← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

إبدال الياء مدخل ... إبدال الياء: قد أبدلت الياء من الألف، والواو، والهمزة، والهاء، والسين، والباء، والراء، والنون، واللام، والصاد، والضاد، والميم، والدال، والعين، والكاف، والتاء، والثاء، والجيم. فأما إبدالها من الألف فقولهم في "حِملاق"١: "حُمَيليق" و"حَماليق"، وفي "مِفتاح": "مُفَيتيح" و"مَفَاتيح"، وفي "خَلخال"٢: "خُلَيخيل" و"خَلاخيل". وكذلك الياء في "قِيْتال" و"ضِيْراب" إنما هي بدل من ألف "قاتلتُ" و"ضاربتُ". فإن قلت: إن المصدر هو الأصل، والفعل هو الفرع، فكيف جعلت ما هو موجود في الأصل بدلا مما هو موجود في الفرع، وهل هذا إلا عكس ما يوجبه القياس؟ فالجواب: أن ذلك لا تعلق له بالأصل والفروع؛ ألا ترى أنهم أعلوا "عِدة" وهي المصدر لاعتلال "يَعِدُ" وهو الفعل، وأعلوا أيضًا "يقوم" لاعتلال "قام"، ومرتبة الحال والاستقبال جميعًا أن يكونا قبل الماضي، والعلة في هذا ونحوه أن المصدر وإن كان أصلا للفعل، فإن أمثلة الأفعال المختلفة في الماضي والحال والاستقبال والمصادر، تجرى مجرى المثال الواحد، حتى إنه إذا لزم بعضها شيء لزم جميعها، وحتى إنه إذا حصل في بعضها بعض التعويض صار كأن ذلك التعويض قد عم جميعها إذ كانت كلها كالمثال الواحد؛ ألا ترى أنهم لما حذفوا الهمزة من "أُكْرمُ" وبابه صار وجودها في "الإكرام" كالعوض من حذفها في "يكرم"، وكذلك أيضًا وجودها في

стр. 667

"أكرَمَ" و"أكرِمْ" يصير عوضًا من حذفها في "أُكرمُ، ونُكرم، وتُكرم، ويُكرم" فاعرف ذلك. وكذلك كل ألف انكسر ما قبلها، أو وقعت قبلها ياء التحقير نحو: "كُتيب" و"حُسيب".

стр. 668

إبدال الياء من الواو: كل واو سكنت غير مدغمة، وانكسر ما قبلها قلبت ياء، وذلك نحو "مِيقات" و"ميزان" و"ميعاد"، أصل ذلك "مِوقات" و"مِوزان" و"مِوعاد"، فلما سكنت الواو غير مدغمة، وانكسر ما قبلها ياء. فإن تحركت الواو، أو زالت الكسرة من قبلها، صحت، وذلك نحو "مُوَيزين" و"مَوازين" و"مُوَيقيت" و"مَواقيت"، ومن ذلك "حِوَل" و"عِوَض" و"طِوَل". فأما قولهم: "ثِياب" و"حِياض" و"رِياض" فإنما قُلبت الواو ياء وإن كانت متحركة من قِبَل أنه اجتمعت خمسة أشياء: منها أن الكلمة جمع، والجمع أثقل من الواحد، ومنها أن واو الواحد منها ضعيفة ساكنة في "ثوب" و"حوض" و"روضة"، ومنها أن قبل الواو كسرة؛ لأن الأصل "ثِيواب" و"حِواض"، ومنها أن بعد الواو ألفا، والألف قريبة الشبة بالياء، ومنها أن اللام صحيحة، إنما هي باء وضاد، وإذا صحت اللام أمكن إعلال العين، ومتى لم تذكر هذه الأسباب كلها، وأخلت ببعضها، انكسر القول، ولم تجد هناك علة ألا ترى أن "طِوال" جمع، وقبل واوه كسرة، وبعد واوه ألف، ولامه صحيحة، ومع ذلك فعينه سالمة لما تحركت في الواحد الذي هو "طَوِيل"، فلما نقص بعض تلك الأوصاف لم يجب الإعلال. وكذلك "زَوج" و"زِوَجة" و"عَوْد"١ و"عِوَدة" قد اجتمع فيها سكون واو الواحدة والكسرة التي قبل الواو في الجمع وأنه جمع، ولامه صحيحة، إلا أنه لم تقع بعد عينه ألف، صحت الواو، فأما "ثِيَرة" فشاذ. وقال أبو العباس٢: إنما أعلوا "ثِيَرة" جمع "ثَور" هذا الحيوان للفرق بينه وبين "ثِوَرة" جمع "ثَور" وهو القطعة من الأَقِط.

стр. 669

وكذلك "رِواءٌ"١ جمع "ريَان" و"طِواء" جمع "طَيان"٢ هو مثال جمع، وقد انكسر ما قبل واوه، وبعدها ألف، والواو في واحده ساكنة بل معتلة؛ لأن الأصل "رَوْيان" و"طَوْيان" إلا أنه لما كانت لامه معتلة صُححت عينه، ولم تُعلل، فاعرف ما ذكرته، فإن أحدا من أصحابنا لم يحتط في بابه وذكر علته الموجبة لقلبه هذا الاحتياط، ولا قيّده هذا التقييد. فأما "غازِية"٣ و"مَحنِية"٤ فأصلهما "غازِوة" و"مَحنِوة". وإنما قلبت الواو وإن كانت متحركة من قِبَل أنها وقعت لاما، فضعُفت، فقلبت، ولم تجر مجرى العين في الصحة للحركة نحو "عِوَض" و"حِوَل" و"طِوَل". فأما "حِنذوة"٥ فإنما صحت فيها الواو وإن كانت آخرا، من قبل أنهم لو قلبوها، فقالوا "حِنذية" لم يُعلم أأصلها "فِعلِوة" أم "فِعلِية"، ولجرت مجرى "حِذرِية"٦ و"هِبرِية"٧ و"عِفرِية"٨. قال أبو العباس "حُنذُوة" أيضًا، بضم الحاء والذال: شعبة من الجبل. فإن كانت الواو مدغمة لم تقلب الأولى منهما وإن انكسر ما قبلها لتحصنها بالإدغام، وقد ذكرنا ذلك في فصل "اجلِواذّ" من حرف الواو، وقول بعضهم "اجلِيواذ". ونظير "اجليواذ" قولهم "ديوان" لأن أصله "دِوّان" ومثاله "فِعّال" والنون فيه لام لقولهم "دَوَّنْتُه" و"دَواوين" و"دُوَيْوين". ولم تقلب الواو في "ديوان" وإن كانت قبلها ياء ساكنة من قبل أن الياء غير لازمة، وإنما أبدلت من الواو تخفيفًا؛ ألا تراهم قالوا "دواوين" فما زالت الكسرة من قبل الواو، على أن بعضهم قد قال "دَياوين" فأقر الياء محلها وإن كانت الكسرة

стр. 670

قد زالت من قبلها، وأجرى غير اللازم مجرى اللازم وقد كان سبيله إذا أجراها مجرى الياء اللازمة أن يقول "دِيان" إلا أنه كره تضعيف الياء كما كره الأول تكرير الواو. قال الشاعر١: عَداني أن أزورَكِ أُم عمرو ... دَياوينٌ تُشَقَّقُ بالمِداد٢ واعلم أن الواو متى وقعت قبلها الياء ساكنة قلبت الواو ياء وكذلك إن وقعت الواو ساكنة قبل الياء، فالأول نحو "سَيد" و"مَيت" والثاني نحو "لَية" و"طَية". وقد ذكرنا هذا كله مستقصى في حرف الواو، وذكرنا هناك "َضْيَون" و"رَجاء بن حَيْوة". فأما قولهم في "فُعِلَ" من "فاعَلتُ" و"فَيعَلْتُ" و"فَوْعَلتُ" من "سِرْتُ" و"بِعْت": "سُوْيِرَ" و"بُوْيِع" فلم تقلب فيه الواو ياء لأن الواو ليست بلازمة في "فَاعلتُ"، وأجروا "فَيعلْتُ" و"فَوعَلْتُ" مجرى "فاعلتُ"، ولو أدغموا فقالوا "بُيِّعَ" و"سُيِّرَ" التبس أيضًا بـ "فُعِّل". وقد أبدلت الياء من الواو إذا كانت لام "فُعلَى" وذلك نحو "العُليا" و"الدنيا" و"القُصيا"، وقالوا "القُصوى" فأخرجوها على أصلها، فأما "حُزْوَى"٣ فعلم، ولا ينكر في الأعلام كثير من التغيير نحو "حَيْوة" و"مَزْيَد" و"مَحْبَب"، وقد ذكرنا هذا قديما في هذا الكتاب. ونظير القُصوى في الشذوذ قولهم: خذ الحُلوَى وأعطه المُرَّى. واعلم أنهم قد أبدلوا الياء من الواو إذا وقعت الكسرة قبل الواو وإن تراخت عنها بحرف ساكن، لأن الساكن لضعفه ليس حاجزا حصينا، فلم يعتد فاصلا، فصارت الكسرة كأنها قد باشرت الواو، ولا يقاس ذلك، وذلك قولهم "صبية" و"صبيان"

стр. 671

والأصل "صِبْوَة" و"صِبْوان" لأنه من صَبَوتُ صَبْوًا، فقلبت الواو لكسرة الصاد، ولم تفصل الباء بينهما لضعفها بالسكون، وقد قالوا أيضًا "صِبْوان" فأخرجوها على أصلها، وقالوا أيضًا "صُبْوان" وهو نحو من "صِبْوان"، فأما قول بعضهم "صُبيان" بضم الصاد وبالياء ففيه من النظر أنه ضم الصاد بعد أن قلب الواو ياء في لغة من كسر الصاد، فقال "صِبيان" فلما قلبت الواو ياء للكسرة، وضُمت الصاد بعد ذلك أُقرت الياء بحالها التي كانت عليها في لغة من كسر. ومن ذلك قولهم "قِنْية"١، هو من "قَنَوتُ" هكذا يقول أصحابنا، وقد روي أيضًا "قُنْية" و"قِنوة" و"قُنوة" وقالوا أيضًا "قَنَوْتُ" و"قَنَيْتُ". فمن قال "قَنَيتُ" فلا نظر في "قِنية" و"قُنية" في قوله، ومن قال "َقَنوتُ" فإن كان ممن يقول "قُنية" فالكلام في إبدال الواو ياء في قوله هو الكلام في قول من قال "صُبيان". وقال الراجز٢: بعُنُق أسطَعَ في جِرانِهِ ... كالجِذع مال البسر من قُنيانِهِ والوحد "قِنْو"، والقول فيه القولُ في "صُبيان" بضم الصاد. ومثله "عَليّ" و"عِلية" وأصله "عِلوة" لأنه من عَلَوت. فقالوا: فلان قِدْية في الخير، يريدون: قِدوة. ومثله: ناقة بِلوُ سَفَر، وبِليُ سَفَر، وهما من "بَلَوت". وقالوا: ناقة عِليانة٣، وهي من "عَلَوت". وقالوا: أرض عِذْيٌ٤، وطعام عِذْي، وقالوا في جمع "عَذاة": "عَذَوات" بالواو. ومن كلام بعضهم في صفة أرض: قد حفّتها الفَلَوات، وبعجتها العَذَوات٥. وقالوا: "حِذْية"٦ وهي من "حَذَوتُ".

стр. 672

ومتى صارت الواو رابعة فصاعدا قلبت ياء، وذلك نحو: أَغزيَتُ، واستغزيت، وتقصّيْتُ، وادَّعيتُ، ومَغزَيان، ومَلهَيان، ومُسْتغزيان، وقد تقدمت علة ذلك. وقال بعضهم في "يَوْجَل"١: "يَيْجل"، وفي "يَوْحَل" "يَيْحَلُ"، وقالوا أيضًا: "يِيجل" و"يِيحل"، كل ذلك هربا من الواو.

стр. 673

إبدال الياء من الهمزة: اعلم أن كل همزة سكنت وانكسر ما قبلها وأردت تخفيفها قلبتها ياء خالصة، تقول في "ذئب": "ذيب" وفي "بئر": "بير" وفي "مئرة": "ميرة". وكذلك إذا انفتحت وانكسر ما قبلها، تقول في "مِئر": "مِيَر" وفي يريد أن يقرئك: يريد أن يقريك، وفي "بِئار": "بِيار" كقول القائل١ ألم ترنا غَبَّنا ماؤنا ... سِنينَ، فظَلْنا نَكُدّ البِيارا٢ وكذلك إن وقعت الهمزة بعد ياء "فَعيل" ونحوه مما زيدت فيه لِمَد، أو بعد ياء التحقير، فتخفيفها أن تخلصها ياء، وذلك قولك في "خطيئة": "خطية" وفي "نبيء": "نبى" وفي "أُفَيْئس" تصغير أَفْؤُس: "أُفَيّس"، وفي تخفيف "أُرَيئس" تحقير "أَرؤُس": "أُرَيِّس"، ولا تحرك واحدة من هاتين الياءين البتة؛ لأن حرف المد متى تحرك فارق المد، ولأن ياء التحقير أخت ألف التكسير، فكما أن الألف لا تحرك، كذلك أجروا الياء هنا إذ كانت فيه رسيلتها، على أن بعضهم قد قال في تخفيف "خطيئة": "خَطِيَة" فحرك الياء بحركة الهمزة، وهذا من الشذوذ في القياس والاستعمال جميعًا بحيث لا يلتفت إليه.

стр. 674

ومتى اجتمعت همزتان وانكسرت الأولى منهما قلبت الثانية ياء البتة، وكان البدل لازما، وذلك قولك: إيمان، وإيلاف١، وإيناس، وأصله: إئمان، وإئلاف، وإئناس، فقلبت الثانية ياء البتة لانكسار ما قبلها، ولم يجز التحقيق لاجتماع الهمزتين، فقس على هذا. وقد أبدلوا الهمزة ياء لغير علة إلا طلبا للتخفيف، وذلك قولهم في "قرأت": "قريت" وفي "بدأت": "بديت" وفي "توضأت": "توضيت". وعلى هذا قال زهير٢: جريء متى يُظلَم يُعَاقب بظُلمِهِ ... سريعا، وإلا يُبْدَ بالظلم يَظلِمِ٣ أراد يُبدأ، فأبدل الهمزة، وأخرج الكلمة إلى ذوات الياء. ومن أبيات الكتاب٤: وكنتَ أذلَّ من وَتَد بقاعٍ ... يُشَجِّج رأسه بالفِهر واجي٥ يريد: واجئ، فأبدل الهمزة ياء، وأجراها مجرى الياء الأصلية. والدليل على ذلك أنه جعلها وصلا لحركة الجيم؛ ألا ترى أن البيت جيمي، ولو كانت الهمزة منوية عنده لم يجز أن تكون الياء وصلا كما لا يجوز أن تكون الهمزة المرادة المنوية وصلا.

стр. 675

وحدثنا أبو علي١، قال: قال أبو العباس: لقي أبو زيد سيبويه، فقال له: سمعت من العرب من يقول "قَرَيتُ" و"توضيت"، فقال له سيبويه: كيف يقول منه يَفعَل؟ فقال: "أَقرأُ". فقال سيبويه: لا، ينبغي أن يقول: "أَقْري". يريد سيبويه بذلك أن هذا الإبدال لا قوة له، ولا قياس يوجبه، ولو كان على القياس لوجب أن تخرج الكلمة إلى ذوات الياء، فيقول: "أَقْري" كما تقول: "رميت أرمي"؛ ألا ترى أن البدل لما وجب في "جاء" ونحوه جرى لذلك مجرى "قاضٍ" فاعرفه. ونحو من هذا قول ابن هَرمة٢: إن السباع لَتَهدى عن فَرائسها ... والناسُ ليس بهادٍ شَرهم أَبَدا٣ يريد: ليس بهادئ، فأبدل الهمزة ياء ضرورة، وجميع هذا لا يقاس إلا أن يضطر شاعر. وقالوا في "أعْصُرَ" -اسم رجل- "يَعْصُرُ" فالياء بدل من الهمزة، قال أبو علي: إنما سمي أعصر بقوله٤: أبُنَيَّ إن أباك شَيَّبَ رأسَهُ ... كرُّ الليالي واختلافُ الأعصُرِ٥

стр. 676

إبدال الياء من الهاء: قالوا: دَهدَيتُ الحجر، أي: دَحرجتُهُ، وأصله: دَهدَهْتُهُ، ألا تراهم قالوا: هي دُهْدوهة الجعل لما يُدَحْرجه، قال أبو النجم١: كأنّ صوتَ جَرْعها المُستَعجل ... جَنْدَلَة دَهْدَيتُها في جَنْدَلِ٢ وقالوا في صَهْصَهتُ بالرجل إذا قلت له صَهْ صَهْ: صَهْصَيْتُ، فأبدلوا من الهاء ياء.

стр. 677

إبدال الياء من السين: قال الشاعر١: إذا ما عُدَّ أربعةٌ فِسالٌ ... فزوجُكِ خامسٌ، وأبوكِ سَادي٢ أي: سادس. وقال الآخر٣:

стр. 678

نُوازِل أَعوام أذاعتْ بخمسةٍ ... وتعتدّني إن لم يتق الله ساديا١ أي: سادسا، وقال الآخر٢: عمرو وكعب وعبد الله بينهما ... وابناهما خمسة، والحارثُ السادي وقال الآخر٤: مضى ثلاثُ سنينَ منذُ حُلّ بها ... وعامُ حُلّتْ، وهذا التابعُ الخامي٥ أي: الخامس.

стр. 679

إبدال الياء من الباء: أنشد سيبويه١: لها أشاريرُ من لحْمٍ تُتَمِّرُهُ ... من الثعالي، ووخزٌ من أرانيها٢

стр. 680

قال١: "أراد: الثعالب والأرانب، فلم يمكنه أن يقف على الباء، فأبدل منها حرفا يمكن أن يقفه في موضع الجر، وهو الياء"، قال: "وليس ذلك أنه حذف من الكلمة شيئًا، ثم عوض منه الياء". ويحتمل عندي أن تكون "الثعالي" جمع "ثعالة" وهو الثعلب، وأراد أن يقول "ثعائل" فقلب، فقال: "ثعالي" كما قال٢: وكأنّ أُولاها كِعابُ مُقامرٍ ... ضُربِتْ على شُزُن فهنّ شَواعي٣ أراد: شوائع. ومن أبيات الكتاب٤: تَكاد أَواليها تَفَرّى جُلودُها ... ويكتحل التالي بمُور وحاصِبِ٥ يريد: أوائلها، وله نظائر، إلا أن الذي ذهب إليه سيبويه أشبه لقوله: "أرانيها"، ولأن "ثعالة" اسم جنس، وجمع أسماء الأجناس ضعيف. وقالوا: "ديباج" و"دباببيج"، فدل قولهم: "دبابيج" بالباء على أن أصله "دِبّاج" وأنه إنما أبدل الباء ياء استثقالا لتضعيف الباء.

стр. 681

وأخبرنا أبو علي١ أن أبا العباس أحمد بن يحيى حكى عنهم: لا وَرَبْيِكَ لا أفعل، أراد: لا وربك لا أفعل، فأبدل الباء الثانية ياء لأجل التضعيف. وقال بعضهم٢ في لَبَّيتُ بالحج: إنما هو لَبَّبْتُ: فَعَّلْتُ من قولهم: أَلَبَّ بالمكان؛ أي أقام به، قرأت٣ على أبي علي للمُضَرب بن كعب: فقلت لها: فِيئي إليك فإنني ... حَرامٌ، وإني بعد ذاكِ لَبِيب٤ أي: مُلَب بالحج٥. قال ابن السكيت: "وقوله: بعد ذاك، أي: مع ذاك"٦. فأما حقيقة "لَبَّيْتُ" عند أهل الصنعة فليس أصل يائه باء وإنما الياء في "لبيت" هي الياء في قولهم "لبيك وسعديك" اشتقوا من الصوت فعلا، فجمعوه من حروفه، كما قالوا من "سبحان الله": "سبحلت"، ومن "لا إله إلا الله": "هللت"، ومن "لا حول ولا قوة إلا بالله": "حولقت"، ومن بسم الله": "بسملت"، ومن "هلم"- وهو مركب من "ها" و"لم" عندنا٧، ومن "هل" و"أم" عند البغداذين٨- "هلممت"٩. وكتب إلي أبو علي في شيء سألته عنه، قال بعضهم: سألتك حاجة فلا لَيتَ لي، أي: قلت لي: لا، وسألتك حاجة فلَوْلَيتَ لي، أي: قلتَ لي: لولا. قال: وقالوا: بَأْبَأَ الصبيُّ أباه، أي: قال له: بابا.

стр. 682

وحكي لنا عن الأصمعي أو أبي زيد١ أنهم يقولون: "رجل وَيْلَمَة" للداهية، فاشتقوا وصفا من قولهم "وَيْلُمِّهِ" وأصله "ويل لأمه" وهذا كثير. وكذلك أيضًا اشتقوا "لبَّيتُ" من لفظ "لبَّيْكَ" فجاءوا في "لبيتُ" بالياء التي هي للتثنية في "لبَّيكَ"، وهذا على قول سيبويه٢، فأما يونس٣ فزعم أن "لبيك" اسم مفرد، وأصله عنده "لَبّبٌ" ووزنه "فَعْلَل" ولا يجوز أن تحمله على "فَعَّلٍ" لقلة "فعل" في الكلام وكثرة "فَعْلَل" فقلبت الباء التي هي اللام الثانية من "لبَّبٍ" ياء هربا من التضعيف، فصار "لبَّيٌ" ثم أبدلت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت "لبَّي" ثم إنها لما وُصلت بالكاف في "لبيك" والهاء في "لبيه" نحو ما أنشدناه أبو علي٤: إنك لو دعوتني ودُوني ... زَوراء ذاتُ مَنزَعٍ بَيُونٍ لقلتُ: لبَّيْه لمن يدعوني٥ قُلبت الألف ياء كما قُلبت في "إلى" و"على" و"لدى" إذا وصلتها بالضمير، فقلت: إليك، وعليك، ولديك. ووجه الشبه بينهما أن "لبيك" اسم ليس له تصرف غيره من الأسماء لأنه لا يكون إلا منصوبًا، ولا يكون إلا مضافًا، فقلبوا ألفه ياء، فقالوا "لبيك" كما قالوا "عليك" و"إليك" و"لديك".

стр. 683

ونظير هذا "كلا" و"كلتا" في قلبهم ألفها ياء متى اتصلت بضمير وكانت في موضع نصب أو جر، نحو: ضربت الرجلين كليهما، ولم يقلبوا الألف في موضع الرفع ياء فيقولوا: قام الرجلان كليهما، ولا قامت المرأتان كلتيهما؛ لأنهما بعُدا برفعهما عن شبه "إليك" و"عليك" و"لديك" إذ كن لا حظ لهن في الرفع. واحتج سيبويه على يونس، فقال١: لو كانت ياء لبيك بمنزلة ياء عليك وإليك ولديك لوجب متى أضفتَها إلى المظهر أن تُقرها ألفا، كما أنك متى أضفت "عليك" وأختيها إلى المظهر أقررت ألفها بحالها، ولكنت تقول على هذا: لبَّى زيد، ولبَّى جعفر، كما تقول: إلى زيد، وعلى جعفر، ولدى سعيد. وأنشد قول الشاعر٢: دعوتُ لِما نَابني مِسْوَرا ... فلبَّى فلَبَّيْ يَدَيْ مِسوَرِ٣ قال٤: فقوله "فلَبَّيْ" بالياء مع إضافته إياه إلى المظهر دلالة على أنه اسم مُثنى بمنزلة: غلامَيْ زيد، وصاحبَيْ سعيد. وهذا شرح المذهبين وبسطهما ومعاني قول سيبويه ويونس فيهما، وإن لم يكن لفظهما فإنه غرضهما. ثم إن أبا علي فيما بعد انتزع لنا شيئًا يؤنّس به قول يونس، ولم يقطع به، وإنما ذكره تعللا، وهو أنه قال: ليونس أن يحتج فيقول: قوله "فلَبَّيْ يَدَيْ" إنما جاء على قول من قال في الوصف: هذه أفعَيْ عظيمة، وهذه عَصَيْ طويلة، أي: أفعى، وعصا، وقد حكى سيبويه٥ أنهم يقولون ذلك في الوصل كما يقولونه في الوقف،

стр. 684

وهذا ليس عذرا مقنعا، وإنما فيه بعض التأنيس، والقول بعدُ قولُ سيبويه. فقول من قال: إن لبَّيتُ بالحج من قولنا: "أَلَبَّ بالمكان" إلى قول يونس أقرب منه إلى قول سيبويه، ألا ترى أن الياء في "لبيك" عند يونس إنما هي إبدال من الألف المبدلة من الياء المبدلة من الباء الثالثة في "لبَّبَ" على تقدير قول يونس، وهذا كله منتزع من قول سيبويه والخليل: إن لبيك من قولهم ألَبَّ بالمكان١، إلا أنهما لم يزعما أن الياء في "لبيك" بدل من باء، وإنما الياء عندهم علم على التثنية، وإن وزن "لبيك" على قولهما "فَعْلَيْكَ" كما أن "سعديك" كذلك لا محالة، ووزنه عند يونس "فَعْلَلْكَ"، والياء فيه بدل من اللام الثانية، فاعرف هذه المسألة، فإنها من لطيف ما في هذا الكتاب، وإن أعان الله على شرحه وتفسيره سُقت جميعه من التقصي والتنظيف على هذه الطريق، وعلى ما هو ألطف وأدق بإذن الله.

стр. 685

إبدال الياء من الراء: وذلك قول بعضهم: "شِيراز"١ و"شَرَاريز" حكاها أبو الحسن، فأصل "شيراز" على هذا "شِرَّاز" فأبدلت الراء الأولى ياء. ومثله قولهم: "قيراط" و"قراريط" وأصله "قِرّاط" والعلة واحدة. فأما من قال في "شِيراز": "شَواريز" فإنه جعل الياء فيه مبدلة من واو، وكان أصله على هذا "شِوْراز"، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء، ثم إنه لما زالت الكسرة في الجمع رجعت الواو، فقالوا: "شَوَاريز". فإن قلت: فإن بناء "فِوْعال" ليس موجودا في الكلام، فمن أين حملت واحد "شَوَاريز" عليه؟ فالجواب: أن ذلك إنما رُفض في الواحد لأجل وقوع الواو ساكنة بعد الكسرة، فلم يمكن إظهارها، فلما لم يصلوا إلى إظهار الواو في الواحد لِما ذكرناه، وكانوا يريدونها أظهروها في الجمع ليدُلوا على ما أرادوه في الواحد، وليُعلموا أنها لم تُزَد في

стр. 686

الواحد ياء في أول أحوالها، وأنها ليست كـ "دِيماس"١ و"دَياميس" ولا كـ "دِيباج" و"دَيابيج" فيمن نطق بالياء بعد الدال، ويشبه أن يكون سيبويه إنما لم يذكر في الآحاد مثال "فِوْعال" لما لم يجده مُظهرا مصححا، فهذا جواب. ويحتمل عندي قولهم: "شَوَاريز" قولا آخر على غير هذا المذهب الأول وهو أن يكون "شِيراز" "فِيعالا" والياء في غير مبدلة من راء ولا واو بمنزلة "دِيماس"، وكان قياسه على هذا أن يقولوا في تكسيره "شَيَاريز" كـ "دَياميس"، ولكنهم أبدلوا من الياء واوًا لضرب من التوسع في اللغة، وذلك أن الواو في هذا المثال المكسَّر أعم تصرفا من الياء؛ ألا ترى إلى كثرة ضوارب، وقواتل، وخواتم، وطوابق، وحواطيم، وجواريف٢، وسوابيط٣، وحوانيت٤، ودواليب، وقلة صيارف، وبياطر، وجيائل- جمع جَيْأل، وهي الضبع- فلما ألفت الواو في هذه الأمثلة المكسرة، وكانت أعم تصرفا من الياء قلبت الياء أيضًا في "شياريز" واوًا في "شواريز" كما قلبت الواو أيضًا في نحو هذا من مكسر الأمثلة ياء لضرب من الاتساع في الكلام، فقالوا في جمع "ناطل"- وهو المكيال الصغير الذي يُري فيه الخَمّار شرابَه- "نَيَاطِل"، ولم يقولوا "نَوَاطل" مثل "خواتم" و"دوانق". قال لبيد٥: ....... ........ ... تكُرُّ عليهم بالمزاج النياطِلُ٦ وقد يجوز أيضًا على هذا أن يكون أصل واحده "شِرّاز" إلا أنهم أبدلوا من الراء الأولى ياء كما ذكرنا، ثم إنهم لما جمعوا أبدلوا الياء المبدلة من الراء واوًا لقرب ما بين الياء والواو، والقول الذي قبل هذا أشبه.

стр. 687

وذكر أبو الحسن في هذه المسألة في كتابه في التصريف ما أذكره لك لتعجب منه، قال: "وأما شيراز فإنه في وزن "فِعْلال" وهو من بنات الأربعة نحو "سِرداح"١ والياء في "شِيراز" واو، يدلك على ذلك قولهم "شَوَاريز"، ومن قال من العرب "شَرَاريز" كان "شِيراز" عنده بمنزلة "قِيراط" والذي أنكرته من هذا قوله "إن شِيرازا" من بنات الأربعة نحو سِرداح". وليست تخلو الياء في "شِيراز" إذا كانت بدلا من أن تكون بدلا من راء في قول من قال "شَرَاريز" أو من واو في قول من قال "شَوَاريز" علي ما ذكره هو، وذهب إليه. وعلى كلا القولين لا يجوز أن يكون رباعيا؛ لأنه إن كان في الأصل "شِرَّازًا" فوزنه "فِعَّال"، وإن كان "شِوْرازا" فوزنه "فِوْعال" و"وشِرَّاز" ثلاثي بلا خلاف؛ لأنه من باب "صِنّارة"٢ و"خِنّابة"٣ و"فِوْعال" ثلاثي أيضًا؛ لأن الواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة إلا في التضعيف نحو "الوصوصة"٤ و"الوزوزة"٥ و"الوحوحة"٦ وباب "قَوْقَيْتُ" و"ضَوْضيتُ" و"زَوزَيْتُ"٧؛ لأنه في الأصل "قَوقوتُ" و"ضَوْضَوْتُ" و"زَوْزَوْتُ" و"فِوْعال" ليس مضعفا فتجعل واوه أصلا. فأما "وَرَنْتَل"٨ فحرف شاذ، ولو أمكننا أن نقضي بزيادة الواو فيه لضاق العذر عن تولي ذلك، ولكن كونها أولا يمنع من القضاء بزيادتها. وهذا الذي حكيته لك عن أبي الحسن موجود في نسخ كتابه في التصريف، وهكذا قرأته على أبي علي، ووجدته أيضًا في نسخة أخرى مقروءة عليه، وفي نسخة أخرى كان يستجيدها، ويصف صحتها، وكذلك كانت، وكان يقول: هذا مصحف جيد، يثني بذلك على النسخة, وقد كثر التخليط في كتابه هذا، وزيد فيه ما ليس من قول أبي الحسن، وألحق بمتونه، فصار كأنه من الكتاب.

стр. 688

وقد شك أبو بكر محمد بن السري ﵀ في شيء من كلامه في هذا الكتاب في فصل "آوَّتاه". وأخلق ما يصرف إليه كلام أبي الحسن في قوله: "إنه رباعي نحو سرداح" أن يقال: إنه أراد أن "فِوْعال" ملحق بالواو بذوات الأربعة نحو "سِرداح"، فترك لفظ الإلحاق للعلم به إذ قد ثبت في الأصول أن الواو لا تكون في هذا النحو أصلا، على أن في هذا التمحل بُعدا وضعفا. فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون أبو الحسن في هذا على صواب، وأن تكون الكلمة رباعية وإن كانت فيها الواو منفردة غير مضعفة، كما كانت الواو في "ورنتل" أصلا وإن لم تكن مضعفة، ولكنها لما وقعت أولا لم يسُغ القضاء بزيادتها، فتكون أيضًا الواو في "شِوْراز" لما وقعت ساكنة بعد كسرة، ولم يمكن تصحيحها، قضي بكونها أصلا لأنا لا نعلم واوًا استؤنفت في أول أحوالها مفردة زائدة ساكنة بعد كسرة، فأما "اجْلِوّاذ" و"اخْرِوَّاط" فالواو فيه مضعفة غير منفردة. فالجواب: أن واو "وَرَنْتَل" وقعت موقعا لا يمكن معه القضاء بكونها زائدة، لأنا لا نعلم واوًا زيدت أولا، وقد ذكرنا العلة في امتناع العرب من ذلك في حرف الواو. فأما واو "شِوراز" المقدرة قبل القلب فهي على كل حال ثانية ساكنة في موضع الواو من "كَوثَر" و"حَوقَل"١ و"تَوْراب"٢ و"طُومار"٣ و"قَوْصَرّة"٤ و"خَوْزَلَى"٥ و"حَوْفَزَان"٦ و"تُوْرُور"٧ لأنه "فُوْعُول" من الترارة٨، كذا قال أبو علي، وهو الصواب. فواو "شِوْراز" المقدرة على كل حال في الموضع الذي تزاد فيه الواو، فلا مانع من الحكم بزيادتها.

стр. 689

فأما الدلالة على كون الياء في "شيراز" بدلا من الواو في "شِوْراز" وأن الياء فيه ليست بمنزلة ياء "دِيماس" فظهورها في الجمع إذ قالوا "شواريز"، فأما ما شبّه السائل بذكره، وطلب التلبيس به في سؤاله من أنه لا يعرف واوًا زائدة مفردة استؤنفت في أول أحوالها بعد كسرة، فلا معتبر بقوله من قِبَل أنه إذا قامت الدلالة على صحة قضية لم يلزم إيراد النظير لها وإن كان في النظير بعض الأنس، ألا ترى أن "كُدْتُ أكاد" لا نظير له، وقد دلت الدلالة على كونه "فَعُلَ يفعَلُ". وكذلك قولهم: ماء سُخاخينٌ١: فُعاعِيل وإن لم نجد له نظيرا في الكلام. وكذلك إنْقَحْلٌ: إنْفَعْلٌ عند سيبويه٢ وإن لم يكن له نظير عنده، وهذا واسع. فكذلك قولهم إن الواو في "شيراز" زائدة وإن لم نجد لها نظيرا استؤنفت هكذا. ويؤكد ذلك عندك قول بعضهم "شَراريز" فهذه دلالة قاطعة على زيادة الواو في "شواريز"، وجرت "شراريز" مجرى "صنانير"٣ و"خنانيب"٤ كما دلت الألف في "شُرابث"٥ و"جُرافس"٦ على زيادة النون في "شَرَنْبَث" و"جَرَنْفَس"، ومع هذا فقد أجمعوا على أن "عَباديد" و"شَعاليل" يجوز أن يكون واحدها "فُعلولا" كأنه "عُبدود" و"شُعلول" وإن لم تنطق العرب بواحد ذلك، وإن كان ذلك كذلك فالياء في "عباديد"٧ و"شعاليل"٨ جائز أن تكون منقلبة عن واو "فُعلول" فكأنه قبل القلب "شَعالِوْل" و"عَبَادِوْد" فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت "عباديد" و"شعاليل"؛ أفلا ترى أن الياء في "عباديد" و"شعاليل" منقلبة عن واو زائدة منفردة مستأنفة مكسور ما قبلها، فأما الواحد منها فلا اعتداد به لأنه أصل مرفوض لا يُنطَق به، فجرى لذلك مجرى ما ليس مقدرا،

стр. 690

وإذا كان ما ينطق به في كثير من الكلام قد تصيّره إلى أن يجري مجرى ما قد سقط حكمه وصار غير معتد به، فما لا يظهر على وجه من الوجوه أولى بأن يلغى ولا يعتد به، وذلك قولك: زيد خلفك، فأصل هذا: زيد مستقر خلفك، فحذف اسم الفاعل للعلم به، وأقيم الظرف مقامه، وانتقل الضمير الذي كان في اسم الفاعل إلى الظرف، وصار موضع الظرف رفعا لأنه خبر المبتدأ، وألغي "مستقر" حتى صار لا حكم له ولا اعتداد به، وأنت مع هذا لو شئت لأظهرته، فقلت: زيد مستقر خلفك. ويدلك على أن حكم "مستقر" ونحوه في نحو هذا قد سقط عندهم، وصارت معاملة اللفظ الآن إنما هي للظرف، امتناعهم من تقديم الحال على الظرف في نحو قولهم: زيد خلفك واقفا، فلو قلت: زيد واقفا خلفك لم يجز، فلولا أن نصب الحال الآن إنما وجب بالظرف لا باسم الفاعل المحذوف لكان يجوز تقديم الحال على الظرف بغير اسم الفاعل، كما كان يجوز تقديمها عليه مع اسم الفاعل في قولك: زيد واقفا في الدار مستقر، فـ "واقفا" الآن منصوب بمستقر لا بالظرف، ولذلك جاز تقديمه على الظرف، فكذلك إذا قلت: زيد خلفك واقفا، نصبت الحال بالظرف لا باسم الفاعل. فإذا كان حكم اسم الفاعل قد يبطل إذا أقمت الظرف مقامه مع أنه قد يجوز لك أن تلفظ معه باسم الفاعل وتجمع بينهما، فأن يكون ما لا ينطق به البتة غير مراد ولا معتد به -وهو واحد "شعاليل" و"عباديد"- أجدر. فهذا ما احتمله القول، واقتضاء النظر في قولنا "شيراز" و"شواريز" و"شراريز". فأما قولهم "تسرَّبْتُ" فيكون أيضًا من باب إبدال الياء من الراء، وأصلها على هذا "تسَرَّرْتُ" لأنها من "السُّرِّيّة" و"السُّرِّيّة": "فُعلِيَّة" من السر، وذلك أن صاحبها أبدا ما يخفيها ويسر أمرها عن حرمته وصاحبة منزله. ومن كانت "سُرِّية" عنده "فُعِّيلة" مثل "مُرِّيقة" و"عُلِّية" فاستشقاقها عنده من سَراة الشيء، وهو أعلاه وأوله. ودفع أبو الحسن هذا القول، وقال: إن الموضع الذي تؤتي منه المرأة ليس أعلاها ولا سَراتها. والقول كما قال. والذي ذهب إليه أبو الحسن فيها هو أنها "فُعْلِيّة" من السرور لأن صاحبها يُسَر بها. ولو قال قائل: إنها "فُعِّيلة" من سَرَيت. أي: سِرت ليلا، لأن في ذلك ضربا من الإخفاء والستر، لكان قولا، ولكن حملها على أنها "فُعْلِيّة" أوجه لأمرين:

стр. 691

أحدهما: أن "فُعْلية" أكثر في الكلام من "فُعّيلة". والآخر: أن معنى السر ههنا والسرور أظهر من معنى السَّراة والسُّرى. وإذا كانت "سُرّية" من "السَّراة" فأصلها "سُرِّيوة" لأن السَّراة من الواو، لقول الفرزدق١: وأصبح مُبْيضُّ الصقيع كأنه ... على سَرَوات البيت قُطن مُنَدَّفُ٢ فلما اجتمعت الياء والواو، وسبقت الياء بالسكون قُلبت الواو ياء، وأدغمت الباء في الياء، فصارت "سُرِّيّة". وكذلك القول في "عُلّيَّة"، أصلها "عُلِّيْوة" لأنها من "عَلَوتُ" والقول فيها كالقول في "سُرِّيّة" إذا أُخذت من السَّراة.

стр. 692

إبدال الياء من النون: من ذلك قولهم "دينار" وأصله "دِنَّار"، والقول فيه كالقول في "قِيراط" لقولهم في التكسير "دَنانير" ولم يقولوا "دَيَانير". وكذلك التحقير، وهو "دُنَينير". وقالوا "إِيسان"، فأبدلوا نون "إنسان" ياء، قال١: فيا ليتني من بعدما طاف أهلُها ... هلَكْتُ، ولم أسمع بها صوت إيسان٢ البيت لعامر بن جورين. إلا أنهم قد قالوا في جمعه أيضًا "أياسيّ" بياء قبل الألف، فعلى هذا يجوز أن تكون الياء غير مبدلة، وجائز أيضًا أن يكون من البدل اللازم، نحو: عيد وأعياد وعُيَيْد، ونحو ميثاق ومياثيق، ومِيثَرَة ومياثير. وهذا هو الوجه عندي في "إيسان". ومن ذلك قولهم "تظنّيت" وإنما هي "تفعّلت" من الظن، وأصلها "تَظَنْنتُ" فقلبت النون الثالثة ياء كراهية التضعيف.

стр. 693

إبدال الياء من النون ... وقرأت على أبي علي بإسناده عن أبي عبيدة "قال: سمعت أبا عمرو ابن العلاء يقول: ﴿لم يَتَسنّ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ١: لم يتغير، هو من قوله تعالى: ﴿من حمأ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦] أي: متغير. فقلت له: ﴿لم يتسَنّ﴾ من ذوات الياء، و ﴿مسنون﴾ من ذوات التضعيف، فقال: هو مثل "تظَنّيت" وهو من الظن". وأصله على هذا القول "لم يتَسَنَّن" ثم قُلبت النون الآخرة ياء هربا من التضعيف، فصار "يَتَسّنيُ" ثم أبدلت الياء ألفا، فصار "يتَسَنَّى" ثم حذفت الألف للجزم، فصار ﴿لم يتَسَنَّ﴾ . وقالوا: "إنسان" و"أناسيّ" و"ظربان" و"ظرابيّ"، فالياء الثانية بدل من نون الواحد.

стр. 694

إبدال الياء من اللام: وهو في قولهم: أمليت الكتاب، إنما أصله "أمللْتُ" فأبدلت اللام الآخرة ياء هربا من التضعيف، وقد جاء القرآن باللغتين جميعًا، قال تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلَا﴾ [الفرقان: ٥] ١، وقال عز اسمه: ﴿وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَق﴾ [البقرة: ٢٨٢] ٢.

стр. 695

إبدال الياء من الصاد: أخبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب، قال: قال اللحياني: قصَّيْتُ أظفاري في معنى قصَّصْتُها، فهذا مثل "تظنّيت" أبدلت الصاد الثالثة ياء كراهية للتضعيف. وقد يجوز عندي أن يكون "قصَّيتُ": "فعَّلْتُ" من أقاصي الشيء؛ لأن أقاصيه أطرافُه، والمأخوذ من الأظافر إنما هو أطرافها وأقاصيها، فلا يكون في هذا بدل.

стр. 696

إبدال الياء من الضاد: خبرنا أبو علي، قال: "قال الأصمعي وأبو عبيدة في قول العجاج١: تَقَضِّي البازي إذا البازي كَسَرْ٢ هو "تَفَعّل" من الانقضاض، وأصله "تَقَضّض" فأُبدلت الضاد الآخرة ياء لما ذكرت لك"٣ وقالوا: "تفَضَّيت من الفضة" وهو مثله. ويجوز أن يكون "تَقَضّي البازي": "تَفَعُّلًا" من "قَضَيت" أي: عملت، كقول أبي ذؤيب٤: وعليهما مَسْرودَتان قضاهما ... داودُ أو صَنَعُ السوابِغِ تُبَّعُ٥ أي: عملهما. فيكون "تقَضّي البازي" أي: عمل البازي في طيرانه، والوجه هو الأول.

стр. 697

إبدال الياء من الميم: خبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب١ عن ابن الأعرابي أنه أنشد: نزور امرءا أمّا الإله فيتَّقِي ... وأما بفعل الصالحين فيأتمي٢ قال ابن الأعرابي: أراد: يأتمُّ، فأبدل الميم الثانية ياء. وقالوا في قول الراجز٣: بل لو رأيتَ الناسَ إذ تُكُمُّوا ... بغُمّة لو لم تُفَرَّج غُمُّوا٤ قالوا: أراد: تكمموا، من كممت الشيء إذا سترته، فأبدل الميم الأخيرة ياء مثل "تظنَّيْتُ" فصار في التقدير "تُكُمِّيُوا"، فأسكنت الياء وحذفت، كما تقول: قد تولوا، وتعلوا من: وليت، وعلوت. وقد يحتمل هذا عندي وجها غير القلب، وهو أن يكون "تُكُمُّوا": "تُفُعِّلوا" من كَمَيتُ الشيءَ إذا سترتَه، ومن قولهم "كَمِيّ" لأنه هو الذي قد تَسَتّر في سلاحه، فيكون "تكُمُّوا" على هذا مما لامه مُعتلة، ولا يكون أصله من ذوات التضعيف. وقال ابن الأعرابي في قول ذي الرمة٥: مُنَطِّقَة بالآي مُعْمَيَّة به ... دياجيرُها الوسطى وتبدو صدورُها٦

стр. 698

قال: أراد معممة، فأبدل من الميم ياء. ويجوز عندي أيضًا أن يكون من العَمَى، قال سيبويه: من قال في جمع "ديماس": "دماميس" فالياء فيه بدل من ميم "دِمّاس"١.

стр. 699

إبدال الياء من الدال: خبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب، قال١ "قال أبو عبيدة: التصدية: التصفيق والصوت، و"فَعَلْتُ" منه "صَدَدت أصِدُّ"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمكَ مِنْهُ يَصِدّون﴾ [الزخرف: ٥٧] أي: يعجّون ويضجون، فحول إحدى الدالين ياء". وأنكر أبو جعفر الرستمي هذا القول على أبي عبيدة، وقال: إنما هو من الصدى، وهو الصوت، فكيف يكون مضعفا. وقال أبو علي: ليس ينبغي أن يقال: هذا خطأ؛ لأنه قد ثبت بقوله : ﴿يَصِدَون﴾ وقوع هذه الكلمة على الصوت أو ضرب منه، وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع أن تكون ﴿تَصْدِيَة﴾ منه، فتكون تفعلة" من ذلك، وأصلها "تصددة" مثل "التحِلّة"٢ و"التعِلّة"٣، ألا ترى أن أصلهما "تحْلِلة" و"تعْلِلة"، فلما قلبت الدال الثانية من "تصْدِدة" تخفيفًا اختلف الحرفان، فبطل الإدغام.

стр. 700

إبدال الياء من العين: انشد سيبويه١: ومَنْهَلٍ ليس له حَوَازِقُ ... ولِضفادي جَمِّه نَقانِق٢

стр. 701

يريد: ولضفادع جمّه، فكره أن يسكن العين في موضع الحركة، فأبدل منها حرفا يكون ساكنًا في حال الجر، وهو الياء. وأخبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب، قال١: "قال ابن الأعرابي: تلعَّيتُ من اللُّعاعة"، واللُّعاعة: بقلة. وأصل "تلعَّيت": "تلعَّعْت" فأبدلوا من العين الآخرة ياء كما قالوا "تفضَّيْتُ" و"تظنَّيْتُ".

стр. 702

إبدال الياء من الكاف: حكى أبو زيد "مكوك ومكاكي"١ فالياء الثانية بدل من كاف، وأصلها "مكاكيك" كما تقول: شبوط٢ وشبابيط، وسمُّور٣ وسمامير.

стр. 703

إبدال الياء من التاء: أنشدهم بعضهم١: قام بها ينشُدُ كلَّ مَنْشَدٍ ... فايْتَصَلَتْ بمثل ضوء الفَرقَدِ٢ أراد: فاتصلت، فأبدل من التاء الأولى ياء كراهية للتشديد.

стр. 704

إبدال الياء من الثاء: قال١: يَفديكَ يا زُرْعَ أبي وخالي ... قد مَرّ يومان وهذا الثالي وأنت بالهجران لا تبالي٢ أراد: الثالث.

стр. 705

إبدال الياء من الجيم: قالوا: "دَيْجوج ودَياجٍ" وأصله "دياجيج"، فأبدلت الجيم الآخرة ياء، وحذفت الياء قبلها تخفيفًا. وأما قولهم في "شجرة": "شِيَرة" فينبغي أن تكون الياء فيها أصلا، ولا تكون بدلا من الجيم، أنشد الأصمعي١: تَحْسبه بين الأنام شِيَرةْ٢ قال أبو الفضل الرياشي: سمعت أبا زيد يقول: كنا عند المفضل وعنده أعراب، فقلت: قل لهم يقولون "شِيَرة"، فقالوها، فقلت له: قل لهم يُصغرونها، فصغروها "شُيَيرة". وإنما كانت الياء عندنا في "شِيَرة" أصلا غير بدل من الجيم لأمرين:
следующие страницы →