فأما الألف في "احنبطى"١ و"ابرنتى"٢ و"اسرندى" و"اغندى"٣ فإنما هي بدل من ياء لقولهم "احبنطيبت" و"ابرنتيت" و"اسرنديت" و"اغرنديت" وفي الحديث: "فيظل محبنطيا على باب الجنة"٤.
وقال٥:
فظل محبنطيا ينزو له حبق ... إما بحق وإما كان موهونا٦
أي: منتفخا.
وقرأت على أبي علي، وأنشدنا من بعض كتب الأصمعي٧:
ما بال زيد لحية العريض ... مبرنتيا كالخزر المريض٨
أي: غضبان. وقال الآخر٩:
قد جعل النعاس يسرنديني
أدفعه عني ويغرنديني١٠ أي: يعولني ويتجللني.
стр. 632
وزيادتها سادسة نحو: "قبعثرى"١ و"ضبغطرى"٢ و"عبوثران"٣ و"هزنبران"٤ و"عريقصان" و"معلوجاء"٥ وبابه نحو: "محظوراء"٦ و"معيوراء"٧ و"فيضوضاء"٨ وغير ذلك.
واعلم أن الألف الزائدة إذا وقعت آخرا في الأسماء فإنها تأتي على ثلاثة أضرب: أحدها أن تاتي ملحقة، والآخر أن تكون تأنيث، والآخر أن تكون زائد لغير إلحاق ولا تأنيث.
الأول: نحو قولهم "أرطى" هو ملحق بالألف من آخره بوزن "جعفر" ويدلك على زيادة الألف في آخره قولهم: "أديم مأروط" إذا دبغ بالأرطى، وهو شجرن فالهمزة كما ترى أصل فاء، والألف الآخرة زائدة.
وحدثنا أبو علي أن أبا الحسن حكى: "أديم مرطي" فأرطى على هذا أفعل، والألف في آخره منقلبه عن ياء لقولهم "مرطى" كمرمي من رميت، هذا هو الوجه، وهو أقيس من أن تحمل على قول الحارثي٩:
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معديا عليه وعاديا١٠
ويدلك على أن الألف في قول من قال "مأروط" زائدة للإلحاق لا للتأنيث، تنوينها ولحاق الهاء في قولهم: أرطاة واحدة، بها سمي الرجل أرطاة، ولو كانت الألف للتأنيث لما جاز تنوينها ولا إلحاق علم التأنيث لها، كما لا يجوز شئ من ذينك في "حبلى" ولا "حبارى".
стр. 633
ومثل "أرطى" "معزى" وهو ملحق بـ "هِجرَع"١. ويدلك على أن ألفه ليست للتأنيث تنوينها، وأنه أيضًا مذكر، قال٢:
ومعزى هَدِبا يعلو ... قِران الأرض سُوادنا
ومثل ذلك أيضًا "حَبَنْظًى"٤ و"سَرَنْدًى"٥ و"دَلَنْظًى"٦ و"عَفَرْنًى"٧ و"جَلَعْبًى"٨ و"صَلَخْدًى"٩ و"سَبَنْتًى"١٠ و"سَبَنْدًى"١١. كل ذلك ملحق بسَفَرْجل لإلحاق الهاء فيها ولتنوينها، قال الأعشى١٢:
بذات لَوْث عَفَرْناةٍ إذا عَثَرَت ... فالتَّعسُ أدْنَى لها من أن أقول لَعا١٣
وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى للكميت بن معروف الفَقْعَسِي١٤:
بكلّ سَبَنْتَاةٍ إذا الخِمْسُ ضَمَّها ... يُقَطِّعُ أضْغان النوَاجي هِبابُها١٥
стр. 634
وقالوا: "صَلَخداة" و"جَلَعباة" و"سَرَنداة" و"دَلَنظاه".
الثاني: وهو إلحاق الألف للتأنيث، وذلك كل ما لم ينون نكرة نحو "جُمادَى" و"حُبارَى" و"حُبلَى" و"سَكْرى" و"غَضْبى"، فهذه كلها وما يجري مجراها للتأنيث، قال١:
إذا جُمادَى مَنَعَت قَطْرَها ... زَان جنابي عَطَنٌ مُغْضِفٌ٢
ولعمري إن "جُمادَى" معرفة، وقال الفرزدق٣:
وأشلاء لحم من حُبَارى يصيدها ... لنا قانصٌ في بعض ما يَتَخَطَّف٤
فلم يصرف "حُبَارى" وهي نكرة.
وأنشدنا أبو علي٥:
وبِشْرة يأبونا كأن خباءنا ... جَناح سُمانى في السماء تطير٦
فلم يصرف "سُمانى" وهي نكرة.
стр. 635
وحكى سيبويه على جهة الشذوذ "بُهْماة"١ فأدخل الهاء على ألف "فُعلى"، وألف "فُعلى" لا تكون لغير التأنيث، وقد ذكرنا علة ذلك قديما في هذا الكتاب.
وحكى أبو الحسن٢ أيضًا نحوا من هذا، وهو قولهم: "شُكاعاة"٣ فالألف في هذا لغير التأنيث.
ومثله ما حكاه ابن السكيت٤ من قولهم: "باقِلاةٌ"٥ فالألف هنا أيضًا لغير التأنيث. وحكى البغداديون "سُماناة".
وأنشد ابن الأعرابي٦:
ويتقي السيف بأُخْراته ... من دون كف الجار والمِعصَم٧
قال: أراد أخراه، فقال: أُخْراته، فيضاف هذا إلى "بُهْماة" وقالوا لضرب من النبت "نُقاوَى" والواحدة "نُقاواةٌ" فقس على هذا.
الثالث: لحاقها لغير إلحاق ولا تأنيث، وذلك قولهم "قَبَعْثَرى" فليست هذه الألف للتأنيث لأنها منونة، ولا إلحاق لأنه ليس لنا أصل سداسي فيلحق "قَبَعْثَرى" به.
ومثله ما حكيناه عنهم من قول بعضهم "باقِلاةٌ" و"شُكاعاة" و"سُماناة" و"نُقاواة" لأن لحاق الهاء لها يدل على أنها ليست عندهم للتأنيث، ولا هي أيضًا للإلحاق، لأنه ليس لنا أصل على هذا النحو فتلحق هذه الأسماء به. فأما "بُهْماة" فقد تقدم من القول فيها ما أغنى عن إعادته.
стр. 636
واعلم أن هذه الألف قد زيدت في الاسم المثنى علمًا للتثنية، وذلك قولهم: رَجُلان، وفَرَسان، وزَيدان، وعمران. واختلف الناس من الفريقين في هذه الألف ما هي من الكلمة، فقال سيبويه١: هي حرف الإعراب، وليست فيها نية إعراب، وإن الياء في حال الجر والنصب في قولك: مررت بالزيدين، وضربت العَمْرين حرف إعراب أيضًا، ولا تقدير إعراب فيها، وهو قول أبي إسحاق، وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي.
وقال أبو الحسن٢: إن الألف في التثنية ليست حرف إعراب، ولا هي أيضًا إعراب، ولكنها دليل الإعراب٣، فإذا رأيت الألف علمت أن الاسم مرفوع، وإذا رأيت الياء علمت أن الاسم مجرور أو منصوب. وإليه ذهب أبو العباس٤.
وقال أبو عمرو الجرمي صالح بن إسحاق٥: الألف حرف إعراب كما قال سيبويه، ثم إنه كان يزعم أن انقلابها هو الإعراب.
وقال الفراء وأبو إسحاق الزيادي: الألف هي الإعراب، وكذلك الياء. واعلم أنا بلونا هذه الأقوال على تباينها وتنافرها واختلاف ما بينها، وترجيح مذاهب أهلها القائلين بها، فلم نر فيها أصلب مكسرا ولا أحمَدَ مَخبرا من مذهب سيبويه، وسأورد الحجاج لكل مذهب منها والحجاج عليه.
إن سأل سائل فقال: ما الدليل على صحة قول سيبويه: إن ألف التثنية حرف الإعراب دون أن يكون الأمر فيها على ما ذهب إليه أبو الحسن أو غيره ممن خالفه؟
فالجواب: أن الذي أوجب للواحد المتمكن حرف الإعراب في نحو "رجل" و"فرس" هو موجود في التثنية في نحو قولك: "رجلان" و"فرسان" وهو التمكن، فكما أن الواحد المعرف المتمكن يحتاج إلى حرف إعراب، فكذلك الاسم المثنى إذا كان معربا متمكنا احتاج إلى حرف إعراب، وقولنا: "رجلان، وفرسان،
стр. 637
وغلامان، وجاريتان" ونحو ذلك أسماء معربة متمكنة، فتحتاج إذن إلى ما احتاج إليه الواحد المتمكن من حرف الإعراب، فقد وجب بهذا أن يكون الاسم المثنى ذا حرف إعراب إذ كان معربا.
ونظير ذلك أيضًا الجمع المكسر في نحو: رجُل ورجال، وفَرَس وأفراس، وغلام وغِلمان، فكما أن الواحد في هذا ونحوه فيه حرف إعراب، فكذلك قد وجدت في جمعه حرف إعراب، فحال التثنية في هذه القضية حال الجمع وإن اختلفا من غير هذا الوجه، وإذا كان ذلك كذلك، وكان قولنا "الزيدان" و"العمران" ونحوهما أسماء معربة ذات حروف إعراب فلا يخلو حرف الإعراب في قولنا: الزيدان، والعمران، والرجلان، والغلامان من أن يكون ما قبل الألف، أو الألف، أو ما بعد الألف، وهو النون.
فالذي يفسد أن تكون الدال من "الزيدان" هي حرف الإعراب أنها قد كانت في الواحد حرف إعراب في نحو: هذا زيد، ورأيت زيدا، ومررت بزيد، وقد انتقلت عن الواحد الذي هو الأصل إلى التثنية التي هي فرع، كما انتقلت عن المذكر الذي هو الأصل في قولك: "قائم" إلى المؤنث الذي هو فرع في قولك "قائمة"، فكما أن الميم في قائمة ليست حرف إعراب، وإنما علم التأنيث في "قائمة" هو حرف الإعراب، فكذلك ينبغي أن يكون علم التثنية في نحو قولك: "الزيدان" و"العمران" هو حرف الإعراب، وعلم التثنية هو الألف، فينبغي أن تكون هي حرف الإعراب، كما كانت الهاء في "قائمة" حرف الإعراب، على أن أحدا لم يقل إن ما قبل ألف التثنية حرف إعراب.
فإن قلت: فإنا نقول: رجل، وفرس، فتكون اللام والسين حرفي الإعراب، ثم نقول: رجال، وأفراس، فنجد اللام والسين أيضًا حرفي الإعراب، فما تنكر أن تكون الدال من "زيد"حرف الإعراب، ثم تكون أيضًا في "الزيدان" حرف الإعراب؟
فالجواب: أن حال التثنية في هذا غير حال التكسير، وذلك أن جمع التكسير ليس توجد فيه صيغة الواحد كما توجد صيغة الواحد في التثنية، ألا ترى أنك إذا قلت رجل ورجال، فقد نقضت تركيب الواحد وصغته صياغة أخرى، وكذلك: فَرَس، وأفراس، وعبد وعِباد، وكلب وأكلب، وليست التثنية كذلك، إنما يوجد
стр. 638
فيها لفظ الواحد وصيغته البتة، ثم تزيد عليها علم التثنية، وهي الألف، فتقول: الزيدان، والرجلان، فجرى ذلك مجرى قولنا: "قائم" فإذا أردنا التأنيث أدينا صيغة المذكر بعينها، ثم زدنا علم التأنيث، وهو الهاء، فقلنا "قائمة" وكذلك "قاعد" و"قاعدة"، فالتثنية إذن بالتأنيث أشبه منها بجمع التكسير، فبه ينبغي أن يقاس لا بجمع التكسير، وهذا أوضح.
وأيضًا فإن حرف الإعراب من جمع التكسير كما يكون هو حرف الإعراب في الواحد فيما ذكرت، فقد يكون أيضًا غير حرف الإعراب في الواحد نحو قولك: غلام وغلمان، وجَريب وجربان، وصبي وصبية، وضاربة وضوارب، وقَصعة وقِصاع، وقتيل وقتلى، وصريع وصرعى، وغير ذلك مما يطول ذكره. فقد علمت أنه لا اعتبار في هذا بجمع التكسير، وعلم التثنية لا يكون لفظ الواحد أبدا، كما أن علم التأنيث لا يكون لفظ المذكر أبدا، فهو لما ذكرت به أشبه.
وأيضًا فلو كان حرف الإعراب في: الزيدان" هو الدال كما كان في الواحد لوجب أن يكون إعرابه في التثنية كإعرابه في الواحد، كما أن حرف الإعراب في نحو: "فرس" لما كان هو السين، وكان في "أفراس" أيضًا هو السين كان إعراب "أفراس" كإعراب "فرس"، وهذا غير خفي، على أنا لا نعلم أحدا ذهب إلى أن حرف الإعراب في الواحد هو حرف الإعراب في التثنية، وإنما قلنا ما قلنا احتياطيا لئلا تدعو الضرورة إنسانا إلى التزام ذلك، فيكون جوابه وما يفسد به مذهبه حاضرا عتيدا.
ولا يجوز أيضًا أن تكون النون حرف الإعراب لأنها حرف صحيح يتحمل الحركة، فلو كانت حرف إعرابه لوجب أن تقول: قام زيدان، ومررت بالزيدان، فتعرب النون، وتقر الألف على حالها، كما تقول: هؤلاء غلمان، ورأيت غلمانا، ومررت بغلمان. وأيضًا فإن النون قد تحذف في الإضافة، ولو كانت حرف إعراب لتثبت البتة في الإضافة، كما تقول: هؤلاء غلمانك، ورأيت غلمانك، فقد صح أن الألف حرف الإعراب.
فإن قلت: فإذا كانت الألف حرف الإعراب فما بالهم قلبوها في الجر والنصب، فقالوا: مررت بالزيدين، وضربت الزيدين، وهلا دلك قلبها على أنها ليست كالدال
стр. 639
من "زيد" إذ الدال ثابتة على كل حال، ولا كألف "حُبلى" و"سَكرى" لأنها موجودة في الرفع والنصب والجر؟
فالجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أن انقلاب الألف في الجر والنصب لا يمنع من كونها حرف إعراب؛ لأنا قد وجدنا فيما هو حرف إعراب بلا خلاف بين أصحابنا هذا الانقلاب، وذلك ألف "كلا" و"كلتا" في قولهم: قام الرجلان كلاهما، والمرأتان كلتاهما، ومررت بهما كليهما، وكلتيهما، وضربتهما كليهما، وكلتيهما، فكما أن الألف في "كلا" و"كلتا" حرف إعراب وقد قلبت كما رأيت، فكذلك أيضًا ألف التثنية حرف إعراب وإن قلبت في الجر والنصب.
فإن قلت: إن انقلاب ألف "كلا" و"كلتا" إنما هو لعلة أنهما أشبهتا "على" و"إلى" و"لدى".
قيل لك: وألف التثنية أيضًا انقلبت لعلة سنذكرها عقيب هذا الفصل بإذن الله.
ومثل ذلك أيضًا من حروف الإعراب التي قلبت قولهم: هذا أخوك وأبوك وحموك وهنوك وفوك وذو مال، ورأيت أباك وأخاك , وحماك وهَناك وذا مال، ومررت بأخيك وأبيك وحميك, وهَنيك وفِيك وذي مال، فكما أن هذه كلها حروف إعراب، وقد تراها منقلبة، فكذلك لا يستنكر في حرف التثنية أن يقلب وإن كان حرف إعراب.
قال أبو علي١: فلم لم تكن الواو في "ذو" حرف إعراب لبقي الاسم المتمكن على حرف واحد، وهو الذال.
ومثل ذلك أيضًا قولهم فيما ذكر أبو علي: هذه عصي٢، و"يَا بشري"٣ فيمن قرأ بذلك.
стр. 640
وقول أبي ذؤيب١:
سبقوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ... فتُخُرِّموا، ولكل جَنب مَصْرع٢
وقول الآخر أنشدناه عن قطرب٣:
يُطوّف بي عِكَبٌّ في مَعَدٍّ ... ويَطعُنُ بالصمُلّة في قَفَيَّا٤
فإن لم تثأراني من عِكَبٍّ ... فلا أرويتُما أبدا صَدَيّا٥
وقول أبي داود٦:
فأبلوني بليَّتكم لعليّ ... أُصالِحكم وأستدرج نَوَيّا٧
وهو كثير جدا، فكما جاز للألف في هذه الأشياء أن تقلب ياء وهي حرف إعراب، فكذلك أيضًا يجوز لألف التثنية أن تقلب ياء وإن كانت حرف إعراب.
ومثل ذلك أيضًا إبدالهم تاء التأنيث في الوقف هاء وذلك نحو: "قائمه" و"قاعده" و"منطلقه"، فكما أن التاء حرف إعراب وإن كانت قلبت في الوقف هاء، فكذلك أيضًا لا يمتنع كون ألف التثنية حرف إعراب وإن كانت قد تقلب ياء.
стр. 641
ونحو من ذلك أيضًا إبدال بعضهم ألف التأنيث في الوقف همزة، وذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في الوقف "هذه حُبْلأْ"١. وقد أبدلوا أيضًا الألف في الوقف ياء، فقالوا٢: هذه أفعَيْ، حُبلَيْ".
قال الراجز٣:
إن لِطَيَّ نِسوَة تحت الغَضَيْ ... يمنعُهن الله ممن قد طَغَيْ
بالمشرَفِيات وطَعْنٍ بالقَنَيْ٤
قال سيبويه٥: "ومنهم من يبدلها أيضًا في الوصل ياء، فيقول: هذه أفعيْ عظيمة". فكما أبدل حرف الإعراب في جميع هذه الأشياء، ولم يدل انقلابه على أنه ليس بحرف إعراب، كذلك أيضًا يجوز قلب الألف التي للتثنية، ولا يدل ذلك على أنها ليست بحرف إعراب. فهذا أحد وجهي الحجاج.
وأما الوجه الآخر فإن في ذلك ضربا من الحكمة والبيان، وذلك أنهم أرادوا بالقلب أن يُعلموا أن الاسم باق على إعرابه، وأنه متمكن غير مبني، فجعلوا القلب دليلا على تمكن الاسم وأنه ليس بمبني بمنزلة "متى" و"إذا" و"أنى" و"إيا" مما هو مبني وفي آخره ألف.
فإن قلت: فإذا كانت الألف في التثنية حرف إعراب، فهلا بقيت في الأحوال الثلاث ألفا على صورة واحدة، كما أن ألف حُبلى وسَكرى، حرف إعراب وهي باقية في الأحوال الثلاث على صورة واحدة في نحو قولك: هذه حبلى، ورأيت حبلى، ومررت بحبلى.
стр. 642
فالجواب: أن بينهما فرقًا، وذلك أن الأسماء المقصورة التي حروف إعرابها ألفات، وإن كانت في حال الرفع والنصب والجر على صورة واحدة، فإنه قد يلحقها من التوابع بعدها ما يُنبه على مواضعها من الإعراب، وذلك نحو الوصف في قولك: هذه عصًا مُعوجّةٌ، ورأيت عصا معوجةً، ونظرت إلى عصا معوجةٍ، فصار اختلاف إعراب "معوجة" دليلا على اختلاف أحوال "عصا" من الرفع والنصب والجر.
وكذك التوكيد نحو قولك: عندي العصا نفسُها، ورأيت العصا نفسَها، ومررت بالعصا نفسِها، فاختلاف إعراب "النفس" دليل على اختلاف إعراب "العصا" وأنت لو ذهبت تصف الاثنين لوجب أن تكون الصفة بلفظ التثنية، ألا تراك لو تركت التثنية بالألف على كل حال لوجب أن تقول في الصفة: رأيت الرجلان الظريفان، ومررت بالرجلان الظريفان، فيكون لفظ الصفة كلفظ الموصوف بالألف على كل حال، فلا تجد هناك من البيان ما تجده إذا قلت: رأيت عصا معوجةً أو طويلةً أو قصيرةً أو نحو ذلك مما يبين فيه الإعراب.
وكذلك البدل نحو: رأيت أخواك الزيدان، ومررت بأخواك الزيدان، فلا تجد في التابع بيانا يدل على حال المتبوع، فلما كان كذلك عدلوا إلى أن قلبوا لفظ الجر والنصب إلى الياء ليكون ذلك أدل على تمكن الاسم واستحقاقه الإعراب. ونظير قلبهم الألف في لتثنية ياء في الجر والنصب قولهم هدَيَّ وعَصَيَّ ألا ترى أنهم قلبوا الألف "ياء لما كانت ياء المتكلم يكسر ما قبلها، فاعرفه.
على أن من العرب من لا يخاف اللبس، ويجري الباب على أصل قياسه، فيدع الألف ثابتة في الأحوال الثلاث، فيقول: قام الزيدان، وضربتُ الزيدان، ومررتُ بالزيدان، وهم بنو الحارث بن كعب، وبطن من ربيعة، وأنشدوا في ذلك:
تزود منا بين أُذْناه طعنةً
دعته إلى هابي التراب عقيم١
стр. 643
وقال الآخر١:
فإطراف الشجاع ولو يرى ... مساغا لِناباه الشجاعُ لَصَمّما٢
وقال الآخر٣:
أعرف منها الجيد والعَينانا ... ومنخرين أشبها ظبيانا٤
يريد: العينين، ثم إنه جاء بالمنخرين على اللغة الفاشية.
وروينا عن قطرب٥:
هَيّاك أن تُمنى بشَعشعانِ ... خَبّ الفؤاد مائلِ اليدانِ٦
وقال الآخر٧:
стр. 644
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها١
وفيها٢:
واشدد بمثنى حقب حقواها٣
وعلى هذا تتوجه عندنا قراءة من قرأ: "إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ" [طه: ٦٣] ٤ وقد ذكرنا هذه المسألة في باب النون بما أغنى عن إعادته.
واعلم أن سيبويه يرى أن الألف في التثنية كما أنه ليس في لفظها إعراب، فكذلك لا تقدير إعراب فيها كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب؛ ألا ترى أنك إذا قلت: هذا فتى، ففي الألف عندك تقدير ضمة، وإذا قلت: رأيت فتى، ففي الألف تقدير فتحة، وإذا قلت: مررت بفتى، ففي الألف تقدير كسرة، وهو لا يرى أنك إذا قلت: هذان رجلان أن في الألف تقدير ضمة، ولا إذا قلت: مررت بالزيدين، وضربت الزيدينأن في الياء تقدير كسرة ولا فتحة، ويدل على أن ذلك مذهبه قوله: "ودخلت النون كأنها عوض لما منع من الحركة والتنوين"٥، فلو كانت في الألف عنده نية حركة لما عوض منها النون كما لا يعوض، منها في قولك: هذه حبلى، ولاأيت حبلى، ومررت بحبلى، النون.
стр. 645
قال أبو علي: ويدل على صحة ما قال سيبويه من أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية تقدير حركة في المعنى كما أن ذلك ليس موجودا فيها في اللفظ، صحة الياء في الجر والنصب في نحو: مررت برجلين، وضربت رجلين، ولو كان في الياء منها تقدير حركة لوجب أن تقلب ألفا كرَحَى، وفتًى، ألا ترى أن الياء إذا انفتح ما قبلها وكانت في تقدير حركة وجب أن تقلب ألفا.
وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن، وصحة المذهب، وسداد الطريقة.
فإن قلت: فإذا كانت النون عند سيبويه عوضًا مما منع الاسم من الحركة والتنوين، فما بالهم قالوا في الجر والنصب ضربت الزيدين، ومررت بالزيدين، فقلبوا الألف ياء، وذلك على الجر والنصب، ثم إنهم عوضوا من الحركة نونا، وكيف يعوضون من الحركة نونا وهم قد جعلوا قلب الألف ياء قائما مقام علم الجر والنصب، وهل يجوز أن يعوض من شيء شيء وقد أقيم مقام المعوض منه ما يدل عليه، ويغني عنه، وهو القلب؟
فالجواب: أن أبا علي ذكر أنهم إنما جوزوا ذلك لأن الانقلاب معنى لا لفظ إعراب، فلما لم يوجد في الحقيقة في اللفظ إعراب جاز أن تعوض منه النون، وصار الانقلاب دليلا على التمكن واستحقاق الإعراب.
وهذا أيضًا من لطيف ما حصلته عنه، فافهمه.
فإن قلت: فإذا كانت الدلالة قد صحت على قول سيبويه أنه لا تقدير إعراب في حرف الإعراب من التثنية، فما كانت الحاجة من العرب إلى ذلك، وما السر، وما السبب الذي أوجب ذلك فيها؟
فالجواب: أنهم لو اعتقدوا في حرف إعراب التثنية تقدير حركة كما يعتقدونه في حرف الإعراب من المقصور، لوجب أن تقر الألف في الأحوال الثلاث على صورة واحدة كما يقر حرف الإعراب من المقصور على حال واحدة في رفعه ونصبه وجره، ولو فعلوا ذلك فقالوا: قام الزيدان، وضربت الزيدان، ومررت بالزيدان، لدخل الكلام من الإشكال والاستبهام ما قد تقدم قولنا فيه، وأنه تُنُكب لاستكراههم ما فيه من عدم البيان، ولما كان الاسم االمثنى معربا متمكنا، وكرهوا أن يعتقدوا في حرف
стр. 646
إعرابه تقدير حركة إعراب لئلا يبقى في الأحوال الثلاث على صورة واحدة، كما تبقى جميع الأسماء المقصورة فيها كذلك، عوضوه من الإعراب الذي منعوه حرف إعرابه نونا، وأبدلوا من ألفه في الرفع ياء الجر والنصب؛ ليدلوا بذلك على تمكنه وأنه معرب غير بمني كـ "متى" و"إذا" و"أنى" فكان ذلك أحوط وأحزم.
فإن قلت: فهلا نَوَوا في الألف أنها في موضع حركة كما نووا ذلك في جميع المقصور، ثم إنهم أبدلوا الألف ياء ليدلوا على تمكن الاسم، ولم يعوضوه من الحركة نونا لأنها منوية مرادة، فقالوا: قام الزيدا، ومررت بالزيدَيْ، وضربت الزيدَيْ؟
فالجواب: أن ما قدمناه يمنع من ذلك، وهو أنهم لو نووا في الياء حركة وما قبلها مفتوح، لوجب أن يقلبوها ألفا، فكان يجب على هذا أن يقولوا إذا لم يأتوا بالنون: قام الزيدا، ورأيت الزيدا، فيعود الكلام من الإشكال واللبس إلى ما هربوا منه، فتركوا ذلك لذلك.
ونظير ألف التثنية في أنها حرف إعراب وعلامةُ التثنية ألفُ التأنيث في نحو: حبلى، وسكرى، ألا تراها حرف إعراب وهي علم التأنيث، إلا أنهما يختلفان في أن حرف التثنية لا نية حركة فيه، وأن ألف حبلى فيها نية الحركة.
قال أبو علي: ويدل على أن الألف في التثنية حرف إعراب صحة الواو في "مذروان"١. قال: ألا ترى أنه لو كانت الألف إعرابا أو دليل إعراب، وليست مصوغة في جملة بناء الكلمة المتصلة بها اتصال حرف الإعراب بما قبله، لوجب أن تقلب الواو ياء، فيقال: "مِذريان" لأنها كانت تكون على هذا القول طرفًا كلام "مِعزى" و"مَدعى" و"مَلهى"، فصحة الواو في "مِذروان" دلالة على أن الألف من جملة الكلمة، وأنها ليست في تقدير الانفصال الذي يكون في الإعراب. قال: فجرت الألف في "مذروان" مجرى الألف في "عنفوان"٢ وإن اختلفت النونان. وهذا حسن في معناه.
فأما قولهم "قَشَوتُ العُود" ٣ فشاذ غير مقيس عليه غير.
стр. 647
ونظير هذا الذي ذهب إليه أبو علي قولُهم: "عقلته بثنايَيْن"١، ولو كانت ياء التأنيث إعرابا أو دليل إعراب لوجب أن تقلب الياء التي بعد الألف همزة، فيقال: "عقلته بثناءين، وذلك لأنها ياء وقعت طرفًا بعد ألف زائدة، فجرت مجرى ياء "رداء" و"رِماء" و"ظِباء".
ونظير هذا قولهم في الجمع: هؤلاء مَقتَوُون٣، ورأيت مَقتَوِينَ، ومررت بمقتَوِين، فلو كانت الواو والياء في هذا أيضًا إعرابا أو دليل إعراب لوجب أن يقال: هؤلاء مَقتَوْن، ورأيت مَقتَيْنَ، ومررت بمَقتَينَ، ويجري مجرى "مُصطَفَيْنَ".
فهذا كله يؤكد مذهب سيبويه في أن الألف والياء والواو حروف الإعراب في التثنية والجمع الذي على حد التثنية، والقول فيهما من وجه واحد.
وأما قول أبي الحسن: إن الألف ليست حرف إعراب ولا هي إعراب، ولكنها دليل الإعراب، فإذا رأيت الألف علمت أن الاسم مرفوع، وإذا رأيت الياء علمت أن الاسم منصوب أو مجرور، وقال: ولو كانت حرف إعراب لما عرفت بها رفعا من نصب ولا جر، كما أنك إذا سمعت دال "زيد" لم تدلك على رفع ولا نصب ولا جر، فإنه غير لازم، وذلك أنا قد رأينا حروف الإعراب بلا خلاف تفيدنا الرفع والنصب والجر، وذلك نحو: أبوك وأخوك، وأباك وأخاك، وأبيك وأخيك؛ ألا ترى أن الواو حرف الإعراب، وقد أفادتنا الرفع، والألف حرف الإعراب، وقد أفادتنا النصب، والياء حرف الإعراب، وقد أفادتنا الجر.
فأما قوله: إنها ليست بإعراب، فصحيح، وسنذكر ذلك في فساد قول الفراء والزيادي. فأما قوله: لو كانت الألف حرف إعراب لوجب أن يكون فيها إعراب هو غيرها كما ذلك في دال "زيد" فيفسد بما ذكرناه من الحجاج في هذا عند شرح مذهب سيبويه أول.
وبلغني أن أبا إسحاق قال منكرا على أبي الحسن أنها دليل الإعراب: إن الإعراب دليل المعنى، فإذا كانت الألف تدل على الإعراب، والإعراب دليل، فقد
стр. 648
احتاج الدليل إلى دليل، وإذا احتاج الدليل إلى دليل فقد سقط المعنى المدلول عليه. وهذا وإن كان ظاهره سائغا متقبلا فإنه غير داخل على غرض أبي الحسن، وذلك أن معنى قوله: "دليل الإعراب" أنها تقوم مقام الضمة والفتحة والكسرة، وتفيد ما يفدنه، فشابهت الألفُ النونَ التي لرفع الفعل المضارع في نحو يقومان ويقومون وتقومين في أنها تقوم مقام الضمة في "يقوم" و"يقعد" وأنها ليست من أصول الإعراب؛ ألا ترى أن جنس الإعراب هو الحركة، ولذلك جعل الجنس البناء سكونا إذ كانا ضدين، وكانت الحركة ضد السكون، فالألف إذن هناك كالنون هنا.
ويدلك على أن الأفعال المضارعة التي رفعها بالنون ليست على طريق قياس أصول الإعراب، حذفك النون في موضع النصب في قولك: "لن يقوما" ألا ترى أن النصب هنا مدخل على الجزم كما أدخل النصب في الأسماء المثناة والمجموعة على سبيل التثنية على الجر في قولك: "ضربت الزيدين والعمرين"، ولست تجد في الآحاد المتمكنة الإعراب ما يحمل فيه أحد الإعرابين على صاحبه. فأما "مررت بأحمد" فإن ما لا ينصرف غير متمكن الإعراب.
ويزيد عندك في بيان ضعف إعراب الفعل المضارع، أنك إذا ثنيت الضمير فيه أو جمعته أو أنثته، أنك تجده بغير حرف إعراب؛ ألا ترى أنه لو كان لـ "يقومان" حرف إعراب لم يخل من أن يكون الميم أو الألف أو النون، فمحال أن تكون الميم لأن الألف بعدها قد صيغت معها وحصلت الميم لذلك حشوا لا طرفًا، ومحال أن يكون حرف الإعراب وسطا، ولا يجوز أن يكون إلا آخرا طرفًا، ولا يجوز أن تكون الألف في "يقومان" حرف إعراب، قال سيبويه١: "لأنك لم ترد أن تثني هذا البناء فتضم إليه يَفعلًا آخر" أي: لم ترد أن تضم هذا المثال إلى مثال آخر، وإنما أردت أن تعلم أن الفاعل اثنان، فجئت بالألف التي هي علم الضمير والتثنية، ولو أردت أن تضم نفس الفعل إلى فعل آخر من لفظه لكانت الألف في "يقومان" حرف إعراب، كما كانت الألف في "الزيدان" حرف إعراب، لما أردت أن تضم إلى زيد زيدا آخر. فقد بطل إذن أن تكون الألف حرف إعراب. ومحال أيضًا أن تكون النون حرف إعراب في "يقومان" لأمرين:
стр. 649
أحدهما: أنها متحركة محذوفة في الجزم، وليس في الدنيا حرف متحرك يحذف في الجزم.
والآخر: أنه لو كانت النون حرف إعراب لوجب أن تجري عليها حركات الإعراب، فتقول: هما يقومان، وأريد أن تقومان، فتضمها في الرفع، وتفتحها في النصب، فإذا صرت إلى الجزم وجب تسكينها، فإذا سكنت والألف قبلها ساكنة كسرت لالتقاء الساكنين، فتقول: لم يقومان، فلما كان القضاء بكون نون "يقومان"حرف إعراب يقود إلى هذا الذي ذكرته، ورأيت العرب قد اجتنبته، علمت أن النون ليست عندهم بحرف إعراب، فإذا لم يجز أن تكون الميم حرف إعراب، ولا الألف، ولا النون، علمت أنه لا حرف إعراب للكلمة.
وإذا لم يكن لها حرف إعراب دلك ذلك على أن الإعراب فيها ليس له تمكن الإعراب الأصلي الذي هو الحركة، وإذا كان ذلك كذلك علمت به أن النون في "يقومان" تقوم مقام الضمة في "يقوم" وأنها ليس لها تمكن الحركة، وإنما هي دالة عليها ونائبة عنها، فكذلك أيضًا لا يمتنع أن تكون الألف عند أبي الحسن دليل الإعراب، أي قائمة مقامه ونائبة عنه، فإذا رأيتها فكأنك رأيته، كما أنك إذا رأيت النون في الأفعال المضارعة فكأنك قد رأيت الضمة في الواحد، فقد سقط بهذا الذي ذكرناه ما ألزمه أبو إسحاق إياه.
قال أبو علي: ولا تمنع الألف على قياس قول سيبويه إنها حرف إعراب أن تدل على الرفع كما دلت عليه عند أبي الحسن لوجودنا حروف إعراب تقوم مقام الإعراب في نحو قولك: أبوك، وأباك، وأبيك، وأخواته، وكلاهما، وكليهما، ولكن وجه الخلاف بينهما أن سيبويه يزعم أنها حرف إعراب، وأبو الحسن يقول: إنها ليست حرف إعراب، فهذا ما في خلاف أبي الحسن.
وأما قول أبي عمر إنها في الرفع حرف إعراب كما قال سيبويه، ثم إنه كان يزعم أن انقلابها هو الإعراب، فضعيف مدفوع أيضًا، وإن كان أدنى الأقوال إلى الصواب الذي هو رأي سيبويه. ووجه فساده أنه جعل الإعراب في الجر والنصب معنى لا لفظا، وفي الرفع لفظا لا معنى، فخالف بين جهات الإعراب في اسم واحد؛ ألا ترى أن القلب معنى لا لفظ، وإنما اللفظ هو نفس المقلوب والمقلوب إليه، وليس
стр. 650
كذلك قول سيبويه "إن النون عوض مما مُنع الاسم من الحركة والتنوين" لأن النون على كل حال لفظ، وليست بمعنى.
وألزم أبو العباس أبا عمر هنا شيئًا لا يلزمه عندي، وذلك أنه قال: قد علمنا أن أول أحوال الاسم الرفع، فأول ما وقعت التثنية وقعت والألف فيها، فقد وجب أن لا يكون فيها في موضع الرفع إعراب١. وذلك أن أبا عمر إذا كان يقول في الألف ما قاله سيبويه فله فيه ما له، وعليه ما عليه.
وقد صح أن سيبويه يقول: إن النون عوض مما منع الاسم من الحركة والتنوين، وكذلك أيضًا قول أبي عمر في الرفع إن النون عوض من الحركة والتنوين، وإذا كانت عوضًا من الحركة فإن الاسم معرب، والنون تقوم مقام حركة إعرابه، فقد كان يجب على أبي العباس أن لا يدعي على أبي عمر أنه يعتقد أن الاسم في حال الرفع لا إعراب فيه.
فإن أراد أبو العباس أنه ليس في الألف إعراب، وإنما النون عوض من الإعراب، فهذا هو الذي قاله سيبويه أيضًا، وقد قامت الدلالة على صحته، فينبغي أن يكون قول أبي عمر صحيحا إذ هو قول سيبويه الصحيح، وإنما الذي يلزم أبا عمر في هذا ما قدمناه من أنه جعل اسما واحدا في حال الرفع معربا لفظا، وجعل ذلك الاسم بعينه في حال الجر والنصب معربا معنى، فخالف بين جهتي إعراب اسم واحد من حيث لا يجوز الخلاف.
فإن قلت: فإذا كان قلب الألف ياء في الجر والنصب هو الإعراب عند أبي عمر فما الذي ينبغي أن يعتقد في النون في حال الجر والنصب، هل هي عنده عوض من الحركة والتنوين جميعًا أو عوض من التنوين وحده؛ إذ القلب قد ناب على مذهبه عن اعتقاد النون عوضًا من الحركة؟
فالجواب: أن أبا علي سوغه أن تكون النون عوضًا من الحركة والتنوين جميعًا، وإن كان يقول إن الانقلاب هو الإعراب، قال: وذلك أنه لم تظهر إلى اللفظ حركة، وإنما هناك قلب، فحسُن العوض من الحركة وإن قام القلب مقامها في الإعراب.
стр. 651
وهذا الذي رآه أبو علي حسن جدا، ويشهد بقوته أن من رأى صرف المؤنث المعرفة إذا كان ثلاثيا ساكن الأوسط نحو "جُمْل" و"دَعْد" لخفته بسكون وسطه، يرى مثل ذلك سواء في نحو "دار" و"نار" إذا سمى بهما مؤنثا وإن كانت الألف تدل على أن العين محركة في الأصل، وأصلهما "دور" و"نور" إلا أن تلك الحركة في العين لما لم تظهر إلى اللفظ لم يعتد بها، ولم تجر الكلمة وإن كانت مقدرةَ حركة العين مجرى "قَدَم" و"فَخِذ" إذا صارا علمين لمؤنث في ترك صرفهما كما يترك صرفهما، فكذلك أيضًا لما كان الإعراب في رأيت الزيدين، ومررت بالزيدين على مذهب أبي عمر معنى لا لفظا، جاز أن يعوض من الحركة التي كان ينبغي للاسم أن يحرك حرف إعرابه بها نون في الزيدينِ والعمرينِ، ونظائره كثيرة، فهذا يؤيد ما رآه أبو علي لقياس مذهب أبي عمر.
ولو أن قائلا قال: قياس قول أبي عمر أن تكون النون في تثنية المنصوب والمجرور عنده عوضًا من التنوين وحده، لأن الانقلاب قد قام مقام الحركة، لم أر به بأسا.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فقد يجب على قول أبي عمر أن تكون النون محذوفة مع اللام في موضع الجر والنصب إذا كانت عوضًا من التنوين الذي يحذف مع اللام، وثابتة في حال الرفع معها لأنها عوض من الحركة معها على ما بيناه في حرف النون، فكان يلزم أبا عمر أن يقول قام الزيدان، وضربت الزيدَي، ومررت بالزيدَي.
فالجواب: أن النون على هذا القول وإن كانت في حال الجر والنصب عوضًا من التنوين وحده، فإنها لم تحذف مع اللام كما يحذف التنوين معها، من حيث كانت النون أقوى من التنوين إذ كانت ثابتة في الوصل والوقف متحركة، والتنوين يزيله الوقف، وهو أبدا ساكن إلا أن يقع بعده ما يحرك له، فلما كانت النون أقوى من التنوين لم تقو اللام على حذفها كما قويت على حذف التنوين.
وأما قول الفراء وأبي إسحاق الزيادي "إن الألف هي الإعراب" فهو أبعد الأقاويل من الصواب. قال أبو علي: يلزم من قال إن الألف هي الإعراب أن يكون الاسم متى حذفت منه الألف دالا من معنى التثنية على ما كان يدل عليه والألف فيه؛ لأنك لم تعرض لصيغة الاسم، وإنما حذفت إعرابه، فسبيل معناه أن يكون قبل
стр. 652
الحذف وبعده واحدا، كما أن "زيدا" ونحوه متى حذفت إعرابه فمعناه الذي كان يدل عليه معربا باق فيه بعد سلب إعرابه. ويفسده أيضًا شيء آخر، وهو أن الألف لو كانت إعرابا لوجب أن تقلب الواو في "مذروان" ياء لأنها رابعة، وقد وقعت طرفًا، والألف بعدها إعراب كالضمة في "زيد" و"بكر"، وقد تقدم هذا ونحوه من باب "ثِنايَينِ" و"مَقتَوِينَ".
وقال أبو علي: سرق الزيادي هذا القول من لفظ سيبويه "إن الألف حرف الإعراب" قال: معناه عند الزيادي أن الألف هو الحرف الذي يعرب به، كما تقول "ضمة الإعراب" أي: الضمة التي يعرب بها.
ويدلك أيضًا على أن ألف التثنية ليست إعرابا ولا دليل إعراب، وجودك إياها في اسم العدد نحو: واحد اثنان، فكما أن جميع أسماء الأعداد مبنية لأنها كالأصوات نحو: ثلاثهْ، أربعهْ، خمسهْ، فكذلك "اثنان" لا إعراب فيه، ولو قال لك إنسان: اللفظ لي بالتثنية غير معربة لم تقل إلا "الزيدان" بالألف".
وكذلك أيضا أسماء الإشارة نحو هذان وهاتان، والأسماء الموصولة نحو اللذان واللتان، لا إعراب في شيء منها، وهي بالألف كما ترى.
وكذلك الألف في النداء إذا قلت "يا رجلان" ألا ترى أن الكلمة غير مرفوعة، وإنما هي في موضع المبني على الضم في نحو "يا رجل" لأن الاسم في التثنية معرفة كحاله قبل التثنية، ألا تراك تقول: يا رجلان الظريفان، كما تقول: يا رجلُ الظريفُ. وإنما فعلوا هذا في هذه الأشياء التي ليست معربة، وألحقوها أيضًا بعد الألف النونَ لئلا يختلف حال التثنية، فيكون مرة بالألف والنون، ومرة بلا ألف ولا نون، فجعلوها بلفظ واحد.
وقد تقدمت الدلالة في حرف النون على أن النون في نحو "هذان" و"اللذان" ليست بعوض من الحركة والتنوين، إذ موجب ترك الحركة والتنوين في الواحد موجود الآن في التثنية، وأنه إنما لحقت النون هنا لئلا يختلف الباب. وجميع ما ذكرناه في الألف من الخلاص واقع في واو الجمع نحو "الزيدون" و"العمرون". وإنما تركنا ذكر ذلك في حرف الواو لأنا كنا أجمعنا القول عليه في باب ألف التثنية.
стр. 653
فإن سأل سائل فيما بعد، فقال: ما بالهم ثنوا بالألف، وجمعوا بالواو، وهلا عكسوا الأمر؟
فالجواب: أن التثنية أكثر من الجمع بالواو؛ ألا ترى أن جميع ما تجوز فيه التثنية من الأسماء فتثنيته صحيحة لأن لفظ واحدها موجود فيها، وإنما تزيد عليه حرف التثنية، وليس كل ما يجوز جمعه يجمع بالواو، ألا ترى أن عامة المؤنث وما لا يعقل لا يجمع بالواو، وإنما يجمع بغير الواو، إما بالألف والتاء، وإما مكسرا، على أن ما يجمع بالواو قد يجوز تكسيره نحو: زيد وزيود، وقيس وأقياس، وغير ذلك، فالتثنية إذن أصح من الجمع لأنها لا تخطئ لفظ الواحد أبدا، فلما ساغت فيمن يعقل وما لا يعقل، وفي المذكر والمؤنث، وكان الجمع الصحيح إنما هو لضرب واحد من الأسماء، وجعلوا الواو الثقيلة في الجمع القليل ليقل في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون، فاعرف ذلك.
قال أبو علي: لما كان الجمع أقوى من التثنية لأنه يقع على أعداد مختلفة، وكان لذلك أعم تصرفا من التثنية التي تقع لضرب واحد من العدد لا تتجاوزه، وهو اثنان، جعلوا الواو التي هي أقوى من الألف في الجمع الذي هو أقوى من التثنية.
وقد زيدت الألف علامة للتثنية والضمير في الفعل نحو: أخواك قاما، وعلامة للتثنية مجردة من الضمير نحو قول الشاعر١:
أُلفِيتا عَيناك عند القَفا ... أَولى فأَولى لك ذا واقِيهْ٢
وقد ذكرنا هذه اللغة في حرف النون وحرف الواو. قد أخذت التثنية بحظ، على أن فيها شيئًا آخر سوى هذا.
واعلم أن الألف قد زيدت في أثناء الكلام على أنها ليست مصوغة في تلك الكلم، وإنما زيدت لِمعانٍ حدثت وأغراض أريدت، وهي في تقدير الانفكاك
стр. 654
والانفصال، فمن ذلك أن العرب قد أشبعت بها الفتحة، يقولون: بينا زيد قائم أقبل عمرو، وإنما هي "بين" زيدت الألف في آخرها إشباعا للفتحة.
ومن أبيات الكتاب١:
بَينا نحن نرقُبُه أتانا ... مُعلّقَ وَفْضَةٍ وزنادَ راعِ٢
وقال الهذلي٣:
بينا تَعَنُّقِهِ الكُماة ورَوغِهِ ... يوما أُتيحَ له جريء سَلفَعُ٤
أي: بين، وهو كثير.
ومن ذلك فيما حدثنا به أبو علي قولهم: جئْ به من حيث ولَيْسا، أي: وليسَ، فأشبعت فتحة السين إما لبيان الحركة في الوقف، وإما كما ألحقت "بينا" في الوصل.
وأنشدنا أبو علي لابن هرمة يرثي ابنه٥:
فأنت من الغوائل حيث تُرمَى ... ومن ذَم الرجال بمُنتَزَاحِ٦
أي: بمُنتَزَح.
وأنشدنا أيضًا لعنترة٧:
يَنباعُ من ذِفرَى غَضُوبٍ جَسْرةٍ ... زَيّافةٍ مثلِ الفَنيقِ المُكدَمِ٨
وقال: أراد يَنبَعُ.
стр. 655
وروينا عن قطرب١:
عَضِضتَ بأَيْرٍ من أبيك وخالكا ... وعضَّ بنو العَمار بالسُّكر الرطْب٢
أشبع فتحة الكاف، فحدثت بعدها ألف.
ونحو من ذلك قولهم في الوقف عند التذكر "قالا" أي: قال زيد، ونحوه، فجعلوا الاستطالة بالألف دليلا على أن الكلام ناقص.
وكذلك تقول "أينا" أي: أين أنت؟ فتتذكر "أنت".
وقد زادوها أيضًا عند التذكر بعد الألف، فقالوا: "الزيدان ذهباْاْ" إذا نووا "ذهبا أمس" أو نحوه مما يصحبه من الكلام، وتقول على هذا "زيد رَمَاْاْ" أي: رمى عمرا، ونحوه، فتزيد في التذكر على الألف ألفا، وتمده.
كما زيدت الألف إشباعا فقد حذفت اختصارا، من ذلك قصر الممدود نحو قوله٣:
..................... ... وتَبَوَّا بمكَّةٍ بطحاها٤
أي: بطحاءها.
ومن الصحيح ما رويناه عن قطرب٥:
ألا لا بارك الله في سُهيل ... إذا ما الله بارك في الرجال٦
стр. 656
وقال الآخر١:
أقبَلَ سيلٌ جاء من عند الله ... يَحرِدُ حَردَ الجنة المُغِلّة٢
وعلى هذا بيت الكتاب٣:
أوالِفًا مكّة من وُرْق الحَمِي٤
أراد: الحَمام، فحذف الألف، وأبدل الميم ياء، هذا أحسن ما قيل فيه٥.
ومن ذلك لحاقها في الوقف لبيان الحركة كما تبين الحركة بالهاء، وذلك قولهم في الوصل "أنَ فعلتُ" فإذا وقفت قلت "أنا". وكذلك "حيهلا".
ومن ذلك لحاقها فصلا بين النونات في نحو قولك للنساء: اضربنانِّ يا نسوة، واشتمنانِّ بكرا، وأصل هذا أن تدخل نون التوكيد وهي مشددة على نون جماعة المؤنث فتجتمع ثلاث نونات، فكان يلزم أن يقال: "اضربنَنَّ زيدا" فكرهوا اجتماعهن، ففصلوا بينهن بالألف. ومن كلام أبي مهدية "اخسأنانِّ عني"٦.
ودار بيني وبين المتنبي في قوله٧:
................................. ... وقلنا للسيوف: هَلُمُّنّا٨
стр. 657
كلام فيه طول، وأنكرت ضم الميم هنا من طريق القياس إلى أن قال لي: فكيف كان ينبغي أن يكون إذا أكدته هنا بالنون؟ فقلت: كان قياسه أن تقول: هَلْمُمْنانِّ. فقال: هذا طويل. فقلت: هذا جواب مسألتك، فأما طوله وقصره فشيء غير ما نحن فيه.
ومن ذلك أن تدخل فاصلة بين الهمزتين المحققتين استكراها لاجتماعهما محققتين، قال ذو الرمة١:
آأنْ ترسّمْتَ من خرقاءَ منزلةً ... ماءُ الصبابة من عينيك مَسجُومُ٢
وقال الآخر٣:
تَطَاللتُ، فاستشرفتُهُ، فرأيتُهُ ... فقلت له: آأنت زيدُ الأراقِمِ٤
وقرأت على أبي علي في كتاب الهمز عن أبي زيد٥:
حُزُقٌّ إذا ما القوم أبدَوا فُكاهةً ... تَفَكَّرَ آإياه يَعنُون أم قِرْدا٦
وقرأ بعضهم: "آئِذَا"٧ و"آئِنَا"٨ [الرعد: ٢,٣] و"آأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ" [المائدة: ١١٦] ٩.
стр. 658
وقال ذو الرمة أيضا١:
هيا ظَبيةَ الوَعساءِ بين جلاجِل ... وبين النَّقا آأنتِ أَم أُمُّ سالِم؟ ٢
أراد: أأنت، فثقل عليه تحقيق الهمزتين، ففصل بينهما بالألف، وكذلك الباقي.
ومن ذلك الألف التي تلحق أواخر الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة إذا حُقرت عوضًا من ضمة أول الحرف، وذلك قولهم في "ذا": "ذيا" وفي "تا": "تيا" وفي "ذاك": "ذياك" وفي "ذلك": "ذيالك" وفي "الذي": "اللذيا" وفي "التي": "اللتيا" وفي "هؤلاء" مقصورا: "هؤليا" وفي "أولاء" ممدودات: "ألياء". وهذه مسألة اعترضت ههنا، ونحن نوضحها.
اعلم أن "أولاءِ" وزنه إذا مثل "فُعال" كغُراب، وكان حكمه إذا حقرته على مثال تحقير الأسماء المتمكنة أن تقول: هذا أُليِّئٌ، ورأيت أُليِّئًا، ومررت بأُليِّئٍ، فلما صار تقديره "أُليِّئٌ" أرادوا أن يزيدوا في آخره الألف التي تكون عوضًا من ضمة أوله، كما قالوا في "ذا": "ذيا" وفي "تا": "تيا"، فلو فعلوا ذلك لوجب أن يقولوا "أليئا" فيصير بعد التحقير مقصورا، وقد كان قبل التحقير ممدوا، فأرادوا أن يقروه بعد التحقير على ما كان عليه قبل التحقير من مده، فزادوا الألف قبل الهمزة، فالألف الآن التي قبل الهمزة في "أُليّاء" ليست بتلك التي كانت قبلها في "أُولاءِ"، وإنما هذه في "أُليّاء" هي الألف التي كان سبيلها أن تلحق آخرا، فقدمت كما ذكرنا. وأما ألف "أولاء" فقد قلبت ياء كما تقلب ألف "غلام" إذا قلت "غليم" وهي الياء الثانية في "أُليّاء" والياء الأولى هي ياء التحقير.
فإن قلت: فإن الألف إنما تلحق آخرا في تحقير هذه الأسماء، لأنها جعلت عوضًا من ضمة أوائلها، وأنت في "أُليّاء" قد ضممت أول الاسم، فلم جئت بالألف في آخره؟
стр. 659
فالجواب: أن ضمة أول "أُلَيّاء" ليست مجتلبة للتحقير بمنزلة ضمة كاف "كُتَيب" وحاء "حُسَيب"، وإنما هي الضمة التي كانت موجودة في التكبير في قولك "أُولاءِ"، يدلك على صحة ذلك تركهم أول ما هو مثله في الإشارة واستحقاق البناء بحاله غير مضموم، وذلك قولك: "ذيا" و"تيا" ألا ترى أن الذال والتاء مفتوحتان كما كانتا قبل التحقير في "ذا" و"تا" فكذلك ضمة همزة "أُلياء" هي ضمة الهمزة في "أُولاءِ"، فلما كان أول الكلمة باقيا بحاله غير مجتلبة له ضمة التحقير عُوّض الألف من آخره، فأما ضمة عين "غُرَيب" و"غُلَيم" فضمة التحقير لا الضمة التي كانت في "غُراب" و"غُلام".
ألا تراك تقول "كِتاب" و"غَزال" فتجد الأولين مفتوحًا ومكسورا، فإذا حقرت ضممت، فقلت "كُتيب" , "غُزيل" فقد بان ذلك. وكذلك ضمة قاف "قُفَيل" إنما هي ضمة التحقير، وليست بضمة القاف من "قُفل". يدلك على ذلك ضمك ما أوله مفتوح أو مكسور، وهو "كَعب" و"حِلس"١ إذا قلت "كُعَيب" و"حُلَيس" فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فإنهما مختلفتان في المعنى، وغير منكَر أن يتفق اللفظان من أصلين مختلفين؛ ألا ترى أن مَن رخّم "منصورا" في قول من قال "يا حارِ" قال "يا مَنصُ" فبقى الصاد مضمومة كما بقى الراء مكسورة، ومن قال "يا حار" فاجتلب للنداء ضمة قال أيضا: "يا منصُ"، فحذف ضمة الصاد كما حذف كسرة الراء، واجتلب للصاد ضمة النداء كما اجتلب للراء ضمة النداء، إلا أن لفظ "يامَنصُ" في الوجهين واحد، والمعنيان متباينان.
وكذلك قول سيبويه٢ في "الفُلْك" إذا جُمع على "فُلْك" فضمة الفاء من الواحد بمنزلة ضمة باء "بُرْد" وخاء "خُرْج"٣، وضمةُ الفاء من الجمع بمنزلة ضمة حاء "حُمر" وصاد "صُفر" جمع "أحمر" و"أصفر"، وهذا أوسع من أن أتحجره، ولكنني قد رسمت طريقه وأمثلته.
ومن ذلك لحاقها للندبة نحو "واغلاماه" و"وازيداه" و"واأمير المؤمنيناه".
стр. 660
ومن ذلك زيادة ألف للإطلاق في نحو١:
أَقِلّي اللوم عاذلَ والعِتابا ... ............................٢
و٣:
يا دارَ عَمْرَة من مُحْتلّها الجَرَعا ... ...................................٤
وقد ذكرنا ذلك بما فيه في هذا الكتاب وغيره.
ونحو منه لحاقها في أواخر الآي نحو ﴿الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] و ﴿السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] و ﴿قَوَارِيرَا﴾ [الإنسان: ١٥] وقد ذكرناه أيضًا.
ومن ذلك زيادتها بعد هاء الضمير علامة للتأنيث، وذلك نحو: "رأيتها" و"مررت بها" فالاسم هو الهاء، وأما الألف فزيدت علمًا للتأنيث.
ومن حذف الواو في نحو قوله٥:
له زَجَل كأنه صوت حادٍ ... إذا طَلَب الوَسيقة أو زَمِيرُ٦
وقول الآخر٧:
فظَلتُ لدى البيت العتيق أُخيلُهُ ... ومِطوايَ مُشتاقانِ لَهْ أَرِقانِ٨
стр. 661
وقول الآخر رويناه عن قطرب١:
وأشربُ الماء ما بي نحوَهُ عَطَش ... إلا لأنّ عيونه سَيْل واديها٢
وغير ذلك من هذه الأبيات، لم يقل في نحو "رأيتها" و"نظرت إليها" إلا بإثبات الألف، وذلك لخفة الألف وثقل الواو، إلا أنا قد روينا عن قطرب بيتا حذفت فيه هذه الألف تشبيها بالواو والياء لما بينهما من الشبه، وهو قوله٣:
أعلَقْتُ بالذئب حَبلا ثم قلتُ له ... الحَق بأهلكَ، واسلم أيها الذيبُ٤
إما تقودُ به شاةً فتأكُلُها ... أو أن تَبيعَه في بعض الأراكيب٥
يريد: تبيعها، فحذف الألف، وهذا شاذ. ونحو منه بيت أنشدناه أبو علي عن أبي الحسن، وهو٦:
فلستُ بمدرِك ما فات مني
بـ "لَهْفَ" ولا بـ "ليت" ولا لَوَ انّي٧
يريد: بلَهفِى.
وقرأ بعضهم: "يَا أَبَتَ" [يوسف: ٤] ٨ بفتح التاء، يريد: يا أبتاه٩.
стр. 662
وأنشد سيبويه١:
وقبيلٌ من لُكَيز شاهدٌ ... رَهطٌ مرجومٍ ورهطُ ابنِ المُعَل٢
يريد: ابن المُعَلّى، فحذف الألف، على أن هذا شاذ قليل النظير. فهذه وجوه زيادة الألف في كلام العرب، فاعرفها.
واعلم أن الألف متى حركت انقلبت همزة، وذلك لضعفها عن تحمل الحركة، وقد ذكرنا ذلك في باب الهمزة في قولنا: "شَأَبّة" و"دَأَبّة" وفي القرآن "وَلَا الضَّأَلِّين" [الفاتحة: ٧] و"لَا يُسأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ وَلَا جَأَْنّ"٣ [الرحمن: ٣٩] ونحو ذلك مما أثبتناه هناك.
стр. 663
باب الياء
مدخل
...
باب الياء:
اعلم أن الياء حرف مجهور، يكون في الكلام على ثلاثة أضرب: أصلا، وبدلا، وزائدا.
فإذا كانت أصلا وقعت فاء، وعينا، ولاما، فالفاء نحو "يُسر" و"يَعَر"١ والعين نحو "بَيت" و"سَارَ"، واللام نحو "ظَبي" و"رميت".
وقد يكون التضعيف في الياء كما يكون في سائر الحروف، من ذلك الفاء والعين، وهو قولهم في اسم مكان "يَينٌ"، وليس له في الأسماء نظير، وقالوا في الفعل "يَييتُ ياءً حسنة" أي: كتبت ياء، على أن ذلك شاذ.
ومن ذلك الفاء واللام، وقالوا "يَد" وأصلها "يَدْيٌ" بوزن "فَعْل"، يدلك على ذلك قولهم "أَيْد"، فهذا يدل على أن العين ساكنة، ويدل على أن اللام ياء قولهم "يَديتُ إليه يَدا"٢، ولم يقولوا "يَدَوتُ".
ومن ذلك العين واللام، وهو أكثر من الاثنين الماضيين، وذلك قولهم: "حَيَيتُ" و"عُييتُ" و"الحيّة" من هذا أيضًا، عينها ياء، وليست واوًا كعين "لية"، يدل على ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في النسب إلى "حَية بن بهدلة": "حَيَوي"٣، ولو كانت العين واو لقالوا "حَوَوي" كما تقول في النسب إلى "لَية": "لَوَوي".
فإن قلت: فهلا كانت "الحية" مما عينه واو استدلالا بقولهم "رجُل حَوّاء"٤ لظهور الواو عينا في "حَوّاء"؟
стр. 664
فالجواب: أن أبا على ذهب إلى أن "حَية" و"حَواء" كـ "سَبِط"١ و"سِبطَر" و"لؤلؤ" و"لأال"٢ و"دَمِث"٣ و"دِمَثر"٤ و"دِلاص"٥ و"دُلامِص" في قول أبي عثمان٦، وأن هذه ألفاظ اقتربت أصولها، واتفقت معانيها، وكل واحد لفظه غير لفظ صاحبه، فكذلك "حية" مما عينه ولامه ياءان، و"حواء" مما عينه واو ولامه ياء، كما أن "لؤلؤا" رباعي "ولأال" ثلاثي، ولفظاهما مقتربان، ومعنياهما متفقان.
ونظير ذلك في العين قولهم: "جُبتُ جَيبَ القميص"٧ فـ "جُبتُ" عينه واو، لأنه من جاب يجوب، و"الجَيبُ" عينه ياء، لقولهم في جمعه "جُيُوب" قال الله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِن﴾ [النور: ٣١] ٨.
وقال ابن الدمينة٩:
ألا لا أُبالي ما أَجَنّت قلوبهم ... إذا نَصحت ممن أُحِب جُيُوب١٠
وإنما جعلنا "حواء" من باب ما عينه واو ولامه ياء، وإن كان يمكن لفظه أن يكون مما عينه ولامه واوان، من قِبَل أن هذا هو الأكثر في كلامهم.
ولم تأت الفاء والعين واللام كلها ياءات إلا في قولهم: يَيَّيتُ ياءً حسنةً، على أن فيه ضعفا من طريق الرواية.
стр. 665
وليس في كلامهم اسم في أوله ياء مكسورة إلا قولهم في اليَسار اسمِ اليد "يِسار" بكسر الياء، وقالوا "يَقظان ويِقاظ" و"يَعر ويِعَرة" للجَدي. وقالوا: "يَيأس ويِيئس": وإنما رُفض ذلك استثقالا للكسرة في الياء.
стр. 666
إبدال الياء
مدخل
...
إبدال الياء:
قد أبدلت الياء من الألف، والواو، والهمزة، والهاء، والسين، والباء، والراء، والنون، واللام، والصاد، والضاد، والميم، والدال، والعين، والكاف، والتاء، والثاء، والجيم.
فأما إبدالها من الألف فقولهم في "حِملاق"١: "حُمَيليق" و"حَماليق"، وفي "مِفتاح": "مُفَيتيح" و"مَفَاتيح"، وفي "خَلخال"٢: "خُلَيخيل" و"خَلاخيل". وكذلك الياء في "قِيْتال" و"ضِيْراب" إنما هي بدل من ألف "قاتلتُ" و"ضاربتُ".
فإن قلت: إن المصدر هو الأصل، والفعل هو الفرع، فكيف جعلت ما هو موجود في الأصل بدلا مما هو موجود في الفرع، وهل هذا إلا عكس ما يوجبه القياس؟
فالجواب: أن ذلك لا تعلق له بالأصل والفروع؛ ألا ترى أنهم أعلوا "عِدة" وهي المصدر لاعتلال "يَعِدُ" وهو الفعل، وأعلوا أيضًا "يقوم" لاعتلال "قام"، ومرتبة الحال والاستقبال جميعًا أن يكونا قبل الماضي، والعلة في هذا ونحوه أن المصدر وإن كان أصلا للفعل، فإن أمثلة الأفعال المختلفة في الماضي والحال والاستقبال والمصادر، تجرى مجرى المثال الواحد، حتى إنه إذا لزم بعضها شيء لزم جميعها، وحتى إنه إذا حصل في بعضها بعض التعويض صار كأن ذلك التعويض قد عم جميعها إذ كانت كلها كالمثال الواحد؛ ألا ترى أنهم لما حذفوا الهمزة من "أُكْرمُ" وبابه صار وجودها في "الإكرام" كالعوض من حذفها في "يكرم"، وكذلك أيضًا وجودها في
стр. 667
"أكرَمَ" و"أكرِمْ" يصير عوضًا من حذفها في "أُكرمُ، ونُكرم، وتُكرم، ويُكرم" فاعرف ذلك. وكذلك كل ألف انكسر ما قبلها، أو وقعت قبلها ياء التحقير نحو: "كُتيب" و"حُسيب".
стр. 668
إبدال الياء من الواو:
كل واو سكنت غير مدغمة، وانكسر ما قبلها قلبت ياء، وذلك نحو "مِيقات" و"ميزان" و"ميعاد"، أصل ذلك "مِوقات" و"مِوزان" و"مِوعاد"، فلما سكنت الواو غير مدغمة، وانكسر ما قبلها ياء. فإن تحركت الواو، أو زالت الكسرة من قبلها، صحت، وذلك نحو "مُوَيزين" و"مَوازين" و"مُوَيقيت" و"مَواقيت"، ومن ذلك "حِوَل" و"عِوَض" و"طِوَل".
فأما قولهم: "ثِياب" و"حِياض" و"رِياض" فإنما قُلبت الواو ياء وإن كانت متحركة من قِبَل أنه اجتمعت خمسة أشياء: منها أن الكلمة جمع، والجمع أثقل من الواحد، ومنها أن واو الواحد منها ضعيفة ساكنة في "ثوب" و"حوض" و"روضة"، ومنها أن قبل الواو كسرة؛ لأن الأصل "ثِيواب" و"حِواض"، ومنها أن بعد الواو ألفا، والألف قريبة الشبة بالياء، ومنها أن اللام صحيحة، إنما هي باء وضاد، وإذا صحت اللام أمكن إعلال العين، ومتى لم تذكر هذه الأسباب كلها، وأخلت ببعضها، انكسر القول، ولم تجد هناك علة ألا ترى أن "طِوال" جمع، وقبل واوه كسرة، وبعد واوه ألف، ولامه صحيحة، ومع ذلك فعينه سالمة لما تحركت في الواحد الذي هو "طَوِيل"، فلما نقص بعض تلك الأوصاف لم يجب الإعلال. وكذلك "زَوج" و"زِوَجة" و"عَوْد"١ و"عِوَدة" قد اجتمع فيها سكون واو الواحدة والكسرة التي قبل الواو في الجمع وأنه جمع، ولامه صحيحة، إلا أنه لم تقع بعد عينه ألف، صحت الواو، فأما "ثِيَرة" فشاذ.
وقال أبو العباس٢: إنما أعلوا "ثِيَرة" جمع "ثَور" هذا الحيوان للفرق بينه وبين "ثِوَرة" جمع "ثَور" وهو القطعة من الأَقِط.
стр. 669
وكذلك "رِواءٌ"١ جمع "ريَان" و"طِواء" جمع "طَيان"٢ هو مثال جمع، وقد انكسر ما قبل واوه، وبعدها ألف، والواو في واحده ساكنة بل معتلة؛ لأن الأصل "رَوْيان" و"طَوْيان" إلا أنه لما كانت لامه معتلة صُححت عينه، ولم تُعلل، فاعرف ما ذكرته، فإن أحدا من أصحابنا لم يحتط في بابه وذكر علته الموجبة لقلبه هذا الاحتياط، ولا قيّده هذا التقييد.
فأما "غازِية"٣ و"مَحنِية"٤ فأصلهما "غازِوة" و"مَحنِوة". وإنما قلبت الواو وإن كانت متحركة من قِبَل أنها وقعت لاما، فضعُفت، فقلبت، ولم تجر مجرى العين في الصحة للحركة نحو "عِوَض" و"حِوَل" و"طِوَل".
فأما "حِنذوة"٥ فإنما صحت فيها الواو وإن كانت آخرا، من قبل أنهم لو قلبوها، فقالوا "حِنذية" لم يُعلم أأصلها "فِعلِوة" أم "فِعلِية"، ولجرت مجرى "حِذرِية"٦ و"هِبرِية"٧ و"عِفرِية"٨.
قال أبو العباس "حُنذُوة" أيضًا، بضم الحاء والذال: شعبة من الجبل.
فإن كانت الواو مدغمة لم تقلب الأولى منهما وإن انكسر ما قبلها لتحصنها بالإدغام، وقد ذكرنا ذلك في فصل "اجلِواذّ" من حرف الواو، وقول بعضهم "اجلِيواذ". ونظير "اجليواذ" قولهم "ديوان" لأن أصله "دِوّان" ومثاله "فِعّال" والنون فيه لام لقولهم "دَوَّنْتُه" و"دَواوين" و"دُوَيْوين".
ولم تقلب الواو في "ديوان" وإن كانت قبلها ياء ساكنة من قبل أن الياء غير لازمة، وإنما أبدلت من الواو تخفيفًا؛ ألا تراهم قالوا "دواوين" فما زالت الكسرة من قبل الواو، على أن بعضهم قد قال "دَياوين" فأقر الياء محلها وإن كانت الكسرة
стр. 670
قد زالت من قبلها، وأجرى غير اللازم مجرى اللازم وقد كان سبيله إذا أجراها مجرى الياء اللازمة أن يقول "دِيان" إلا أنه كره تضعيف الياء كما كره الأول تكرير الواو.
قال الشاعر١:
عَداني أن أزورَكِ أُم عمرو ... دَياوينٌ تُشَقَّقُ بالمِداد٢
واعلم أن الواو متى وقعت قبلها الياء ساكنة قلبت الواو ياء وكذلك إن وقعت الواو ساكنة قبل الياء، فالأول نحو "سَيد" و"مَيت" والثاني نحو "لَية" و"طَية". وقد ذكرنا هذا كله مستقصى في حرف الواو، وذكرنا هناك "َضْيَون" و"رَجاء بن حَيْوة".
فأما قولهم في "فُعِلَ" من "فاعَلتُ" و"فَيعَلْتُ" و"فَوْعَلتُ" من "سِرْتُ" و"بِعْت": "سُوْيِرَ" و"بُوْيِع" فلم تقلب فيه الواو ياء لأن الواو ليست بلازمة في "فَاعلتُ"، وأجروا "فَيعلْتُ" و"فَوعَلْتُ" مجرى "فاعلتُ"، ولو أدغموا فقالوا "بُيِّعَ" و"سُيِّرَ" التبس أيضًا بـ "فُعِّل".
وقد أبدلت الياء من الواو إذا كانت لام "فُعلَى" وذلك نحو "العُليا" و"الدنيا" و"القُصيا"، وقالوا "القُصوى" فأخرجوها على أصلها، فأما "حُزْوَى"٣ فعلم، ولا ينكر في الأعلام كثير من التغيير نحو "حَيْوة" و"مَزْيَد" و"مَحْبَب"، وقد ذكرنا هذا قديما في هذا الكتاب. ونظير القُصوى في الشذوذ قولهم: خذ الحُلوَى وأعطه المُرَّى.
واعلم أنهم قد أبدلوا الياء من الواو إذا وقعت الكسرة قبل الواو وإن تراخت عنها بحرف ساكن، لأن الساكن لضعفه ليس حاجزا حصينا، فلم يعتد فاصلا، فصارت الكسرة كأنها قد باشرت الواو، ولا يقاس ذلك، وذلك قولهم "صبية" و"صبيان"