← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فَسَادًا مِنْ الأُخْرَى، فَدَرْءُ الْعُلْيَا مِنْهُمَا أَوْلَى مِنْ دَرْءِ١ غَيْرِهَا، وَهَذَا وَاضِحٌ٢ يَقْبَلُهُ كُلُّ عَاقِلٍ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أُولُو الْعِلْمِ. "وَ" مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ أَيْضًا "تَحْكِيمُ الْعَادَةِ" وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ "إنَّ الْعَادَةَ مُحَكَّمَةٌ"٣ أَيْ مَعْمُولٌ بِهَا شَرْعًا؛ لِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، مَوْقُوفًا عَلَيْهِ٤ وَهُوَ "مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ"٥ وَلِقَوْلِ٦ ابْنِ عَطِيَّةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ٧: إنَّ مَعْنَى الْعُرْفِ: كُلُّ مَا عَرَفَتْهُ النُّفُوسُ مِمَّا لا تَرُدُّهُ الشَّرِيعَةُ٨.

стр. 2102

قَالَ ابْنُ ظَفَرٍ١ فِي الْيَنْبُوعِ " الْعُرْفُ " مَا عَرِفَهُ الْعُقَلاءُ٢ بِأَنَّهُ حَسَنٌ، وَأَقَرَّهُمْ الشَّارِعُ عَلَيْهِ. وَكُلُّ مَا تَكَرَّرَ مِنْ لَفْظِ "الْمَعْرُوفِ" فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ٤ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الأَمْرِ وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٥﴾ ٦،

стр. 2103

فَأَمَرَ١ بِالاسْتِئْذَانِ فِي الأَوْقَاتِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهَا بِالابْتِذَالِ٢ وَوَضْعِ الثِّيَابِ٣، فَابْتَنَى الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَى٤ مَا كَانُوا يَعْتَادُونَهُ. وَمِنْهَا٥ قَوْلُهُ ﷺ لِهِنْدٍ٦ "خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدِك بِالْمَعْرُوفِ" ٧ وَقَوْلُهُ ﷺ لِحَمْنَةَ بِنْتِ

стр. 2104

جَحْشٍ١ "تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى سِتًّا أَوْ سَبْعًا، كَمَا تَحِيضُ٢ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ٣ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ٤، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا ذَلِكَ فَلْتَتْرُكْ الصَّلاةَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا٥.

стр. 2105

وَمِنْ ذَلِكَ: حَدِيثُ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الأَنْصَارِيِّ١، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ نَاقَةَ الْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْحِيطَانِ٢ حِفْظُهَا بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظُهَا بِاللَّيْلِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ٣. وَهُوَ أَدَلُّ شَيْءٍ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَادَةِ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ إذْ بَنَى النَّبِيُّ ﷺ التَّضْمِينَ٤ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. وَضَابِطُهُ٥ كُلُّ فِعْلٍ٦ رُتِّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَلا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلا فِي اللُّغَةِ، كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ، وَالأَكْلِ

стр. 2106

مِنْ بَيْتِ الصَّدِيقِ. وَمَا يُعَدُّ قَبْضًا وَإِيدَاعًا وَإِعْطَاءً وَهَدِيَّةً وَغَصْبًا، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمُعَاشَرَةِ وَانْتِفَاعُ الْمُسْتَأْجِرِ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. وَ١أَمْثَالُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ لا تَنْحَصِرُ٢. وَمَأْخَذُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَوْضِعُهَا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي٣ قَوْلِهِمْ "الْوَصْفُ الْمُعَلَّلُ بِهِ٤ قَدْ يَكُونُ عُرْفِيًّا" أَيْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعُرْفِ٥ وَفِي بَابِ التَّخْصِيصِ فِي٦ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْعَادَةِ٧. "وَ" مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ أَيْضًا٨ "جَعْلُ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ احْتِيَاطًا" كَالْمَقْتُولِ تُورَثُ عَنْهُ الدِّيَةُ. وَإِنَّمَا تَجِبُ بِمَوْتِهِ وَلا تُورَثُ عَنْهُ٩ إلاَّ إذَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، فَيُقَدَّرُ دُخُولُهَا قَبْلَ مَوْتِهِ.

стр. 2107

وَيَلْتَحِقُ بِمَا تَقَدَّمَ: قَاعِدَةٌ نَقَلَهَا١ الْعَلائِيُّ٢ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلاءِ. وَهِيَ أَنَّ "إدَارَةَ٣ الأُمُورِ فِي الأَحْكَامِ عَلَى قَصْدِهَا٤" وَدَلِيلُهَا حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" وَرُبَّمَا أُخِذَتْ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ٥﴾ ؛ لأَنَّ أَفْعَالَ الْعُقَلاءِ إذَا كَانَتْ مُعْتَبَرَةً، فَإِنَّمَا تَكُونُ عَنْ قَصْدٍ. وَأَيْضًا: فَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى

стр. 2108

الْمُكَلَّفِ: الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ الْمُوصِلِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ . فَالْقَصْدُ سَابِقٌ دَائِمًا١. وَسَوَاءٌ فِي اعْتِبَارِ التَّصْدِيقِ٢ فِي الأَفْعَالِ: الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، إلاَّ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَخْتَصُّ٣ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ٤ إلَى اللَّهِ فَلا تَصِحُّ هَذِهِ النِّيَّةُ مِنْ كَافِرٍ، بِخِلافِ نِيَّةِ الاسْتِثْنَاءِ، وَالنِّيَّةِ فِي الْكِنَايَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْحَافِظُ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ رَجَبٍ وَغَيْرُهُ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ كَلامًا شَافِيًا٥ مِنْهُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ٦ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ٧ مَعْنَاهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مِنْ دَلالَةِ الْمُقْتَضَى، وَأَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ لِصِحَّةِ هَذَا الْكَلامِ، وَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَدَّرُ "صِحَّةُ" الأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ أَوْ "اعْتِبَارُهَا" أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَقِيلَ: يُقَدَّرُ "كَمَالُ" الأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ٨: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَلالَةِ الْمُقْتَضَى، وَإِنَّهُ لا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ شَيْءٍ أَصْلاً؛ لأَنَّ

стр. 2109

الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ رُكْنِهَا أَوْ شَرْطِهَا. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ بِنِيَّةٍ فَهُوَ صُورَةُ عَمَلٍ لا عَمَلٌ شَرْعِيٌّ. فَصَحَّ النَّفْيُ، فَلا حَاجَةَ لِتَقْدِيرٍ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَمِمَّا١ تَدْخُلُ فِيهِ النِّيَّةُ الْعِبَادَاتُ جَمِيعُهَا. وَمِنْهَا: الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْغُسْلُ عِنْدَنَا وَالصَّلاةُ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا، عَيْنُهَا وَكِفَايَتُهَا، وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ٢ وَالاعْتِكَافُ، وَالْحَجُّ فَرْضُ الْكُلِّ وَنَفْلُهُ وَالأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ، وَالنُّذُورُ وَالْكَفَّارَاتُ، وَالْجِهَادُ وَالْعِتْقُ، وَالتَّدْبِيرُ وَالْكِتَابَةُ، بِمَعْنَى أَنَّ حُصُولَ الثَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ٣ الأَرْبَعَةِ: يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَيُقَالُ٤ بَلْ يَسْرِي هَذَا إلَى سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ إذَا قُصِدَ بِهَا التَّقَوِّي٥ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، أَوْ التَّوَصُّلِ إلَيْهَا كَالأَكْلِ وَالنَّوْمِ، وَاكْتِسَابِ الْمَالِ، وَالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ فِيهِ، وَفِي الأَمَةِ إذَا قَصَدَ بِهَا الإِعْفَافَ، أَوْ تَحْصِيلَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ، أَوْ تَكْثِيرَ الأُمَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2110

"بَابٌ" فِي١ بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُسْتَدِلِّ ٢، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ بَيَانِ الاجْتِهَادِ وَالْمُجْتَهِدِ وَالتَّقْلِيدِ، وَالْمُقَلِّدِ، وَمَسَائِلِ ذَلِكَ فَنَقُولُ "الاجْتِهَادُ" افْتِعَالٌ٣ مِنْ الْجُهْدِ -بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ- وَهُوَ الطَّاقَةُ وَالاجْتِهَادُ "لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ "اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ" أَيْ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِفْرَاغِهِ "لِتَحْصِيلِ أَمْرٍ شَاقٍّ"٤.

стр. 2111

"وَ" مَعْنَاهُ "اصْطِلاحًا: اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ" أَيْ ذُو الْفِقْهِ وَتَقَدَّمَ حَدُّ١ الْفَقِيهِ٢، وَهُوَ قَيْدٌ مُخْرِجٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ؛ لأَنَّهُ لا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ فَقِيهًا، وَلِلْمُقَلِّدِ "وُسْعَهُ" بِحَيْثُ تَحُسُّ النَّفْسُ بِالْعَجْزِ عَنْ زِيَادَةِ اسْتِفْرَاغِهِ "لِدَرْكِ حُكْمٍ" يَسُوغُ فِيهِ الاجْتِهَادُ وَهُوَ الظَّنِّيُّ "شَرْعِيٍّ" لِيَخْرُجَ الْعَقْلِيُّ وَالْحِسِّيُّ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ جَمَاعَةٌ بِذَلِكَ لِلاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الْفَقِيهِ؛ لأَنَّ الْفَقِيهَ لا يَتَكَلَّمُ إلاَّ فِي الشَّرْعِيِّ٣.

стр. 2112

وَقَالَ الآمِدِيُّ: هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الظَّنِّ بِشَيْءٍ مِنْ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ يُحَسُّ مِنْ النَّفْسِ بِالْعَجْزِ١ عَنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ٢ ٣. "وَشَرْطُ مُجْتَهِدٍ: كَوْنُهُ فَقِيهًا٤، وَهُوَ" أَيْ الْفَقِيهُ فِي الاصْطِلاحِ "الْعَالِمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ" أَيْ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِخْرَاجِ أَحْكَامِ الْفِقْهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا "وَمَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ" أَيْ٥ مِنْ٦ أُصُولِ الْفِقْهِ٧.

стр. 2113

وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ سَجِيَّةٌ وَقُوَّةٌ يَقْتَدِرُ١ بِهَا عَلَى التَّصَرُّفِ بِالْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ وَالتَّرْتِيبِ، وَالتَّصْحِيحِ وَالإِفْسَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِلاكُ صِنَاعَةِ الْفِقْهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ الْفَقِيهُ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا، كَكَلامِهِ فِي مَسْأَلَةٍ سَمِعَهَا، فَلَيْسَ بِفَقِيهٍ. وَاَلَّذِي يُسْتَمَدُّ مِنْهُ أُصُولُ الْفِقْهِ: هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهُمَا٢. "وَ" أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِ "الأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مُفَصَّلَةً، وَاخْتِلافِ مَرَاتِبِهَا" وَلَيْسَ الْمُرَادُ: أَنْ يَعْرِفَ سَائِرَ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَجَمِيعَ أَحَادِيثِ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ: مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ. "فَمِنْ الْكِتَابِ٣ وَ٤السُّنَّةِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ" وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الآيَاتِ خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا مَا هُوَ مَقْصُودٌ بِهِ٥ الأَحْكَامُ بِدَلالَةِ الْمُطَابَقَةِ أَمَّا بِدَلالَةِ الالْتِزَامِ: فَغَالِبُ الْقُرْآنِ، بَلْ كُلُّهُ؛ لأَنَّهُ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ حُكْمٍ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ.

стр. 2114

وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعِلْمِهِ بِذَلِكَ حِفْظَهُ، بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ "بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ اسْتِحْضَارُهُ لِلاحْتِجَاجِ بِهِ، لا حِفْظُهُ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ حِفْظُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ، حَيْثُ أَمْكَنَهُ اسْتِحْضَارُ ذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ الاحْتِجَاجِ بِهِ١. "وَ" يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِ "النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِمَّا٢ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الَّتِي يُفْتِي فِيهَا مِنْ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ، حَتَّى لا يَسْتَدِلَّ بِهِ إنْ كَانَ مَنْسُوخًا، وَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ جَمِيعَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ٣. "وَ" يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِ "صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ" سَنَدًا وَمَتْنًا، لِيَطْرَحَ الضَّعِيفَ حَيْثُ لا يَكُونُ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَيَطْرَحَ الْمَوْضُوعَ مُطْلَقًا، وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا

стр. 2115

بِحَالِ الرُّوَاةِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ١، لِيَعْلَمَ مَا يَنْجَبِرُ مِنْ الضَّعْفِ٢ بِطَرِيقٍ آخَرَ "وَلَوْ" كَانَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ "تَقْلِيدًا كَنَقْلِهِ" ذَلِكَ٣ "مِنْ كِتَابٍ صَحِيحٍ" مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَنْسُوبَةِ لأَئِمَّتِهِ كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِمْ٤؛ لأَنَّهُمْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، فَجَازَ الأَخْذُ بِقَوْلِهِمْ، كَمَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ فِي الْقِيَمِ٥. "وَ" يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ فِي عِلْمِهِ "مِنْ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مَا يَكْفِيهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا" أَيْ بِالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم٦َ "مِنْ نَصٍّ، وَ" مِنْ

стр. 2116

"ظَاهِرٍ، وَ" مِنْ "مُجْمَلٍ، وَمُبَيِّنٍ، وَ" مِنْ "حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، وَ" مِنْ "أَمْرٍ، وَنَهْيٍ، وَ" مِنْ "عَامٍّ، وَخَاصٍّ، وَ" مِنْ "مُسْتَثْنًى وَمُسْتَثْنًى مِنْهُ، وَ" مِنْ "مُطْلَقٍ، وَمُقَيَّدٍ١، وَ" مِنْ "دَلِيلِ الْخِطَابِ وَنَحْوِهِ" كَفَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنِهِ وَمَفْهُومِهِ؛ لأَنَّ بَعْضَ الأَحْكَامِ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَوَقَفَ عَلَيْهِ تَوَقُّفًا ضَرُورِيًّا، لِقَوْلِهِ : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٢؛ لأَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِرَفْعِ " الْجُرُوحِ " وَنَصْبِهَا٣، وَلأَنَّ مَنْ لا٤ يَعْرِفُ ذَلِكَ لا٥ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لأَنَّهُمَا فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنْ مَرَاتِبِ الإِعْجَازِ. فَلا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِه٦ِ أَوْضَاعَ الْعَرَبِ، بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ

стр. 2117

حَمْلِ كِتَابِ١ اللَّهِ وَكَلامِ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى مَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ وَمَوَاقِعِ كَلامِهَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَرْجُوحِ جَائِزًا فِي كَلامِهِمْ. "وَ" يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِ "الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ" حَتَّى لا يُفْتِيَ بِخِلافِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ قَدْ خَرَقَ الإِجْمَاعَ٢. "وَ" بِ "أَسْبَابِ النُّزُولِ" قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي الآيَاتِ، وَأَسْبَابِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الأَحَادِيثِ؛ لِيَعْرِفَ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ تَخْصِيصٍ أَوْ تَعْمِيمٍ٣. "وَ" أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِ "مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِصِفَاتِهِ الْوَاجِبَةِ وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ" "وَ" مَا "يَمْتَنِعُ" عَلَيْهِ٤ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ

стр. 2118

اللَّهَ حَكِيمٌ، عَلِيمٌ١، غَنِيٌّ٢ قَادِرٌ، وَأَنَّ رَسُولَهُ ﷺ مَعْصُومٌ عَنْ الْخَطَإِ فِيمَا شَرَعَهُ، وَأَنَّ إجْمَاعَ الأُمَّةِ مَعْصُومٌ. وَلا تَصِحُّ مَعْرِفَتُهُ بِذَلِكَ مِنْ حَالِ الْبَارِي إلاَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. وَلا تَصِحُّ مَعْرِفَتُهُ بِعِصْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلاَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا. وَلا تَصِحُّ مَعْرِفَتُهُ بِعِصْمَةِ الأُمَّةِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ٣ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى خَطَإٍ٤. قَالَ فِي الْوَاضِحِ فِي صِفَةِ الْمُفْتِي: وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُ بِالأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ حُدُوثَ٥ الْعَالَمِ، وَأَنَّ لَهُ صَانِعًا٦، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ عَلَى صِفَاتٍ وَاجِبَةٍ لَهُ، وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ٧، وَأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ إرْسَالُ الرُّسُلِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ رُسُلاً بِأَحْكَامٍ

стр. 2119

شَرَعَهَا، وَأَنَّ١ صِدْقَهُمْ بِمَا٢ جَاءُوا بِهِ ثَبَتَ بِمَا أَظْهَرَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ. انْتَهَى. "وَ" لا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِ "تَفَارِيعِ٣ الْفِقْهِ"؛ لأَنَّ الْمُجْتَهِدَ هُوَ الَّذِي يُوَلِّدُهَا وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهَا٤ لَلَزِمَ الدَّوْرُ؛ لأَنَّهَا نَتِيجَةُ الاجْتِهَادِ فَلا يَكُونُ الاجْتِهَادُ نَتِيجَتَهَا. "وَ" لا "عِلْمُ الْكَلامِ" أَيْ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ، قَالَهُ الأُصُولِيُّونَ٥، لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَ: إنَّ الأَصْحَابَ عَدُّوا مِنْ شُرُوطِ الاجْتِهَادِ مَعْرِفَةَ أُصُولِ الْعَقَائِدِ. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلامَيْنِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ

стр. 2120

حَيْثُ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَكْفِي اعْتِقَادٌ جَازِمٌ، وَلا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِأَدِلَّتِهِمْ١ الَّتِي يُحَرِّرُونَهَا٢. انْتَهَى. "وَلا" يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا٣ "مَعْرِفَةُ أَكْثَرِ الْفِقْهِ". قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَاعْتَبَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: مَعْرِفَةَ أَكْثَرِ الْفِقْهِ وَالأَشْهَرُ: لا؛ لأَنَّهُ نَتِيجَتُهُ. انْتَهَى. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَا٤ سَبَقَ مِنْ الشُّرُوطِ: فَفِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ٥ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الشَّرْعِ٦ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. "وَ" أَمَّا "الْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ" فَهُوَ "الْعَارِفُ بِمَدَارِكِهِ" أَيْ مَدَارِكِ مَذْهَبِ إمَامِهِ ٧"الْقَادِرُ عَلَى تَقْرِيرِ قَوَاعِدِهِ، وَ" عَلَى "الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ" بَيْنَ مَسَائِلِهِ٨. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ٧:

стр. 2121

فَنَظَرُهُ١ فِي بَعْضِ نُصُوصِ إمَامِهِ وَتَقْرِيرِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، كَاجْتِهَادِ إمَامِهِ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ٢. انْتَهَى. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لَهُ أَرْبَعَ حَالاتٍ٣: الأُولَى: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُقَلِّدٍ لإِمَامِهِ فِي الْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ، لَكِنْ٤ سَلَكَ طَرِيقَهُ٥ فِي الاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى. وَدَعَا إلَى مَذْهَبِهِ٦، وَقَرَأَ كَثِيرًا٧ مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَهُ صَوَابًا، وَأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَأَشَدَّ مُوَافَقَةً فِيهِ وَفِي طَرِيقِهِ٨. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، مُسْتَقِلاًّ بِتَقْرِيرِهِ

стр. 2122

بِالدَّلِيلِ، لَكِنْ لا يَتَعَدَّى أُصُولَهُ وَقَوَاعِدَهُ مَعَ إتْقَانِهِ لِلْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَدِلَّةِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، عَارِفًا بِالْقِيَاسِ وَنَحْوِهِ، تَامَّ الرِّيَاضَةِ، قَادِرًا عَلَى التَّخْرِيجِ وَالاسْتِنْبَاطِ، وَإِلْحَاقِ الْفُرُوعِ وَالأُصُولِ١ وَالْقَوَاعِدِ٢ الَّتِي لإِمَامِهِ٣. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لا يَبْلُغَ رُتْبَةَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ٤ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ، غَيْرَ أَنَّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ، حَافِظٌ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ، عَارِفٌ بِأَدِلَّتِهِ٥، قَائِمٌ بِتَقْرِيرِهِ وَنُصْرَتِهِ، يُصَوِّرُ وَيُحَرِّرُ٦ وَيُمَهِّدُ وَيُقَرِّرُ، وَيُزَيِّفُ وَيُرَجِّحُ لَكِنَّهُ قَصُرَ عَنْ دَرَجَةِ أُولَئِكَ، إمَّا لِكَوْنِهِ لا٧ يَبْلُغُ فِي حِفْظِ٨ الْمَذْهَبِ مَبْلَغَهُمْ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَخْلُو٩ مِثْلُهُ١٠ فِي ضِمْنِ مَا يَحْفَظُهُ١١ مِنْ الْفِقْهِ وَيَعْرِفُهُ١٢ مِنْ أَدِلَّتِهِ١٣ عَنْ أَطْرَافٍ مِنْ

стр. 2123

قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُقَصِّرًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَدَوَاتُ الاجْتِهَادِ، الْحَاصِلِ١ لأَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ٢. الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقُومَ بِحِفْظِ الْمَذْهَبِ وَنَقْلِهِ وَفَهْمِهِ، فَهَذَا يُعْتَمَدُ نَقْلُهُ وَفَتْوَاهُ بِهِ فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ مَسْطُورَاتِ مَذْهَبِهِ وَ٣مِنْ مَنْصُوصَاتِ إمَامِهِ٤، أَوْ تَفْرِيعَاتِ أَصْحَابِهِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَذْهَبِهِ وَتَخْرِيجَاتِهِمْ٥. وَمَا٦ لَمْ٧ يَجِدْهُ مَنْقُولاً فِي مَذْهَبِهِ: فَإِنْ وَجَدَ فِي الْمَنْقُولِ مَا هُوَ٨ فِي مَعْنَاهُ، بِحَيْثُ يُدْرَكُ مِنْ غَيْرِ٩ فَضْلِ فِكْرٍ وَتَأَمُّلٍ: أَنَّهُ لا فَارِقَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الأَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي إعْتَاقِ الشَّرِيكِ: جَازَ لَهُ إلْحَاقُهُ بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ، وَكَذَا مَا يُعْلَمُ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ ضَابِطٍ مَنْقُولٍ١٠ مُمَهَّدٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ

стр. 2124

كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الإِمْسَاكُ عَنْ الْفُتْيَا بِهِ، وَيَكْفِي أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَكْثَرَ الْمَذْهَبِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مُطَالَعَةِ١ بَقِيَّتِهِ. انْتَهَتْ الْحَالاتُ مُلَخَّصَةً، مِنْ كِتَابِ " آدَابِ٢ الْمُفْتِي " لابْنِ حَمْدَانَ٣.

стр. 2125

فصل: تجزؤ الإجتهاد وخلاف العلماء فيه ... "فَصْلٌ" "الاجْتِهَادُ يَتَجَزَّأُ١" عِنْدَ أَصْحَابِنَا٢ وَالأَكْثَرِ، إذْ٣ لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ إذْ جَمِيعُهَا لا يُحِيطُ بِهِ بَشَرٌ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْمَآخِذِ: الْعِلْمُ٤ بِجَمِيعِ الأَحْكَامِ٥؛ لأَنَّ بَعْضَ الأَحْكَامِ قَدْ يُجْهَلُ بِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ فِيهِ، أَوْ بِالْعَجْزِ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّظَرِ، إمَّا٦ لِمَانِعٍ

стр. 2126

مِنْ تَشْوِيشِ فِكْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ١. وَقِيلَ٢: لا يَتَجَزَّأُ وَقِيلَ٣: يَتَجَزَّأُ فِي بَابٍ لا فِي مَسْأَلَةٍ٤ وَقِيلَ: فِي الْفَرَائِضِ لا فِي غَيْرِهَا٥. "وَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ ﷺ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَوَقَعَ" قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ إجْمَاعًا٦.

стр. 2127

"وَ" يَجُوزُ اجْتِهَادُهُ أَيْضًا "فِي أَمْرِ الشَّرْعِ عَقْلاً وَشَرْعًا" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ١، وَعَزَاهُ الْوَاحِدِيُّ إلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ. قَالَ: وَلا حُجَّةَ لِلْمَانِعِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ﴾ ٢ فَإِنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِالْوَحْيِ: اتِّبَاعٌ لِلْوَحْيِ٣. وَمَنَعَهُ الأَكْثَرُ مِنْ الأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ٤، وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّهُ

стр. 2128

ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ١ عَبْدِ اللَّهِ. "وَوَقَعَ" عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. قَالَ الْقَاضِي: أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: وَذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُهُ. وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ فِي الاسْتِدْلالِ٢ بِالْوَقَائِعِ وَغَيْرِهِمْ٣. وَقِيلَ: لَمْ يَقَعْ٤. وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ، لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ٥.

стр. 2129

وَاسْتُدِلَّ لِلصَّحِيحِ -الَّذِي هُوَ الْجَوَازُ وَالْوُقُوعُ- بِأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، وَبِأَنَّ الأَصْلَ مُشَارَكَتُهُ لأُمَّتِهِ، وَبِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ١ وقَوْله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٢ وَطَرِيقُ الْمُشَاوَرَةِ٣: الاجْتِهَادُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ نَّهُ اسْتَشَارَ فِي أَسْرَى٤ بَدْرٍ فَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِالْفِدَاءِ وَعُمَرُ بِالْقَتْلِ، فَجَاءَ عُمَرُ مِنْ الْغَدِ، وَهُمَا يَبْكِيَانِ، وَقَالَ ﷺ : "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُك مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ٥ " وَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ٦ وَتَعَالَى: ﴿مَا كَانَ

стр. 2130

لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ ١ وَأَيْضًا ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْك لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ٢. قَالَ فِي الْفُنُونِ: هُوَ مِنْ أَعْظَمِ دَلِيلِ الرِّسَالَةِ٣، إذْ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِهِ لَسَتَرَ٤ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ صَوَّبَهُ٥ لِمَصْلَحَةٍ يَدَّعِيهَا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ" ٦ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ٧ فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ٨ فِيهِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ بِبَدْرٍ دُونَ الْمَاءِ، قَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ٩ " إنْ كَانَ هَذَا بِوَحْيٍ فَنَعَمْ، وَإِنْ كَانَ

стр. 2131

الرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ، فَانْزِلْ بِالنَّاسِ عَلَى الْمَاءِ لِتَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ فَقَالَ: لَيْسَ بِوَحْيٍ، إنَّمَا هُوَ رَأْيٌ١ وَاجْتِهَادٌ رَأَيْتُهُ، وَرَجَعَ إلَى قَوْلِهِ"٢ وَكَذَا إلَى قَوْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ٣، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمَّا أَرَادَ صُلْحَ الأَحْزَابِ عَلَى٤ شَطْرِ نَخْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَتَبَ بَعْضَ الْكِتَابِ بِذَلِكَ، وَقَالا لَهُ" إنْ كَانَ بِوَحْيٍ: فَسَمْعًا وَطَاعَةً، وَإِنْ كَانَ بِاجْتِهَادٍ: فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ"٥ وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِغَيْرِ مَا

стр. 2132

ذُكِرَ، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى١ أَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِالاجْتِهَادِ. "وَ" عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ٢ اجْتِهَادِهِ ﷺ وَوُقُوعِهِ مِنْهُ "لا يُقَرُّ عَلَى خَطَإٍ" إجْمَاعًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْخَطَإِ٣، إلاَّ أَنَّهُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ هَذَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَالآمِدِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَابِلَةِ. وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ٤. وَمَنَعَ قَوْمٌ جَوَازَ الْخَطَإِ عَلَيْهِ٥، لِعِصْمَةِ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ عَنْ الْخَطَإِ فِي الاجْتِهَادِ٦.

стр. 2133

"وَ" يَجُوزُ "اجْتِهَادُ مَنْ عَاصَرَهُ ﷺ عَقْلاً" عِنْدَ الأَكْثَرِ "وَشَرْعًا وَوَقَعَ١". ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْعُدَّةِ٢ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ وَغَيْرُهُمَا. وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ٣. وَقِيلَ: لا يَجُوزُ مُطْلَقًا٤.

стр. 2134

وَقِيلَ: إنْ وَرَدَ الإِذْنُ بِذَلِكَ مِنْ الشَّارِعِ جَازَ وَإِلاَّ فَلا. وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْغَائِبِينَ عَنْهُ دُونَ الْحَاضِرِينَ، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى النَّصِّ١. وَقَدْ حَكَى الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِ ﷺ لِلْغَائِبِ عَنْهُ. وَاسْتَدَلَّ لِلْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ بِنُزُولِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ

стр. 2135

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ١، فَجَاءَ٢ فَقَالَ: "نَزَلَ هَؤُلاءِ عَلَى حُكْمِك قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ بِقَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ٣ وَسَبْيِ٤ ذَرَارِيِّهِمْ، فَقَالَ: قَضَيْتَ فِيهِمْ٥ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٦. وَجَاءَهُ٧ ﷺ رَجُلانِ فَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ٨: "اقْضِ بَيْنَهُمَا" فَقَالَ: وَأَنْتَ هُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:

стр. 2136

"نَعَمْ" ١ وَعَنْ عُقْبَةَ٢ بْنِ عَامِرٍ٣ مَرْفُوعًا بِمِثْلِهِ٤ رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ٥ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ [فَرَجِ ٦] بْنِ فَضَالَةَ، وَضَعَّفَهُ الأَكْثَرُ٧.

стр. 2137

وَلأَحْمَدَ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ١ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ قَوْمٍ٢. وَلأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ بَعَثَ عَلِيًّا ﵁ قَاضِيًا٣. "وَمَنْ جَهِلَ وُجُودَهُ تَعَالَى" جَلَّ وَعَزَّ "أَوْ عَلِمَهُ، وَفَعَلَ" مَا لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ "أَوْ قَالَ مَا لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ إجْمَاعًا فَـ" ـهُوَ

стр. 2138

"كَافِرٌ" وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِالإِسْلامِ١. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: تَبَعًا لِ " مُسْوَدَّةِ " بَنِي تَيْمِيَّةَ: مَنْ جَهِلَ وُجُودَ الرَّبِّ، أَوْ عَلِمَهُ وَفَعَلَ أَوْ قَالَ مَا أَجْمَعَتْ الأُمَّةُ أَنَّهُ لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ٢ فَكَافِرٌ. انْتَهَى. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي آخِرِ " الشِّفَاءِ ": وَكَذَا يَكْفُرُ٣ بِكُلِّ فِعْلٍ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُصَرِّحًا بِالإِسْلامِ، مَعَ فِعْلِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ أَوْ٤ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالصَّلِيبِ وَالنَّارِ وَالسَّعْيِ إلَى الْكَنَائِسِ، وَالْبِيَعِ مَعَ أَهْلِهَا، [وَالتَّزَيِّي] ٥ بِزِيِّهِمْ مِنْ شَدِّ٦ الزُّنَّارِ وَنَحْوِهِ٧ - فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ هَذَا لا يُوجَدُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ وَأَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ عَلامَةٌ عَلَى٨ الْكُفْرِ، وَإِنْ صَرَّحَ فَاعِلُهَا بِالإِسْلامِ٩. انْتَهَى.

стр. 2139

"وَلا يُكَفِّرُ مُبْتَدِعٌ غَيْرَهُ" أَيْ غَيْرَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْمُوَفَّقُ، وِفَاقًا لِلأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَكَمُقَلِّدٍ فِي الأَصَحِّ فِيهِ عِنْدَ أَحْمَدَ ١وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ٢، وَهَلْ يَفْسُقُ أَمْ٣ لا؟. وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الدَّاعِيَةِ وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: أَنَّهُ يَكْفُرُ وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "إلاَّ الدَّاعِيَةَ فِي رِوَايَةٍ" وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لا يَكْفُرُ الدَّاعِيَةُ وَلا غَيْرُهُ وَعَنْهُ يَكْفُرَانِ. "وَيَفْسُقُ مُقَلِّدٌ" فِي الْبِدَعِ "لا مُجْتَهِدٌ" فِيهَا، وَيَكُونُ فِسْقُ الْمُقَلِّدِ "بِمَا كَفَرَ بِهِ الدَّاعِيَةُ". قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ كَفَّرْنَا٤ فِيهَا٥ الدَّاعِيَةَ، فَإِنَّا٦ نُفَسِّقُ الْمُقَلِّدَ فِيهَا. قَالَ الْمَجْدُ: الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ لا تُوجِبُ الْكُفْرَ: لا يَفْسُقُ الْمُقَلِّدُ فِيهَا لِخِفَّتِهَا.

стр. 2140

"وَلا يَفْسُقُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ كَفَّرْنَاهُ" قَالَهُ الْمَجْدُ. "وَ" الْمُجْتَهِدُ "الْمُصِيبُ فِي" الأُمُورِ "الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ" إجْمَاعًا؛ لأَنَّهُ لا سَبِيلَ إلَى أَنَّ كُلاًّ١ مِنْ النَّقِيضَيْنِ أَوْ الضِّدَّيْنِ حَقٌّ، بَلْ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، وَالآخَرُ بَاطِلٌ، وَمَنْ لا يُصَادِفُ ذَلِكَ الْوَاحِدَ فِي الْوَاقِعِ: فَهُوَ ضَالٌّ آثِمٌ، وَإِنْ بَالَغَ فِي النَّظَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَدْرَكٌ ذَلِكَ عَقْلِيًّا٢ مَحْضًا. كَحُدُوثِ٣ الْعَالَمِ أَوْ٤ وُجُودِ الصَّانِعِ أَوْ شَرْعِيًّا مُسْتَنِدًا إلَى ثُبُوتِ أَمْرٍ عَقْلِيٍّ، كَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ٥. "وَنَافِي الإِسْلام مُخْطِئٌ آثِمٌ كَافِرٌ مُطْلَقًا" يَعْنِي سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ عِنْدَ أَئِمَّةِ الإِسْلامِ، وَقَدْ ذُكِرَتْ هُنَا
следующие страницы →