الفصل الرابع: نسخ الكتاب، وتحقيقه:
لقد اطلعت لكتاب الفصول على نسختين خطيتين، وهما:
النسخة الأولى: تقع في ٤٨ لوحة محفوظة في مكتبة الأوقاف بحلب تحت رقم ٨٧٩ وقد حصلت على صورة منها عن مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض برقم ٦٩٧ ص.
النسخة الثانية: تقع في ٤٠ لوحة. وقد حصلت على نسخة منها عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية برقم ١٠٢٧٨.
ومما تجدر الإشارة إليه أن كتاب الفصول لابن الهائم قد قام بتحقيقه فضيلة الدكتور عبد المحسن بن محمد بن عبد المحسن المنيف الأستاذ المساعد بقسم الفقه بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وطبع الكتاب عام ١٤١٤هـ.
وقد اعتمد المحقق على هاتين النسختين في تحقيقه للكتاب، واستصحبتهما أيضاً أثناء تحقيقي للشرح وقابلت عليهما من باب التأكد كما نبهت على ذلك في منهجي في التحقيق.
стр. 72
القسم الثاني: الكتاب المحقق
مقدمة المؤلف
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يَسِّر وأعن، يقول محمد سبط المارديني١:
الحمد لله رب العالمين، أكمل الحمد وأتمه على كل حال. والصلاة والسلام على نبيه المبعوث بأشرفِ الخصال، وعلى آله وصحبه أفضلِ صحبٍ وخيرِ آل، وبعد:
فهذا تعليقٌ مختصر جعلته شرحاً على الفصول المهمةِ في مواريث الأمّة، تأليف الشيخ، الإمام، العالِم العلامة، أبي العباس، شهابِ الدين، أحمد بن محمد بن علي بن عماد، الشهير والدُه بالهائم- طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه- أفتحُ به مقفلة، وأحلّ به مشكلة، وأُتمم به مثله راجياً من الله تعالى المعونةَ والتوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقد جعلتُ المتنَ بالأحمر والشرحَ بالأسودِ تمييزاً بينهما.
стр. 73
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، الحمدُ لله الذي لا يعزُبُ أمرٌ عن علمه بدأ بالبسملة ثم بالحمدلة كما يفعله المصنفون؛ اقتداءً بالكتاب العزيز١. وبقوله ﵊: "كلِّ أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم".
وفي رواية: "لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع" ٢. فجمع بين الروايتين وجعلهما شيئاً واحداً هو فاتحة الكلام. وكفى بالقرآن العظيم إماماً٣.
стр. 74
والحمدُ لغة هو: الثناء باللسان على الجميل من نعمة أو غيرها١.
ومعنى يعزب: يغيب أي الذي لا يغيب شيء كلياً كان، أو جزئياً من الموجودات و٢ المعدومات عن علمه، قال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٣، قال مجاهد: لا يعزب: لا يغيب٤.
ولا يخرج شيء عن حكمه أي عن قضائه النافذ فيه.
أحمده وحمدُه من الفرائض؛ لأنه هو المنعم تفضلاً منه، ومعلوم أن شكر المنعم واجبٌ وأشكره على ترادفِ فضله الفائض أي توالي فضله، وهذا تأكيدٌ لقوله أحمده؛ لأنَّ الحمدَ إذا كان في مقابلة النعمة كان مساوياً للشكر باللسان.
стр. 75
وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له صح أنه ﵊ قال: "كل خطبة ليس فيها تشهدٌ فهي كاليدِ الجذماء" ١.
شهادةً فيها الكفاية للفوز بسعادة الأبد. ففي البخاري٢: "من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة" ٣.
стр. 76
وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسوله، المبعوثُ رحمةً وهداية قال [الله] ١ تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣.
صلى الله عليه وعلى آله [وأصحابه] ٤ ما ذيق سام٥ أي مدة ذوق الموت، وهي مدة بقاء الدنيا. وما وقعَ في ميراثٍ قِسام بكسر القاف مصدر قاسَم، يقال: قاسمه قِساماً ومقاسمة. مصدران مقيسان، كقاتله قِتالاً ومقاتلة. وعاينه عياناً ومعاينة. وفيه تحرير مذكور في موضعه٦. وسلَّم تسليماً قال [الله] ٧ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٨. ورُوي أنه ﵊ قال: "من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الملائكةُ تصلِّي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب" ٩.
стр. 77
وقال علماؤنا: يكره إفراد الصلاة عن السلام١.
أما بعدُ أي بعد ما سبق من الحمدِ، والشكرِ، والتشهدِ، والصلاة، والسلام على سيّد المرسلين ﷺ .
فهذه فصولٌ جمع فصل، وهو: الكلامُ المترجَم له المقصود قطعه عمّا قبله٢. في علم الفرائض٣ وهو: الفقهُ المتعلقُ بالإرث، وعلم ما يوصل
стр. 78
لمعرفة قدر ما يجب/ [٦١/١ب] لكل ذي حق في التركة. هكذا عرفه ابنُ عرفة المالكي١، وتابعه المصنفُ، وغيرُه٢. فحقيقته مركبةٌ من الفقه المتعلق بالإرث، ومن الحساب الذي يتوصل به إلى معرفة قدر ما يجب لكل ذي حق في التركة.
وموضوعُه: التركات٣ وفاقاً لابن غرفة،..........................
стр. 79
والمصنف١، وغيرهما٢، لا العدد٣، خلافاً للصُّوْرِي٤ شارح الحَوْفي٥.
لأصولِه أي لأصول علم الفرائض التي [يبنى] ٦ عليها جامعةٌ بخلاف فروعه فإنها كثيرة، منتشرة؛ لا تنحصر في مختصر. منقحةٌ، مهذبةٌ أي منقّاة، مصفّاة من العبارات المعترضة، والكلام الحشو، والتكرار. موجزةٌ في لفظها،
стр. 80
مع كثرة معانيها. أضواؤُها ساطعةٌ كناية عن وضوح عباراتها، بحيث لا يكاد أكثرها يخفى إلاّ على أعشى البصيرة١.
قريبٌ مأخذها لوضوحها، سهلٌ تناولُها أي الوصول إليها عظيمٌ نفعُها؛ لما جمعت من القواعد المحررة، [كثيرٌ] ٢ جمعها مع قلة ألفاظها.
والله المرجو في تبليغ من يعتني ها المأمول؛ فإنه سبحانه أكرم مسؤول سأل الله الكريم لمن يعتني هذه الفصول أن يبلغه مأموله من العلم، والخير، ترغيباً للطلبة في الاشتغال هذا الكتاب.
стр. 81
الفصل الأول: الحقوق المتعلقة بالتركة
...
فصلٌ١ في بيانِ الحقوقِ٢ المتعلقة بالتركة٣
أكثرُ ما يتعلقُ بتركةِ الميت خمسةُ أنواعٍ من الحقوق٤؛ للاستقراء من موارد الشريعة٥.
стр. 82
مرتبة [بتقديم] ١ بعضها على بعض شرعاً.
النوعُ الأولُ من الخمسة: الحقوقُ المتعلقةُ بعينِ التركة٢ فتقدَّم على مؤن التجهيز، [وسائر] ٣ الحقوق كما تُقدَّم على حاجته في حياته٤، وهي صُورٌ
стр. 83
كثيرة؛ فلأجل ذلك جمعها، وأشار إليها بكاف التشبيه١ فقال: كالمرهون٢، وصورته: أن تكون التركة عيناً مرهونة بدين٣ على الميت، فيُقضى منها دينه مقدماً على الكفن، وسائر الحقوق.
وكالعبدِ الجاني المتعلق برقبته مالٌ عوضاً عن جناية جناها٤، كما إذا قتل نفساً، أو قَطَع طرفاً، خطأً، أو شبهَ عمد، أو عمداً لا قصاص فيه، أو فيه قصاصٌ ولكن عفا مستحق القصاص على مال. أو أتلف مالَ إنسانٍ بغير
стр. 84
تسليط فإنه يُقدَّم حقُ المجني عليه في جميع هذه الصور على مؤن التجهيز، وغيرها من الديون المرسلة في الذمة، والوصايا١.
فلوا اجتمع رهنُ، وجناية فذم المجني عليه على المرتهن؛ لانحصار حقه في عين الجاني.
وكالشيء المبيعِ إذا مات المشتري مفلساً وكان قد اشتراه بثمن في ذمته، ولم يؤده، ووجد البائع المبيعَ فله الفسخ٢، وأخذُ المبيع، [ويقدّم] ٣. به
стр. 85
بشرط ألاّ يتعلق به حقٌّ لازم١ كما إذا كان المبيع عبداً وكاتبه٢ المشتري قبل موته٣ ثم بعد الحقوق المتعلقة بعين تركة الميت تقدم مؤنُ تجهيزِه٤ من
стр. 86
كفن، وحَنُوط١ وأُجرةِ تغسيل، وحفر، ودفن، ونحوها على الديون المرسلة في الذمة بالمعروف٢ لا بإسراف، ولا [بتقتير] ٣ على حسب يسار الميت، وإعساره. ولا اعتبار بلباسه في حياته إسرافاً وتقتيراً٤.
стр. 87
ووجوب تقديم مؤن التجهيز على الديون [المرسلة] ١ لقوله [﵊] ٢ في المحرِم الذي وقصته ناقته: "كفّنوه في [ثوبيه] ٣". متفق عليه٤.
ولم يستفصل ﷺ هل عليه دينٌ، أم لا؟
ولأن الحيَّ إذا أفلس يترك له دَسْتُ٥ [ثياب] ٦ يليق به، وقوتُ يوم القسمة له، ولمن تلزمه نفقته [فالميت] ٧ أولى أن يقدم بما يحتاج إليه في ستره، ومواراته.
وتُستثنى الزوجةُ/ [٦٢/٢ أ] فعلى الزوج تكفينُها٨ وإن كانت موسرةً -في الأصحّ-٩، لأن عليه نفقَتها في حياتها، فأشبهتِ القريبَ،
стр. 88
والعبد. فلو كانت ناشزاً، أو كان الزوج مفلساً فتكفينها في مالها؛ فلا تستثنى.
وكثيراً ما يعبِّر العلماء عن مؤن التجهيز كلّها بالتكفين كما فعل المصنف١، لأن الشيء قد يُسمَّى باسم جزئه المقصود، أو باسم جزئه الأعظم، كما يقال: الحجُ عرفة [قال البخاري] ٢: قال سفيان: أجر القبر، والغسل هو من الكفن٣.
стр. 89
ثم بعد مؤن التجهيز يقدم الدينُ المطلقُ١ على الوصية، والإرث٢.
والمطلق هو: المرسل في الذمة، الذي لم يتعلق بعين، سواء كان لآدمي٣، أو لله تعالى٤، من زكاة تجارة، أو نذر٥، أو
стр. 90
كفارة١، أو حج؛ لأن قضاء الدين واجب، والوصية تبرع؛ فقدِّم عليها٢.
فلو اجتمع دينُّ لله تعالى، ودينٌ لآدمي، وضاق المتروكُ عنهما قُدِّم حق الله تعالى٣؛ لقوله ﵊: "فدينُ الله أحقُ
стр. 91
بالقضاء" متفق عليه١ ثم بعد الديون المرسلة تُقدَّم الوصيةُ للأجنبي٢ على الإرث٣.
стр. 92
وتُصْرَف من ثُلثِ الباقي إجماعاً١؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٢.
فلو كان الدينُ مستغرقاً للتركة تعطلت الوصيةُ٣، إلاّ أن يُبرئَ مستحقُ الدين، أو يتبرع متبرعٌ بقضائه٤.
والمراد [بالأجنبي] ٥: غير الوارث، وإن كان قريباً ممن لا يرث.
واحترز به عن الوارث فإن الوصية له وإن كانت بأقلَّ متموّل متوقفةٌ على إجازة باقي الورثة٦.
ثم الإرثُ٧ بعد الوصية، وهو آخرُ الأنواع الخمسة.
стр. 93
ولا يمنع الدينُ انتقالَ التركة إلى ملك الوارث١، وإن تعلق الدين بها؛ لأن تعلقه بها لا يزيد على تعلق حق المرتهن٢ بالعين المرهونة، والمجني عليه بالعبد الجاني: [وهو] ٣ لا يمنع الملك٤، فكذلك هذا٥.
ولأنه لو لم [تدخل] ٦ التركة في ملك الورثة للزم أن تكون باقية على ملك الميت؛ لامتناع نقل الملك إلى الغريم، وامتناع أن يكون ملكاً لا مالك له، واللازم باطل؛ لأنها لو كانت باقية على ملك الميت لوجب أن يرثه من زال عنه المانع بعد الموت، وقبل قضاء الدين، كعبد عتق. وألاّ يرثه من مات من [ورثته] ٧ قبل قضاء الدين وهما خلاف الإجماع، كما قاله جماعة٨.
стр. 94
ونَقل كثيرون من المتأخرين عن الإمام أحمد١ أن العبد إذا عتق بعد الموت، وقبل القسمة ورث٢ وكذا إذا أسلم الكافر٣.
وحكاه [عنه أيضاً الرافعي٤ فيهما] ٥.
قال الأَذْرَعِيُّ٦ في القوت٧: والمنقول عن أحمد، وصَرَّح به أصحابُه:
стр. 95
خلافُه١، قال بعضهم: لا خلاف فيه عنه، وإنما قاله فيمن أسلم قبل القسمة.
انتهى٢.
وكأنَّه [قاله] ٣ ترغيباً له في الإسلام٤.
وهي أي [التركة] ٥ كالمرهونِ بالدين٦ قليلاً كان الدين، أو كثيراً -وإن كان الدين مجهول المقدار- مراعاةً لبراءة ذمة الميت. قال عليه
стр. 96
الصلاة والسلام: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" صححه الحاكم١، وابن حبان٢ ٣.
وتصرُّفُ الوارث فيها بإزالة ملكه عنها ببيع، أو هبة، أو نحوهما بغير إذن صاحبه أي صاحب الدين تصرف باطلٌ سواء عَلم الوارثُ به أي بالدين، أو جَهل كالتصرف في المرهون بغير إذن المرتهن.
стр. 97
فإن تصرَّف الوارثُ في التركة ببيع، أو غيره، ولم يكن دين ثم حدث بعد التصرفِ دينٌ كالردِّ بعيب في المبيع، أو بخيار١ [ونحوه] ٢، أو حفر بئراً عدواناً ثم مات، وتصرف وارثه في تركته، ثم تردّى بالبئر، / [٦٢/٢ب] إنسان فمات لم يبطل تصرُّفه؛ لأنه كان سائغاً له شرعاً. ويلزم الوارث أقل الأمرين: من الدين، ومن قدر التركة. لكن إن منع تصرُّفهُ الأداء بأن لم يبق من التركة ما يقضى منه الدين، ولم يقضه الوارث، ولا تبرع أجنبيٌّ، ولا المستحق فُسخِ تصرفه؛ ليصل الحق إلى مستحقه. وللوارثِ إمساكُ التركة، وقضاءُ الدين من غيرها٣ كما أنه لصاحب الرهن إمساكه، وقضاء الدين من غيره٤.
ولا يتعلق الدينُ بزائد حادث بعد الموت٥ كما لو أثمرت الشجرة، أو حملت البهيمة، أو اكتسب العبد؛ لأن الزوائد تبع للملك، وقد انتقل للوارث بالموت. فلو لم تكن الزوائد حادثة بعد الموت، بل قبله، كما إذا برزت الثمرة، أو حملت الدابة قبل الموت فإنهما تركة تبعاً لملك الأصل.
стр. 98
الفصل الثاني: أسباب الإرث
...
فصلٌ١ في أسبابِ الإرث
لمّا بَيَّن ترتيبَ أنواعِ الحقوق المتعلقة بتركة الميت وكان الإرث آخرها، والمقصودَ الأعظَم منها، وكان ثبوته متوقفاً على تحقق سببه وشروطه، وانتفاء موانعه؛ أردف ذلك بذكر الأسباب، ثُم الشروط، ثُم الموانع مؤخرةً في فصل الحجب بالصفة؛ لأنها من أقسام الحجب، فقال: للإرث أسبابٌ وشروطٌ وموانعُ.
والأسبابُ: جمعُ سبب وهو لغة: ما يُتوصل به إلى غيره٢.
وشرعاً: كلُّ وصفِ ظاهرٍ منضبطٍ دلَّ الدليل السمعيُّ على كونه معرّفاً لحكم شرعي. قاله الآمدي٣.
стр. 99
وقال كثيرون١: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته٢ وهذا أعمّ من الشرعيّ والعقليّ، وغيرهما٣
وقولهم: لذاته. احتراز عمّا إذا تخلف الحكم عند وجوده لوجود مانع، أو لفقد شرط. وعمّا إذا وجد عند عدمه لخليفة سبب آخر.
فأسبابُه أربعةٌ٤ منها ثلاثةٌ عامة٥ يرث بها المسلمون والكفار وهي:
стр. 100
النكاحُ١ والمراد: عقد النكاح الصحيح وإن لم يوجد وطء ولا خلوة ويورث به من الجانبين فيرث الزوج الزوجة وترثه إجماعاً٢، بخلاف النكاح الفاسد٣؛ فلا يوجب التوارث٤.
والولاءُ٥ وهو: عُصوبةٌ سببها نعمة العتق، ويُورَث به من جانب المعتِق
стр. 101
فقط فيرث المعتِقُ عتيقَه إجماعاً١.وعصبةُ المعتِق كالمعتِق. ولا يرث العتيقُ معتِقَه إجماعاً أيضاً٢.
وفيه خلافٌ شاذ٣ لحديث ضعيف أنه ﵊ ورّث عتيقاً من معتِقه٤. قال أبو عيسى الترمذيُّ٥:
стр. 102
والعمل عند أهل العلم على خلافه. انتهى١.
وحمل الحديثُ بتقدير صحته على إعطائه مصلحة، لا إرثاً٢.
والقرابةُ وهي: الرَّحمُ٣ وتنقسم إلى: ما يورث به من الجانبين كالأب مع ابنه، والأخ مع أخيه٤.
وإلى ما يُورث به من جانب واحد، كالجدة أمِّ الأُم فإنها ترث ولدَ بنتِها ولا يرثُها، وسيأتي بيان ذلك كله.
стр. 103
والسببُ الرابعُ خاصٌ بالمسلم فيرث به المسلم دون الكافر وهو: جهة الإسلام١ فـ[إنه] ٢ إذا لم يُخلّف المسلمُ من يرثُ بشيء من تلك الأسباب الثلاثةِ السابقة٣ وهي: النكاح، والولاءُ، والقرابةُ أو خلّف من يرث بشيء من الأسباب الثلاثة ولكنه لم يستغرق التركة فَتَرِكَتُه كلُّها في الصورة الأولى٤، أو باقيها / [٦٣/٣ أ] في الصورة الثانية٥ تُصرف لبيت المال٦ إرثاً للمسلمين؛ لأنهم يعقلون عنه٧.
стр. 104
قال ﵊: "أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه" رواه أصحاب السنن١، وصححه الحاكم٢، وابنُ حِبَّان٣، وابنُ اللّبّان٤.
فلا يُصرف منه٥ شيء إلى القاتل٦، ولا إلى الكافر، ولا إلى المكاتَب. ويصرف [لغيرهم] ٧ بحسب رأي الإمام هذا إن انتظم بيتُ المال، بأن يكون
стр. 105
الإمام عادلاً، مستجمعاً لشروط الإمامة، كما اشترطه المتأخرون، والمحققون١.
وقال ابن سُرَاقة٢ من المتقدمين: هذا قولُ عامة شيوخنا، وعليه الفتوى اليوم في الأمصار٣.
وقال الماوَرْدِيُّ٤:
стр. 106
إنه مذهب الشافعي١ [﵁] ٢ [و] ٣ قال: ويُقضى [العجب] ٤ ممن يفتي اليوم بتوريث بيت المال٥.
وإلا [أي وإن لم] ٦ ينتظم أمرُ بيت المال لعدم الإمام، أو [لوجود إمام جائر] ٧، أو عادلٍ غيرِ مستجمعٍ للشروط فيُرَدّ ما فَضَل عن أهل الفرض الموجدين على غير الزوجين منهم٨ بالنسبة التي بين فروضهم
стр. 107
- كما سيأتي في كلامه في فصل الرد-١؛ لأن المال مصروف إما لبيت المال، وإما للأقارب اتفاقاً٢، فإذا تعذرت [إحدى] ٣ الجهتين تعينت الأُخرى. ولو توقفنا لعرضنا المال للضياع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٤.
والمراد بالأرحام هنا: القرابات٥، والقرابة منتفية في الزوجين من حيث الزوجية بم فلذلك استثناهما [العلماء] ٦.
стр. 108
فإن لم يكونوا أي فإن لم يوجد أحدٌ من أصحاب الفروض النَّسَبية فذووا الأرحام يرثون على تفصيل يأتي في فصل توريث ذوي الأرحام١، ولم يَشترط [أكثرُ] ٢ المالكية في توريث بيت المال انتظامه٣.
стр. 109
الفصل الثالث: شروط الإرث
...
فصلٌ١ في شروط الإرث
ولمّا كان الإرثُ متوقفاً على حصولِ [شروطِه] ٢ احتاج إلى ذكرِها فقال: شروطُ الإرث أربعةٌ٣.
الشروطُ: جمعُ شرطٍ، وهو لغة: العلامة٤.
واصطلاحاً: ما يلزم من عدمِه العدمُ، ولا يلزم من وجودِه وجودٌ، ولا عدمٌ لذاته٥.
واحترزنا بالقيد الأخير٦: من مقارنة الشرط للسبب، فإنه يلزم من هذه المقارنة الوجود، كوجود الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة٧.
стр. 110
مع النصاب١ الذي هو شب لوجوب الزكاة.
ومِن مقارنة الشرط للمانع، كالدَّينِ على القول بأنَّه مانعٌ من وجوب الزكاة؛ فإنه يلزم من هذه المقارنة العدم؛ لكن لزوم الوجود والعدم في ذلك لوجودِ السبب في الصورة الأولى، والمانع في الصورة الثانية، لا لذات الشرط.
[ودخل في التعريف المذكور] ٢ الشرطُ العقليُّ كالحياة للعلم، والشرعي كالطهارة للصلاة، والعادي كنصب السلّم لصعود السطح٣.
أحدُها أي أحد الشروط الأربعة: تحققُ موت الموروث منه، كما إذا