا يريد بعضا دون بعض، على أنه أيضًا قد يمكن أن يكون أراد بقوله: "لام الف" هذا الشكل المقدم ذكره إلا أنه تلقاه من أفواه العامة؛ لأن الخط ليس له تعلق بالفصحاء، ولا عنهم يؤخذ. ويؤكد ذلك عندك أن واضع حروف المعجم إنما وسمها لنا منثورة غير منظورة، فلو كان غرضه في "لا" أن يرينا كيف اجتماع اللام مع الألف، للزمه أيضًا أن يرينا كيف تتركب الجيم مع الطاء، والقاف مع الياء، والسين مع الهاء، وغير ذلك مما يطول تعداده، وإنما غرضه ما ذكرت لك من توصله إلى النطق بالألف، فدعهما باللام ليقع الابتداء بها، وتأتي الألف ساكنة بعدها.

стр. 596

فإن سأل سائل فقال: ما بالهم اختارو لها اللام دون سائر الحروف إذا كان الأمر كما ذكرت، وهلا دعموها بالجيم أو القاف أو غيرها من الحروف، فقالوا: جا أو قا أو صا أو نحو ذلك؟ فالجواب: أنهم إنما خصوا اللام بها دون غيرها من قبل أنهم لما احتاجوا لسكون لام التعريف إلى حرف يقع الابتداء بها قبلها أتوا بالهمزة، فقالوا: الغلام والجارية، فكما أدخلوا الألف قبل اللام هناك كذلك أدخلوا اللام قبل الألف في "لا" ليكون ذلك ضربًا من التعاوض بينهما. فإن قيل: فلم أدخلت الهمزة قبل لام التعريف أصلا حتى قيس هذا عليه وعُووِضَ بينهما؟ فالجواب عن ذلك قد تقدم في حرف الهمزة من أول هذا الكتاب، فالأصل في هذين الموضعين إنما هو لام المعرفة المدخلة عليها الألف، ثم حملت الألف في إدخال اللام عليها على حكم لام المعرفة، وذلك أن اللفظ أسبق مرتبة من الخط، فَبِهِ بُدِئَ، ثم حمل الخط عليه. واعلم أن هذه الألف، أعني المدة الساكنة في نحو قامَ، وباعَ، وحمارٍ، وكتابٍ، وغزَا، ورَمَى، وحتَّى، وإلَّا، ومَا، ولا، لا تكون أصلا في الأسماء المتمكنة ولا الأفعال أبدًا، إنما تكون بدلا أو زائدًا، فأما الحروف التي جاءت لمعانٍ فإن الألفات فيها أصول، وكذلك الأسماء المبنية التي أوغلت في شبه الحرف، وسيأتيك ذلك مفصلا في أماكِنِه بإذن الله تعالى.

стр. 597

كون الألف أصلا: وذلك في عامة الحروف التي تقع الألف في آخرها، نحو ما، ولا، ويا، وهيا، وإلا، وحتى، وكلا، فهذه الألفات وما يجري مجراها أبدا أصول غير زوائد ولا منقلبة. والذي يدل على أنها ليست بزوائد أن الزيادة ضرب من التصرف في الكلمة، وجزء من الاشتقاق فيها، وهذه الحروف كلها غير متصرفة ولا مشتقة، فيجب أن تكون ألفاتها غير زادة، ألا ترى أنك لا تجد لـ "حتى" و"كلا" اشتقاقا تُفْقَدُ فيه ألفهما كما تجد لضارب، وقاتل، ومِعْزًى، وأرطًى اشتقاقًا تفقد في ألفها،

стр. 598

وهو ضَرَبَ، وقَتَلَ، ومَعْزٌ، ومَأْرُوط، فلما لم تكن الحروف متصرفة ولا مشتقة بطل أن يقضى بزيادة ألفاتها، ويفسد أيضًا أن تكون بدلا من نحو الوجه الذي فسد منه أن تكون زائدة، وذلك أن البدل أيضًا ضرب من التصرف؛ ألا ترى أنك لا تجد لألف ما، ولا، وحتى، وكلا أصلا في ياء ولا واو كما تجد لألف غزا، ودعا، وسعى، ورمى، أصلا في الياء، والواو لقولك: غزُوتُ، ودعَوتُ، وسعَيتُ، ورمَيتُ، فكما بطل أن تكون الألف فيها زائدة بطل أيضًا أن تكون بدلا. ودليل آخر على فساد كونها بدلا وجودك الألف في نحو "ما" و"لا"، فلو كانت الألف في نحو ذلك بدلا لم تخل من أن تكون بدلا من ياء أو واو، فلو كانت بدلا من الياء لوجب أن تقول في "ما" و"لا": "مَيْ" و"لَيْ" كما قالوا: أَيْ، وكَيْ، لو كانت بدلا من الواو لوجب أن تقول: "مَوْ" و"لَوْ" كما قلت: أَوْ، ولَوْ؛ ألا ترى أن الياء والواو إنما تقلبان إذا وقعتا طرفين متى تحركتا، فإذا سكنتا لم يجب قلبهما، وأواخر الحروف أبدًا ساكنة إلا أن يلتقي ساكنان، ولا ساكنين في نحو: ما، لا، كما أنه لا ساكنين في نحو: قد، وهل. وكذلك القول عندنا في الأسماء القاعدة في شبه الحرف، نحو: أنَّى، ومَتَى، وإِذَا، وإيّا، ينبغي أن تكون ألفاتها أصولا غير زوائد ولا مبدلة، لأن أواخرها ينبغي أن تكون سواكن، ألا ترى أن "أنى" في الاستفهام بمننزلة "مَنْ" و"كَمْ" وأنه ينبغي أن يكون آخرها ساكنًا كما أن آخر "مَنْ" و"كَمْ" ساكن، فوجودك الألف في المكان الذي يسكن فيه الحرف الصحيح أدل دليل على كونها أصلا غير زائدة ولا مبدلة. والقول في "متى" أيضًا كالقول في "أنى" لأنها أختها في الاستفهام ورسيلتها في استحقاق البناء. وكذلك "إذا" هي مستحقة للبناء لاقتصارهم على إضافتها إلى الجملة، فينبغي أن يكون آخرها ساكنًا كآخر "إذ" فالألف إذن في آخرها أصل، إذ لا حركة فيها توجب قلبها. وكذلك القول في ألف "إذا" التي للمفاجأة لأنها مبنية، وحكمها أن تكون ساكنة الآخر. وأما "إيّا" فاسم مضمر، وقد تقدمت الدلالة في هذا الكتاب وغيره مما صنفناه وأمللناه على صحة كونه مضمرًا بمنزلة "أنت" و"أنا" و"هو" فكما أن هذه كلها مبنية لشبه الحرف فيها، كذلك ينبغي أن تكون "إيّا" مبنية أيضًا.

стр. 599

فإن قلت: فلعله مبني على حركة، فتكون ألفه إذن منقلبة لانفتاح الياء قبلها، ويكون في بنائه على الحركة بمنزلة "أنا" و"هو" في أنهما مبنيان على الفتح. فالجواب: أن "إياك" بأنت أشبه منه بأنا وهو، وذلك أن الكاف في آخره قد ثبتت الدلالة على كونها حرفا للخطاب، وقد شرحنا ذلك من حالها في حرف الكاف، فإذا كان الاسم إنما هو "إيا" والكاف إنما هي لاحقة لمعنى الخطاب، أشبه إياك أنت، ألا ترى أن التاء في آخر "أنت" ليست من الاسم، وإنما هي للخطاب، فكما أن النون قبل تاء "أنت" ساكنة، فكذلك ينبغي أن تكون الألف قبل كاف "إياك" في موضع سكون، وإذا كانت كذلك لزم أن تكون الألف غير منقلبة؛ لأنها ليست في موضع حركة، وجرت في ذلك مجرى ألف: ما، ولا، وحتى، وكلا في أنها غير منقلبة. وحكى لي حاكٍ عن أبي إسحاق أُرَاه قال لي: سمعتُه يقول وقد سئل عن معنى قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: من الآية ٥] ١ ما تأويله؟ فقال: حقيقتُكَ نَعْبُدُ، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة. وهذا القول من أبي إسحاق عندي غير مُرْضٍ، وذلك أن جميعَ الأسماء المضمرة مبني غير مشتق نحو: أنا، وأنت، وهو، وهي، وقد قامت الدلالة على كون "إيا" اسمًا مضمرًا، فيجب أن لا يكون مشتقًا، فإن ذهب إلى أن "إيا" اسم غير مضمر، وذلك قوله على ما بيناه في حرف الكاف، فقد أفسدناه هناك بما أغنى عن إعادته هنا. فإن قلت: فما مثال "إيا" من الفعل؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثل لأنه غير مشتق ولا متصرف، ولكنك إن تكلفت ذلك على تبيين حاله لو كان مما يصح تمثيله لاحتمل أن يكون من ألفاظ مختلفة، وعلى أمثلة مختلفة، فالألفاظ ثلاثة: أحدها أن يكون لفظ أَوَيْتُ. والآخر: من لفظ الآية.

стр. 600

والآخر: من تركيب "أوو" وهو من قول الشاعر١: فَأَوِّ لذكراها إذا ما ذكرتُها ... ومن بُعْدِ أرضٍ بيننا وسَماءِ٢ فمن رواه هكذا فـ "أوِّ" على هذا بمنزلة قَوِّ زيدًا، وهو من مضاعف الواو، ولا يكون "فأوِّ" كقولك: سَوِّ زيدًا، ولَوِّ عمرًا، وحَوِّ حَبْلا لما ذكرناه قبل في حرف الميم من هذا الكتاب. وإن ذهبت إلى أن "إيا" من لفظ "أويت" احتمل ثلاثة أمثلة: أحدها أن يكون إفْعَلا. والآخر أن يكون فِعْيَلا. والآخر فِعْلَى. فأما "إفْعَلٌ" فأصله "إئْويٌ: فقلبت الياء التي هي لام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت "إئْوا" وقلبت الهمزة الثانية التي هي فاء الفعل ياء لسكونها وانكسار الهمزة قبلها، فصارت "إيوا" فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصارت "إيا". فإن قلت: ألست تعلم أن الياء التي قبل الواو في "إيوا" ليست بأصل، وإنما هي بدل من الهمزة التي هي فاء الفعل، فهلا لم تقلب لها الواو ياء إذ كانت غير أصل وبدلا من همزة، كما تقول في الأمر من أوى يأوي: ايو يا رجل، ولا تقلب الواو ياء، وإن كانت قبلها ياء ساكنة، لأن تلك الياء أصلها الهمز؟ فالجواب: أن هذا إنما يفعل في الفعل لا في الاسم، وذلك أن الفعل لا يستقر على حال واحدة، ولا الهمزة المكسورة في أولِهِ بلازمة، إنما هي ثابتة ما ابتدأتَ، فإذا وصلت سقطت البتة، ألا تراك تقول: "ايو، وأو" وإن شئت فأو، كما قال تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: من الآية ١٦] ٣ وليس كذلك الاسم؛ لأنه إن كانت في
следующие страницы →