Полный текст (2 398 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: "إذَا بَلَغَك اخْتِلافٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١ فَوَجَدْت فِي ذَلِكَ٢ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَشُدَّ يَدَك٣، فَإِنَّهُ الْحَقُّ وَهُوَ السُّنَّةُ "٤. انْتَهَى٥.
"أَوْ" بِعَمَلِ "أَعْلَمَ" قَطَعَ بِهِ الأَكْثَرُ٦؛ لأَنَّ٧ لَهُ مَزِيَّةً لِكَوْنِهِ أَحْفَظَ لِمَوَاقِعِ الْخَلَلِ، وَأَعْرَفَ بِدَقَائِقِ الأَدِلَّةِ٨.
"أَوْ" بِعَمَلِ٩ "أَكْثَرِ" الأُمَّةِ١٠، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لا يَكُونَ الْمُعَارِضُ لَهُ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَيْهِمْ.
وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْمُوَافِقُ لِلأَكْثَرِ: لأَنَّ الأَكْثَرَ مُوَافِقٌ لِلصَّوَابِ الَّذِي لَمْ يُوَفَّقْ١١ لَهُ الأَقَلُّ١٢، هَذَا١٣ قَوْلُ الأَكْثَرِينَ١٤.
стр. 2347
وَمَنَعَ جَمْعٌ التَّرْجِيحَ بِذَلِكَ. قَالَ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ١ فِي قَوْلِ الأَكْثَرِ، وَلَوْ سَاغَ التَّرْجِيحُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ لانْسَدَّ بَابُ الاجْتِهَادِ عَلَى الْبَعْضِ الآخَرِ٢.
"وَيُقَدَّمُ" مِنْ حُكْمَيْنِ فَأَكْثَرَ "مَا عِلَلَ" أَيْ: مَا تَعَرَّضَ الشَّارِعُ لِعِلَّتِهِ عَلَى مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ؛ لأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي تَعَرَّضَ الشَّارِعُ٣ لِعِلَّتِهِ٤: أَفْضَى إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ؛ لأَنَّ النَّفْسَ لَهُ أَقْبَلُ بِسَبَبِ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى٥.
"أَوْ رُجِّحَتْ عِلَّتُهُ" يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ عُلِّلَ حُكْمَانِ، وَكَانَتْ عِلَّةُ أَحَدِهِمَا أَرْجَحَ، رُجِّحَ بِأَرْجَحِيَّةِ٦ عِلَّتِهِ٧.
стр. 2348
"وَ" يُرَجَّحُ مِنْ دَلِيلَيْنِ "مُؤَوَّلَيْنِ١ مَا دَلِيلُ تَأْوِيلِهِ أَرْجَحُ" مِنْ دَلِيلِ تَأْوِيلِ الآخَرِ؛ لأَنَّ لَهُ مَزِيَّةً بِذَلِكَ٢.
"وَ" يُقَدَّمُ "عَامٌّ وَرَدَ مُشَافَهَةً، أَوْ" وَرَدَ "عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فِي مُشَافَهَةٍ بِهِ، وَسَبَبٍ" عَلَى عَامٍّ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الْمُشَافَهَةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ٣.
قَالَ الْعَضُدُ: إذَا٤ وَرَدَ عَامٌّ هُوَ خِطَابُ شِفَاهٍ لِبَعْضِ مَنْ تَنَاوَلَهُ، وَعَامٌّ آخَرُ لَيْسَ هُوَ٥ كَذَلِكَ، فَهُوَ كَالْعَامَّيْنِ وَرَدَ أَحَدُهُمَا عَلَى سَبَبٍ دُونَ الآخَر، فَيُقَدَّمُ عَامُّ الْمُشَافَهَةِ فِيمَنْ شُوفِهُوا بِهِ، وَفِي غَيْرِهِمْ الآخَرُ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ٦. انْتَهَى.
"وَ" يُرَجَّحُ الْعَامُّ "الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ" أَيْ: عَلَى الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ ٧.
стр. 2349
"وَ١فِي غَيْرِهِ" أَيْ: فِي حُكْمِ٢ غَيْرِ السَّبَبِ؛ لأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي عُمُومِ الْعَامِّ٣ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي عُمُومِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ٤.
"وَ" يُرَجَّحُ "عَامٌّ عُمِلَ بِهِ" وَلَوْ فِي صُورَةٍ٥ عَلَى عَامٍّ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ. قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَجَمْعٌ٦.
وَعَكَسَ الآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَجَمْعٌ، فَقَالُوا٧: يُقَدَّمُ مَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ لِيُعْمَلَ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْ عُمِلَ بِهِمَا٨.
وَوَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ الْعَامَّ٩ لِمَا١٠ عُمِلَ بِهِ مُشَاهِدٌ لَهُ١١ بِالاعْتِبَارِ لِقُوَّتِهِ١٢ بِالْعَمَلِ.
стр. 2350
"أَوْ أَمَسَّ بِمَقْصُودٍ١" يَعْنِي أَنَّهُ يُرَجَّحُ عَامٌّ أَمَسَّ بِمَقْصُودٍ٢ أَوْ٣ أَقْرَبُ إلَيْهِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ أَمَسَّ بِالْمَقْصُودِ٤. مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ٥ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي وَطْءِ النِّكَاحِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٦ فَإِنَّهُ أَمَسُّ بِمَسْأَلَةِ الْجَمْعِ، لأَنَّ الآيَةَ الأُولَى قُصِدَ بِهَا بَيَانُ٧ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ فِي الْوَطْءِ بِنِكَاحٍ، وَمِلْكِ يَمِينٍ. وَالثَّانِيَةُ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا بَيَانُ حُرْمَةِ الْجَمْعِ٨.
"وَ" يُرَجَّحُ "مَا لا يَقْبَلُ نَسْخًا" لأَنَّهُ أَقْوَى عَلَى مَا يَقْبَلُهُ.
"أَوْ أَقْرَبُ إلَى احْتِيَاطٍ٩" يَعْنِي أَنَّهُ يُرَجَّحُ
стр. 2351
١مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى٢ الاحْتِيَاطِ عَلَى٣ غَيْرِهِ٤.
ذَكَرَهُ وَاَلَّذِي قَبِلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ.
"أَوْ لا يَسْتَلْزِمُ نَقْضَ٥ صَحَابِيٍّ خَبَرًا" يَعْنِي أَنَّهُ يُرَجَّحُ مِنْ حَدِيثَيْنِ: الَّذِي لا٦ يَسْتَلْزِمُ نَقْضَ صَحَابِيٍّ خَبَرًا - كَقَهْقَهَةٍ فِي صَلاةٍ٧ - عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُهُ٨.
"أَوْ تَضَمَّنَ إصَابَتَهُ ﷺ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا" يَعْنِي: أَنَّهُ يُقَدَّمُ مِنْ حَدِيثَيْنِ مَا تَضَمَّنَ إصَابَةَ النَّبِيِّ ﷺ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عَلَى مَا تَضَمَّنَ٩ إصَابَتَهُ ظَاهِرًا فَقَطْ١٠.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْبَنَّاءِ وَغَيْرُهُمَا: يُقَدَّمُ مَا لا يُوجِبُ تَخْطِئَةَ
стр. 2352
النَّبِيِّ ﷺ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُ١ إصَابَتَهُ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ، فَالأَوَّلُ مُقَدَّمٌ وَمُرَجَّحٌ؛ لأَنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ الْخَطَإِ حِينَئِذٍ٢، وَهُوَ الأَلْيَقُ بِهِ وَبِحَالِهِ ﷺ ، كَمَا وَرَدَ فِي ضَمَانِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: دَيْنَ الْمَيِّتِ وَقَالَ عَلِيٌّ٣ " هُمَا عَلَيَّ "٤ وَأَنَّهُ ابْتِدَاءُ ضَمَانٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلاةِ٥ عَلَى الْمَيِّتِ٦، وَكَانَ وَقْتَ الصَّلاةِ٧ مُصِيبًا فِي امْتِنَاعِهِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى حَمْلِهِ٨ عَلَى٩ الإِخْبَارِ عَنْ ضَمَانٍ سَابِقٍ، يَكْشِفُ عَنْ أَنَّهُ كَانَ١٠ امْتَنَعَ عَنْ١١ الصَّلاةِ فِي غَيْرِ
стр. 2353
مَوْضِعِهِ بَاطِنًا، هَذَا لَفْظُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ.
"أَوْ فَسَّرَهُ رَاوٍ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ١" يَعْنِي٢: أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ وَفَسَّرَ أَحَدَهُمَا رَاوِيه٣ِ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ: قُدِّمَ عَلَى مَا لَمْ يُفَسِّرْهُ رَاوِيهِ٤؛ لأَنَّ مَا فَسَّرَهُ رَاوِيهِ يَكُونُ الظَّنُّ بِهِ أَوْثَقَ٥؛ لأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَا رَوَاهُ، كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ٦، وَأَنَّ الْمُرَادَ٧ بِالتَّفَرُّقِ٨ " تَفَرُّقُ٩ الأَبْدَانِ١٠؛ لأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، لأَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ.
стр. 2354
"أَوْ١ ذَكَرَ سَبَبَهُ" يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ، وَذَكَرَ رَاوِي أَحَدِهِمَا سَبَبَ الْخَبَرِ٢، دُونَ رَاوِي الآخَرِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ مَا ذَكَرَ رَاوِيهِ سَبَبَهُ عَلَى مَا لَمْ يَذْكُرْ رَاوِيهِ سَبَبَهُ؛ لأَنَّ مَا ذَكَرَ رَاوِيهِ سَبَبُهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ اهْتِمَامِ الرَّاوِي بِرِوَايَتِهِ٣.
"أَوْ سِيَاقُهُ أَحْسَنُ٤" يَعْنِي أَنَّهُ يُقَدَّمُ مِنْ خَبَرَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ: مَا كَانَ سِيَاقُهُ أَحْسَنَ؛ لأَنَّ مَزِيَّتَهُ بِحُسْنِ السِّيَاقِ: تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ٥.
"أَوْ مُؤَرَّخٌ بِ" تَارِيخٍ "مُضَيَّقٍ" كَأَوَّلِ شَهْرِ كَذَا مِنْ٦ سَنَةِ كَذَا. يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ أَحَدُهُمَا مُؤَرَّخٌ بِتَارِيخٍ مُضَيَّقٍ - كَمَا ذَكَرَ -، وَالآخَرُ مُؤَرَّخٌ بِتَارِيخٍ مُوَسَّعٍ. كَقَوْلِهِ: فِي سَنَةِ كَذَا؛ لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ قَبْلَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْمُضَيَّقِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ
стр. 2355
ذُو التَّارِيخِ الْمُضَيَّقِ؛ لأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ اهْتِمَامِ رَاوِيهِ١ بِهِ٢.
"أَوْ دَلَّ عَلَى تَأَخُّرِهِ قَرِينَةٌ" يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ وَدَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَأَخُّرِ أَحَدِهِمَا: تَرَجَّحَ٣ بِذَلِكَ٤.
وَكَذَا إذَا٥ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا تَشْدِيدٌ دُونَ الآخَرِ. فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ بِذَلِكَ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ لِقَوْلِهِ "أَوْ٦ بِتَشْدِيدِهِ" لأَنَّ التَّشْدِيدَاتِ إنَّمَا جَاءَتْ حِينَ ظَهَرَ الإِسْلامُ وَكَثُرَ وَعَلَتْ شَوْكَتُهُ. وَالتَّخْفِيفُ كَانَ فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ، وَكَذَا حُكْمُ٧ كُلُّ مَا يُشْعِرُ بِشَوْكَةِ الإِسْلامِ. قَالَهُ الْعَضُدُ وَغَيْرُهُ٨.
وَحَيْثُ انْتَهَى الْكَلامُ عَلَى تَرْجِيحِ الدَّلِيلَيْنِ الْمَنْقُولَيْنِ شَرَعَ فِي
стр. 2356
تَرْجِيحِ الدَّلِيلَيْنِ الْمَعْقُولَيْنِ بِأَنْوَاعِهِ١، وَهُوَ الْغَرَضُ الأَعْظَمُ مِنْ بَابِ التَّرَاجِيحِ٢، وَفِيهِ اتِّسَاعُ مَجَالِ الاجْتِهَادِ، وَبَدَأَ بِتَعْرِيفِهِمَا٣، فَقَالَ:
"الْمَعْقُولانِ" أَيْ: الدَّلِيلانِ الْمَعْقُولانِ "قِيَاسَانِ، أَوْ اسْتِدْلالانِ.
فَالأَوَّلُ٤" الَّذِي هُوَ الْقِيَاسَانِ٥ "يَعُودُ" التَّرْجِيحُ فِيهِ "إلَى أَصْلِهِ" أَيْ: الأَصْلِ٦ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ "وَفَرْعِهِ" أَيْ: الْفَرْعِ الْمَقِيسِ "وَ٧" يَكُونُ فِي٨ "مَدْلُولِهِ٩ وَأَمْرٍ خَارِجٍ" كَمَا تَقَدَّمَ١٠ فِي الْمَنْقُولَيْنِ.
"فَيُرَجَّحُ الأَصْلُ" فِي صُوَرٍ:
стр. 2357
الأُولَى: أَنْ يُرَجَّحَ "بِقَطْعِ حُكْمِهِ" أَيْ١: بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ قَطْعِيًّا، فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا كَانَ دَلِيلُ أَصْلِهِ ظَنِّيًّا٢، كَقَوْلِنَا فِي لِعَانِ الأَخْرَسِ: أَنَّ٣ مَا صَحَّ مِنْ النَّاطِقِ صَحَّ مِنْ الأَخْرَسِ كَالْيَمِينِ، فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى شَهَادَتِهِ، تَعْلِيلاً٤ بِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ٥؛ لأَنَّ الْيَمِينَ تَصِحُّ مِنْ الأَخْرَسِ بِالإِجْمَاعِ، وَالإِجْمَاعُ قَطْعِيٌّ، وَأَمَّا جَوَازُ شَهَادَتِهِ: فَفِيهِ خِلافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ٦.
"وَ" الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُرَجَّحَ "بِقُوَّةِ دَلِيلِهِ" أَيْ٧: بِأَنْ يَكُونَ دَلِيلُ أَحَدِ الأَصْلَيْنِ أَقْوَى، فَتَكُونُ صِحَّتُهُ أَغْلَبَ فِي الظَّنِّ٨.
стр. 2358
"وَ" الثَّالِثَةُ: التَّرْجِيحُ١ "بِأَنَّهُ" أَيْ: بِأَنْ٢ يَكُونَ دَلِيلُ٣ أَصْلِهِ "لَمْ يُنْسَخْ" بِالاتِّفَاقِ٤ فَإِنَّ مَا قِيلَ بِأَنَّهُ٥ مَنْسُوخٌ - وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ بِهِ ضَعِيفًا - لَيْسَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ٦.
"وَ" الرَّابِعَةُ: التَّرْجِيحُ بِكَوْنِ حُكْمِ أَصْلِهِ جَارِيًا٧ "عَلَى سُنَنِ الْقِيَاسِ" بِالاتِّفَاقِ، فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مِمَّا كَانَ عَلَى سُنَنِ الْقِيَاسِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ؛ لأَنَّ مَا كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الْخَلَلِ٨.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ هُنَا أَنْ يَكُونَ فَرْعُهُ٩ مِنْ جِنْسِ أَصْلِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمْ، وَذَلِكَ كَقِيَاسِ مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ فِي تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ إيَّاهُ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِمْ ذَلِكَ عَلَى غَرَامَاتِ الأَمْوَالِ فِي أُصُولِ١٠ إسْقَاطِ التَّحَمُّلِ١١؛ لأَنَّ
стр. 2359
الْمُوضِحَةَ مِنْ جِنْسِ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَكَانَ عَلَى سُنَنِهِ، إذْ١ الْجِنْسُ بِالْجِنْسِ أَشْبَهُ٢. كَمَا يُقَالُ: قِيَاسُ الطَّهَارَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ.
"وَ" الْخَامِسَةُ: التَّرْجِيحُ "بِدَلِيلٍ خَاصٍّ بِتَعْلِيلِهِ" أَيْ: بِقِيَامِ٣ دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى تَعْلِيلِهِ، وَجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التَّعَبُّدِ٤ وَالْقُصُورِ وَالْخِلافِ٥.
وَيُرَجَّحُ مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ٦ بِالنَّصِّ عَلَى مَا ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ٧ بِالإِجْمَاعِ٨. قَدَّمَهُ الأُرْمَوِيُّ وَالْبَيْضَاوِيُّ٩، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "وَفِي قَوْلٍ: نَصٌّ، فَإِجْمَاعٌ١٠".
стр. 2360
وَقَالَ فِي الْمَحْصُولِ: وَيُرَجَّحُ مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ بِالإِجْمَاعِ عَلَى مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ بِالنَّصِّ؛ لِقَبُولِ النَّصِّ لِلتَّأْوِيلِ، بِخِلافِ الإِجْمَاعِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُمْكِنُ تَقْدِيمُ النَّصِّ؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ فَرْعُهُ١.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: نَعَمْ إذَا اسْتَوَى٢ النَّصُّ وَالإِجْمَاعُ فِي الْقَطْعِ مَتْنًا وَدَلالَةً: كَانَ مَا دَلِيلُهُ الإِجْمَاعُ رَاجِحًا و٣َدُونَهُمَا، إذَا كَانَا ظَنِّيَّيْنِ. بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نَصًّا٤ ظَنِّيًّا، وَالآخَرُ إجْمَاعًا ظَنِّيًّا٥ رُجِّحَ أَيْضًا مَا كَانَ دَلِيلُهُ الإِجْمَاعَ، لِمَا سَبَقَ مِنْ قَبُولِ النَّصِّ النَّسْخَ وَالتَّخْصِيصَ.
قَالَ الْهِنْدِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ بِشَرْطِ التَّسَاوِي فِي الدَّلالَةِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْحَقُّ أَنَّهُ٦ يُتْبَعُ فِيهِ الاجْتِهَادُ فَمَا تَكُونُ فَائِدَتُهُ لِلظَّنِّ أَكْثَرَ: فَهُوَ أَوْلَى فَإِنَّ الإِجْمَاعَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ النَّسْخَ وَالتَّخْصِيصَ، لَكِنْ قَدْ تَضْعُفُ٧ دَلالَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّلالَةِ الْقَطْعِيَّةِ، فَقَدْ يَنْجَبِرُ
стр. 2361
النَّقْصُ١ بِالزِّيَادَةِ، وَقَدْ لا يَنْجَبِرُ، فَيَقَعُ فِيهِ الاجْتِهَادُ. انْتَهَى.
"وَ" يُرَجَّحُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الآخَرِ "بِقَطْعٍ عِلَّتِهِ" لأَنَّ الْمَقْطُوعَ بِعِلَّتِهِ رَاجِحٌ٢ عَلَى مَا عِلَّتُهُ مَظْنُونَةٌ.
"أَوْ" الْقَطْعُ "بِدَلِيلِهَا أَوْ ظَنٍّ٣ غَالِبٍ فِيهِمَا" أَيْ: فِي الْعِلَّةِ، أَوْ فِي الدَّلِيلِ، فَشَمِلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ صُوَرٍ:
الأُولَى: الْقَطْعُ بِالْعِلَّةِ يُرَجَّحُ عَلَى الظَّنِّ بِهَا٤.
الثَّانِيَةُ: الظَّنُّ الْغَالِبُ فِي الْعِلَّةِ يُرَجَّحُ عَلَى الظَّنِّ غَيْرِ الْغَالِبِ٥.
الثَّالِثَةُ: الْقَطْعُ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ٦.
стр. 2362
الرَّابِعَةُ: الظَّنُّ الْغَالِبُ فِي دَلِيلِ الْعِلَّةِ١.
فَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ٢ مَسْلَكُ عِلَّتِهِ قَطْعِيًّا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ مَسْلَكُ عِلَّتِهِ مَظْنُونًا بِالظَّنِّ الأَغْلَبِ عَلَى مَا لا٣ يَكُونُ كَذَلِكَ٤.
"وَ" يُرَجَّحُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ بِ "سَبْرٍ٥، فَمُنَاسَبَةٌ٦" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي اُسْتُنْبِطَتْ عِلَّةُ٧ وَصْفِهِ٨ بِالسَّبْرِ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي اُسْتُنْبِطَتْ عِلَّةُ وَصْفِهِ٩ بِالْمُنَاسَبَةِ لِتَضَمُّنِ السَّبْرِ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ فِي الأَصْلِ، بِخِلافِ الْمُنَاسَبَةِ ١٠"فَشَبَهٌ" يَعْنِي أَنَّهُ
стр. 2363
يُرَجَّحُ قِيَاسٌ ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ١ بِالْمُنَاسَبَةِ عَلَى قِيَاسٍ ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ٢ بِالشَّبَهِ، لِزِيَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ٣ بِغَلَبَةِ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ٤.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَأَدْنَى٥ الْمَعَانِي فِي الْمُنَاسَبَةِ يُرَجَّحُ عَلَى أَعْلَى الأَشْبَاهِ٦.
"فَدَوَرَانٌ" يَعْنِي أَنَّهُ يُرَجَّحُ قِيَاسٌ ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ٧ بِالشَّبَهِ، عَلَى قِيَاسٍ ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ٨ بِالدَّوَرَانِ. قَطَعَ بِهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٩ وَغَيْرِهِ.
стр. 2364
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: مَا ثَبَتَ١ بِالطَّرْدِ، وَالْعَكْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الأَشْبَاهِ، لِجَرَيَانِهِ مَجْرَى الأَلْفَاظِ٢. انتهى.
وَقِيلَ: غَيْرُ مَا فِي الْمَتْنِ٣.
"وَ٤" يُرَجَّحُ قِيَاسٌ٥ "بِقَطْعٍ" فِيهِ "بِنَفْيِ الْفَارِقِ" بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ عَلَى قِيَاسٍ يَكُونُ نَفْيُ الْفَارِقِ فِيهِ مَظْنُونًا "أَوْ ظَنٍّ غَالِبٍ" يَعْنِي أَنَّهُ يُرَجَّحُ قِيَاسُ نَفْيِ الْفَارِقِ فِيهِ بَيْنَ الأَصْلِ، وَالْفَرْعِ مَظْنُونٌ بِالظَّنِّ الأَغْلَبِ عَلَى قِيَاسٍ يَكُونُ نَفْيُ الْفَارِقِ فِيهِ٦ بِالظَّنِّ غَيْرِ الأَغْلَبِ٧.
"وَوَصْفٍ حَقِيقِيٍّ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ قِيَاسٌ ذُو وَصْفٍ حَقِيقِيٍّ عَلَى ذِي وَصْفٍ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ٨.
قَالَ الْعَضُدُ: يُقَدَّمُ مَا الْعِلَّةُ فِيهِ وَصْفٌ حَقِيقِيٌّ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا
стр. 2365
الْعِلَّةُ فِيهِ وَصْفٌ اعْتِبَارِيٌّ، أَوْ حِكْمَةٌ مُجَرَّدَةٌ١. انْتَهَى.
"وَ" وَصْفٍ "ثُبُوتِيٍّ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ قِيَاسٌ الْعِلَّةُ فِيهِ وَصْفٌ ثُبُوتِيٌّ عَلَى قِيَاسٍ الْعِلَّةُ فِيهِ وَصْفٌ عَدَمِيٌّ٢.
"وَبَاعِثٍ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ قِيَاسٌ الْعِلَّةُ فِيهِ وَصْفٌ بَاعِثٌ عَلَى قِيَاسٍ الْعِلَّةُ فِيهِ مُجَرَّدُ أَمَارَةٍ٣، لِظُهُورِ مُنَاسَبَةِ الْبَاعِثِ٤.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيُرَجَّحُ بِالْقَطْعِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، أَوْ ظَنٍّ غَالِبٍ، وَالْوَصْفُ الْحَقِيقِيُّ أَوْ الثُّبُوتِيُّ أَوْ الْبَاعِثُ عَلَى غَيْرِهَا٥، لِلاتِّفَاقِ٦ عَلَيْهَا؛ وَلأَنَّ الْحِسِّيَّةَ كَالْعَقْلِيَّةِ وَهِيَ مُوجَبَةٌ، وَلا تَفْتَقِرُ فِي ثُبُوتِهَا إلَى غَيْرِهَا. انْتَهَى.
"وَ" تُقَدَّمُ عِلَّةٌ "ظَاهِرَةٌ" عَلَى الْعِلَّةِ الْخَفِيَّةِ٧.
стр. 2366
"وَ" عِلَّةٌ "مُنْضَبِطَةٌ" عَلَى الْعِلَّةِ الْمُضْطَرِبَةِ؛ لأَجْلِ الْخِلافِ فِي مُقَابَلَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُنْضَبِطَةِ١.
"وَ" تُقَدَّمُ عِلَّةٌ "مُطَّرِدَةٌ" عَلَى الْعِلَّةِ الْمَنْقُوضَةِ؛ ٢لأَنَّ شَرْطَ الْعِلَّةِ اطِّرَادُهَا٣؛ وَلأَنَّ الْمُطَّرِدَةَ أَغْلَبُ٤ عَلَى الظَّنِّ؛ وَلِضَعْفِ الْمَنْقُوضَةِ بِالْخِلافِ فِيهَا٥.
"وَ" تُقَدَّمُ عِلَّةٌ "مُنْعَكِسَةٌ" عَلَى الْعِلَّةِ٦ غَيْرِ الْمُنْعَكِسَةِ؛ لأَنَّ الانْعِكَاسَ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ الْغَلَبَةَ٧، لَكِنَّهُ٨ يُقَوِّيهَا٩.
стр. 2367
"وَ" تُقَدَّمُ عِلَّةٌ "مُتَعَدِّيَةٌ" عَلَى الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ عَلَى الأَصَحِّ. لِكَثْرَةِ فَوَائِدِ الْمُتَعَدِّيَةِ١. كَالتَّعْلِيلِ فِي٢ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْوَزْنِ، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى٣ كُلِّ مَوْزُونٍ، كَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالصُّفْرِ وَنَحْوِهَا، بِخِلافِ التَّعْلِيلِ بِالثَّمَنِيَّةِ أَوْ النَّقْدِيَّةِ، فَإِنَّهُ لا يَتَعَدَّاهُمَا، فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِالْوَزْنِ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ مُتَعَدٍّ لِمَحَلِّ النَّقْدَيْنِ إلَى غَيْرِهِمَا أَكْثَرَ فَائِدَةً مِنْ " الثَّمَنِيَّةِ " الْقَاصِرَةِ عَلَيْهِمَا.
"وَ" عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ هَذَا: فَتَكُونُ الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ٤ "أَكْثَرُ
стр. 2368
تَعْدِيَةً وَأَعَمُّ" مُقَدَّمَةً "عَلَى غَيْرِهَا" مِمَّا هُوَ أَقَلُّ تَعْدِيَةً وَأَخَصُّ١.
مِثَالُهُ: لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَكْثَرَ عِلَلَنَا فِي الرِّبَا "الْكَيْلُ" لأَنَّ٢ عِلَّةَ الْكَيْلِ حِينَئِذٍ تَكُونُ أَكْثَرَ فُرُوعًا، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الْمَطْعُومَاتِ أَكْثَرُ عِلَلِنَا فِيهِ بِالطُّعْمِ؛ لأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَكْثَرَ فُرُوعًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ٣ الأَقَلُّ فُرُوعًا بِإِضَافَتِهِ إلَى الأَكْثَرِ فُرُوعًا كَالْقَاصِرَةِ بِالنِّسْبَةِ٤ إلَى الْمُتَعَدِّيَةِ.
"وَإِنْ تَقَابَلَتْ عِلَّتَانِ فِي أَصْلٍ فَقَلِيلَةُ أَوْصَافٍ أَوْلَى".
قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: إذَا كَانَتْ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ أَكْثَرَ أَوْصَافًا مِنْ الأُخْرَى، فَالْقَلِيلَةُ الأَوْصَافِ أَوْلَى٥. انْتَهَى.
وَإِنَّمَا كَانَتْ أَوْلَى: لأَنَّ الْوَصْفَ الزَّائِدَ، لا أَثَرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ، وَصَحَّ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ مَعَ عَدَمِهِ؛ وَلأَنَّ الْكَثِيرَةَ الأَوْصَافِ يَقِلُّ فِيهَا إلْحَاقُ الْفَرْعِ٦. فَكَانَ كَاجْتِمَاعِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْقَاصِرَةِ ٧.
стр. 2369
قَالَ الْمَجْدُ: وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْفَخْرُ١ إسْمَاعِيلُ: هُمَا سَوَاءٌ. هَذَا نَقْلُ٢ الْحَلْوَانِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ٣. انْتَهَى.
وَإِنَّمَا قُلْت " فِي أَصْلٍ " لِمَا سَيَأْتِي مِنْ نَصِّهِ عَلَى مَا إذَا كَانَتَا٤ مِنْ أَصْلَيْنِ فَأَكْثَرَ.
"وَ" إنْ كَانَتْ الْعِلَّتَانِ "مِنْ أَصْلَيْنِ" فَأَكْثَرَ "فَكَثِيرَتُهَا٥" أَيْ: كَثِيرَةُ٦ الأَوْصَافِ "أَوْلَى إذَا كَانَتْ أَوْصَافُ كُلٍّ مِنْهُمَا" أَيْ: مِنْ٧ الْعِلَّتَيْنِ "مَوْجُودَةً فِي الْفَرْعِ"٨.
стр. 2370
قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَإِنْ كَانَتَا١ مِنْ أَصْلَيْنِ فَأَكْثَرُهُمَا أَوْصَافًا أَوْلَى، إذَا كَانَتْ أَوْصَافُ كُلِّ وَاحِدَةٍ٢ مِنْهُمَا مَوْجُودَةً فِي الْفَرْعِ لِقُوَّةِ شَبَهِهِ بِالأَكْثَرِ. قَالَ: وَفَارِقُ قِيَاسِ عِلَّةِ٣ الشَّبَهِ٤ فِي رِوَايَةٍ؛ لأَنَّ أَوْصَافَ الأَصْلِ هُنَاكَ٥ لَمْ تُوجَدْ بِكَمَالِهَا فِي الْفَرْعِ.
قَالَ٦ ابْنُ بُرْهَانٍ: تُقَدَّمُ٧ الْعِلَّةُ ذَاتُ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ عَلَى ذَاتِ الأَوْصَافِ. وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَضَرَبَ لَهُ مِثَالاً بِالْعِلَّتَيْنِ مِنْ أَصْلَيْنِ٨. انْتَهَى٩.
"وَ" تُقَدَّمُ عِلَّةٌ "مُطَّرِدَةٌ فَقَطْ عَلَى" عِلَّةٍ "مُنْعَكِسَةٍ فَقَطْ"؛ لأَنَّ اعْتِبَارَ الاطِّرَادِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَضَعْفُ الثَّانِيَةِ بِعَدَمِ الاطِّرَادِ أَشَدُّ مِنْ ضَعْفِ١٠ الأُولَى بِعَدَمِ١١ الانْعِكَاسِ١٢.
стр. 2371
"وَ" تُقَدَّمُ "الْمَقَاصِدُ الضَّرُورِيَّةُ" الْخَمْسَةُ "عَلَى غَيْرِهَا" مِنْ الْمَقَاصِدِ١.
"وَمُكَمِّلُهَا" أَيْ مُكَمِّلُ الْخَمْسَةِ الضَّرُورِيَّةِ "عَلَى الْحَاجِيَّةِ٢".
"وَهِيَ" أَيْ: وَتُقَدَّمُ الْمَصْلَحَةُ٣ الْحَاجِيَّةُ "عَلَى التَّحْسِينِيَّةِ٤.
وَ" يُقَدَّمُ "حِفْظُ الدِّينِ عَلَى بَاقِي الضَّرُورِيَّةِ٥".
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَإِذَا تَعَارَضَتْ بَعْضُ الْخَمْسِ الضَّرُورِيَّةِ: قُدِّمَتْ الدِّينِيَّةُ عَلَى الأَرْبَعِ الأُخَرِ، لأَنَّهَا الْمَقْصُودُ الأَعْظَمُ. قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى٦: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ
стр. 2372
إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ وَلأَنَّ ثَمَرَتَهُ نَيْلُ السَّعَادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ؛ لأَنَّهَا أَكْمَلُ٢ الثَّمَرَاتِ.
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الأَرْبَعُ الأُخَرُ عَلَى الدِّينِيَّةِ؛ لأَنَّهَا حَقٌّ آدَمِيٌّ، وَهُوَ يَتَضَرَّرُ. وَالدِّينِيَّةُ حَقٌّ لِلَّهِ ، وَهُوَ لا يَتَضَرَّرُ بِهِ٣، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ قَتْلُ الْقِصَاصِ عَلَى قَتْلِ الرِّدَّةِ عِنْدَ الاجْتِمَاعِ، وَمَصْلَحَةُ النَّفْسِ فِي تَخْفِيفِ الصَّلاةِ عَنْ مَرِيضٍ، وَمُسَافِرٍ، وَأَدَاءِ صَوْمٍ٤، وَإِنْجَاءِ غَرِيقٍ، وَحِفْظِ الْمَالِ بِتَرْكِ جُمُعَةٍ، وَبَقَاءِ الذِّمِّيِّ مَعَ كُفْرِهِ٥.
وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا قُدِّمَ: لأَنَّ فِيهِ حَقَّيْنِ. وَلا يَفُوتُ حَقُّ اللَّهِ بِالْعُقُوبَةِ الْبَدَنِيَّةِ فِي الآخِرَةِ، وَفِي٦ التَّخْفِيفِ عَنْهُمَا، تَقْدِيمٌ٧ عَلَى فُرُوعِ الدِّينِ٨ لا أُصُولِهِ، ثُمَّ هُوَ قَائِمٌ
стр. 2373
مَقَامَهُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَقْصُودُ، وَكَذَا غَيْرُهُمَا. وَبَقَاءُ الذِّمِّيِّ مِنْ مَصْلَحَةِ الدِّينِ لاطِّلاعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ. فَيَسْهُلُ انْقِيَادُهُ. كَمَا فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَتَسْمِيَتِهِ فَتْحًا مُبِينًا١.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ قُلْت: وَنَظِيرُ الْقَتْلِ بِالْقَوَدِ أَوْ٢ الرِّدَّةِ إذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَدَيْنٌ لآدَمِيٍّ، فَقِيلَ: تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ؛ لأَنَّهَا٣ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى اخْتَارَهُ٤ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ وَعَنْهُ يُقَدَّمُ٥ دَيْنُ الآدَمِيِّ. وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَ بِالْحِصَصِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ، وَدَيْنٌ، وَضَاقَ مَالُهُ عَنْهُمَا. أُخِذَ لِلدَّيْنِ بِحِصَّتِهِ وَحَجُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ٦، وَعَلَيْهِ الأَصْحَابُ، وَعَنْهُ٧ يُقَدَّمُ الدَّيْنُ لِتَأَكُّدِهِ، وَلَمْ يَحْكُوا هُنَا فِي الأُصُولِ: الْقَوْلَ٨ بِالتَّسَاوِي، وَلَعَلَّهُمْ حَكَوْهُ وَلَمْ نَرَهُ. انْتَهَى.
стр. 2374
"وَ" يُقَدَّمُ مِنْ قِيَاسٍ "مَا مُوجِبُ١ نَقْضِ عِلَّتِهِ مَانِعٌ، أَوْ فَوَاتُ شَرْطٍ، أَوْ مُحَقَّقٌ٢ عَلَى مَا٣" أَيْ عَلَى قِيَاسِ "مُوجِبِهِ ضَعِيفٌ، أَوْ مُحْتَمَلٌ"٤.
أَمَّا كَوْنُ الْقِيَاسِ الَّذِي مُوجِبُ نَقْضِ عِلَّتِهِ قَوِيٌّ٥، كَالْمَانِعِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ، مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي مُوجِبُ نَقْضِ عِلَّتِهِ ضَعِيفٌ: فَلأَنَّ قُوَّةَ مُوجِبِ النَّقْضِ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْعِلَّةِ الْمَنْقُوضَةِ٦.
قَالَ الْعَضُدُ: إذَا انْتَقَضَ الْعِلَّتَانِ، وَ٧كَانَ مُوجِبُ التَّخَلُّفِ فِي إحْدَاهُمَا٨ فِي صُورَةِ النَّقْضِ قَوِيًّا٩، وَفِي الآخَرِ١٠ ضَعِيفًا١١: قُدِّمَ الأَوَّلُ١٢. انْتَهَى.
стр. 2375
وَأَمَّا كَوْنُ الْقِيَاسِ الَّذِي مُوجِبُ نَقْضِ عِلَّتِهِ مُحَقَّقًا١ مُقَدَّمًا٢ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي مُوجِبُ نَقْضِ عِلَّتِهِ مُحْتَمِلاً: فَلأَنَّ الْمُحَقَّقَ أَقْوَى مِنْ الْمُحْتَمَلِ٣.
"وَبِانْتِفَاءِ مُزَاحِمِهَا فِي٤ أَصْلِهَا" يَعْنِي: أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي قَدْ انْتَفَى مُزَاحِمُ عِلَّتِهِ فِي الأَصْلِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا لَمْ يَنْتِفْ مُزَاحِمُ عِلَّتِهِ فِي الأَصْلِ٥؛ لأَنَّ انْتِفَاءَ٦ مُزَاحِمِ الْعِلَّةِ٧ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالْعِلَّةِ٨.
قَالَ الْعَضُدُ: تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ بِانْتِفَاءِ الْمُزَاحِمِ لَهَا فِي الأَصْلِ، بِأَنْ لا تَكُونَ مُعَارَضَةً، وَالأُخْرَى مُعَارَضَةً٩. انْتَهَى.
"وَبِرُجْحَانِهَا١٠ عَلَيْهِ" أَيْ: بِرُجْحَانِ١١ الْعِلَّةِ عَلَى مُزَاحِمِهَا،
стр. 2376
يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي تَكُونُ عِلَّتُهُ رَاجِحَةً عَلَى مُزَاحِمِهَا فِي الأَصْلِ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي لا تَكُونُ عِلَّتُهُ رَاجِحَةً عَلَى مُزَاحِمِهَا؛ لِقُوَّتِهِ بِرُجْحَانِ عِلَّتِهِ١.
"وَبِقُوَّةِ مُنَاسَبَةٍ" يَعْنِي: أَنَّ أَحَدَ الْقِيَاسَيْنِ يُرَجَّحُ عَلَى الآخَرِ بِقُوَّةِ مُنَاسَبَةِ عِلَّتِهِ؛ لأَنَّ قُوَّةَ الْمُنَاسَبَةِ تُفِيدُ قُوَّةَ ظَنِّ الْعِلِّيَّةِ٢.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَبِقُوَّةِ٣ الْمُنَاسَبَةِ، بِأَنْ تَكُونَ٤ أَفْضَى إلَى مَقْصُودِهَا، أَوْ لا تُنَاسِبُ٥ نَقِيضَهُ٦.
"وَمُقْتَضِيَةٍ لِثُبُوتٍ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الآخَرِ لِكَوْنِ عِلَّتِهِ مُقْتَضِيَةً لِلثُّبُوتِ٧ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَالْمُوَفَّقِ وَجَمْعٍ٨، لأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلثُّبُوتِ تُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَمْ٩ يُعْلَمْ بِالْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ بِخِلافِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلنَّفْيِ، فَإِنَّهَا تُفِيدُ مَا عُلِمَ
стр. 2377
بِالْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، وَمَا فَائِدَتُهُ شَرْعِيَّةٌ رَاجِحٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَاسَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَلَى الْخَبَرَيْنِ.
وَعِنْدَ الآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَجَمْعٍ: تُرَجَّحُ١ النَّافِيَةُ؛ لأَنَّ الْمُقْتَضِيَةَ لِلنَّفْيِ مُتَأَيِّدَةٌ بِالنَّفْيِ٢.
"وعَامَّةٌ لِلْمُكَلَّفِينَ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي تَكُونُ٣ عِلَّتُهُ عَامَّةً فِي الْمُكَلَّفِينَ -أَيْ: مُتَضَمِّنَةً لِمَصْلَحَةِ عُمُومِ الْمُكَلَّفِينَ- عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي تَكُونُ عِلَّتُهُ خَاصَّةً٤ لِبَعْضِ٥ الْمُكَلَّفِينَ، لأَنَّ مَا تَكُونُ٦ فَائِدَتُهُ أَكْثَرَ: أَوْلَى٧.
وَقَدَّمَ الْكَرْخِيُّ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ الْخَاصَّةَ لِتَصْرِيحِهَا بِالْحُكْمِ.
وَكَذَا مَا أَصْلُهَا٨ مِنْ جِنْسِ فَرْعِهَا، كَإِلْحَاقِ بَيْعِ الْغَائِبِ٩ بِالسَّلَمِ بِلا صِفَةٍ، وَبِقَوْلِهِ: بِعْتُك عَبْدًا.
стр. 2378
"وَ" تُقَدَّمُ عِلَّةٌ "مُوجِبَةٌ لِحُرِّيَّةٍ" عَلَى عِلَّةٍ مُقْتَضِيَةٍ لِرِقٍّ١. قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ، وَقَالَ:٢ قَالَهُ الْقَاضِي وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلرِّقِّ. وَاخْتَارَهُ٣ أَبُو الْخَطَّابِ٤ ٥وَاخْتَارَ أَيْضًا أَنَّهُمَا٦ سَوَاءٌ.
"وَ" تُقَدَّمُ عِلَّةٌ "حَاظِرَةٌ٧" - أَيْ٨: مُوجِبَةٌ لِلْحَظْرِ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْكَرْخِيِّ٩ عَلَى عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِلإِبَاحَةِ؛ لأَنَّ تَقْدِيمَ الْحَاظِرَةِ أَوْلَى، وَأَحْوَطُ١٠.
стр. 2379
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالاً بِأَنَّهُمَا١ سَوَاءٌ٢.
"وَ" تُقَدَّمُ "عِلَّةٌ لَمْ يُخَصَّ٣ أَصْلُهَا" وَهِيَ عَامَّةُ الأَصْلِ، بِأَنْ تُوجَدَ فِي جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ، كَالطُّعْمِ عَلَى الْكَيْلِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ التَّفَاضُلَ فِي الْقَلِيلِ٤؛ لأَنَّهَا أَكْثَرُ فَائِدَةً مِمَّا لا يَعُمُّ؛ كَالطُّعْمِ فِيمَنْ يُعَلِّلُ بِهِ فِي بَابِ الرِّبَا، فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْبُرِّ مَثَلاً: قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، بِخِلافِ " الْقُوتِ " الْعِلَّةُ٥ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلا يُوجَدُ٦ فِي قَلِيلِهِ، فَجَوَّزُوا بَيْعَ الْحَفْنَةِ مِنْهُ٧ بِالْحَفْنَتَيْنِ.
"أَوْ لَمْ يَسْبِقْهَا حُكْمُهَا" يَعْنِي: أَنَّهُ تُقَدَّمُ٨ عِلَّةٌ وُجِدَ حُكْمُهَا مَعَهَا عَلَى عِلَّةٍ٩ حُكْمُهَا مَوْجُودٌ قَبْلَهَا؛ لأَنَّ الْمَوْجُودَ حُكْمُهَا مَعَهَا
стр. 2380
يَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرِهَا فِي الْحُكْمِ. كَتَعْلِيلِ١ أَصْحَابِنَا فِي الْبَائِنِ: أَنَّهَا لا نَفَقَةَ لَهَا وَلا سُكْنَى: بِأَنَّهَا٢ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، فَأَشْبَهَتْ الْمُنْقَضِيَةَ٣ الْعِدَّةِ. وَتَعْلِيلُ الْخَصْمِ: بِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلاقٍ٤، أَشْبَهَتْ الرَّجْعِيَّةَ، فَعِلَّتُنَا أَوْلَى؛ لأَنَّ الْحُكْمَ - وَهُوَ سُقُوطُ النَّفَقَةِ - وُجِدَ بِوُجُودِهَا، وَقَبْلَ أَنْ تَصِيرَ أَجْنَبِيَّةً كَانَتْ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً، وَعِلَّتُهُمْ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ؛ لأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى تَجِبُ٥ لِلزَّوْجَةِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ مُعْتَدَّةً مِنْ٦ طَلاقٍ فَوَجَبَ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى.
"أَوْ وُصِفَتْ بِمَوْجُودٍ فِي الْحَالِ" يَعْنِي: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَوْصُوفَةَ فِي الْحَالِ، أَيْ٧ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِ تُقَدَّمُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِمَا يَجُوزُ٨ وُجُودُهُ فِي ثَانِي الْحَالِ٩؛ كَتَعْلِيلِ١٠ أَصْحَابِنَا فِي رَهْنِ الْمُشَاعِ١١: أَنَّهُ عَيْنٌ يَصِحُّ بَيْعُهَا، فَصَحَّ رَهْنُهَا كَالْمُفْرَدِ، وَتَعْلِيلُ
стр. 2381
الْخَصْمِ بِأَنَّهُ قَارَنَ الْعَقْدَ: مَعْنًى يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ رَفْعِ يَدِهِ فِي الثَّانِي. فَعِلَّتُنَا مُحَقَّقَةُ الْوُجُودِ، وَمَا ذَكَرُوهُ١ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ، وَيَجُوزُ أَنْ لا يُوجَدَ فَكَانَتْ عِلَّتُنَا أَوْلَى٢.
"أَوْ عَمَّتْ مَعْلُولَهَا" يَعْنِي: أَنَّهُ تُقَدَّمُ الْعِلَّةُ الَّتِي تَسْتَوْعِبُ مَعْلُولَهَا عَلَى مَا لَمْ تَسْتَوْعِبْهُ٣، كَقِيَاسِنَا فِي جَرَيَانِ الْقِيَاسِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الأَطْرَافِ بِأَنَّ مَنْ أَجْرَى الْقِيَاسَ بَيْنَهُمَا٤ فِي النَّفْسِ٥ أَجْرَاهُ بَيْنَهُمَا فِي الأَطْرَافِ كَالْحُرَّيْنِ. فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِمْ بِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي بَدَلِ النَّفْسِ، فَلا يَجْرِي الْقِيَاسُ بَيْنَهُمَا فِي الأَطْرَافِ. كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لأَنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ. فَإِنَّ الْعَبْدَيْنِ وَلَوْ تَسَاوَيَا فِي الْقِيمَةِ لا يَجْرِي الْقِيَاسُ بَيْنَهُمَا فِي الأَطْرَافِ عِنْدَهُمْ.
"وَمُفَسَّرَةٌ" يَعْنِي: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُفَسَّرَةَ -بِفَتْحِ السِّينِ- وَمَا قَبْلَهَا مِمَّا ذُكِرَ يُقَدَّمْنَ "عَلَى ضِدِّهِنَّ".
فَإِذَا وُجِدَتْ عِلَّةٌ مُفَسَّرَةٌ، وَعِلَّةٌ مُجْمَلَةٌ قُدِّمَتْ الْمُفَسَّرَةُ٦.
قَالَ٧ فِي التَّمْهِيدِ: وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ٨ إحْدَاهُمَا مُفَسَّرَةً،
стр. 2382
وَالأُخْرَى مُجْمَلَةً، كَقِيَاسِنَا فِي الأَكْلِ فِي رَمَضَانَ، أَنَّهُ لا كَفَّارَةَ فِيهِ؛ لأَنَّهُ إفْطَارٌ١ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ٢، فَأَشْبَهَ مَا٣ لَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً: أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِمْ أَفْطَرَ بِمُسَوَّغِ جِنْسِهِ؛ لأَنَّ الْمُفَسَّرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُقَدَّمٌ٤ عَلَى الْمُجْمَلِ. وَكَذَا فِي الْمُسْتَنْبَطِ. انْتَهَى.
وَحَيْثُ انْتَهَى الْكَلامُ عَلَى تَرْجِيحِ الأَصْلِ٥ فِي الدَّلِيلَيْنِ الْمَعْقُولَيْنِ شَرَعَ فِي الْكَلامِ عَلَى تَرْجِيحِ الْفَرْعِ٦. فَقَالَ:
"الْفَرْعُ" يَعْنِي: أَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ التَّرْجِيحُ وَيُرَجَّحُ٧ بِمَا يَقْوَى بِهِ الظَّنُّ.
"وَيَقْوَى ظَنٌّ بِمُشَارَكَةِ" الْفَرْعِ الأَصْلَ "فِي أَخَصَّ" وَيُرَجَّحُ عَلَى مَا هُوَ مُشَارِكٌ فِي أَعَمَّ٨ مِنْ ذَلِكَ الأَخَصِّ.
"وَ" يُرَجَّحُ أَيْضًا الْفَرْعُ بِ٩ "بُعْدِهِ عَنْ الْخِلافِ".
إذَا عَلِمْت١٠ ذَلِكَ "فَيُقَدَّمُ" فَرْعٌ "مُشَارِكٌ" لِلأَصْلِ "فِي عَيْنِ
стр. 2383
الْحُكْمِ وَ" عَيْنِ "الْعِلَّةِ" عَلَى فَرْعٍ مُشَارِكٍ لأَصْلِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَجِنْسِ الْعِلَّةِ، وَعَلَى مُشَارِكٍ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَعَيْنِ الْعِلَّةِ، وَعَلَى مُشَارِكٍ فِي عَيْنِ١ الْحُكْمِ، وَجِنْسِ الْعِلَّةِ٢.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لأَنَّ التَّعَدِّيَةَ بِاعْتِبَارِ الاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى الأَخَصِّ تَكُونُ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ الاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى الأَعَمِّ.
"فَفِي عَيْنِهَا وَجِنْسِهِ" يَعْنِي ثُمَّ يَلِي مَا تَقَدَّمَ، الْفَرْعُ الْمُشَارِكُ لِلأَصْلِ فِي عَيْنِ الْعِلَّةِ وَجِنْسِ الْحُكْمِ٣؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلُ الْحُكْمِ الْمُتَعَدِّي، بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي خُصُوصِ الْعِلَّةِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ.
"فَفِي عَيْنِهِ وَجِنْسِهَا" يَعْنِي: ثُمَّ يَلِي مَا تَقَدَّمَ: الْفَرْعُ الْمُشَارِكُ لِلأَصْلِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَجِنْسِ الْعِلَّةِ؛ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ٤ عَلَى الْفَرْعِ الْمُشَارِكِ فِي جِنْسِ الْعِلَّةِ، وَجِنْسِ الْحُكْمِ٥؛ لأَنَّ الْمُشَارِكَ فِي عَيْنِ
стр. 2384
أَحَدِهِمَا أَوْلَى؛ لأَنَّهُ أَخَصُّ١.
"فَفِي جِنْسِهِمَا". يَعْنِي٢ ثُمَّ يَلِي مَا تَقَدَّمَ: الْفَرْعُ الْمُشَارِكُ لِلأَصْلِ فِي جِنْسِ الْعِلَّةِ وَجِنْسِ الْحُكْمِ.
"وَبِقَطْعِ عِلَّةٍ فِي٣ فَرْعٍ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ٤ الْقِيَاسُ الَّذِي الْعِلَّةُ فِي فَرْعِهِ مَقْطُوعٌ بِهَا، عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي الْعِلَّةُ فِي فَرْعِهِ٥ مَظْنُونَةٌ٦.
"وَبِتَأَخُّرِهِ"٧ أَيْ: تَأَخُّرِ الْفَرْعِ، يَعْنِي أَنَّ الْفَرْعَ يُرَجَّحُ بِتَأَخُّرِهِ عَنْ الأَصْلِ فِي الرُّتْبَةِ، عَلَى فَرْعٍ يُسَاوِي٨ الأَصْلَ فِي الرُّتْبَةِ٩؛ لأَنَّ الْفَرْعَ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ زَمَنِ الأَصْلِ لا تَمْتَنِعُ مُسَاوَاتُهُ لَهُ فِي الرُّتْبَةِ، وَالْوَاجِبُ بِفَرْعِيَّةِ الْفَرْعِ إنَّمَا هُوَ التَّأَخُّرُ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ الرُّتْبَةِ،
стр. 2385
لا مُطْلَقًا، بَلْ بِالنِّسْبَةِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلَيْهِ.
"وَبِثُبُوتِهِ بِنَصٍّ" يَعْنِي أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي ثَبَتَ١ حُكْمُ الْفَرْعِ٢ فِيهِ بِالنَّصِّ يُرَجَّحُ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْفَرْعِ فِيهِ بِالنَّصِّ٣.
وَقَوْلُنَا "جُمْلَةً" لأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ حُكْمُ الْفَرْعِ بِالنَّصِّ٤ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ: لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ، وَحِينَئِذٍ٥ لَمْ يَكُنْ فَرْعًا، لأَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ٦ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ لا يُقَاسُ حِينَئِذٍ٧ عَلَى شَيْءٍ٨.
وَحَيْثُ انْتَهَى الْكَلامُ عَلَى مَا يَتَرَجَّحُ بِهِ الْفَرْعُ شَرَعَ فِي الْكَلامِ عَلَى التَّرْجِيحِ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَالأَمْرُ الْخَارِجُ فَقَالَ:
"الْمَدْلُولُ وَأَمْرٌ خَارِجٌ٩" يَعْنِي أَنَّهُ١٠ يَكُونُ التَّرْجِيحُ فِيهِمَا
следующие страницы →