فإن سأل سائل فقال: ما بالهم اختارو لها اللام دون سائر الحروف إذا كان الأمر كما ذكرت، وهلا دعموها بالجيم أو القاف أو غيرها من الحروف، فقالوا: جا أو قا أو صا أو نحو ذلك؟
فالجواب: أنهم إنما خصوا اللام بها دون غيرها من قبل أنهم لما احتاجوا لسكون لام التعريف إلى حرف يقع الابتداء بها قبلها أتوا بالهمزة، فقالوا: الغلام والجارية، فكما أدخلوا الألف قبل اللام هناك كذلك أدخلوا اللام قبل الألف في "لا" ليكون ذلك ضربًا من التعاوض بينهما.
فإن قيل: فلم أدخلت الهمزة قبل لام التعريف أصلا حتى قيس هذا عليه وعُووِضَ بينهما؟
فالجواب عن ذلك قد تقدم في حرف الهمزة من أول هذا الكتاب، فالأصل في هذين الموضعين إنما هو لام المعرفة المدخلة عليها الألف، ثم حملت الألف في إدخال اللام عليها على حكم لام المعرفة، وذلك أن اللفظ أسبق مرتبة من الخط، فَبِهِ بُدِئَ، ثم حمل الخط عليه.
واعلم أن هذه الألف، أعني المدة الساكنة في نحو قامَ، وباعَ، وحمارٍ، وكتابٍ، وغزَا، ورَمَى، وحتَّى، وإلَّا، ومَا، ولا، لا تكون أصلا في الأسماء المتمكنة ولا الأفعال أبدًا، إنما تكون بدلا أو زائدًا، فأما الحروف التي جاءت لمعانٍ فإن الألفات فيها أصول، وكذلك الأسماء المبنية التي أوغلت في شبه الحرف، وسيأتيك ذلك مفصلا في أماكِنِه بإذن الله تعالى.
стр. 597
كون الألف أصلا:
وذلك في عامة الحروف التي تقع الألف في آخرها، نحو ما، ولا، ويا، وهيا، وإلا، وحتى، وكلا، فهذه الألفات وما يجري مجراها أبدا أصول غير زوائد ولا منقلبة. والذي يدل على أنها ليست بزوائد أن الزيادة ضرب من التصرف في الكلمة، وجزء من الاشتقاق فيها، وهذه الحروف كلها غير متصرفة ولا مشتقة، فيجب أن تكون ألفاتها غير زادة، ألا ترى أنك لا تجد لـ "حتى" و"كلا" اشتقاقا تُفْقَدُ فيه ألفهما كما تجد لضارب، وقاتل، ومِعْزًى، وأرطًى اشتقاقًا تفقد في ألفها،
стр. 598
وهو ضَرَبَ، وقَتَلَ، ومَعْزٌ، ومَأْرُوط، فلما لم تكن الحروف متصرفة ولا مشتقة بطل أن يقضى بزيادة ألفاتها، ويفسد أيضًا أن تكون بدلا من نحو الوجه الذي فسد منه أن تكون زائدة، وذلك أن البدل أيضًا ضرب من التصرف؛ ألا ترى أنك لا تجد لألف ما، ولا، وحتى، وكلا أصلا في ياء ولا واو كما تجد لألف غزا، ودعا، وسعى، ورمى، أصلا في الياء، والواو لقولك: غزُوتُ، ودعَوتُ، وسعَيتُ، ورمَيتُ، فكما بطل أن تكون الألف فيها زائدة بطل أيضًا أن تكون بدلا.
ودليل آخر على فساد كونها بدلا وجودك الألف في نحو "ما" و"لا"، فلو كانت الألف في نحو ذلك بدلا لم تخل من أن تكون بدلا من ياء أو واو، فلو كانت بدلا من الياء لوجب أن تقول في "ما" و"لا": "مَيْ" و"لَيْ" كما قالوا: أَيْ، وكَيْ، لو كانت بدلا من الواو لوجب أن تقول: "مَوْ" و"لَوْ" كما قلت: أَوْ، ولَوْ؛ ألا ترى أن الياء والواو إنما تقلبان إذا وقعتا طرفين متى تحركتا، فإذا سكنتا لم يجب قلبهما، وأواخر الحروف أبدًا ساكنة إلا أن يلتقي ساكنان، ولا ساكنين في نحو: ما، لا، كما أنه لا ساكنين في نحو: قد، وهل.
وكذلك القول عندنا في الأسماء القاعدة في شبه الحرف، نحو: أنَّى، ومَتَى، وإِذَا، وإيّا، ينبغي أن تكون ألفاتها أصولا غير زوائد ولا مبدلة، لأن أواخرها ينبغي أن تكون سواكن، ألا ترى أن "أنى" في الاستفهام بمننزلة "مَنْ" و"كَمْ" وأنه ينبغي أن يكون آخرها ساكنًا كما أن آخر "مَنْ" و"كَمْ" ساكن، فوجودك الألف في المكان الذي يسكن فيه الحرف الصحيح أدل دليل على كونها أصلا غير زائدة ولا مبدلة. والقول في "متى" أيضًا كالقول في "أنى" لأنها أختها في الاستفهام ورسيلتها في استحقاق البناء. وكذلك "إذا" هي مستحقة للبناء لاقتصارهم على إضافتها إلى الجملة، فينبغي أن يكون آخرها ساكنًا كآخر "إذ" فالألف إذن في آخرها أصل، إذ لا حركة فيها توجب قلبها. وكذلك القول في ألف "إذا" التي للمفاجأة لأنها مبنية، وحكمها أن تكون ساكنة الآخر.
وأما "إيّا" فاسم مضمر، وقد تقدمت الدلالة في هذا الكتاب وغيره مما صنفناه وأمللناه على صحة كونه مضمرًا بمنزلة "أنت" و"أنا" و"هو" فكما أن هذه كلها مبنية لشبه الحرف فيها، كذلك ينبغي أن تكون "إيّا" مبنية أيضًا.
стр. 599
فإن قلت: فلعله مبني على حركة، فتكون ألفه إذن منقلبة لانفتاح الياء قبلها، ويكون في بنائه على الحركة بمنزلة "أنا" و"هو" في أنهما مبنيان على الفتح.
فالجواب: أن "إياك" بأنت أشبه منه بأنا وهو، وذلك أن الكاف في آخره قد ثبتت الدلالة على كونها حرفا للخطاب، وقد شرحنا ذلك من حالها في حرف الكاف، فإذا كان الاسم إنما هو "إيا" والكاف إنما هي لاحقة لمعنى الخطاب، أشبه إياك أنت، ألا ترى أن التاء في آخر "أنت" ليست من الاسم، وإنما هي للخطاب، فكما أن النون قبل تاء "أنت" ساكنة، فكذلك ينبغي أن تكون الألف قبل كاف "إياك" في موضع سكون، وإذا كانت كذلك لزم أن تكون الألف غير منقلبة؛ لأنها ليست في موضع حركة، وجرت في ذلك مجرى ألف: ما، ولا، وحتى، وكلا في أنها غير منقلبة.
وحكى لي حاكٍ عن أبي إسحاق أُرَاه قال لي: سمعتُه يقول وقد سئل عن معنى قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: من الآية ٥] ١ ما تأويله؟ فقال: حقيقتُكَ نَعْبُدُ، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة.
وهذا القول من أبي إسحاق عندي غير مُرْضٍ، وذلك أن جميعَ الأسماء المضمرة مبني غير مشتق نحو: أنا، وأنت، وهو، وهي، وقد قامت الدلالة على كون "إيا" اسمًا مضمرًا، فيجب أن لا يكون مشتقًا، فإن ذهب إلى أن "إيا" اسم غير مضمر، وذلك قوله على ما بيناه في حرف الكاف، فقد أفسدناه هناك بما أغنى عن إعادته هنا.
فإن قلت: فما مثال "إيا" من الفعل؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثل لأنه غير مشتق ولا متصرف، ولكنك إن تكلفت ذلك على تبيين حاله لو كان مما يصح تمثيله لاحتمل أن يكون من ألفاظ مختلفة، وعلى أمثلة مختلفة، فالألفاظ ثلاثة:
أحدها أن يكون لفظ أَوَيْتُ.
والآخر: من لفظ الآية.
стр. 600
والآخر: من تركيب "أوو" وهو من قول الشاعر١:
فَأَوِّ لذكراها إذا ما ذكرتُها ... ومن بُعْدِ أرضٍ بيننا وسَماءِ٢
فمن رواه هكذا فـ "أوِّ" على هذا بمنزلة قَوِّ زيدًا، وهو من مضاعف الواو، ولا يكون "فأوِّ" كقولك: سَوِّ زيدًا، ولَوِّ عمرًا، وحَوِّ حَبْلا لما ذكرناه قبل في حرف الميم من هذا الكتاب.
وإن ذهبت إلى أن "إيا" من لفظ "أويت" احتمل ثلاثة أمثلة: أحدها أن يكون إفْعَلا. والآخر أن يكون فِعْيَلا. والآخر فِعْلَى.
فأما "إفْعَلٌ" فأصله "إئْويٌ: فقلبت الياء التي هي لام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت "إئْوا" وقلبت الهمزة الثانية التي هي فاء الفعل ياء لسكونها وانكسار الهمزة قبلها، فصارت "إيوا" فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصارت "إيا".
فإن قلت: ألست تعلم أن الياء التي قبل الواو في "إيوا" ليست بأصل، وإنما هي بدل من الهمزة التي هي فاء الفعل، فهلا لم تقلب لها الواو ياء إذ كانت غير أصل وبدلا من همزة، كما تقول في الأمر من أوى يأوي: ايو يا رجل، ولا تقلب الواو ياء، وإن كانت قبلها ياء ساكنة، لأن تلك الياء أصلها الهمز؟
فالجواب: أن هذا إنما يفعل في الفعل لا في الاسم، وذلك أن الفعل لا يستقر على حال واحدة، ولا الهمزة المكسورة في أولِهِ بلازمة، إنما هي ثابتة ما ابتدأتَ، فإذا وصلت سقطت البتة، ألا تراك تقول: "ايو، وأو" وإن شئت فأو، كما قال تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: من الآية ١٦] ٣ وليس كذلك الاسم؛ لأنه إن كانت في
стр. 601
أوله كسره أو ضمة أو فتحة ثبت على كل حال، وذلك قولك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ١ وضربت القوم إلا إياك، فالهمزة ثابتة مكسورة في الوصل والوقف، ألا ترى أنهم قالوا في مثل "إجرد"٢ من "أويت": "أي". وأصله "إئوي" فقلبت الهمزة الثانية لاجتماع الهمزتين ياء، فصارت "إيوي" وقلبت الواو ياء لوقوع الياء الساكنة المبدلة من الهمزة قبلها، فصارت "إييي" فأدغمت الأولى في الثانية، فصارت "إيي"، فلما اجتمعت ثلاث ياءات على هذه الصفة حذفت الآخرة تخفيفا، كما حذفت من تصغير أحوى في قولك "أحي".
وكذلك قولوا في مثل "أوزة" من "أويت": "إياة" وأصلها "إئوية" فقلبت الهمزة الثانية ياء، وأبدلت لها الواو بعدها ياء، وأدغمت الأولى في الثانية، وقلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت "إياه". فهذا حكم الأسماء لأنها غير منتقلة، والأفعال لا تثبت على طريق واحدة، فليس التغير فيها بثابت.
وأما كونه "فعيلا" من "أويت" بوزن "طريم"٣ و"غريل"٤ و"حذيم"٥ فأصله على هذا "إويي" تفصل ياء "فعيل" بين الواو والياء كما فصلت في المثال بين العين واللام، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء، وأدغمت في ياء "فعيل" فصارت "إيي" ثم قلبت الياء الأخيرة التي هي لام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت "إيا".
وأما كونه "فعلى" فأصله "إويا" فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ولوقوع الياء بعدها أيضا، ثم أدغمت في الياء بعدها، فثارت "إيا".
فإن سميت به رجلا وهو "أفعل" لم ينصرف معرفة، وانصرف نكرة، وحاله فيه حال إشفي٦. وإن سميت به رجلا وهو "فعيل" فالوجه أن تجعل ألفه للتأنيث
стр. 602
بمنزلة ألف "ذكرى" و"ذفرى"١ وإذا كان ذلك كذلك لم ينصرف معرفة ولا نكرة. وإن ذهبت إلى أن ألفه للإلحاق بهجرع٢، وأجريتها مجرى ألف "معزى" لم تصرفه معرفة، وصرفته نكرة، وجرى حينئذ مجرى "أرطى"٣ و"حنبطى"٤ و"دلنظى"٥ و"سرندى".
وأما إذا جعلت "إيا" من لفظ "الآية" فإنه يحتمل أن يكون على واحد من خمسة أمثلة، وهي: "إفعل" و"فعل" و"فعيل" و"فعول" و"فعلى" وذلك أن عين "الآية" من الياء لقول الشاعر٧:
لم يبق هذا الدهر من آياته ... غير أثافيه وأرمدائه٨
فظهور الياء عينا في "آيائه" يدل على ما ذكرناه من كون العين ياء، وذلك أن وزن "آياء": "أفعال" ولو كانت العين واوا لقال "من أوائه" إذ لا مانع من ظهور الواو في هذا الموضع، فإذا ثبت بهذا وبغيره مما يطول ذكره كون العين من "آية" ياء، ثم جعلت "إيا": "إفعلا" فأصله "إئيي" فقلبت الهمزة الثانية التي هي فاء ياء لاجتماع الهمزتين وانكسار الأولى منهما، ثم ادغتمها في الياء هي عين بعدها، فصارت "إيي" ثم قلبت الياء التي هي لام في "آية" و"آي" ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت "إيا".
ولم يسغ الاعتراض الذي وقع قديما في إدغام الياء المبدلة من الهمزة التي هي فاء في "إفعل" من "أويت" قبلها إذ صار لفظها إلى "إيوا" والانتصار لذاك هناك،
стр. 603
وأما إذا جعلتها من الآية فالعين في الأصل ياء، ثم وقعت قبلها الياء المبدلة من الهمزة التي هي فاء، فلما اجتمع المثلان، وسكن الأول منهما أدغم في الثاني بلا نظر، فقلت "إيا" وجرى ذلك مجرى قوله عز اسمه: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] ١ في من لم يهمز، جعله "فعلا" من "رأيت" وأصله على هذا "رئيا".
وحدثنا أبو علي أن القراءة فيه على ثلاثة أوجه: رئيا وريا وزيا بالزاي.
وإذا جعلته "فعلا" مثل "إلق"٢ و"قنب" فالياء المشددة هي العين المشددة، والألف آخرا هي لام "فعل" وهي متقلبة من الياء التي هي لام "آية" وأصله "إيي" فقلت الياء الأخيرة ألفا كما ذكرت لك.
وإذا جعلته "فعيلا" مثل "غرين"٣ و"حذيم"٤ فالياء الثانية في "إيا" هي ياء "فعيل" والياء هي عين "فعيل".
وإذا جعلته "فعولا" فأصله "إيوي" وهو بوزن "خروع"٥ و"جدول" فيمن كسر الجيم، فلما اجتمعت الياء الواو، وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء التي هي عين "فعول" في الياء التي أبدلت من واوه، وقلبت الياء التي هي لام ألفا لما ذكرنا، فصارت "إيا".
стр. 604
وإذا جعلته "فعلى" فالياء الأولى في "إيا" هي العين، والثانية هي اللام، والألف ألف "فعلى". فيجوز أن تكون للتأنيث، ويجوز أن تكون للإلحاق على ما تقدم. والوجه في هذه الألفات أن تكون التأنيث لأنها كذلك أكثر ما جاءت.
وأما إذا كان من لفظ "فأو لذكراها" -وأصله على ما ثبت من تركيب "أوو"- فإنه يحتمل مثالين: أحدهما "إفعل" والآخر "فعيل". فإذا جعلته "إفعلا" فأصله "إئوو". فقلت همزته الثانية التي هي فاء "إفعل" ياء لانكسار الهمزة قبلها، فصارت في التقدير "إيوو" ثم قلبت الواو الأولى التي هي عين "إفعل" ياء لوقوع الياء ساكنة قبلها على ما تقدم، فصارت في التقدير "إيو" ثم قلبت الواو التي هي لام ياء لأنها وقعت رابعة، كما قلبت في "أغزيت" و"أعطيت" فصار في التقدير "إيي"، ثم قلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار "إيا" كما ترى.
وإذا جعلته "فعيلا" فأصله حينئذ "إويو" فقلبت الواو الأولى التي هي عين الفعل ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ولأنها أيضا ساكنة قبل الياء، ثم أدغمت تلك الياء في ياء "فعيل"فصارت "إيو"، ثم قلبت الواو ياء لأنها رابعة طرق، ثم قلبت تلك الياء ألفا على ما عمل في المثال الذي قبل هذا، فصارت "إيا".
ولا يجوز أن تكون "إيا" إذ جعلتها من لفظ "أوو": "فعلا" ولا "فعلى" كما جاز فيما قبل، لأنه كان يلزم أن يكون اللفظ به "إوى". وإن شئت جوزت ذلك فيه، وقلت: إنهما ليستا عينين فيلزما ويصا. ولا يجوز أن تكون "إيا" "فعللا" مضعف اللام بمنزلة "ضربب" لأن ذلك لم يأت في شئ من الكلام.
ويجوز فيه أيضا وجه ثالث، وهو أن يكون "فعولا" قلبت عينه للكسرة، ثم واوه لوقوع الياء قبلها، فقلت "إيا".
فإن أردت تحقير هذه الأمثلة أو تكسيرها على اختف الأصول المركبة هي منها طال ذلك جدا، إلا أنه متى اجتمع معك في ذلك ثلاث ياءات كاللواتي في آخر تحقير "أحوى" حذفت الآخرة، ومتى اكتنف ألف التكسير حرفا علة، ولم يكن بين ألف التكسير وبين آخر الكلمة إلا حرف واحد همزت ذلك الحرف، وأبدلت الآخر ألفا، ثم أبدلت الهمزة حرف لين.
стр. 605
ولا يجوز أن يكون "إيا" من لفظ "آءة" على أن تجعله "فعيلا" منها، ولا "إفعلا" لأنه كان يلزمك أن تهمز آخر الكلمة لأنه لام، فتقول "إيا" ولم يسمع فيه الهمزة البتة، ولا سمع أيضا مخففا بين بين، ولكن يجوز فيه عندي على وجه غريب أن يكون "فعلى" من لفظ "وأيت"، ويكون أصله على هذا "وئيا" فهمزت واوه لانكسارها، كما همزت في "إسادة" و"إعاء" و"إشاح" ونحو ذلك فصارت "إئيا"، ثم أبدلت الهمزة لانكسار الهمزة الأولى قبلها، ثم أدغمت الياء المنقلبة من الهمزة في الياء التي هي لام "وأيت" فصارت "إيا".
فهذه أحكام تصريف هذه اللفظة، ولست أعرف أحدا من أصحابنا خاض فيها إلى ههنا، ولاقارب هذا الموضع أيضا، بل رأيت أبا علي وقد نشم فيها القول يسيرا لم يستوف الحار فيها، ولا طار بهذه الجهة، وإن كان -بحمد الله، والاعتراف له- الشيخ الفاضل، والأستاذ المبجل. ولو لم يتضمن هذا الكتاب من الكلام على الدقيق أكثر من هذه المسألة لكانت -بحمد الله- جمالا له، ومحسنة حاله.
ثم نعود إلى حكم الألف، فنقول: إن ألف "ذا" من قولك "هذا زيد" منقلبة عن ياء ساكنة، وقد ذكرنا في هذا الكتاب وغيره العلة التي لأجلها جاز قلب الياء الساكنة ألفا إذ كان أصله "ذي".
فإن قلت: فما تقول في ألف "لكن" و"لكن"؟
فالجواب: أن يكون أصلين لأن الكلمتين حرفان، ولا ينبغي أن توجد الزيادة في الحروف، فإن سميت بهما ونقلتهما إلى حكم الأسماء حكمت بزيادة الألف، وكان وزن المثقلة "فاعلا" والمخففة "فاعلا".
стр. 606
إبدال الألف
مدخل
...
إبدال الألف:
أبدلت الألف من أربعة أحرف، وهي: الهمزة، والياء، والواو، والنون الخفيفة.
стр. 607
إبدال الألف عن الهمزة:
هذه الهمزة في الكلام على ضربين: أصل، وزائدة، ومتى كانت الهمزة ساكنة مفتوحا ما قبلها غير طرف، فأريد تخفيفا أو تحويلها أبدلت الهمزة ألفا أصلا كانت أو زائدة، فالأصل نحو قولك في "أفعل" من "أمن": "آمن" وأصلها "أأمن" فقلبت الثانية ألفا لاجتماع الهمزتين وانفتاح الأولى وسكون الثانية. ومثله "ألفت زيدا" أي: ألفته.
قال ذو الرمة١:
من المؤلفات الرمل أدماء حرة ... بياض الضحى في لونها يتوضح٢
ومن ذلك قولهم في تخفيف "رأس" و"بأس"٣ و"فأل"٤: "راس" و"باس" و"فال".
ومنه قولك في "قرأت": "قرات" وفي "هدأت": "هدات"٥.
والزائد نحو قولك في تخفيف "شأمل"٦: "شامل" وفي "احبنطأت"٧ فيمن همز "احبنطات".
واعلم أن هذا الإبدال على ضربين: أحدا لابد منه، والآخر منه بد. فأما ما لا بد منه فأن تلتقي همزتان مفتوحة والثانية ساكنة، فلا بد من إبدال الثانية
стр. 608
ألفا، وذلك نحو آدم، وآخر، وأمن، وآوى، وآساس جمع أس١، وآياء٢ جمع آية وآي، فهذا إبدال لازم كراهية التقاء الهمزتين في حرف واحد، وإذا أبدلت الهمزة على هذا جرت الألف التي هي بدل منها مجرى ما لا أصل له في همز البتة، وذلك قولهم في جمع "آدم": و"أوادم" فأجروا ألف "آدم" مجرى "ألف" "خاتم" فقلبوها واوا في "أوادم" كما قلبوا الألف واوا في "خواتم" فقالوا٣:
................................. ... وتترك أموال عليها الخواتم٤
وإذا لم تكن الهمزة هكذا لم يلزم إبدالها، ألا ترى أنك مخير بين أن تقول "قرأت" و"قرات" و"بدأت" و"بدات"، ولا يجوز أن تقول "أأدم" ولا "أأخر".
وقد أبدلت الهمزة المفتوحة التي قبلها فتحة ألفا أيضا على غير قياس، وإنما يحفظ حفظا، أنشدنا أبو علي٥:
بتنا وبات سقيط الطل يضربنا ... عند الندول قرانا نبح درواس٦
إذا ملأ بطنه ألبانها حلبا ... باتت تغنيه وضرى ذات أجراس٧
يريد: إذا ملأ بطنه، فأبدل الهمزة الفا.
стр. 609
ومن أبيات الكتاب١:
راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعي فزارة لا هناك المرتع٢
يريد: هنأك.
فأما من همز "العالم" و"الخاتم" و"الباز" و"التابل" فلا يجوز على مذهبه تخفيف هذه الهمزة، وذلك أن مذهبه أن يجتلب همزا لا أصل له، فلا يجوز على هذا أن يخفف الهمزة، فيردها ألفا، لأنه عن الألف قلبها، فلو أراد الألف لأقر الألف الأولى، واستغنى بذلك عن قلبها همزة، ثم قلبت تلك الهمزة ألفا. وأما غيره فلا ينطق بهذه الهمزة في هذا الموضع أصلا، فلا يمكن أن يقال فيه إنه يخففها ولا يحققها.
стр. 610
إبدال الألف عن الياء والواو:
وذلك على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكونا أصلين، والآخر: أن تكونا منقلبتين، والاخر: أن تكونا زائدتين.
فأما إبدال الألف عن الياء والواو وهما أصلان فنحو قولك في "ييأس"١: "ياءس" وفي "يوجل"٢: "ياجل" ونحو قولك: "باع، وسار، وهاب٣، وحار، وقام، وصاغ٤، وخاف، ونام، وطال" لقولك: "البيع، والسير، والهيبة، والحيرة، وقومة، وصوغة، وخوف، ونوم، وطويل".
стр. 611
ومن ذلك "رمى، وسعى، ودعا، وعدا" للقولك: "الرمي، والسعي، والعدو والدعو" فهذا حكم الياء والواو، متى تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفا إلا أن يضطر أمر إلى ترك قلبهما، وذلك نحو قولك للاثنين: "قضيا، ورميا، وخلوا، ودعوا" وإنما صحتا هنا ولم تقلبا ألفا، لأنهم لو قلبوها ألفا وبعدها ألف تثنية الضمير لوجب أن تحذف إحداهما لالتقاء الساكنين، فيزول لفظ التثنية، ويلتبس الاثنان بالواحد. ونحو من ذلك قولهم: "النفيان" و"الغليان" و"الصميان"١ و"العدوان"٢ و"النزوان"٣ و"الكروان"٤، ألا ترى أنهم لو قلبوا الياء والواو هنا ألفين وبعدهما ألف "فعلان" لوجب حذف إحدهما، وأن تقول "نفان" و"غلان" و"صمان" و"عدان" و"نزان" و"كران" فيلتبس "فعلان" مما اعتلت لامه ب "فعال" مما لامه نون، فترك ذلك لذلك.
وربما جاء شئ من ذلك على أصله صحيحا غير معل ليكون دليلا على الأصول المغيرة، وذلك قولهم "الصيد"٥ و"الجيد"٦ و"القود"٧ و"الأود"٨ و"الحوكة" و"الخونة" جمع "حائك"٩ و"خائن" فأما قولهم في "ييأس": "ياءس" وفي "يوجل": "ياجل" فإنما قلبوا الياء والواو فيهما وإن كانتا ساكنتين تخفيفا، وذلك أنهم رأوا أن جمع الياء والألف أسهل عليهم من جمع الياءين، والياء والواو، وقد حملهم طلب الخفة على أن قالوا في "الحيرة": "حاري" وفي "طيئ": "طائي" قال١٠:
إذ هي أحوى من الربعي خاذلة ... والعين بالإثمد الحاري مكحول١١
стр. 612
وحكى أبو زيد عن بعضهم١ في تصغير "دابة": "دوابة" يريد "دويبة" فأبدل من ياء التصغير الساكنة ألفا، وقال الراجز٢:
تبت إليك فتقبل تابتي ... وصمت ربي فتقبل صامتي٣
يريد: توبتي، وصومتي.
وقال الآخر: وهو مالك بن أسماء بن خارجة٤:
ومن حديث يزيدني مقة ...
ما لحديث الماموق من ثمن٥
يريد: الموموق. وقال رسول الله ﷺ : "ارجعن مأزورات غير ماجورات" ٦ وأصله "موزورات" فقلبت الواو ألفا تخفيفا كما ذكرنا. وقال الكوفيون: إنما أريد به ازدواج الكلام لقوله "ماجورات". وهو قول أيضا.
وقال سيبويه في "آية" و"ثاية": "وقال غيره -يعنى غير الخليل- إنها "فعلة" فأبدلت الألف من الياء"٧. وأخذ بعض البغداديين٨ هذا من سيبويه، فقال٩ في قولهم: "ضرب عليه ساية": إنما هي "سية" أبدلت الألف من الياء المنقلبة عن الواو التي هي عين في "سويت".
стр. 613
وطرد أيضا هذا الآخذ من سيبويه في غير هذه اللفظة، فقال في قولهم: "أرض دواية": إنه أراد "دوية" فأبدل من الواو الأولى الساكنة التي هي عين "دو" ألفا.
قال ذو الرمة١:
دوية ودجى ليل كأنهما ... يم تراطن في حافاته الروم٢
قال أبو علي٣: وهذه دعوى من قائلها لا دلالة عليها، وذلك أنه يجوز أن يكون بني من "الدو" فاعلة، فصارت "دواية" بوزن "زاوية" ثم أنه الحق الكلمة ياءي النسب، وحذف اللام، كما تقول في الإضافة إلى "ناجية": "ناجي" وإلى "قاضية": "قاضي" وكما قال علقمة٤:
كأس عزيز الأعناب عتقها ... لبعض أربابها حانية حوم٥
فنسبها إلى "الحاني" بوزن "القاضي".
وكما قالوا: "رجل ضاوي" إنما هو منسوب إلى "فاعل" من "الضوى"٦ وهو "ضاو" ولحقتا في "ضاوي" كما لحقتا في "أحمر وأحمري" و"أشقر وأشقري"٧ والمعنى واحد.
стр. 614
وأنشدنا١:
كأن حداء قراقريا٢
يديد: قراقرا، وهذا كثير واسع، فعلى هذا يجوز أن تكون "الدواية" منسوبة إلى "فاعلة" من "الدو". وأما ما قرأته على ابي علي في نوادر أبي زيد من قول عمرو بن ملقط جاهلي٣:
والخيل قد تجشم أربابها الشق ... وقد تعسف الدوايه٤
فإن شئت قلت: إنه بنى من "الدو" "فاعلة"٥، فصارت في التقدير "دواوة"
ثم قلبت الواو الآخرة التي هي لام ياء لانكسار ما قبلها ووقوعها طرفا، فصارت "دواية". وإن شئت قلت: أراد "الدواية" المحذوفة اللام كالحانية، إلا أنه خفف ياء الإضافة كما خفف الآخر فيما أنشده أبو زيد، وأنشدناه أبو علي٦:
بكي بعينك واكف القطر ... ابن الحواري العالي الذكر٧
يريد: ابن الحواري. وهذا شئ اعترض، فقلنا فيه، ثم نعود.
стр. 615
وأما إبجالها منهما منقلبين فقولهم: "أعطى، وأغزى، واستقصى، وملهى، ومغزى، ومدعى" أصل هذا كله "أعطو، وأغزو، واستقصو، وملهو، ومغزو، ومدعو" فلما وقعت الواو رابعة فصاعدا قلبت ياء، فصارت في التقدير "أعطى، وأغزي، واستقصي، وملهي، ومغزي، ومدعي" فلما وقعت الياء طرفا في موضع حركة وما قبلها مفتوح قلبت ألفا، فصارت "أغزى، وأعطى، وملهى، ومغزى" فالألف إذن إنما هي بدل من الياء المبدلة من الواو.
وكذلك لو بنيت من "قرأت" مثل "دحرج" لقلت "قرأى" وأصله "قرأأ" فلما اجتمعت الهمزتان في كلمة واحدة قلبت الآخرة ياء، فصارت في التقدير "قرأي" ثم قلبت الياء الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت "قرأى". فالألف في "قرأى" إذن إنما هي بدل في "قرأي"، والياء بدل من الهمزة الثانية في "قرأأ".
ويدلك على أنه لابد من هذا التقدير فيها لتكون الألف بدلا من الياء المبدلة من الهمزة قول النحويين في مثال "فعل" من قرأت: "قرأي" أفلا ترى كيف أبدلوها هنا ياء. وكذلك قولهم في مثال "فرزدق": من قراـ "قرأيا" وأصله "قرأأ" فأبدلوا الهمزة الوسطى ياء ليفصلوا بها بين الهمزتين الأولى والآخرة. ويدلك أيضا على صحة ذلك أنك متى أسكنت اللام فزالت الفتحة رجعت اللام إلى أصلها، وهو الياء، وذلك قولك في "افعللت" من قرأت، وهدأت: "اقرأيت" و"اهدأيت"، ولهذا نظائر. فهذا إبدال الألف عن الياء المبدلة.
وأما إبدالها عن الواو المبدلة فنحو قولك في ترخيم "رحوي" اسم رجل على قول من قال"يا حار": "يا رحا أقبل" وذلك أنك حذفت ياء النسب، فبقي التقدير "يارحو"، فلما صارت الواو على هذا المذهب حرف إعراب، واجتلبت لها ضمة النداء كالضمة المجتلية في راء "حارث" إذا قلت "يا حار" أبدلت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقلت: "يارحا أقبل" فالألف الآن في "رحا" إنما هي بدل من الواو في "رحوي" والواو في "رحوي" بدل من ألف "رحى" في قولك: هذه رحى، ورأيت رحى، ومررت برحى، وألف "رحى" هذه بدل من الياء التي هي لام في "رحيان". وكذلك القول في ترخيم "فتوي" و"هدوي" و"شروي" على لغة من قال: "يا حار" إذا قلت: "يا فتى" و"يا هدى" و"يا شرى"
стр. 616
لا فرق بينهما. فأما قولك في ترخيم "ملهوي" اسم رجل على قول من قال: "يا حار": "يا ملهى" فالألف فيه إذن إنما هي بدل من ياء بدل من واو بجل من ألف بدل من ياء بدل من الواو التي هي لام العل في "لهوت"، فأصله الأول "ملهو" ثم صار "ملهى" ثم صار "ملهوي" ثم صار بعد الترخيم وقلب الواو ياء "ملهي" ثم صار في آخر أحواله "ملهى" وهو قولك: "يا ملهى أقبل".
وأما إبدال الألف عن الياء والواو الزائدتين فقولك في ترخيم اسم رجل يقال له: "زميل" على قول من قال "يا حار": "يا زما أقبل". فالألف الآن بدل من ياء "زميل" التي هي زائدة؛ لأن مثاله "فعيل".
ونظير ذلك قول العرب "سلقى"١ و"جعبى"٢ إنما الألف فيهما بدل من ياء "سلقيت" و"جعبيت" وهي زادئة لا محالة.
وأما الواو فأن تسمي رجلا "عنوقا" جمع "عناق"٣ ثم ترخمه على قول من قال "يا حار" فتبدل واوه ياء لأنه ليس في الكلام اسم آخره واو قبلها ضمة، فتقول: "ياعني أقبل" فإن سميت ب "عني" هذا رجلا ونسبت إليه أبدلت من الكسرة قبل الياء فتحة لتنقلب الياء ألفا، فيصير في التقدير "عنا" ثم تقلب ألفه واوا لنوع لوقوع ياءي النسب بعدها، فتقول "عنوي".
فإن رخمت "عنوي" هذا على قول من قال "يا حار" حذفت ياءي النسب، وأبدلت من الواو التي قبلها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتقول: "يا عنا أقبل". فالألف الآن في "عنا" إنما هي بدل من الواو الزائدة في "عنوي"، والواو في "عنوي" بدل من الألف في "عنا" والألف في "عنا" بدل من الواو في "عنو" التي هي ترخيم "عنوق". وهذا لطيف دقيق فتظن له، فإنه لا يجوز في القياس غيره.
стр. 617
ووجه آخر في قلب الألف عن الواو الزائدة، وذلك أن تسمي رجلا "فدوكسا"١ أو "سرومطا"٢ ثم ترخمه على قول من قال "يا حار" فتحذف آخره، فتقول "يا فدوك" ثم تسمي ب "فدوك" هذا المرخم، ثم ترخمه على قول من قال "يا حار" فتحذف كافه، وتبدل واوه الزائدة ألفا، فتقول "يا فدا" فاعرفه.
стр. 618
إبدال الألف عن النون الساكنة:
قد أبدلت الألف عن هذه النون في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن تكون في الوقف بدلا من التنوين اللاحق علما للصرف، وذلك قولك: رأيت زيدا، وكلمت جعفرا، ولقيت محمدا، فكل اسم منصرف وقفت عليه في النصب أبدلت من تنوينه ألفا كما ترى، إلا أن يكون حرف إعراب ذلك الاسم تاء التأنيث التي تبدل في الوقف هاء، وذلك وقلك: أكلت تمرة، وأخذت جوزة، ولم تقل: أكلت تمرتا، وأخذت جوزتا، لأنهم أرادوا الفرق بين التاء الأصلية في نحو: دخلت بيتا، وسمعت صوتا، وصدت حوتا، وكفنت ميتا، والوقف على قوله عز اسمه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ١، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ والتاء الملحقة نحو: رأيت عفريتا، وملكوتا، وجبروتا٢، وبين تاء التأنيث في نحو "تمرة" و"غرفة". فأما قولك: أكررت لك بنتا، وصنت لك أختا، ووقوفك على هاتين التاءين بالألف فإنما ذلك لأنهما ليستا علمي تأنيث، وإنما هما بدلان من الواو التي هي لام الفعل في "إخوة" و"أخوان" و"أخوات" وفي "الأخوة" و"البنوة". وقد تقدم من الحجاج على صحة ذلك وإعلامنا ما علم التأنيث فيهما في باب التاء ما يغني عن إعادته، وقد تقدم أيضا في باب النون ذكر العلة التي لأجلها جاز إبدالها هذا التنوين ألفا في الوقف، وما السبب الذي منع من التعويض في الوقف من تنوين المرفوع واوا، ومن تنوين المجرور ياء، فلم نر لإعادته هنا وجها.
стр. 619
وذكرنا أيضا هناك أن من العرب من يقول في الوقف على المنصوب المنون: رأيت فرج، وقوله١:
.................................... ... وآخذ من كل حي عصم٢
و٣:
........................................ ... جعل اليقين على الدف إبر٤
وغير ذلك من الشواهد. واختلف أصحابنا في الوقف على المرفوع والمجرور من المقصور المنصرف في نحو قولك: هذه عصا، ومررت بعصا، فقالت الجماعة٥: الألف الآن هي لام الفعل؛ لأن التنوين يحذف في الوقف على المرفوع والمجرور، نحو: هذا زيد، ومررت بزيد، إلا أبا عثمان فإنه ذهب٦ إلى أن الألف فيهما عوض من التنوين، وأن اللام أيضا محذوفة لسكونها وسكون هذه، قال: وذلك أن ما قبل التنوين في المقصور مفتوح في جميع حالاته، فجرى مجرى المنصوب الصحيح نحو: رأيت زيدا.
فأما في النصب فلا خلاف بينهم أن الوقف إنما هو على الألف التي هي عوض من التنوين.
فأما قوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] ٧ و ﴿قَوَارِيرَا﴾ [الإنسان: ١٥] ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] ٨ فإنما زيدت هذه الألفات في أواخر هذه الأسماء التي لا تنوين فيها لإشباع الفتحات، وتشبيه رؤوس الآي بقوافي الأبيات.
стр. 620
على أن من العرب من يقف على جميع ما لا ينصرف إذا كان منصوبا بالألف، فيقول: رأيت محمدا، وكلمت عثمانا، ولقيت إبراهيما، وأصحبت سكرانا. وإنما فعلوا ذلك لأنهم قد كثر اعتيادهم لصرف هذه الأسماء وغيرها مما رينصرف في الشعر، والشعر كثير جدا، وخفت أيضا عليهم الألف، فاجتلبوها فيما لا ينصرف لخفتها وكثرة اعتيادهم إياها، لا سيما وهم يجتلبونها فيما لا يجوز تنوينه في غير الشعر، نحو قول جرير:
............................ ... وقولي إن أصبت لقد أصابا١
و٢:
.................................. ... إذا ما الفعل في است أبيك غابا٣
وقالوا أيضا: جئ به من حيث وليسا، يريدون "وليس" فأشبعوا فتحة السين بإلحاق الألف، وسنذكر هذا الفصل في هذا الحرف بعون الله، فهذا إبدال الألف من نون الصرف.
الثاني: إبدالها من نون التوكيد الخفيفة إذا انفتح ما قبلها ووقفت عليها، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَة﴾ [العلق: ١٥] ٤ إذا وقفت قلت ﴿لَنَسْفَعًا﴾ وكذلك: اضربن زيدا، إذا وقف قلت: اضرب، قال الأعشى٥:
يريد: فاعبدن.
стр. 621
وقال ابن الحر١:
متى تأننا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا٢
يريد: تأججن، فأبدلها ألفا.
وقال عمر٣:
وقمير بدا ابن خمس وعشرين ... له قالت الفتاتان: قوما٤
اراد: قومن. وقال الآخر:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيه معمما٥
يريد: ما لم يعلمن.
стр. 622
وقال الآخر:
واحمر للشر ولم يصفرا١
يريد: يصفرون، كذا تأوله بعضهم، ومثله كثير.
الثالث: إبدال الألف من نون "إذن"، وذلك أيضا في الوقف، تقول: أنا أزورك إذا، تريد: إذن، وإذا وقفت على قوله : ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] ٢ قلت: ﴿فَإِذًا﴾ وإنما أبدلت الألف من نون "إذن" هذه، ونون التوكيد التي تقدم ذكرها آنفا لأن حالهما في ذلك حال النون التي هي علم الصرف، وإن كانت نون "إذن" أصلا وتانك النونان زائدتين.
فإن قلت: فإذا كانت النون في "إذن" أصلا وقد أبدلت منها الألف، فهل تجيز في نحو "حسن" و"رسن" و"علن" ونحو ذلك مما نونه أصل أ، تقلب نونه، فيقال فيه: "حسا" و"رسا" و"علا"، وفي "فدن": "فدا" وفي "زمن": "زما"؟
فالجواب: أن ذلك لا يجوز في غير "إذن" مما نونه أصل، وإن كان ذلك قد جاء في "إذن" من قبل أن "إذن" حرف، فالنون فيها بعض حرف كما أن التنوين ونون التوكيد ونون الصرف، وأما النون من "حسن" و"حسنا" و"حسن" فالنون في ذلك كالدال من "زيد" والراء من "بكر"، ونون "إذن" ساكنة كما أن نون التوكيد ونون الصرف ساكنتان، فهى بهما -لهذا ولما قدمناه من أن كل واحدة منهما حرف- كما أن النون في "إذن" بعض حرف- أشبه منها بنون الاسم المتمكن.
стр. 623
فإن قلت: فالنون في "عن" و"أن" كل واحدة منهما حرف ساكن من جملة كلمة هي حرف، كما أن نون "إذن" ساكنة من حرف، كما أن نون "إذن" ساكنة من جملة حرف، فهل يجوز أن تبدل منها في الوقف ألفا، فتقول: "عا" و"أا" كما قلت: إذا؟ وأن كان ذلك غير جائز، فهلا لم يجز أيضا إبدال النون من "إذن" ألفا في الوقف؟
فالجواب: أنهما حرفان لا يتوقف عليهما، أما "عن" فحرف جر، وحروف الجر لايمكن تعلقيها عن المجرور ولا الوقوف عليها دونه إلا عند انقطاع نفس، وذلك قليل مغتفر. وأما "أن" فلا تخلو من أن تكون الناصبة للفعل، وهذه لا يوقف عليها لأنها من عوامل الأفعال، وعوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء، أولا ترى أنه لا يمكنك الفصل بينها وبين ما تنصبه من الأفعال إلا ب "لا" في نحو قولك: أحب أن لا تقوم، وأسألك أن لا تفعل، فجرى هذا الفصل بينهما في ترك الاعتداد به وقلة المراعاة له مجرى الفصل ب "لا" بين الجار والمجرور في نحو قولك: جئت بلا مال، وضربته بلا ذنب، ومجرى الفصل بين الجازم والمجزوم المشبهين للجار والمجرور في نحو قولك: إن لا تقم لا أقم، فلما ضعفت "أن" الناصبة للفعل عن فصلها واقتطاعها عما بعدها لم يحسن الوقوف صله لها، والوقوف على الموصول دون صلته قبيح مع الأسماء القوية، فكيف به مع الحروف الضعيفة.
أو أن تكون "أن" المخففة من الثقيلة الناصبة للاسم نحو قوله عز اسمه ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] ١.
ونحو قول الشاعر٢:
زعم الرزدق أن سيقتل مربعا ... ...............................٣
стр. 624
وهذه أيضا لا يجوز الوقوف عليها دون ما بعدها؛ لأنها إذا كانت مثقلة على أصلها لم يجز الوقوف عليها، لأن ما بعدها من اسمها وخبرها صلة لها، وخطأ الوقوف على الموصول دون صلته وهو اسم، فكيف به وهو حرف! ولا سيما وقد أجحف به تخفيفه وإزالة التثقيل عنه، وأيضا فإن السين، وسوف، وقد، ولا بعده في نحو: علمت أن سيقوم زيد، وسوف يقوم، وأعلم أن قد فعلت.
ونحو قولها١:
فلما رأينا بأن لا نجاء ... وأن لايكون فرار فرارا٢
إنما هي أعواض للتخفيف من الحرف المحذوف الذي كان كأنه مصوغ مع الكلمة من جملة حروفها، وفي موضع اللام لو وزنت منها، أعني الهاء، وكما أنه كالعوض من النون المحذوفة التي هي من نفس الكلمة، كذلك يجب أن يلزم ما قبله، ولا يفارقة، ولا ينفصل عنه، ولا يوقف عليه دونه كما لا يوقف على إحدى النونين دون الأخرى، وإذا كان ذلك فقد عرفت به شدة اتصال "أن" المخففة من الثقيلة بما بعدها، فبحسب ذلك ما لا يجوز أن يوقف دونه عليها.
أو أن تكون "أن" المزيدة في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٣] ٣ ونحو قول الشاعر٤:
ويوما توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وراق السلم٥
فيمن جر الظبية.
стр. 625
وقول الآخر١:
منا الذي هو ما أن طر شاربه ... والعانسون، ومنا المرد والشيب٢
فيمن فتح همزة "أن" في رواية هذا البيت و"أن" هذه ايضا لا يحسن الوقوف عليها، ألا تراها في هذه الآية وهذين البيتين قد وقعت موقعا لا يحسن الوقوف عليها فيه.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ﴾ فإنها وقعت معترضة بين المضاف الذي هو ﴿وَلَمَّا﴾ والمضاف إليه الذي هو ﴿جَاءَتْ﴾ وغير جائز الوقوف على المضاف دون المضاف إليه إلا لضرورة انقطاع النفس.
وأما قوله: "كأن ظبية" فقد ترى "أن" واقعة بين حرف الجر وما جره، وهذا أحرى بأن لا يجوز فيه الوقوف على "أن".
وأما قول الآخر: "ما أن طر شاربه" فإنما فصلت بين حرف النفي وبين الجملة التي نفاها، وغير جائز الوقوف على الحرف الداخل على الجملة؛ ألا ترى أنك لا تجيز الوقوف على "هل" من قولك: هل قام زيد؛ لضعف الحرف وعدم الفائدة أن توجد فيه إلا مربوطا بما بعده.
стр. 626
فأما قول الشاعر١:
ليت شعري هل ثم هل آتينهم ... أم يحولن من دون ذاك الردى٢
فتقديره: هل آتينهم ثم هل آتينهم، وإنما جاز اقتطاع الجملة الأولى بعد "هل" الأولى لأنه قد عطف عليها "هل" الثانية وما ارتبطت به من الجملة المستفهم عنها، فدل ذلك على ما أراده في أول كلامه، وهذا واضح.
أو أن تكون "أن" التي معناها العبارة كالتي في قوله : ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] ٣ قالوا: معناه أي امشوا. وهذه أيضا لا يجوز الوقوف عليها؛ لأنها تأتي ليعبر بها وبما بعدها عن معنى الفعل الذي قبلها، فالكلام شديد الحاجة إلى ما بعدها ليفسر به ما قبلها، فبحسب ذلك يمتنع الوقوف عليها. ويدلك في الجملة على شدة اتصال الحروف بما ضمنت إليه أنك تجد بعضها قد صيغ في نفس الكلمة ووسطها، وجرى مجرى ما هو دزء من أصل تصريفها، وهو ألف التكسير وياء التحقير، نحو "دارهم" و"دريهم" و"دنانير" و"دنينير"، ولم نجد شيئا من الأسماء ولا الأفعال صيغ واسطا في أنفي المثل كما صيغت ألف التكسير وياء التحقير فهذا في الجملة يؤكد عندك ضعف الحروف وقوة حاجتها إلى ما تتصل به، فلما كانت "عن" و"أن" بحيث ذكرنا من الضعف وفرط الضرورة إلى اتصالهما بما بعدهما لم يجز الوقوف عليها، ولما لم يجز ذلك لم تبدل الألف من نونها، وليست كذلك "إذن" لأنهما قد تقع آخرا، فيوقف عليها في نحو قولك:
стр. 627
إن زرتيني فأنا أزورك إذن، وأنا أحسن إليك إذن، فلما ساغ الوقوف عليها جاز إبدال الألف من نونها.
والوجه الآخر الذي امتنع له إبدال الألف من نون "عن" و"أن" ولم تجر النون فيهما مجرى النون "إذن" أن نون "إذن" بالتنوين أشبه من نون "عن" و"أن"، وذلك أن "إذن" على ثلاثة أحرف، فإذا شبهت النون وهي ثالثة الحروف بنون الصرف جاز ذلك/ لأنه قد تبقى قبلها حرفان، وهما الهمزة والذال، فيشبهان من الأسماء "يدا" و"غدا" و"أخا" و"أبا" و"دما" و"سها" و"فما" ونحو ذلك من الأسماء المنقوصة التي يجوز أن يلحقها التنوين، فيصير قولك "إذا" كقولك: رأيت يدا، وكسرت فما، وأكرمت أبا ونحو ذلك، و"عن" و"أن" ليس قبل نونهما إلا حرف واحد، وليس في الأسماء شئ على حرف واحد يجوز أن يلحقه تنوين، فلم يكن ل "أن" و"عن" شئ من الأسماء يشبهانه، فتشبه نونهما بتنوينه، فتبدل ألفا كما يبدل تنوينه ألفا، فاعرف ذلك.
والقول في "لن" كالقول أيضا في "عن" و"أن" في هذا الفصل وفي الذي قبله جميعا سواء.
فاما قولهم في اللعب واللهو "ددن" و"ددا" فليست الألف فيه بدلا من نون "ددن" من قبل أنها في لغة من نطق بها بالألف ثابتة موجودة في الوصل والوقف جميعا، وذلك نحو قولهم: هذا ددا يا هذا، ورأيت فيك ددا مفرطا، وعجبت من ددن رأيته في فلان، ولو كانت الألف في "ددا" بدلا من النون في "ددن" لما وجدت في الوصل، كما أن ألف "إذا" لا توجد في الوصل، إنما تقول: إذن أزورك، ولا تقول: إذا أزورك. ومنهم من يحذف اللام، فيقول "دد". قال أبو علي: ونظير "ددن" و"ددا" و"دد" في استعمال اللام تارة نونا، وتارة حرف علة، وتارة محذوفة "لدن" و"لدى" و"لد"، كل ذلك يقال فاعرفه.
стр. 628
زيادة الألف:
اعلم أن الألف تزاد ثانية، وثالثة، ورابعة، وخامسة، وسادسة، ولا تزاد أولا البتة؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة، والساكن لا يمكن الابتداء به.
فإن قلت: فهلا زيدت أولا وإن كانت ساكنة، ثم أدخلت عليها همزة الوصل توصلا إلى النطق بها، كما زيدت النون في "انطلق" ساكنة، ثم أدخلت عليها همزة الوصل ليمكن النطق بها؟
فالجواب: أنهم لو فعلوا ذلك لدخلت همزة الوصل وهي مكسورة كما ينبغي لها، ولو لحقت مكسورة قبل الألف لانقلبت الألف ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فيقع هناك من الإشكال والاستثقال ما بعضه مستكره، فرفض ذلك لذلك.
وهذا كرفضهم أن يبنوا في الأسماء اسما مما عينه واو على "فعل" مثل "عضد"٢ و"سبع"٢ وذلك أنهم لو بنوه لم يكونوا ليخولا من قلب الواو ألفا أو تركها غير مقلوبة ألفا، فإن لم يقلبوا ثقل ذلك عليهم، وإن قلبوه صار لفظه كلفظ ما عينه مفتوحة، فلم يدر أمفتوحة كانت أم مضمومة، فلما كانوا لا يخلون في بناء ذلك من إشكال أو استثقال رفضوه البتة.
قال أبو علي: ونظير هذا قول الشاعر٣:
رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا٤
стр. 629
فزيادة الألف ثانية نحو: "ضارب" و"قاتل" و"خاتم" و"طابق" و"سابط"١ و"خاتام" و"عاقول"٢ و"حاطوم"٣ و"قاصعاء"٤ و"نافقاء"٥ وفي الفعل "خاصم" و"شاتم".
وزيادتها ثالثة نحو: "كتاب" و"حساب" و"غراب" و"جراب"٦ و"حباب"٧ و"سراب" و"سخاخين" بمعنى سخن.
أنشدنا أبو علي٨:
أحب أم خالد وخالدا ... حبا سخاخسنا وحبا باردا٩
وفي الفعل نحو "اشهاب" و"احمار".
وزيادتها رابعة نحو: "حملاق"١٠ و"درياق"١١ و"زلزال" و"بلبال"١٢ و"قرطاس" و"قرناس"١٣ و"أرطى"١٤ و"معزى" و"حبلى" و"سكرى".
стр. 630
فأما ألف "سلقى"١ و"جعبى"٢ و"خنظى"٣ و"خنذى"٤ فإنها منقلبة عن ياء لقولك "سلقيت"٥ و"جعبيت"٦ و"خنظيت" و"خذنيت".
قال٧:
قامت تعنظي بك سمع الحاضر٨
وزيادتها خامسة نحو: "حبركى"٩ و"دلنظى"١٠ و"قرقرى"١١ و"سمهى"١٢، قال١٣:
فأصبحت بقرقرى كوانسا ... فلا تلمه أن ينام البائسا١٤
стр. 631
فأما الألف في "احنبطى"١ و"ابرنتى"٢ و"اسرندى" و"اغندى"٣ فإنما هي بدل من ياء لقولهم "احبنطيبت" و"ابرنتيت" و"اسرنديت" و"اغرنديت" وفي الحديث: "فيظل محبنطيا على باب الجنة"٤.
وقال٥:
فظل محبنطيا ينزو له حبق ... إما بحق وإما كان موهونا٦
أي: منتفخا.
وقرأت على أبي علي، وأنشدنا من بعض كتب الأصمعي٧:
ما بال زيد لحية العريض ... مبرنتيا كالخزر المريض٨
أي: غضبان. وقال الآخر٩:
قد جعل النعاس يسرنديني
أدفعه عني ويغرنديني١٠ أي: يعولني ويتجللني.
стр. 632
وزيادتها سادسة نحو: "قبعثرى"١ و"ضبغطرى"٢ و"عبوثران"٣ و"هزنبران"٤ و"عريقصان" و"معلوجاء"٥ وبابه نحو: "محظوراء"٦ و"معيوراء"٧ و"فيضوضاء"٨ وغير ذلك.
واعلم أن الألف الزائدة إذا وقعت آخرا في الأسماء فإنها تأتي على ثلاثة أضرب: أحدها أن تاتي ملحقة، والآخر أن تكون تأنيث، والآخر أن تكون زائد لغير إلحاق ولا تأنيث.
الأول: نحو قولهم "أرطى" هو ملحق بالألف من آخره بوزن "جعفر" ويدلك على زيادة الألف في آخره قولهم: "أديم مأروط" إذا دبغ بالأرطى، وهو شجرن فالهمزة كما ترى أصل فاء، والألف الآخرة زائدة.
وحدثنا أبو علي أن أبا الحسن حكى: "أديم مرطي" فأرطى على هذا أفعل، والألف في آخره منقلبه عن ياء لقولهم "مرطى" كمرمي من رميت، هذا هو الوجه، وهو أقيس من أن تحمل على قول الحارثي٩:
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معديا عليه وعاديا١٠
ويدلك على أن الألف في قول من قال "مأروط" زائدة للإلحاق لا للتأنيث، تنوينها ولحاق الهاء في قولهم: أرطاة واحدة، بها سمي الرجل أرطاة، ولو كانت الألف للتأنيث لما جاز تنوينها ولا إلحاق علم التأنيث لها، كما لا يجوز شئ من ذينك في "حبلى" ولا "حبارى".
стр. 633
ومثل "أرطى" "معزى" وهو ملحق بـ "هِجرَع"١. ويدلك على أن ألفه ليست للتأنيث تنوينها، وأنه أيضًا مذكر، قال٢:
ومعزى هَدِبا يعلو ... قِران الأرض سُوادنا
ومثل ذلك أيضًا "حَبَنْظًى"٤ و"سَرَنْدًى"٥ و"دَلَنْظًى"٦ و"عَفَرْنًى"٧ و"جَلَعْبًى"٨ و"صَلَخْدًى"٩ و"سَبَنْتًى"١٠ و"سَبَنْدًى"١١. كل ذلك ملحق بسَفَرْجل لإلحاق الهاء فيها ولتنوينها، قال الأعشى١٢:
بذات لَوْث عَفَرْناةٍ إذا عَثَرَت ... فالتَّعسُ أدْنَى لها من أن أقول لَعا١٣
وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى للكميت بن معروف الفَقْعَسِي١٤:
بكلّ سَبَنْتَاةٍ إذا الخِمْسُ ضَمَّها ... يُقَطِّعُ أضْغان النوَاجي هِبابُها١٥
стр. 634
وقالوا: "صَلَخداة" و"جَلَعباة" و"سَرَنداة" و"دَلَنظاه".
الثاني: وهو إلحاق الألف للتأنيث، وذلك كل ما لم ينون نكرة نحو "جُمادَى" و"حُبارَى" و"حُبلَى" و"سَكْرى" و"غَضْبى"، فهذه كلها وما يجري مجراها للتأنيث، قال١:
إذا جُمادَى مَنَعَت قَطْرَها ... زَان جنابي عَطَنٌ مُغْضِفٌ٢
ولعمري إن "جُمادَى" معرفة، وقال الفرزدق٣:
وأشلاء لحم من حُبَارى يصيدها ... لنا قانصٌ في بعض ما يَتَخَطَّف٤
فلم يصرف "حُبَارى" وهي نكرة.
وأنشدنا أبو علي٥:
وبِشْرة يأبونا كأن خباءنا ... جَناح سُمانى في السماء تطير٦
فلم يصرف "سُمانى" وهي نكرة.
стр. 635
وحكى سيبويه على جهة الشذوذ "بُهْماة"١ فأدخل الهاء على ألف "فُعلى"، وألف "فُعلى" لا تكون لغير التأنيث، وقد ذكرنا علة ذلك قديما في هذا الكتاب.
وحكى أبو الحسن٢ أيضًا نحوا من هذا، وهو قولهم: "شُكاعاة"٣ فالألف في هذا لغير التأنيث.
ومثله ما حكاه ابن السكيت٤ من قولهم: "باقِلاةٌ"٥ فالألف هنا أيضًا لغير التأنيث. وحكى البغداديون "سُماناة".
وأنشد ابن الأعرابي٦:
ويتقي السيف بأُخْراته ... من دون كف الجار والمِعصَم٧
قال: أراد أخراه، فقال: أُخْراته، فيضاف هذا إلى "بُهْماة" وقالوا لضرب من النبت "نُقاوَى" والواحدة "نُقاواةٌ" فقس على هذا.
الثالث: لحاقها لغير إلحاق ولا تأنيث، وذلك قولهم "قَبَعْثَرى" فليست هذه الألف للتأنيث لأنها منونة، ولا إلحاق لأنه ليس لنا أصل سداسي فيلحق "قَبَعْثَرى" به.
ومثله ما حكيناه عنهم من قول بعضهم "باقِلاةٌ" و"شُكاعاة" و"سُماناة" و"نُقاواة" لأن لحاق الهاء لها يدل على أنها ليست عندهم للتأنيث، ولا هي أيضًا للإلحاق، لأنه ليس لنا أصل على هذا النحو فتلحق هذه الأسماء به. فأما "بُهْماة" فقد تقدم من القول فيها ما أغنى عن إعادته.