← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

يريد: ولضفادع جمّه، فكره أن يسكن العين في موضع الحركة، فأبدل منها حرفا يكون ساكنًا في حال الجر، وهو الياء. وأخبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب، قال١: "قال ابن الأعرابي: تلعَّيتُ من اللُّعاعة"، واللُّعاعة: بقلة. وأصل "تلعَّيت": "تلعَّعْت" فأبدلوا من العين الآخرة ياء كما قالوا "تفضَّيْتُ" و"تظنَّيْتُ".

стр. 702

إبدال الياء من الكاف: حكى أبو زيد "مكوك ومكاكي"١ فالياء الثانية بدل من كاف، وأصلها "مكاكيك" كما تقول: شبوط٢ وشبابيط، وسمُّور٣ وسمامير.

стр. 703

إبدال الياء من التاء: أنشدهم بعضهم١: قام بها ينشُدُ كلَّ مَنْشَدٍ ... فايْتَصَلَتْ بمثل ضوء الفَرقَدِ٢ أراد: فاتصلت، فأبدل من التاء الأولى ياء كراهية للتشديد.

стр. 704

إبدال الياء من الثاء: قال١: يَفديكَ يا زُرْعَ أبي وخالي ... قد مَرّ يومان وهذا الثالي وأنت بالهجران لا تبالي٢ أراد: الثالث.

стр. 705

إبدال الياء من الجيم: قالوا: "دَيْجوج ودَياجٍ" وأصله "دياجيج"، فأبدلت الجيم الآخرة ياء، وحذفت الياء قبلها تخفيفًا. وأما قولهم في "شجرة": "شِيَرة" فينبغي أن تكون الياء فيها أصلا، ولا تكون بدلا من الجيم، أنشد الأصمعي١: تَحْسبه بين الأنام شِيَرةْ٢ قال أبو الفضل الرياشي: سمعت أبا زيد يقول: كنا عند المفضل وعنده أعراب، فقلت: قل لهم يقولون "شِيَرة"، فقالوها، فقلت له: قل لهم يُصغرونها، فصغروها "شُيَيرة". وإنما كانت الياء عندنا في "شِيَرة" أصلا غير بدل من الجيم لأمرين:

стр. 706

أحدهما: ثبات الياء في تصغيرها في قولهم "شُيَيرة"، ولو كانت بدلا من الجيم لكانوا خُلقاء إذا حقروا الاسم أن يردوها إلى الجيم ليدلوا على الأصل. والآخر: أن شين "شَجَرة" مفتوحة، وشين "شِيَرة" مكسورة، والبدل لا تغير فيه الحركات، إنما يوقع حرف موقع حرف، وعلى ذلك عامة البدل في كلامهم؛ ألا ترى أن من يقول "إيّل" فيأتي به على الأصل، إذا أبدل الياء جيما قال "إجَّل" فلم يعرض لشيء من الاسم سواها، ولم يزل شيئًا عما كان عليه من أحوال حركته. هذا هو الظاهر من حال "شِيَرة". فإن قلت: فهل تجد لجعل الياء في "شِيَرة" بدلا من الجيم وجها؟ فإن الطريق إلى ذلك -وإن كان فيها بعض الصنعة- أن تقول: إنه أراد "شَجَرة" ثم أبدل الجيم ياء، كما أبدلت الياء جيما في نحو: "الإجَّل" و"عَلِجّ"١ و"فُقَيمجّ" و"مَرِّجَ"، فكان حكمه أن يدع الشين مفتوحة، فيقول "شَيَرة" إلا أن العرب إذا قلبت أو أبدلت فقد تغير في بعض الأحوال حركات تلك الكلمة، ألا ترى أن "الجاه" مقلوب من "الوجه"، فكان سبيله إذا قدمت الجيم وأخرت الواو أن يقال "جَوْهٌ" فتسكن الواو كما كانت الجيم في "وجْه" ساكنة، إلا أنها حركت لأن الكلمة لما لحقها القلب ضعفت، فغيروها بتحريك ما كان ساكنًا إذ صارت بالقلب قابلة للتغيير، فصار التقدير "جَوَهٌ" فلما تحركت الواو وقبلها فتحة قلبت ألفا، فقيل "جاه" فكما غيرت حال "الجاه" لما لحق الكلمة من القلب، كذلك غيرت فتحة شين "شَجَرة" إلى الكسر لما لحق الجيم من القلب، وزاد في الأنس بذلك أنه لو أقرت الفتحة في الشين، فقيل "شَيَرة" لانفتحت الشين قبل الياء، والياء متحركة، فتصير إلى قلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فكان يلزم أن يقال "شَارة" كما يقال "بَاعة" جمع "بائع" وأصلها "بيَعَة"، فهربوا لذلك مع ما قدمناه إلى أن كسروا الشين لتُقر الياء ولا تنقلب. فإن قلت: فهلا تركوا فتحة الشين بحالها، فقلبوا الياء ألفا، فقالوا "شَارة" كما قالوا "جاه"؟

стр. 707

قيل: "جاه" وإن كانت واوه قد قلبت، فإنه بعد ذلك أشبه في اللفظ بـ "وجه"؛ ألا ترى أن ثاني "وجه" ساكن وثاني "جاه" أيضًا ساكن، فعلى كل حال قد سكن الثاني من كل واحد منهما، فأما "شجرة" فلو قيل فيها "شارة" لكان الثاني من "شارة" ساكنًا، وقد علمنا أن ثاني "شجرة" متحرك، فلما تباينا من هذا الوجه عدلوا إلى أن غيروا حركة شين "شجرة" إلى الكسر فقالوا "شِيَرة" ليبقي ثاني "شِيَرة" متحركًا كما كان ثاني "شجرة" متحركًا، وكان هذا أوفق وأليق وأشبه بالحال من قلب الياء ألفا.

стр. 708

قيل: "جاه" وإن كانت واوه قد قلبت، فإنه بعد ذلك أشبه في اللفظ بـ "وجه"؛ ألا ترى أن ثاني "وجه" ساكن وثاني "جاه" أيضًا ساكن، فعلى كل حال قد سكن الثاني من كل واحد منهما، فأما "شجرة" فلو قيل فيها "شارة" لكان الثاني من "شارة" ساكنًا، وقد علمنا أن ثاني "شجرة" متحرك، فلما تباينا من هذا الوجه عدلوا إلى أن غيروا حركة شين "شجرة" إلى الكسر فقالوا "شِيَرة" ليبقي ثاني "شِيَرة" متحركًا كما كان ثاني "شجرة" متحركًا، وكان هذا أوفق وأليق وأشبه بالحال من قلب الياء ألفا. زيادة الياء قد زيدت الياء أولا، وثانية، وثالثة، ورابعة، وخامسة، وسادسة. زيادة الياء أولا: وذلك نحو: "يَرْمَعٍ"١ و"يَعْمَلَة"٢ و"يُسْرُوع"٣ و"يَعْضِيد"٤ وفي الفعل نحو "يقوم" و"يقعد" و"ينطلق". زيادة الياء ثانية: وذلك نحو: "خَيْفَق"٥ و"صَيْرَف"٦ و"غَيْداق"٧ و"خَيْتام"٨ و"قَيْصوم"٩ و"عَيْثُوم"١٠ و"عَيْهُوم"١١ و"خَيْسَفُوج"١٢ و"عَيْضَموز"١٣ و"حَيْزَبون"١٤ و"قِيْتال" و"ضِيْراب" و"حِيَفْس"١٥ و"صِيَهْم"١٦. وفي الفعل نحو "بَيْطَرَ"١٧ و"بَيْقَرَ"١٨.

стр. 709

زيادة الياء ثالثة: وذلك نحو: "عِثْيَر"١ و"حِذْيَم"٢ و"طِرْيَم"٣ و"سِرْياح"٤ و"جِرْيال"٥ و"كِدْيَون"٦ و"هِلْيَون"٧ و"سَعيد" و"قَضيب". وللتحقير نحو "كُلَيب" و"دُرَيهم" و"دُنَينير". و"عُلْيَب" ولا نظير له، و"هَبَيَّخ"٨. زيادة الياء رابعة: وذلك نحو "دِهْليز"٩ و"مِنْديل" و"قِنْديل" و"شِمْليل"١٠ و"زِحْليل"١١. وفي الفعل نحو "سَلْقَيت"١٢ و"جَعْبَيْت"١٣. زيادة الياء خامسة: وذلك نحو: "عَنْتَريس"١٤ و"خَرْبَصِيص"١٥ و"جَعْفَليق"١٦ و"شَفْشَليق"١٧ و"قَرْقَرير"١٨. وفي الفعل نحو: "احْرَنْبَيْتُ"١٩ و"اسْلَنْقَيْتُ"٢٠ و"احْبَنْطَيْتُ"٢١ و"اسْرَنْدَيْتُ" ٢٢ و"اغْرَنْدَيْتُ" و"ابْرَنْتَيْتُ"٢٣.

стр. 710

زيادة الياء سادسة: قال بعضهم فيما حكاه الأصمعي في تحقير "عنكبوت" وتكسيره: "عُنَيْكِبيت" و"عَنَاكِبِيت". وقرأ بعضهم: ﴿وعباقِرِيَّ حسان﴾ [الرحمن: ٧٦] ١ وهذا شاذ لا يقاس عليه. واعلم أن الياء قد تزاد في التثنية والجمع الذي على حد التثنية، نحو: الزيدَيْنِ، والعمرَيْنِ، والزيدينَ، والعمرينَ، وقد تقصينا حالها في هذا في حرف الألف. وتزاد أيضًا علمًا للتأنيث والضمير في الفعل المضارع نحو: أنت تقومين، وتقعدين، وتنطلقين، وتعتذرين. وتزاد أيضًا إشباعا للكسرة، وذلك نحو بيت الكتاب: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهِيمِ تنقادُ الصياريفِ٢ يريد: الصيارف، فأشبع كسرة الراء، فتولدت بعدها ياء. فأما "الدراهيم" فإن كان جمع "درهم" فهو كالصياريف، وإن كان جمع "دِرْهان" فلا ضرورة فيه. ومن ذلك قول العرب في جمع دانق٣. وخاتم، وطابق٤: دوانيق، وخواتيم، وطوابيق، وإنما الوجه: دوانق، وخواتم، وطوابق. قال٥: ...... ...... ... وتُتركُ أموالٌ عليها الخَواتم٦

стр. 711

وقال زبان بن سيار١: متى تقرؤوها تَهْدِكم من ضلالكم ... وتُعرَف إذا ما فُض عنها الخواتمُ٢ وقد أولعت العامة بقولهم في جمع "زَورق": "زواريق"، ولا وجه للياء هناك إلا أن يُسمع ذلك من العرب، فأما من طريق القياس فإنها "زوارق" مثل: "جوهر" و"جواهر" و"جورب" و"جوارب". وقال أبو النجم٣: منها المطافيلُ وغير المُطفلِ٤ يريد: المطافل. فأما قول يزيد الغواني الضبعي٥: وما زال تاجُ المُلك فينا وتاجُهُم ... قلاسيُّ فوق الهام من سَعَف النخل٦ فإنما زاد الياء الأولى لأنها عوض من نون "قَلَنسوة" وليست بإشباع للكسرة كالتي قبلها.

стр. 712

وربما عكست العرب هذا، فحذفت الياء في غير موضع الحذف، واكتفت بالكسرة منها، فقال١: والبَكَراتِ الفُسَّجَ العَطامِسا٢ يريد: العطاميس، وهذا من أبيات الكتاب، ومثله٣: وغيرُ سُفْعٍ مُثَّلٍ يَحَامِمِ٤ يريد: يحاميم جمع يحموم، وهو الأسود. ومن أبياته أيضا٥: وكَحَلَ العينين بالعَواوِرِ٦ يريد: العواوير، وهو جمع عُوّار، وهو الرمد. وقال أبو طالب٧: ترى الوَدْعَ فيها والرخامَ وزينةً ... بأعناقها معقودةً كالعَثَاكِلِ٨ يريد: العثاكيل.

стр. 713

وقال عبيد الله بن الحُر١: وبُدِّلتُ بعد الزعفران وطِيبِهِ ... صَدَا الدرع من مُستحكِمات المَسامِرِ٢ يريد: المسامير. وحذفوها أيضًا وهي أصل لا زائدة، قال٣: كَفّاكَ كَفٌّ ما تُليق دِرهما ... جُودًا، وأخرى تُعْطِ بالسيف الدما٤ يريد: تعطي. ومن أبيات الكتاب٥: وطِرتُ بمُنْصُلي في يَعْمَلاتٍ ... دوامي الأيْدِ يَخْبِطن السريحا٦ يريد: الأيدي. ومنها٧: وأخو الغَوانِ متى يشأ يَصْرِمْنَهُ ... ويعُدْنَ أعداء بُعَيدَ ودادِ٨ يريد: الغواني.

стр. 714

ومنها١: كَنَواحِ ريشِ حمامةٍ نجْديةٍ ... ومَسَحتِ باللِّيَتينِ عَصفَ الإثمِدِ٢ يريد: كنواحي، فحذف الياء، وذلك أنه شبه المضاف إليه بالتنوين، فحذف الياء لأجله كما يحذفها لأجل التنوين، كما شبه الأول لام المعرفة في "الغوان" و"الأيد" بالتنوين من حيث كانت هذه الأشياء من خواص الأسماء ومعتقبة عليها، فحذف الياء لأجل اللام كما يحذفها لأجل التنوين، هكذا أخذت من لفظ أبي علي وقت القراءة عليه. وقال الآخر٣: قلتُ لها: يا هَذِ في هذا إثمْ٤ يريد: هذي، فحذف الياء تخفيفًا. وتحذف أيضًا الياء الزائدة بعد هاء إضمار الواحد نحو: مررت به يا فتى، قرأ بعضهم: ﴿فَخَسَفْنَا بِهْ وَبِدَارِه الأَرْض﴾ [القصص: ٨١] ٥. وبعد ميم الضمير نحو: عليهمْ، وإليهمْ، وبهمْ، وأصله: عليهُمو، وإليهُمو، وبهُمو، فالهاء للإضمار، والميم علامة تجاوز الواحد، والواو لإخلاص الجمع، ثم إنهم يبدلون ضمة الهاء كسرة لخفاء الهاء ووقوع الكسرة والياء الساكنة قبلها، فيقولون: عليهمو، وبِهمو، وإليهِمُو، ثم إنهم قد يستثقلون الخروج من كسر الهاء إلى ضم الميم، فيبدلون من ضمة الميم كسرة، فيصير في التقدير -ولا يستعمل البتة كما استعمل جميع ما ذكرناه قبله- عليهِمِوْ، وإليهِمِوْ، وبهِمِوْ، فتقلب الواو ياء لوقوع الكسرة قبلها، فيصير: عليهِمِي،

стр. 715

وإليهِمِي، وبهِمِي، ثم تستثقل الياء هنا، فتحذف تخفيفًا هي والكسرة قبلها، ولا يخاف لبس لأن التثنية بالألف لابد منها، فيقال: عليهِم، وإليهِم، وبهِم، وهي قراءة أبي عمرو، إلا أن أبا الحسن قد حكى أن منهم من يقر الكسرة في الميم بحالها بعد حذف الياء، فيقول: عليهِمِ، وإليهِمِ، وبهِمِ، كما أقرت آخرون الضمة في الميم بعد حذف الواو، فقالوا: عليهِمُ بكسر الهاء وضمها. وتزداد الياء أيضًا بعد كاف المؤنث إشباعا للكسرة في نحو: عليكي، ومنكي، وضربتكي، وروينا عن قطرب لحسان١: ولستِ بخيرٍ من أبيكِ وخالكي ... ولستِ بخير من مُعاظَلة الكَلب٢ وتزاد أيضًا لإطلاق حرف الروي إذا كانت القوافي مجرورة، نحو قوله٣: هيهاتَ منزلُنا بنعف سُوَيقة ... كانت مباركةً من الأيَّامي٤ وقول الآخر٥: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح، وما الإصباح فيك بأمثلي٦

стр. 716

وقول النابعة١: أفِدَ الترحُّلُ غير أن رِكابنا ... لما تزُل برحالنا، وكأنْ قَدِي٢ يريد: وكأن قد زالت، وهو كثير. وتزداد أيضًا بعد لام المعرفة عند التذكر، وذلك قولهم: قام الي، يريد: الغلام أو الإنسان، أو نحو ذلك فينسى الاسم، فيقف مستذكرا، فلا يقطع على اللام لأنها ليست بغاية لكلامه، وإنما غايته ما يتوقعه بعده، فيطول وقوفه وتطاوله إلى ما بعد اللام، فيكسرها تشبيها بالقافية المجرورة إذا وقع حرف رويها حرفا ساكنًا صحيحا، نحو قوله: "وكأن قدي". وكذلك لو وقعت "أن" قافية لقيل "أني" ولو وقعت "عن" قافية لقيل "عني" ولو وقعت "من" قافية لأطلقت تارة إلى الفتح، وتارة في قصيدة أخرى إلى الكسر، وذلك لأن "من" قد تفتح في نحو قولك: "من الرجل" وقد تكسر وتفتح أيضًا في نحو "من ابنك" و"من ابنك" فتقول في القافية المنصوبة "منا"، وفي القافية المجرورة "منى" إلا أن الفتح أغلب عليها لأنه أكثر في الاستعمال. وإنما جمعنا بين القافية وبين التذكر من قبل أن القافية موضع مد واستطالة، كما أن التذكر موضع استشراف وتطاول إلى المتذكر، فاعرف ذلك. وعلى هذا قالوا في التذكر "قدي" أي: قد قام أو قعد أو نحو ذلك. وكذلك كل ساكن وقفت عليه وتذكرت بعده كلاما فإنك تكسره، وتشبع كسرته للاستطالة والتذكر، نحو قولك: "من أنت" إذا وقفت على "من" مستذكرا لما بعدها قلت "مني".

стр. 717

وعلى هذا يتوجه عندي قول الحصين بن الحمام١: ما كنت أحسب أن أمي علة ... حتى رأيت إذي نحاز ونقتل ومعناه: إذ نحاز، إلا أنه لما كان يقول في التذكر "إذي" وهو متذكر إذ كان كذا وكذا أجرى الوصل مجرى الوقف، فألحق الياء في الوصل، فقال/ "إذي" ولهذا نظائر. وقال سيبويه٢: "وسمعنا من يوثق به في ذلك يقول: هذا سيفني، يريد: هذا سيف، ولكنه تذكر بعد كلاما، ولم يرد أن يقطع اللفظ لأن التنوين حرف ساكن ينكسر، فكسر كما كسر دال قد". هذا قول سيبويه كما تراه. وقال الراجز٣: تقول: يارباه يارب هل ... هل أنت من هذا منج أحبلي إما بتطليق وإما ب "ارحلي"٤ فحرك لام "هل" لما أطلقها بالكسر. فإن كان الساكن مما يكون وقتا مضموما أو مفتوحا، ثم وقفت عليه مستذكرا، ألحقت ما يكون مضموما واوا، وما يكون مفتوحا ألفا، فتقول: ما رأيته مذو، أي: مذ يوم كذا؛ لأن أصله ضم الذال في "منذ"، وتقول: عجبت منا، أي: من زيد أو غيره؛ لأنك قد كنت تقول: من اليوم، ومن الرجل، ومن الغلام، فتفتحه. ومن كان من لغته "من الغلام" قال في التذكر "عجبت مني"، فحكم التذكر في هذا الباب حكم القافية؛ ألا ترى أنك تقول في التذكر "عجبت من الغلامي" فتلحق الياء بعد الميم كما تلحقها بعدها في القافية في نحو قوله٥:

стр. 718

................................... ... كانت بماركة من الأيامي١ وكذلك إن وقفت على ياء ساكنة مكسور ماقبلها ألحقتها ياء أخرى، ومددت، فقلت: "رغبت فيي" أي: في زيد ونحوه، و"ضربت غلامي" أي: ضربت غلامي أمس مستذكرا أمس ونحوه، فتزيد على الياء ياء أخرى. وقد ذكرنا نحو هذا في حرف الواو وحرف الألف، فاعرفه. فإن كانت قبل الياء والواو فتحة كسرتهما في التذكر، وألحقت بعدهما ياء، وذلك قولك: قام زيد أوي، أي: أو عمرو، ونحوه، وضربت غلاميي، أي: غلامي زيد أو نحوه. وإنما كسرتهما لأنك قد كنت تكسرهما لالتقاء الساكنين في نحو قولك: قام الغلام أو الرجل، وضربت غلامي الرجل. وتقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ [البقرة: ١٦] ٢ وتقف متذكرا "الضلالة"، وفي ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٤٢] : "عصووا" لأجل أن هذه الواو مضمومة لالتقاء الساكنين، فتضمها هنا، وتلحق ضمتها واوا. ومن كان لغته من الكلام: "اشتروا الضلالة"٣ قال في التذكر: "اشتروي". ومن قرأ٤: "اشتروا الضلالة" ففتح الواو قال في التذكر: "اشتروا" فألحق الواو ألفا. وحكى الكوفيون عن العرب "أكلت لحما شاة" أي: لحم شاة، فهذا على تذكر الشاة، فأشبع الفتحة، فاستطالت ألفا. ومن قال: لو انطفلق بزيد لكان كذا، قال في التذكر "لوو"، ومن كسر الواو هناك قال هنا "لوي"، فالواو والياء إذا انفتح ما قبلهما تجريان هنا مجرى الصحيح كما ترى.

стр. 719

وتزداد الياء بمعنى الاسم في نحو "غلامي" و"صاحبي". وللعرب في هذه الياء لغتان، منهم من يسكنها، فمن فتحها قال: هي اسم، وهي على أقل ما تكون عليه الكلم، فقويتها بالحركة كما فتحت كاف المخاطب في نحو: رأيتك، ومررت بك. ومن سكنها قال: الحركات على كل حال مستثقلة في حرفي اللين؛ ألا ترى أن من قال في قصعة، وجفنة: قصعات، وجفنات لم يقل في نحو جوزة، وبيضة إلا جوزات، وبيضات بالإسكان. فأما ما جاء عنهم من قول الشاعر١: أبو بيضات رائح متأوب ... رفيق بمسح المنطبين سبوح٢ فشاذ لا يقاس عليه باب. فأما الياء في "إياي" فقد تقدم من قولنا في حرف الكاف إنها على مذهب أبي الحسن حرف لمعنى التكلم، كما أن الكاف في "إياك" لمعنى الخطاب، وإنها هنا ليست على هذا القول باسم، كما أن الكاف ليست هناك باسم. ومن رأى أن "إياك" بكماله هو الاسم كانت "إياي" أيضا بكمالها هي الاسم. ومن رأى أن الكاف في "إياك" في موضع جر بإضافة "إيا" إليها، رأى أيضا مثل ذلك في الياء من "إياي"، وكان ذلك في الياء أسهل منه في الكاف، وذلك أن الكاف قد رأيناها في نحو "ذلك" و"أولئك" و"هنالك" حرفا لا محالة، ولم نر نحو الياء التي في "إيادي" حرفا في غير "إياي"، إلا أن أبا الحسن أجرى الياء هنا مجرى الكاف في إياك، وقد تقدم من الحجاج في باب الكاف ما يصح به مذهب أبي الحسن وإن كان غريبا لطيفا.

стр. 720

وتزاد للنسب، وذلك نحو "بصري" و"كوفي". وتزداد أيضا في الاستفهام عن النكرة المجرورة إذا وقفت، وذلك إذا قيل: "مررت برجل" قلت في الوقف "منى" فهذه الياء إنما لحقت في الوقف زائدة لتدل على أن السائل إنما سأل عن ذلك الاسم المجرور بعينه، ولم يسأل عن غيره، فجعلت هذه الياء هنا أمارة لهذا المعنى ودلالة عليه، وكانت الياء هنا أولى من الألف والواو لأن المسؤول عنه مجرور، والياء بالكسرة أشبه منها بالواو والألف، وليست الياء هنا بإعراب، إنما دخلت لما ذكرت لك، ولو كانت إعرابا لثبتت في الوصل، فقلت: "مني يا فتى" وهذا لا يقال، بل يقال: "من يا فتى" في كل حال، وإنما هذه زيادة لحقت في الوقف لأن الوقف من مواضع التغيير. ونظيرها التشديد الذي يعرض في الوقف في نحو: "هذا خالد" و"هو يجعل"، قال سيبويه: إنما ثقل هذا ونحوه في الوقف حرصا على البيان، وإعلاما أن الكلمة في الوصل مطلقة، لأنه معلوم أنه لا يجتمع في الوصل ساكنان على هذا الحد. والقول في الألف في "منا" والواو في "منوا" هو القول في الياء الذي مضى آنفا.

стр. 721

فصل: في تصريف حروف المعجم واشتقاقها وجمعها اعلم أن هذه الحروف ما دامت حروف هجاء غير معطوفة ولا موقعة موقع الأسماء، فإنها سواكن الأواخر في الإدراج والوقف، وذلك قولك: ألف، با، تا، ثا، جيم، حا، خا، دال، ذال، را، زاي، سين، شين، صاد، ضاد، وكذلك إلى آخرها، وذلك أنها إنما هي أسماء الحروف الملفوظ بها في صيغ الكلم بمنزلة أسماء الأعداد، ونحو ثلاثه أربعة خمسه تسعه، ولا تجد لها رافعا ولا ناصبا ولا جارا، وإذا جرت كما ذكرنا مجرى الحروف لم يجز تصريفها ولا اشتقاقها ولا تثنيتها ولا جمعها، كما أن الحروف كذلك. ويدلك على كونها هل، وبل، وقد، وحتى، وسوف، ونحو ذلك، أنك تجد فيها ما هو على حرفين الثاني منهما ألف، وذلك نحو: با تا ثا حا خا طا ظا، ولا تجد في الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني منهما حرف لين، إنما ذلك في الحروف نحو ما، ولا، ويا، وأو، ولو، وأي، وكي، فلا تزال هذه الحروف مبنية غير معربة لأنها أصوات بمنزلة صه، ومه، وإيه، وغاق١، وحاء٢، وعاء٣، حتى توقعها مواقع الأسماء، فترفعها حينئذ، وتنصبها، وتجرها، كما تفعل ذلك بالأسماء، وذلك قولك: أول الجيم جيم، وآخر الصاد دال، وأوسط الكاف ألف، وثاني السين ياء، وكتبت جيما حسنة، وخططت قافا صحيحة. وكذلك العاطف٤ لأنه نظير التثنية، فتقول: ما هجاء بكر؟ فيقول المجيب: باء وكاف وراء، فيعرف لأنه قد عطف، فإن لم يعطف بني، فقال: با كاف را.

стр. 722

قال١: كافًا وميمًا ثم سينًا طاسِمًا٢ وقال الآخر٣: ....................................... ... كما بُيِّنَتْ كافٌ تلوحُ وميمُها٤ وقال الآخر٥: إذا اجتمعوا على ألفٍ وباءٍ ... وتاءٍ هاج بينهم جدالُ وكذلك أسماء العدد مبنية أيضًا، تقول: واحد اثنان ثلاثَهْ أربعَهْ خمسهْ. ويؤكد ذلك عندك ما حكاه سيبويه٦ من قول بعضهم: "ثلاثَهَرْبَعَهْ". فتركه الهاء من "ثلاثه" بحالها غير مردودة إلى التاء -وإن كانت قد تحركت بفتحة همزة "أربعة"- دلالة على أن وضعها وبنيتها أن تكون في العدد ساكنة، حتى إنه لما ألقى عليها حركة الهمزة التي بعدها أقرها هاء في اللفظ بحالها على ما كانت عليه قبل إلقاء الحركة عليها، ولو كانت كالأسماء المعربة لوجب أن تردها متى تحركت تاء، فتقول "ثلاثَتَرْبَعَهْ" كما تقول: رأيت طلحةَ يا فتى. فإن أوقعتها موقع الأسماء أعربتها، وذلك قولك: ثمانيةُ ضعف أربعة، وسبعةُ أكثر من أربعة بثلاثة، فأعربت هذه الأسماء، ولم تصرفها لاجتماع التأنيث والتعريف فيها؛ ألا ترى أن "ثلاثة" عدد معروف القدر، وأنه أكثر من "اثنين" بواحد، وكذلك "خمسة" مقدار من العدد معروف؛ ألا ترى أنه أكثر من "ثلاثة" باثنين.

стр. 723

فإن قلت: ما تنكر أن تكون هذه الأسماء نكرة لدخول لام المعرفة عليها، وذلك قولك: الثلاثة نصف الستة، والسبعة تعجِز عن الثمانية بواحد؟ فالجواب: أنه قد ثبت أن هذه الأسماء التي للعدد معروفة المقادير، فهي على كل حال معرفة، وأما نفس المعدود فقد يجوز أن يكون معرفة ونكرة، فأما إدخالهم اللام على أسماء العدد فيما ذكره السائل نحو: الثمانية ضعف الأربعة، والاثنان نصف الأربعة، فإنه لا يدل على تنكير هذه الأسماء إذا لم تكن فيها لام، وإنما ذلك لأن هذه الأسماء يعتقب عليها تعريفان: أحدهما العلم، والآخر اللام. ونظير ذلك قولك: لقيته فَينة والفَينة، وقالوا للشمس: "إلاهة" و"الإلاهة"، وقالوا للمنية: "شَعوب" و"الشعوب"، ولهذا نظائر، فكما أن هذه الأسماء لا يدل دخول اللام عليها على أنها إذا لم تكن فيها فهي نكرات، فكذلك أيضًا "أربعة" و"الأربعة" و"خمسة" و"الخمسة" هو بمنزلة "فينة" و"الفينة" و"إلاهة" و"الإلاهة"، أنشدنا أبو علي، ورويناه أيضًا عن قطرب من غير جهته: تَرَوحنا من اللعباء قَصرا ... وأعجلنا إلاهةَ أن تَؤوبا١ ويروى: الإلاهة، فاعرف هذا فإنه لطيف. فإذا ثبت بما قدمناه أن حروف المعجم أصوات غير معربة، وأنها نظيرة الحروف نحو "هل" و"لو" و"من" و"في" لم يجز أن يكون شيء منها مشتقا ولا مُصرّفا، كما أن الحروف ليس في شيء منها اشتقاق ولا تصريف، وقد تقدم القول على ذلك في حرف الألف. فإذا كان ذلك كذلك فلو قال لك قائل: ما وزن "جيم" أو "طاء" أو "كاف" أو "واو" من الفعل؟ لم يجز أن تمثل ذلك له، كما لا يجوز أن تمثل له "قد" و"سوف" و"لولا" و"كيلا"، فأما إذا نقلت هذه الحروف إلى حكم الأسماء بإيقاعها مواقعها من عطف أو غيره، فقد نقلت إلى مذاهب الاسمية، وجاز فيها تصريفها وتمثيلها وتثنيتها وجمعها والقضاء على الفاتها وياءاتها، إذ قد صارت إلى حكم ما ذلك جائز فيه غير ممتنع منه.

стр. 724

وهذا الفصل هو الذي يلطف١ فيه النظر، ويحتاج إلى بحث وتأمل، ونحن نقول في ذلك مما رويناه ورأيناه ما يوفق الله تعالى له إن شاء الله، وبه الثقة. اعلم أن هذه الحروف تأتي على ضربين: أحدهما: ما هو ثنائي، والآخر: ثلاثي. ونبدأ بذكر الثنائي لأنه أسبق في مرتبة العدة، وذلك: با تا ثا حا خا را طا ظا فا ها يا، وأما الزاي فللعرب فيها مذهبان: منهم من يجعلها ثلاثية، فيقول: زاي، ومنهم من يجعلها ثنائية، فيقول: زي، وسنذكرها على وجهيها. وقد حكي فيها "زاء" ممدودة ومقصورة. وأما الألف التي بعد اللام في قولك "لا" فقد ذكرنا حالها لم دخلت اللام عليها، وأن ذلك إنما لزمها لما كانت لا تكون إلا ساكنة، والساكن لا يمكن ابتداؤه، وأنها دعمت باللام من قبلها توصلا إلى النطق بها، ولم يمكن تحريكها فينطق بها في أول الحرف، ويزاد عليها غيرها كما فعل ذلك بجيم قاف لام، وغير ذلك مما تجد لفظه في أول اسمه، فلم يكن بد في إرادة اللفظ بها من حرف تدعم به أمامها، واختيرت لها اللام دون غيرها لما ذكرناه في حرف الألف. فأما ما كان على نحو: با تا حا طا، فإنك متى أعربته لزمك أن تمده، وذلك أنه على حرفين الثاني منهما حرف لين، والتنوين يدرك الكلمة، فتحذف الألف لالتقاء الساكنين، فيلزمك أن تقول: هذه طا يا فتى، ورأيت طا حسنة، ونظرت إلى طا حسنة، فيبقى الاسم على حرف واحد، فإن ابتدأته وجب أن يكون متحركًا، وإن وقفت عليه وجب أن يكون ساكنًا، فإن ابتدأته ووقفت عليه جميعًا وجب أن يكون ساكنًا متحركًا في حال، وهذا ظاهر الاستحالة. فأما ما رواه سلمة عن الفراء عن الكسائي فيما أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى من قول بعضهم: "شربت ما" بقصر "ماء"، فحكاية شاذة لا نظير لها، ولا يسوغ قياس غيرها عليها.

стр. 725

فإذا كان الأمر كذلك زدت على ألف: با تا ثا ونحو ذلك ألفا أخرى، كما رأيت العرب فعلت لما أعربت "لو"، فقالوا١: ليت شعري، وأين مني ليتٌ ... إن ليتًا وإن لوًا عناء٢ وأنشدنا أبو علي٣: أفلا سبيل لأن يصادف روعنا ... لوًا، ولو كاسمها لا توجد٤ وقال الآخر٥: عَلِقَتْ لوًا تُكرره ... إن لوًا ذاكِ أعيانا٦ فكما زادت العرب على هذه الواو واوًا أخرى، وجعلت الثاني من لفظ الأول لأنه لا أصل له فيرجع عند الحاجة إليه، كذلك زدت على الألف من با تا ثا ألفا أخرى عوضا لما رأيت العرب فعلت في "لو" لما أعربتها، فصار التقدير "با ا" "تا ا" "طا ا" "ها ا" فلما التقت ألفان ساكنتان لم يكن من حذف إحداهما أو حركتها بد، فلم يسغ حذف إحداهما لئلا تعود إلى القصر الذي منه هربت، فلم يبق إلا أن تحرك إحداهما، فلما وجب التحريك لالتقاء الساكنين كانت الألف الثانية بذلك أحرى؛ لأنك عندها ارتدعت إذ كنت إليها تناهيت، فلما حركت الثانية قلبتها همزة على حد ما بيناه في حرف الهمزة من إبدال الهمزة من الألف. فعلى هذا فقالوا: خططت باءً حسنةً، وكتبت حاءً جيدةً، وأراك تكتب طاء صحيحة، وما هذه الراء الكبيرة؟

стр. 726

فأما قول الشاعر١: يخُط لامَ ألفٍ موصولِ ... والزايَ والرا أيّما تهليل٢ فإنما أراد "الراء" ممدودة، فلم يمكنه ذلك لئلا ينكسر الوزن، فحذف الهمزة من الراء، وجاء بذلك على قراءة أبي عمرو في تخفيف الأولى من الهمزتين إذا التقتا في كلمتين، وكانتا جميعًا متفقتي الحركتين نحو قوله" "فقد جا أشراطها" [محمد: ١٨] و" "إذا شا أنشره" [عبس: ٢٢] على ما يرويه أصحابه من القراء عنه، فكذلك كان أصل هذا: "والزاي والراء أيما تهليل" فلما اتفقت الحركتان حذف الأولى من الهمزتين كما حذفها أبو عمرو. فإن قلت: ولم حذف أبو عمرو الأولى من الهمزتين، وإنما ارتدع عند الثانية، وهلا حذف الهمزة الآخرة التي انتهى دونها، وارتدع عندها؟ ٣ فالجواب: أنه قد علم أن ههنا همزتين، وقد اعتزم حذف إحداهما، فكان الأحرى بالحذف عنده التي هي أضعفهما، والهمزة الأولى أضعف من الثانية في مثل هذا؛ ألا ترى أن الهمزة من "جاء" لام، وأن الهمزة من "أشراط" قبل الفاء، والفاء أقوى من العين، والعين أقوى من اللام، وما قبل الفاء أشد تقدما من الفاء التي هي أقوى من العين التي هي أقوى من اللام، فكان الحذف بما هو آخر أولى منه بما هو أول، فلذلك حذف أبو عمرو الأولى لضعفها بكونها آخرا، وأقر الثانية لقوتها بكونها أولا. فهذا أحد ما يصلح أن يحتج به لأبي عمرو ﵀ في حذفه الأولى من الهمزتين إذا كانتا من كلمتين ومتفقتي الحركتين. وسألت أبا علي عن هذا الذي ذكرناه في "باء" و"تاء" ونحوهما، فقلت: ما تقول في هذه الألف التي قبل الهمزة؟ أتقول: إنها منقلبة عن واو أو ياء، أو تقول: إنها غير منقلبة؟

стр. 727

فقال: لا، بل اللف الآن مقضي عليها بأنها منقلبة عن واو، والهمزة بعدها في حكم ما انقلبت عن الياء لتكون الكلمة بعد التكملة والصيغة الإعرابية من باب "شويت" و"طويت" و"حويت". فقلنا له: ألسنا قد علمنا أن الألف في "باء" هي الألف التي في "با" "تا" "ثا" إذا تهجيت، وأنت تقول: إن تلك الألف غير منقلبة من ياء أو واو لأنها بمنزلة ألف "ما" و"لا"؟ فقال: لما نقلت إلى الأسمية دخلها الحكم الذي يدخل الأسماء من الانقلاب والتصرف؛ ألا ترى أنا إذا سمينا رجلا ب "ضرب" أعربناه لأنه قد صار في حيز ما يدخله الإعراب، وهو الاسمن وإن كنا نعلم أنه قبل أن يسمى به لايعرب لأنه فعل ماض، ولم تمنعنا معرفتنا بذلك من أن نقضي عليه بحكم ما صار منه وإليه، فكذلك أيضا لا يمنعنا بأن ألف "با" "تا" "ثا" غير منقلبة ما دامت حروف هجاء من أن نقضي عليها إذا زدنا عليها ألفا أخرى، ثم همزنا تلك المزيدة بأنها الآن منقلبة عن واو، وأ، الهمزة منقلبة عن ياء إذ صارت إلى حكم الأسماء التي يقضي عليها بهذا ونحوه. وهذا صحيح منه حسن، ويؤكده عندك أنه لا يجوز وزن "با" "تا" "ثا" "حا" "خا" ونحوها ما دامت مقصورة متهجاة، فإذا قلت: هذه باء حسنة، ونظرت إلى هاء مشقوقه، جاز أن تمثل ذلك، فتقول: وزنه "فعل" كما تقول في "داء" و"ماء" و"شاء" إنه "فعل". فقال لأبي علي بعض حاضري المجلس: أفيجمع على الكلمة إعلال العين واللام؟ فقال: قد جاء من ذلك أحرف صاحلة، فيكون هذا منها ومحمولا عليها. والذي زاد على أبي علي هذه الزيادة فتى كان يقرأ ليه يعرف بالبوراني، وكان هذا الفتى ﵀ دقيق الفكر، حسن التصور، بحاثان مفتشا، ولا أظلمه حقه، فقلما رايت ابن سنه في لطف نظره، عفا الله عنا وعنه. وأنا أذكر الأحرف التي اعتلت فيها العين واللام.

стр. 728

فمنها "ماءٌ" وألفه منقلبة عن واو، وهمزته منقلبة عن هاء لقولهم: أمواه، ومُوَيْه، وماهَت الركيّة١ تموه، وقولهم مَوّهتُ عليه الأمر أي: حسنته له فكأني جعلت له عليه طلاوة وماء ليقبله سامعه. ومنها "شاءٌ" في قول من قال "شُوَيْهة" وتَشَوّهت شاةً إذا صدتها، حكى ذلك أبو زيد، وحكى أيضًا "شِيَهٌ"٢ و"أشاوِهُ"٣، فـ "شاء" على هذا مما عينه واو، ولامه هاء، وهو نظير "ماء" سواء. ومن قال "شَوِيّ" فهو من باب "طويت" و"لويت" وصارت "شاء" في هذا القول أخت "باء" و"تاء" و"حاء" على ما فسره أبو علي. قال النابغة٤: ................................ ... .... في شويّ وجاملِ ومنها ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر٥: مَن را مثل معدان بن يحيى ... إذا ما النسع طال على المطية٦ ومَن را مثل معدان بن يحيى ... إذا هبت شآمية عَرِيّة٧ فأصل هذا "رأى" فأبدل الهمزة ياء كما يقال في "ساءلت": "سايلت" وفي "قرأت": "قريت" وفي "أخطأت": "أخطيت"، فلما أبدل الهمزة التي هي عين ياء أبدل الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذف الألف المنقلبة عن الياء التي هي لام الفعل لسكونها وسكون الألف التي هي عين الفعل.

стр. 729

وسألت أبا علي، فقلت له: من قال: "مَن را مثل معدان بن يحيى" كيف ينبغي أن يكون "فَعَلْتُ" منه؟ فقال: "رَيَيْت" ويجعله من باب "حييت" و"عييت"، قال: لأن الهمزة في مثل هذا الموضع إذا أبدلت فإلى الياء تقلب، يريد "سايلته" ونحوه. وذهب أبو علي في بعض مسائله١ إلى أنه أراد "رأى" وحذف الهمزة كما حذفها من "أَرَيْت" ونحوه. وكيف كان الأمر فقد حذف الهمزة وقلب الياء ألفا، وهذان إعلالان تواليا في العين واللام. ومنها ما حكاه سيبويه٢ من قول بعضهم "جا يجي"، فهذا أبدل الياء التي هي عين الفعل ألفا، وحذف الهمزة تخفيفًا، فأعل العين واللام جميعًا. ومثله ما حكاه أيضًا من "سا يسو"٣. ومنها أن أبا علي أجاز في قول لبيد٤: بصَبُوح صافيةٍ، وجذب كرينةٍ ... بموَتَّرٍ تَأْتَا له إبهامُها٥ فيمن فتح اللام في "لَهُ" أن يكون أراد "تأتوي له" أي: تفتعل له من أويت إليه، أي: عدت إليه، إلا أنه قلب الواو ألفا، وحذف الياء التي هي الفعل لسكونها، فأعل العين واللام جميعًا. وقد كنت حملت قولهم في النكاح "الباء" أن تكون همزته مبدلة من الهاء التي تظهر في الباه، وعللت ذلك، وأريت وجه الاشتقاق فيهما، ومن أين اشترك "ب وه" و"ب وء" في "الباء" في معنى النكاح إذ كان كل واحد منهما قائما بنفسه غير مقلوب عن صاحبه.

стр. 730

وذكرت ذلك في كتابي١ في شرح تصريف أبي عثمان ﵀ فتجنبت الإطالة بذكره هنا. فإذا كان هذا وغيره مما ندع ذكره اكتفاء بهذا قد أعلت عينه ولامه جميعًا، جاز أيضًا أن تحمل "باء" و"طاء" و"هاء" وأخاوتهن في إعلال عيناتها ولاماتها جميعًا عليه، فقد صار إذن تركيب "طاء" و"حاء" ونحوهما بعد التسمية من "ط وي" ومن "ح وي"وصارا كأنهما من باب "طويت" و"حويت" وإن لم يكونا في الحقيقة منه، ولكنهما قد لحقا بحكمه، وجريا في القضية مجراه، فلو اشتققت على هذا من هذه الحروف بعد التسمية فعلا على "فَعَلْت" لقت من الباء "بويت"، ومن التاء "تويت"، ومن الثاء "ثويت"، ومن الحاء "حويت"، ومن الخاء "خويت" ومن الراء "رويت"، ومن الطاء "طويت"، ومن الظاء "ظويت"، ومن الفاء "فويت"، ومن الهاء "هويت"، ومن الياء "يويت" كما تقول في "فَعَّلت" من "طَوَيت" و"حَوَيت": "طَوّيت" و"حَوّيت". هذا هو القياس الذي تقضيه حقيقة النظر، وأما المسموع المحكي عنهم فإن يقولوا "ببَّيت، وتيّيت، وثيَّيت، وحيَّيت، وخيَّيت، وطييت، وظييت، ويييت ياء حسنة" وكذلك بقية أخواتها، فظاهر هذا القول يدل من رأيهم على أنهم اعتقدوا أن الألف في نحو: باء، وتاء، وحاء، وخاء بدل من ياء، وجعلوا الكلمة من باب "حييت" و"عييت" ونحوهما مما عينه ولامه ياءان. والذي حملهم على هذا عندي سماعهم الإمالة في ألفاتهن قبل التسمية وبعدها؛ ألا تراك تقول إذا تهجيت: با تا ثا حا خا را طا ظا ها يا، وقالوا بعد التسمية والنقل: باء، وتاء، وثاء، وحاء، وطاء، وظاء، فلما رأوا الإمالة شائعة في هذه الألفات قبل النقل وبعده حكموا لذلك بأن الألفات فيهن منقلبات عن ياءات، وأنها قد لحقت في الحكم بالألفات المنقلبات من الياءات، فلذلك قالوا: حييت حاء، وطييت طاء، ونحو ذلك. وأنا أذكر وجه الإمالة في هذه الحروف، وأدل على صحة القياس الذي ذهب إليه أبو علي.

стр. 731

أما إمالتهم إياها وهي حروف تهَجٍّ فليس ذلك لأنها منقلبة عن ياء ولا غيرها، وذلك أنها حينئذ أصوات غير مشتقة ولا متصرفة، ولا انقلاب في شيء منها لجمودها، ولكن الإمالة فيها حينئذ إنما دخلتها من حيث دخلت "بلى"، وذلك أنها شابهت بتمام الكلام واستقلاله بها وغناها عما بعدها الأسماء المستقلة بأنفسها، فمن حيث جازت إمالة الأسماء كذلك أيضًا جازت إمالة "بلى"؛ ألا ترى أنك تقول في جواب من قال لك ألم تفعل كذا؟: "بلى" فلا تحتاج "بلى" لكونها جوابا مستقلا إلى شيء بعدها، فلما قامت بنفسها، وقويت، لحقت في القوة بالأسماء في جواز إمالتها كما أميل نحو "أنى" و"متى"، وكذلك أيضًا إذا قلت: با تا ثا قامت هذه الحروف بأنفسها، ولم تحتج إلى شيء يقويها، ولا إلى شيء من اللفظ تتصل به، فتضعف، وتلطف لذلك الاتصال عن الإمالة المؤذنة بقوة الكلمة وتصرفها. ويؤكد ذلك عندنا ما رويناه عن قطرب من أن بعضهم قال: "لا أفعل" فأمال "لا"، وإنما أمالها لما كانت جوابا قائمة بنفسها، فقويت بذلك فلحقت بالقوة باب الأسماء والأفعال، فأميلت كما أميلا، فهذا وجه إمالتها وهي حروف هجاء. وأما إمالتها وقد نقلت، فصارت أسماء، ومُدّت، فإنما فعلوا ذلك لأن هذه الألفات قد كانت قبل النقل والمد مألوفة فيها الإمالة، فأقروها بعد المد والتسمية والإعراب بحالها؛ ليعلموا أن هذه الممدودة المعربة هي تلك المقصورة قبل النقل المبنية، لا لأن هذه الألفات عندهم الآن بعد النقل والمد مما سبيله أن يقضى بكونه منقلبا عن ياء. ولهذا نظائر في كلامهم، منها إمالتهم الألف في "حُبالى" ليعلم أن الواحدة قد كانت فيها ألف ممالة، وهي حبلى، فالألف الآن في "حبالى" إنما هي بدل من ياء "حبال" كما قالوا "دعوى" و"دعاوٍ" ثم أبدلوا من ياء "حَبال" ألفا، وأمالوها كما كانت في الواحد ممالة، محافظة على الواحد، فكذلك حافظ هؤلاء أيضًا، فأمالوا قولهم: هذه حاء وياء لقوهم قبل الإعراب: با تا ثا حا خا. ومما راعوا فيه حكم غيره مما هو أصل له إعلالهم العين في نحو: "أقام" و"أسر" و"استقام" و"استسار"؛ ألا ترى أن الأصل في هذا "أقوم" و"أسير" و"استقوم" و"اسْتَسْيَر" فنقلوا فتحة الواو والياء إلى ما قبلهما، وقلبوهما لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن، ولولا أنهما انقلبتا في "قام" و"سار"

стр. 732

اللتين أصلهما "قَوَم" و"سَيَر" لما قلبتا في "أقوَمَ" و"أسيَرَ" لأنهما في "أقوم" و"أسير" ساكن ما قبلهما، وإذا سكن ما قبل الواو والياء صحتا، وجرتا مجرى الصحيح، ولكن لما أعلتا في "قام" و"سار" لتحركهما وانفتاح ما قبلهما حملتا في "أقام" و"أسار" على اعتلال الثلاثي في "قام" و"سار"؛ أفلا تراهم كيف راعوا في الرباعي وما فوقه حكم الثلاثي، ولولا جريانه عليه واتباعه في الإعلال له لوجب تصحيحيه وخروجه سالما على أصله. فكذلك أيضًا أميلت "حاء" و"خاء" لإمالة "حا" "خا". فقد صح بما ذكرناه أنه لا اعتداد بإمالة هذه الألفات مقصورة كانت أو ممدودة؛ إذ كان ذلك لا يدل على أنهن منقلبات عن الياء إذ قد أميلت وهي مقصورة، وإذا كانت مقصورة جرت مجرى "لا" و"ما" ونحو ذلك مما ألفه غير منقلبة البتة. فإذا لم يكن في إمالتها دلالة على كونها منقلبة، كما لم يدل ذلك في ألف "بلى" و"لا" و"يا" في النداء، ثبت أن الأمر فيها على ما ذهب إليه أبو علي من أن العين سبيلها أن تكون واوًا، وتكون اللام ياء لتكون الكلمة من باب "طويت" و"شويت" و"ضويت" لأنه أكثر من باب "حييت" و"عييت" ومن باب "قويت" و"حويت" من القوة والحوة. فلو لم يكن في هذا إلا الجنوح إلى الكثرة والرجوع إليها عن القلة لكان سببا قويا، وعذرا قاطعا، فكيف به وقد دللنا على قوته لما قدمناه. ولو جمعت هذه الحروف بعد النقل على نحو "باب أبواب" و"ناب وأنياب" لأظهرت العين صحيحة لسكون ما قبلها، فقلت على مذهب أبي علي في باء: أبواء، وفي تاء: أتواء، وفي ثاء: أثواء، وفي حاء: أحواء، وفي خاء: أخواء، وفي راء: أرواء، وفي طاء: أطواء، وفي ظاء: أظواء، وفي فاء: أفواء، وفي هاء: أهواء، وفي ياء: أياء، وأصلها أيواء، ففعل بها ما فعل بأيوام جمع يوم. وعلى قول العامة سوى أبي علي: أبياء، وأتياء، وأحياء، وأخياء، وأرياء، وأطياء، وأظياء، وأفياء، وأهياء، وأياء أيضًا. ومن ذهب إلى التأنيث فجمعهما على أفعل نحو: نار، وأنؤر، ودار وأدؤر، وساق وأسؤق، قال على مذهب أبي على: باء وأبو، وتاء وأتو، وثاء وأثو، وحاء وأحو، وخاء وأخو،

стр. 733

فأجراه مجرى: جدْي وأجْدٍ، وظبي وأظْبٍ، وفي اليا: ياء وأي، وأصلها "أيوي" فقلبت الواو لوقوع الياء ساكنة قبلها، فاجتمعت ثلاث ياءات، فحذفت الأخيرة منهم تخفيفًا كما حذفت من تصغير "احوى": "أُحَيّ"، فصار "أيّ". وعلى قول الجماعة غيره: أَبْيٍ، وأتْيٍ، وأحْىٍ، وأخْيٍ، وفي الياء: أيٍّ بالحذف كما تقدم، فاعرف ذلك، فهذه أحكام الحروف التي على حرفين. وأما ما كان على ثلاثة أحرف فعلى ضربين: أحدهما: ما ثانيه ياء، والآخر: ما ثانيه ألف. الأول: جيم، سين شين عين غين ميم، فسبيل هذه أن تجري بعد النقل والإعراب مجرى "ديك" و"فيل" و"بيت" و"قيد" مما عينه ياء. ومن قال في "ديك" و"فيل" إنه يجوز أن يكون "فُعْلًا" و"فِعْلًا" جميعًا، وهو الخليل١، احتمل عنده جيم، سين، شين، ميم، أن تكون أيضًا "فُعْلًا" و"فِعْلًا" جميعًا فأما عين غين ففَعْلٌ لا غير. فإن قلت: فهل تجيز أن يكون أصلهما "فَيْعِلًا" كميِّت وهين ولين، ثم حذفت عين الفعل منهما؟ فإن ذلك هنا لا يجوز ولا يحسن من قبل أن هذه حروف جوامد بعيدة عن الحذف والتصرف. فإن بنيت منها "فَعَّلْت" قلت: جَيَّمت جيما، وسنيت سينا، وشينت شينا، وعينت عينا، وغينت غينا، وميمت ميما. وتقول في الجمع: أجيام، وأسيان، وأشيان، وأعيان، وأغيان، وأميام، بلا خلاف لظهور العين ياء فيهن. ولو جاءت على "أفْعُل" لقلت: أجيُم، وأسين، وأشين، وأعين، وأغين، وأميم. وأما ما ثانية ألف: فدال، وذال، وصاد، وضاد، وقاف، وكاف، ولام، وواو. فهذه الحروف مادامت حروف هجاء لم تمثل، ولم يقض فيها بقلب ولا غيره مما لا يوجد في الحروف، فإن نقلتها إلى الاسمية لزمك أن تقضي بأن الألف فيهن

стр. 734

منقلبة عن واو، وذلك مما وصى به سيبويه لأنه هو الأكثر في اللغة؛ ألا ترى إلى كثرة: بابٍ، ودارٍ، ونارٍ، وجارٍ، وغارٍ، وساقٍ، وطاقٍ، وهامةٍ، وقامةٍ، ولابة١، وعادة، ورادة٢، وسادة، وذلدة٣، وشارة٤، وزارة٥، وقلة نابٍ، وعابٍ، وغابٍ، وعارٍ، ورارٍ٦. فعلى الأكثر ينبغي أن يحمل، فإذا كان ذلك فلو بنيت منه "فَعَّلْت" لقلت: دَوَّلت دالا، وذَوّلت ذالا، وصودت صادا، وضودت ضادا، وقوفت فاقا، وكوفت كافا، ولومت لاما. فأما "الواو" فقد ذكرنا ما في ألفها من الخلاف، فمن ذهب إلى أن ألفها منقلبة عن ياء وجب عليه أن يقول في "فَعَّلت" منها: "وييت واوًا" وأصلها "ويوت" إلا أن الواو لما وقعت رابعة قلبت ياء كما قلبت في: غَدَّيت، وعشيت، وقضيت، ودنيت، فصارت: وييت. ومن ذهب إلى أن ألفها منقلبة من واو لزمه أن يقول: أَوّيت، وأصلها: وَوَّوت، فلما التقت في أول الكلمة واوان همزت الأولى منهما كما همزت الواو الأولى من "الأولى" وأصلها "وُوْلَى" لأنها "فُعلى" من "أَوّل" و"أول" فاؤه وعينه واوان لأنه "أفعل". وقد ذكرت في كتابي٧ في تفسير تصريف أبي عثمان خلاف الناس في "أول" كما همزوا تصغير "واصل" وجمعه في قولهم: "أُوَيْصل" و"أَوَاصل"، وأصله "وُوَيْصل" و"وَوَاصِل" فهمزت الواو الأولى لاجتماع الواوين في أول الكلمة. ومثله قول الشاعر٨:

стр. 735

ضربتْ صدرَها إلى وقالت ... ياعَديا لقد وَقَتْك الأواقي١ فالأواقي: جمع واقية، وأصلها وَواقٍ، فهمزت الواو الأولى. وقال٢: فإنك والتأبين عُروة بعدما ... دعاك وأيدينا إليه شوارع لكالرجل الحادي وقد تَلَع الضحى ... وطيرُ المنايا فوقهن أَواقع جمع: واقعة. وقال الآخر٣: شهمٌ إذا اجتمع الكُماة، وأُلجمت ... أفواقهُا بأواسط الأوتارِ٤ يريد جمع: واسط، وأصلها "وَوَاسط". فلما همزت الواو الأولى صار اللفظ في التقدير إلى "أوَّوت" فلما وقعت الواو رابعة قلبت ياء كما تقدم ذكره آنفا، فصارت "أوَّيت"، هذا هو صريح القياس وحقيقته. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، قال: ما كان على ثلاثة أحرف الأوسط منه ياء فليس فيه إلا وجه واحد بالياء، تقول: سيَّنْت سينا، وعينت عينا. وقال بعضهم في "ما" و"لا" من بين أخواتها: مَوَّيت ماء حسنة، ولويت لاء حسنة، بالمد لمكان الفتحة من "ما" و"لا". وتقول في الواو وهي على ثلاثة أحرف الأوسط ألف بالياء لا غير لكثرة الواوات، تقول: ويَّيت واوًا حسنة. وبعضهم يجعل الواو الأولى همزة لاجتماع الواوين، فيقول: أويت واوًا حسنة. انتهت الحكاية عن أبي بكر.

стр. 736

فأما ما أجازه من قوله: "ووَّيت" فمردود عندنا؛ لأنه إذا لم تجتمع واوان في أول الكلمة فالثلاث أحرى بأن لا يجوز اجتماعها. فأما قوله عز اسمه: ﴿مَا وُوْرِيَ عَنْهُمَا﴾ [الأعراف] فإنما اجتمعت في أوله واوان من قِبَل أن الثانية منهما مدة مبدلة من ألف "واريت" وليست بلازمة، فلأجل ذلك لم تُعتدّ. وأما قوله: "وبعضهم يجعل الواو همزة" فهذا هو الصواب الذي لا بد منه، ولا مذهب لنظار عنه. وأما ما حكاه من قولهم في "ما" و"لا": مويت، ولويت، فإن القول عندي في ذلك أنهم لما أرادوا اشتقاق "فعلت" من "ما" و"لا" لم يمكن ذلك فيهما وهما على حرفين، فزادوا على الألف ألفا أخرى، ثم همزوا الثانية كما تقدم، فصارت "ماء" و"لاء"، فجرت بعد ذلك مجرى "باء" و"حاء" بعد المد. وعلى هذا قالوا في النسب إلى "ما" لما احتاجوا إلى تكميلها اسما محتملا للإعراب: قد عرفت مائية الشيء، فالهمزة الآن إنما هي بدل من ألف ألحقت ألف "ما" وقضوا بأن ألف "ماء" و"لاء" مبدلة من واو كما قدمناه من قول أبي علي، وأن اللام منهما ياء حملا على "طويت" و"رويت"، ثم لما بنوا منهما "فعلت" قالوا: مويت ماء حسنة، ولويت لاء حسنة. وقوله: "لمكان الفتحة فيهما" أي: لأنك لا تميل "ما" و"لا" فتقول "ما" و"لا"، أي فذهب إلى أن الألف فيهما من واو. وهذا هو الذي حكيناه عنهم من أن اعتقادهم أن ألف "باء" و"حاء" وأخواتهما منقلبة عن ياء لأجل ما فيهما من الإمالة، حتى إنهم لما لم يروا في "ما" و"لا" إمالة حكموا بأن ألفهما منقلبة من واو. وقد ذكرنا وجه الإمالة من أين أتى هذه الألفات، ودللنا على صحة مذهب أبي علي فيما مضى من هذا الفصل. ولو جمعت هذه الأسماء على "أفعال" لقلت في دال، وذال: أدوال، وأذوال، وفي صاد، وضاد: أصواد وأضواد، وفي قاف، وكاف: أقواف، وأكواف، وفي لام: ألوام، وفي واو فيمن جعل ألفها منقلبة عن واو: أواء،

стр. 737

وأصلها أوّاو، فلما وقعت الواو طرفًا بعد ألف زائدة قلبت ألفا، ثم قلبت تلك الألف همزة كما قلنا في أبناء، وأسماء، وأعداء، وأفلاء١. ومن كانت ألف "واو" عنده من ياء قال إذا جمعها على "أفعال": "أيّاء"، وأصلها عنده "أوْياء" فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت الواو بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء التي بعدها، فصارت "أيَّا" كما ترى. ومن جمع ذلك على "أفعُل" قال: أدوُل، وأذوُل، وأصود، وأضود، وأقوف، وأكوف، وألوم. ومن كانت عين "واو" عنده واوًا قال في جمعها على "أفْعُل": "أوٍّ"، وأصلها "أوُّوٌ" فلما وقعت طرفًا مضمومًا ما قبلها أبدل من الضمة كسرة، ومن الواو ياء، فقال: "أوٍّ" كما قالوا: دلْوٌ وأدْلٍ، وحقُو وأحُقٍ. ومن كانت عين "واو" عنده ياء قال في جمعها على "أفعُل": "أيٍّ"، وأصله "أوْيُوٌ" فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء بعدها، فصارت "أيُّوٌ" فلما وقعت الواو طرفًا مضمومًا ما قبلها أبدلت من الضمة كسرة، ومن الواو ياء على ما ذكرناه الآن، فصار التقدير "أيُّيٌ"، فلما اجتمعت ثلاث ياءات والوسطى منهم مكسورة حذفت الياء الأخيرة، كما حذفت في تحقير "أحْوى" و"أعْيا" في قولهم "أُحَيٌّ" و"أُعَيٌّ" فكذلك قلت أنت أيضًا "أي". وأما "نون" فإن أمرها ظاهر لأن عينها واو كما ترى. ومن قال في "فُعْل" من البيع: "بُوْعٌ"- وهو أبو الحسن، ويشهد بصحة قوله هَيْف وهُوْف٢- لم يجز له مثل ذلك في "نون" أن تكون واوها بدلا من ياء لقولهم: نونت الكلمة تنوينًا، وهذا حرف منون، فظهور الواو في هذه المواضع ولا ضمة قبلها، يدل على أن الواو فيها أصل غير بدل. فإن جمعتها على "أفعال" قلت "أنوان" وعلى "أفعُل": "أنون".

стр. 738

ومن همز الواو لانضمامها، فقال١: لكل دهر قد لبست أثؤبا٢ وقال٣: ................................... ... مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر٤ همز أيضا هذا فقال: أنؤن، وأكؤف، وأقؤف، وأدؤل، وأذؤل، وأصؤد، وأضؤد. وأما "زاي" فيمن لفظ بها ثلاثية هكذا فألفها على ما قدمناه ينبغي أن تكون منقلبة عن واو، ولامه ياء كما ترى، فهو من لفظ "زويت"٥ إلا أن عينه أعتلت، وسلمت لامه، ولحق بباب: غاي، وراي، وثاي، طاي، وآي في الشذوذ لاعتلال عينه وصحة لامه. وقولي "اعتلت" إنما أريد به أنها متى أعربت فقيل: هذه راي حسنة، أو: كتبت زايا صغيرة أو نحو ذلك، فإنها بعد ذلك ملحقة في الاعتلال بباب "راي" و"غاي" إلا أنه مادام حرف هجاء فألفه غير منقلبة، فلهذا كان عندي قولهم في التهجي "زاي" أحسن من "غاي" و"طاي" لأنه ما دام حرفا فهو غير مصرف، وألفه غير مقضي عليها بالانقلاب، "غاي" وبابه متصرف، فالانقلاب، وإعلال العين، وتصحيح اللام جار عليه ومعروف به. ولو اشتققت منها "فعلت" لقلت "زويت" وإن كانت الإمالة قد سمعت في ألفها. وهي على مذهب أبي علي "زويت" ايضا، وعلى قول غيره: زييت زايا. وإن كسرتها على "أفعال" قلت "أزواء" وعلى قول غير أبي علي "أزياء" إن صحت إمالتها. وإن كسرتها على "أفعل" قلت "أزو" و"أزي" على المذهبين.

стр. 739

وأما من قال "زَي" وأجراها مجرى "كي" فإنه إذا اشتق منها "فعَّلت" كملها قبلُ اسما فزاد على الياء ياء أخرى، كما أنه إذا سمى رجلا بـ "كى" ثقل الياء، فقال: هذا كيٌّ، وكذلك تقول أيضًا "زيٌّ" ثم تقول منه "فعَّلت": "زييت" كما تقول من "حَيِيت": "حَيّيت". فإن قلت: فإذا كانت الياء من "زيْ" في موضع العين فهلا زعمت أن الألف من "زاي" ياء لوجودك العين في "زَي" ياء؟ فالجواب: أن ارتكاب هذا خطأ من قبل أنك لو ذهبت إلى هذا لحكمت بأن "زي" محذوفة من "زاي" والحذف ضرب من التصرف، وهذه الحروف كما تقدم جوامد لا تصرف في شيء منها. وأيضًا فلو كانت الألف في "زاي" هي الياء في "زي" لكانت منقلبة، والانقلاب في هذه الحروف مفقود غير موجود. وعلقت عن أبي علي في شرح الكتاب لفظا من فيه قال: من قال "اللاء" فهو عنده كالباب، ومن قال "اللائي" فهو عنده كالقاضي، قال: ولا يكون "اللاء" محذوفًا من "اللائي". فإذا لم يجز الحذف في هذه الأسماء التي توصف ويوصف بها، ويحقر كثير منها، وتدخل عليها لام التعريف المختصة بالأسماء، فأن لا يجوز الحذف في حروف الهجاء التي هي جوامد أبدا أحرى. ولو جمعتها لقلت في القولين جميعًا "أزياء" و"أزي". فأما قولنا "ألف" فأمرها ظاهر، ووزنها "فَعِلٌ" وعينها ولامها صحيحتان كما ترى. وأما الألف الساكنة التي هي مدة بعد اللام في قولهم "و. لا. ي" فلا يجوز أن تسميها كما تسمي أول ما تجده في لفظك من "ضرب" بقولك "ضادٌ" وثانيه بقولك "راء" وثالثه بقولك "باء" من قبل أنك تجد في أوائل هذه الحروف التي تسميها بهذه الأسماء المبنية لفظ الحرف الذي تريده، والألف أبدا ساكنة، فلا يمكن تسميتها لأنه كان يلزمك أن توقع الألف الساكنة أول ذلك الاسم المبني، والساكن لا يمكن ابتداؤه، فرفض ذلك لذلك، وقد تقدم ذكر هذا.

стр. 740

ألا ترى أن أول قولك "جيم" جيم، وأول "طاء" طاء، وهذا واضح. فإن تكلفت أن تبني من الألف الساكنة في قولنا "لا" مثال "فَعَّلت" لم يمكنك ذلك حتى تتم الألف الساكنة ثلاثة أحرف؛ لأنه لا يمكن الاشتقاق من كلمة على أقل من ثلاثة أحرف، فيلزمك على ذلك أن تزيد على الألف ألفا أخرى ليكون الثاني من لفظ الأول، كما أنك إذا سميت رجلا "لا" زدت على الألف ألفا أخرى، وهمزتها لأنك حركتها لالتقاء الساكنين، فقلت "لاء" وفي "ذا": "ذاء" وفي "ما": "ماء" فتزيد على الألف من"لا" وهي ساكنة كما ترى ألفا أخرى بعد أن تزيل اللام التي كانت الألف معتمدة عليها؛ لأنك الآن إنما تريد تكميلها للبناء منها، ولست تريد الآن أن تلفظ بها فتتركها مدعومة باللام من قبلها، وإنما حذفت اللام لأنها زائدة، والبناء أبدا من الأصول لا من الزوائد، فيصيرك التقدير إلى أن تجمع بين ألفين ساكنين، وذل لا يمكنك اللفظ به لتعذر الابتداء بالساكن، إلا أنك تعلم أن هذا الذي أشْكُله الآن صورتهما، وهو "أاْ" فيلتقي ألفان ساكنتان، فلا يمكن الابتداء بالأولى منهما لسكونها، فلا تخلو حينئذ من حذف إحداهما أو حركتها، فلا يمكن الحذف لأنك لو حذفت إحداهما عدت إلى اللفظ بالواحدة التي عنها هربت، فكان ذلك يكون مؤديا إلى نقض الغرض الذي أجمعته من تكميل الحرف بالزيادة فيه للبناء منه، فلما لم يسغ الحذف وجب تحريك إحداهما، فكانت الألف الأولى أولى بالحركة ليمكن الابتداء بها، فلما حركت كان الكسر أولى بها إذ الحركة فيها إنما هي لالتقاء الساكنين، فانقلبت همزة على حد ما قدمناه من الألف إذا حركت قلبت همزة نحو: "شأبَّة" و"دأبَّة" وما أشبه ذلك. فلما حركت الألف الأولى فقلبت همزة مكسورة انقلبت الألف الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما قلبت في نحو: "قراطيس" و"حماليق" جمع "قرطاس" و"حملاق" فصار اللفظ حينئذ "إي" فلما أردت التكملة زدت على الياء ياء أخرى، كما أنك لو سميت رجلا بـ "في" زدت على الياء باء أخرى، فقلت هذا "في" فصار اللفظ فيما بعد "إي". فإن بنيت من "إي" هذا "فعلت" كما قلت قوفت قافا، وكوفت كافا، وسينت سينا، وعينت عينا، وجب عليك أن تقول "أويت".
следующие страницы →