← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

شرهما لأن همة النفس وتأكد عزيمتها في طلب شيء يقرع باب الجود بمنزلة إعداد مقدمات الدليل لفيضان النتيجة، وأيضًا فإن الحاجة اللذاعة لقلبه، توجهه إلى المناجاة، وتجعل جلال الله حاضرًا بين عينيه، وتصرف همته إليه، فتلك الحالة غنيمة المحسن" (١). ثم إنَّ كلا النوعين من خصائص الله تعالى فلا يليقان بأن يصرفا لأحد كائنًا من كان سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا فالله هو المدعو دعاء المسألة للنفع والضر كما أنه هو المدعو المعبود للرجاء والخوف (٢). فهذان النوعان مختصان به ﵎ ولا يصلحان أن يصرفا لغيره. قال شيخ الإسلام ﵀: وكلا نوعي الدعاء مختصان بالله تعالى حقان له لا يصلحان لغيره بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك وذلك من معنى أنه الأحد الصمد فإن كونه أحدًا يوجب أن لا يشرك به في العبادة ولا الاستغاثة فلا يدعى غيره. والاسم الصمد جاء معرفًا يبين أنه هو الصمد الذي يستحق أن يصمد إليه بكلا نوعي الصمد، وهذان الاسمان الأحد والصمد لم يذكرا في القرآن إلا في هذه السورة - يعني سورة الإخلاص -. والله هو المقصود لذاته ولما يطلب منه فهو مقصود مدعو لنفسه كما أنه مقصود مدعو لما يسأل عنه ويطلب منه وهو الصمد في الأمرين لا يصلح لغيره أن يكون هو المعبود ولا أن يكون هو المتوكل عليه المستعان به المسؤول منه (٣). تلازم نوعي الدعاء: قد ذكرنا أن الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وهذا

стр. 107

التقسيم معناه أن الدعاء يراد به تارة دعاء المسألة، وتارة دعاء العبادة، وليس معنى هذا أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام (١) أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي يكون فيه أظهر بدلالة المطابقة. فإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن (٢) لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة ومخها وروحها وحقيقتها. فالآيات التي ورد فيها الدعاء مرادًا به دعاء المسألة - تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة -. وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام (٣) وذلك لأن العابد لله تعالى كالذي يذكر الله مثلًا فهو في الحقيقة سائل وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال (٤). فالعابد لله سبحانه سائل لله تعالى، يسأله الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فإنه يعبد الله خوفًا من عقابه، وطمعًا في رحمته، ولا يخلو العابد في قرارة نفسه من الخوف والرجاء، لا كما يزعمه بعض المتصوفة "إنه

стр. 108

يعبد الله لا خوفًا من النار ولا طمعًا في الجنة وإن هذا المقام نقص، وإنما الكمال في عبادة الله لذاته" (١) وهذا باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة ولواقع عباد الله الصالحين من الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة. ولهذا فالعبادة تستلزم السؤال والطلب، فإذا أريد من الدعاء دعاء العبادة فإنه يدل على دعاء المسألة استلزامًا. فالعابد لا بد أن يطلب غرضًا ما عاجلًا أو آجلاً، فلا يخلو في قرارة نفسه من رغبة أو رهبة. وبما تقدم تبين أن نوعي الدعاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث ذكر أحدهما دخل معه الآخر إما تضمنًا وإما التزامًا، وبهذا التقرير يندفع ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله - المراد بها العبادة فقط وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم والهتاف باسمهم من مسافات بعيدة، هكذا زعموا وأولوا كل الآيات التي فيها التحذير من دعاء غير الله تعالى - بالعبادة. ولم يقتصروا على هذا فقط، بل ضيقوا معنى العبادة حيث إن مفهومها عندهم لا يشمل إلا السجود والركوع ونحو ذلك، وأما الدعاء والاستغاثة، والنذر، والذبح، وما إلى ذلك فليست داخلة في العبادة، هكذا زعموا وهذا الزعم الذي زعموه ستأتي مناقشته (٢) إن شاء الله تعالى. ضوابط معرفة نوعي الدعاء: قد ورد إطلاق الدعاء في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه: ١ - أن يراد منه دعاء المسألة.

стр. 109

٢ - أن يراد منه دعاء العبادة. ٣ - أن يراد منه مجموعهما. فهذه الأوجه الثلاثة هي التي تدور عليها إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم إما أن يراد منه أحدهما أو يراد منه ما يشمل النوعين (١). وهذه الاستعمالات الثلاث كثيرة في القرآن الكريم قد ورد بكل منها عدة آيات، وفيما يلي بيان لتلك الاستعمالات مع المحاولة لجعل ضوابط تعرف بها تلك الآيات مع أن هذه الضوابط ليست ضوابط بالمعنى الصحيح الذي لا يمكن تخلفه أو انفكاكه بل هو تقريبي وذلك لأن الأمر يتطلب استقراءً تامًا في كتاب الله تعالى ودراسة كل آية دراسة وافية، وما قال فيها علماء التفسير. بعض الآيات التي تكون دلالتها على دعاء المسألة أقوى: ويمكن تقسيم تلك الآيات إلى أربع مجموعات: ١ - المجموعة الأولى: الآيات التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في وقت الشدائد والمصائب والاضطرار، وعن كشف الله تعالى لتلك الشدائد. ٢ - المجموعة الثانية: الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم من الأنبياء التوسل لهم إلى الله بالدعاء. ٣ - المجموعة الثالثة: الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وابتهالاتهم. ٤ - المجموعة الرابعة: الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله لدعاء من دعاهم. ففي هذه المجموعات تكون دلالة الآيات على دعاء المسألة أظهر،

стр. 110

وقد تكون الدلالة على المسألة واضحة صريحة حتى تعد نصًا فيها كما في المجموعة الثانية والثالثة، ومع هذا فهي دالة على دعاء العبادة بطريق التضمن فهي تدل على دعاء المسألة مطابقة، وعلى دعاء العبادة تضمنًا. ومن هنا نجد من العلماء من يحمل تلك الآيات على دعاء العبادة مع ظهورها في المسألة وذلك لتداخل النوعين من حيث التلازم وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر. أمثلة المجموعة الأولى: وهي التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في الشدائد، وكشف الله لها: منها قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]، فهذه الآية أظهر في دعاء المسألة لأن المضطر يحتاج إلى نيل مطلوبه العاجل أكثر من احتياجه إلى الأجر والثواب في الآخرة فإن الإجابة تكون على دعاء المسألة بنيل المطلوب، وفي دعاء العبادة بالأجر والثواب، ومما يؤيد كونها في دعاء المسألة قوله: "ويكشف السوء" فكشف السوء هو مطلوب السائل المضطر فهو به أنسب وأليق. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١]. قال الدهلوي ﵀: "وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين بل هو الاستعانة، لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ﴾ " (١). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة" (٢). ومن ذلك قوله تعالى:

стр. 111

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، فهذا "ظاهر في دعاء المسألة لمناسبة الحال والواقع" (١). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨]. وقوله جل شأنه: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩]. أمثلة المجموعة الثانية: وهي الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم عن أنبيائهم دعاء الله لهم والتوسل لهم: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا … ﴾ [البقرة: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. أمثلة المجموعة الثالثة: وهي الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وسؤالهم له: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ [آل عمران: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].

стр. 112

وقوله جل شأنه: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وقوله عز من قائل: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ .. ﴾ إلى قوله: ﴿ .. قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا .. ﴾ إلى قوله: ﴿ .. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣ - ٤]. فهذا في دعاء المسألة أظهر، والمعنى إنك عودتني إجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه (١). أمثلة المجموعة الرابعة: وهي الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله دعاء من دعاهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، فسياق الآيات يدل على أن المراد بالدعاء دعاء المسألة فهو صريح في دعاء المسألة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤]، فهذا أظهر في دعاء المسألة يبكتهم الله ويخزيهم يوم القيامة بأمرهم بطلب من شركائهم فلا يستجيبون لدعوتهم، وليس المراد اعبدوهم وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف: ٥٢] (٣).

стр. 113

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٨]. أمثلة للآيات التي يراد بها دعاء العبادة وهي فيه أظهر: فقد ورد في القرآن الكريم استعمال الدعاء بمعنى العبادة وكثر ذلك (١) حتى ادعى بعضهم أن ذلك هو المراد في كل ما ورد في القرآن كما سيأتي (٢) فلهذا نورد بعض الأمثلة لهذا الاستعمال، ونشير إلى ما يمكن اعتباره ضابطاً لهذا الاستعمال، ثم نشير إلى السبب في العدول من العبادة إلى الدعاء مع أنه لو عبر بالعبادة بدل الدعاء لكان أوضح في المراد. فمن الآيات التي تكون في دعاء العبادة أظهر، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦، وغافر ٦٦] فالدعاء هنا أظهر في العبادة بدليل اقترانه بقوله: "أَن أَعبد". وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ .. ﴾ إلى قوله: ﴿ .. إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٦، ١١٧]. وقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] تقدم (٣) تفسير الأزهري للآية بأن معناها أتعبدون ربًا سوى الله. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢]. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦]. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].

стр. 114

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]. فهذا في دعاء العبادة: "والمعنى اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره" (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. "فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة، وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السموات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب" (٢). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يمكن اعتباره ضابطاً للآيات التي يكون فيها حمل الدعاء على العبادة أظهر فقال: "وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن (٣) دعاء المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهر، لوجوه ثلاثة: أحدها: أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم. الثاني:: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى:

стр. 115

﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وقوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢]، وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها. الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة" (١). ويأتي هنا سؤال مهم جدًا وهو أنه إذا كان المراد بالدعاء في الآيات التي ذكر فيها دعاء المشركين لأوثانهم، العبادة المستلزمة للسؤال والطلب فما هو السر وما هي الحكمة في العدول في كلام الله تعالى الحكيم من العبادة إلى الدعاء فهل هناك أسرار وحكم ونكات؟؟ فالجواب: إن المسلم لا بد له أن يعتقد أن من كلام الله تعالى له أسرار وفوائد وحكم وهذا العدول لا بد أن يكون فيه سر وإن كنا لا نستطيع الجزم بعين السر، وهذا هو معتقد المسلم الإجمالي، وأما تفصيلًا فقد يكون العالم يظهر له مَّا فيذكره بدون ادعاء أنه عين ما أراده الله من ذلك، فالجزم سوء أدب، فعلى هذا فنذكر بعض ما قاله العلماء في سر العدول عن التعبير بالعبادة إلى التعبير بالدعاء. ١ - قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله بعد أن ذكر أن الدعاء عماد الدين قال: "وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة، دالة على الطلب والمسألة على اختلاف المطلوب والمسؤول، وكأن هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة، في أكثر موارد القرآن والسنة"، ثم ذكر أنه يشهد لهذا حديث أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وجواب ابن عيينة عن ذلك (٢).

стр. 116

٢ - وقال الشيخ حسين بن مهدي النعمي ﵀ بعد أن أورد سؤالاً هل سجل الله تعالى على الوثنية بالسجود لغيره كما سجل بدعائهم غيره؟؟ قال: "وكأنه -والله أعلم- لما كان الدعاء هو العبادة أو مخها، والسجود إنما هو كأنه عبارة عن بعض معاني الدعاء، وهو المعنى الأشمل الأكمل في هذا الباب كان قبلة القصد، وعمدة المنتحى، وقاعدة المرمى، ومع التأمل أيضًا كأن الدعاء بعض معاني السجود، وكأنهما أيضًا لتلاقي حاصلهما فرسا رهان" (١). ٣ - ويمكن أن يقال في سر العدول أيضًا: إن أغلب عبادة المشركين لأوثانهم إنما هو بالدعاء والطلب كما هو مشاهد اليوم بين من يعبد القبور، فإن أغلب أعمالهم نحوها الاستغاثة والاستمداد والاستشفاع، فهذه الأعمال التي هي من أنواع الدعاء، أكثر وقوعاً وانتشارًا من الأعمال الأخرى كالنذر والذبح. فلكون دعاء غير الله تعالى أكثر وقوعًا من غيره من أنواع الشرك الموجود عندهم، صار أهم من غيره، وانصب توجيه الإنكار عليه دون غيره من أنواع العبادات. ومن هنا نستطيع أن نعرف أيضًا السبب في أن القرآن الكريم لم يكثر من النهي عن السجود لغيره تعالى والنذر، والذبح، وأنواع العبادات، مثل ما أكثر من النهي عن دعاء غيره تعالى فإننا إذا تتبعنا الآيات التي نهت صراحة عن السجود لغيره تعالى لا نجد إلا آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. بينما نجد الآيات الكثيرة المتنوعة الأساليب التي نهت عن دعاء غير الله تعالى كثيرة جدًا. فالسبب في هذا والله أعلم هو أن دعاء غير الله تعالى الأكثر وقوعًا وانتشارًا من السجود كما أن الدعاء هو المعنى الأشمل

стр. 117

الأكمل وهو لب العبادة ومخها فصار هو الأهم. أمثلة للآيات التي يراد بالدعاء فيها مجموع الأمرين: دعاء العبادة ودعاء المسألة: وهذه الآيات تختلف فيها وجهات النظر فمن هنا نجد من المفسرين من يفسرها بالمسألة ومن يفسرها بالعبادة وهذا الخلاف منهم يدل على أن الآية تحتمل الأمرين فلو لم تحتمل لما اختلفوا والذي يحل هذا الاختلاف هو حمل الآية على الحقيقة المتضمنة للأمرين جميعًا وبهذا يرتفع الخلاف، وتكون الآية صالحة للأمرين. فمن تلك الآيات: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]. فهذه الآية فسرت بنوعي الدعاء (١)، قيل في قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أعطيه إذا سألني، وقيل: "أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني، فيكون معنى الدعاء مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته، ومعنى الإجابة من الله التي ضمنها له الوفاء له بما وعد العاملين له بما أمرهم به" (٢) فعلى القول الثاني يكون معنى الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الإجابة، الثواب (٣). فهذه الآية تحتمل المعنيين فلهذا فسرت بهما، فيكون الراجح فيها أنها في مجموع المعنيين فالمراد بالدعاء فيها المعنى الشامل العام المشترك الذي يصدق على النوعين.

стр. 118

ومن تلك الآيات أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. فقد فسرت هذه الآية بالمعنيين (١) فقد ورد في تفسيرها بالعبادة حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" وقرأ رسول الله ﷺ : "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم … " وهذا هو من البيان الذي أمر النبي ﷺ بتبيينه للناس، ويؤيد هذا أيضًا قوله في آخر الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ كما يؤيده قول الحسن البصري فقد روي عنه أنه قال في هذه الآية: "ادعوني أستجب لكم قال: اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله (٢). وفسرت أيضا بدعاء المسألة وفسر قوله: "عن عبادتي أي عن دعائي، وإلى هذا ذهب السدي (٣)، وقال السبكي: الأولى حمل الدعاء على ظاهره وأما قوله عن عبادتي فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عنها استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكباراً ومن فعل ذلك فقد كفر" (٤). ومن تلك الآيات: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ فالأرجح أنه إضافة المصدر إلى فاعله أي لولا دعاؤكم إياه فعلى هذا فالمراد به نوعا الدعاء أي ما يعبأ بكم ربي لولا أنكم تعبدونه أو لولا أنكم تدعونه دعاء

стр. 119

مسألة، وقد ورد (١) تفسير الدعاء في الآية بالإيمان والعبادة والمسألة، وهذا يدل على أن الآية تحتمل المعنيين وأنها مشتركة ولكن شيخ الإسلام (٢) يرى أنها في العبادة أظهر مع دلالتها على المسألة فتكون من الوجه الثاني المتقدم. ومن تلك الآيات: قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤]، فقد فسر قوله تعالى له دعوة الحق بتوحيد الله وشهادة أن لا إله إلا الله، روي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة أي لله من خلقه الدعوة التي هي الحق فهذه الدعوة خاصة به فليست تنبغي لغيره (٣). فعلى هذا فمعنى الدعوة العبادة وأهم العبادات التوحيد أي فالله الحق هو الذي يوحد ويفرد بالعبادة. وفسر أيضًا بالدعاء والسؤال والتضرع، أي الله مختص به الدعاء الحق والتضرع الثابت الواقع في محله المجاب عند وقوعه … فإجابة الدعاء له تعالى دون غيره، ويؤيد هذا الوجه تمام الآية (٤) ولهذا يرى بعضهم أن هذه الآية نص في دعاء المسألة (٥) لكن مفسرو السلف علي وابن عباس وغيرهما فسروا بما يفيد دلالتها على العبادة.

стр. 120

ومن تلك الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. فالدعاء بالأسماء الحسنى يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة (١)، ففي السؤال والطلب يدعى الله تعالى بأسمائه وصفاته التي تتناسب مع المطلوب نحو يا غفار اغفر لي، وفي العبادة يعبد الله تعالى ويمدح ويثني عليه ويذكر بأسمائه الحسنى وصفاته العليا كما أنه يعبد أيضًا "باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها في القلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها وتمتلئ بأجل المعارف فمثلًا أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلوب تعظيمًا الله وإجلالًا له وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة الله وشوقاً له وحمدًا له وشكرًا … فهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسمائه وصفاته وتعبده بها الله لا يحصل العبد في الدنيا أجل ولا أفضل ولا أكمل منها وهي أفضل العطايا من الله لعبده وهي روح التوحيد وروحه، ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخاص والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا للكمل من الموحدين، وإثبات الأسماء والصفات هو الأصل لهذا المطلب الأعلى" (٢). ويشبه هذه الآية الحديث الوارد في إحصاء الأسماء الحسنى فقد فسر بالمسألة بها وبالتعبد بها. فقد فسر إحصاء الأسماء الحسنى الوارد في حديث: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" (٣) بالتعبد بها بحسن المراعاة لها والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه بها وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم فيخطر بقلبه الرحمة ويعتقدها صفة الله

стр. 121

فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته … وإذا قال: السميع البصير علم أنه لا يخفى على الله خافية وأنه بمرأى منه ومسمع فيخافه في سره وعلنه ويراقبه في كافة أحواله" (١). إطلاق الدعاء على النوعين: إذا أطلق الدعاء وأريد منه ما يشمل النوعين فهل هو من باب استعمال المشترك (٢) في معنييه كليهما أو حقيقة (٣) هو في أحدهما مجاز في الآخر أو هو حقيقة في القدر المشترك بينهما فيكون من باب الأسماء المتواطئة (٤). فهذه الاحتمالات ثلاث فالاحتمالان الأولان فيهما خلاف طويل بين الأصوليين في جوازهما. فبالنسبة إلى استعمال المشترك في معنييه كليهما

стр. 122

ذهبت طائفة من العلماء إلى جوازه وذهب آخرون إلى امتناعه مطلقًا، وذهبت طائفة أخرى إلى امتناعه في الإثبات دون النفي (١). واختلفوا أيضًا في الجمع بين الحقيقة والمجاز، ذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، وأجاز ذلك بعض الشافعية وبعض المعتزلة، وقال آخرون: يجوز ذلك عقلًا لا لغة (٢). وعلى كل من الاحتمالين اعتراضات ومناقشات طويلة من المجيزين والمانعين في كتب أصول الفقه (٣). القول الراجح: الراجح أن استعمال الدعاء في معنييه من باب الأسماء المتواطئة، فيكون قد استعمل في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا (٤). فإن الراجح في الألفاظ الدالة على معنيين فصاعدًا أنها من باب الأسماء المتواطئة وليست من باب استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه ولا من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وذلك لأن كونها من المتواطئة أسلم من الاعتراض كما أنه أدق نظرًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعداً فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، أو

стр. 123

حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًا، أو حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهي الأسماء المتواطئة، وهي الأسماء العامة كلها، وعلى الأول يلزم المجاز، وعلى الثاني يلزم الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل، فوجب أن يجعل من المتواطئة، وبهذا يعرف عموم الأسماء كلها" (١). ومثل كلمة الدعاء الكلمات الواقعة في القرآن الدالة على معنيين فأكثر فهي من هذا القبيل فمن تلك الكلمات كلمة "دلوك" في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فسر الدلوك بالزوال، وفسر بالغروب، وليس بقولين بل اللفظ يتناولها معًا فإن الدلوك هو الميل، ودلوك الشمس، ميلها ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى، فمبتدأه الزوال، ومنتهاه الغروب، واللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار (٢). إذا أطلق الدعاء على النوعين فإنه يطلق عليهما لتضمنه القدر المشترك الذي يتحقق في النوعين، وهذا القدر المشترك الذي يصدق على النوعين ما هو؟. وفي الحقيقة يصعب التحديد بالدقة القدر المشترك الصادق على النوعين وذلك لأنه أمر كلي لا يوجد كليًا عامًا إلا في الذهن، والتعبير عن ذلك الكلي صعب ويمكن أن نقول: إن القدر المشترك بين نوعي الدعاء هو: "الرغبة إلى الله تعالى للنفع والضر، والابتهال إليه، والتقرب إليه بكل ما يحبه ويرضاه" فهذا القدر المشترك يصدق على النوعين. كما أنه يمكن أن نقول: إن هذا هو تعريف الدعاء العام الشامل للنوعين وقد تقدم، وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا القدر المشترك في تعريف الصلاة بمعنى الدعاء فذكر أن المعنى العام هو: "دعاء الله أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع" (٣).

стр. 124

وسبب الصعوبة في تحديد القدر المشترك يعود إلى أنه أمر ذهني لم يحتج أهل اللغة إلى التعبير عنه، قال شيخ الإسلام: "والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلي عام، لا يوجد كليًا عامًا إلا في الذهن، وهو مورد التقسيم بين الأنواع، لكن ذلك المعنى العام الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه، لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج، وإلى ما يوجد في القلوب في العادة، وما لا يكون في الخارج إلاَّ مضافًا إلى غيره لا يوجد في الذهن مجردًا" (١). وأما إذا أطلق وأريد منه أحد النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد نحو الدعاء مرادًا به دعاء المسألة أو الإضافة نحو دعاء العبادة أو دعاء المسألة. فهذا أيضًا لا يخرجه عن أن يكون متواطئاً، كما إذا قال الرجل: جاء القاضي، وعنى به قاضي بلده، لكون اللام فيه للعهد، وأما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص فعلى كونه مخصصًا بقرينة لفظية فهو من الأسماء المتواطئة وأما على كونه مخصصًا بغلبة الاستعمال فهو لفظ مشترك (٢). ويمكن أن يقال في الدعاء عند الإطلاق أنه يراد به دعاء المسألة لغلبة الاستعمال فيه كما أشار إليه صاحب فتح المجيد بقوله: "إنّ الدعاء أكثر ما يستعمل في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم" (٣). أي نوعي الدعاء أفضل: إذا تقرر أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة يأتي سؤال

стр. 125

مهم لمن يعتني بالعبادة ويتخيرها أي النوعين أفضل؟ وهذا سؤال لأن مهم المؤمن يحتاج إلى فقه ومعرفة بمراتب الأعمال وتفاوتها ومقاصدها حتى لا يشتغل بمفضولها عن فاضلها فيفوت إبليس الفضل الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها وإن كان ذلك وقته فتفوته مصلحته بالكلية لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا (١). فالعلماء قد اختلفوا في الجواب على ثلاثة أقوال: ١ - أن دعاء العبادة أفضل. ٢ - أن دعاء المسألة أفضل. ٣ - التفصيل والقول بأن ذلك يختلف بحسب الأشخاص والأحوال. أدلة الفريق الأول (٢): أ - قوله ﷺ : "أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" (٣). ب ـ وقوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل؟، قال: ما اصطفى الله لملائكته (٤). جـ ـ إن دعاء العبادة حق الرب ووصفه، ودعاء المسألة حظ العبد ومصلحته، فالشيء يشرف بحسب متعلقه. إن دعاء العبادة لا يكون إلا من مخلص وأما دعاء المسألة فيكون من

стр. 126

مخلص ومن غير مخلص لأن الله تعالى يسأله من في السموات والأرض والكفار يسألون الله فيجيبهم. هـ - ولأن العبادة شكر لنعمة الله تعالى والله يحب أن يشكر، وأما الدعاء فهو طلب لفعله وتوفيقه، ويحصل بالشكر لله وعبوديته التوفيق والإعانة، فكان الأولى الالتزام بالشكر حتى يحصل له الأمران ويشير إلى هذا قوله ﷺ في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (١). ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته. و- ثم إن العبادة هي الغاية المطلوبة لذاتها وهي التي خلقنا من أجلها، والسؤال وسيلة إليها والمقاصد والغايات أشرف من الوسائل. ز - إن العلماء يختلفون في العاجز عن الفاتجة هل يقوم الدعاء المحض وهودعاء المسألة مقام الذكر· إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على فضل دعاء الثناء والعبادة. أدلة الفريق الثاني: أ - قوله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" وسيأتي توجيه وجه الاستدلال ومناقشته. ب - وصفه ﷺ الدعاء بأنه مخ العبادة وأن ذلك لكونه يستدعي مزيد حضور قلبي دون سائر العبادات التي يغلب على المتعبد بها الغفلة والسهو. جـ ـ إن الدعاء فيه غاية التذلل والخضوع وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية.

стр. 127

د - إن كل داع عابد ولا ينعكس. هذه هي أهم العلل التي فضلوا من أجلها الدعاء على غيره من أنواع العبادات كما ذكرها الزبيدي مؤيداً بها هذا القول (١). ويمكن أن يستدل لهم بالأحاديث التالية زيادة على الحديثين الماضيين: ١ - قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" (٢). ٢ - حديث ابن عباس مرفوعًا: "أفضل العبادة الدعاء" وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية (٣). ٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ : "أي العبادة

стр. 128

أفضل؟ قال: دعاء المرء لنفسه (١). ٤ - وحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج" (٢). مناقشة أدلة الفريق الثاني: ذكر وجه الحصر في قوله ﷺ : "الدعاء هو العبادة": هذا الحديث إفادة الحصر من عدة وجوه. ١ - تعريف طرفي المبتدأ والخبر. ٢ - ضمير الفصل. ٣ - الجملة الإسمية التي تدل على الاستمرار والدوام. وقد ذكر العلماء في توجيه هذا الحصر عدة أوجه: الوجه الأول: وهو ما ذكره الخطابي، وقد تبع الخطابي كثير ممن جاء بعده، قال الخطابي ﵀: "إنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة كقولهم: الناس بنو تميم، والمال الإبل، يريدون أنهم أفضل الناس أو أكثرهم عددًا أو ما

стр. 129

أشبه ذلك، وأن الإبل أفضل أنواع الأموال وأنبلها، وكقول النبي ﷺ : "الحج عرفة" يريد أن معظم الحج الوقوف بعرفة، وذلك لأنه إذا أدرك عرفة فقد أمن فوات الحج ومثل هذا في الكلام كثير" (١). ويؤيد هذا الوجه ما ورد في معنى هذا الحديث من حديث أنس مرفوعًا: "الدعاء مخ العبادة" (٢) فمُخ الشيء خالصه ولبه ووجه تخصيص الدعاء بذلك: "أنه لما كان المُخ من أعضاء الحيوان هو المغذي لها والمقوم لاستدامة بقائها شبه الدعاء به لأنه يعمل هذا العمل، وذلك لأنه يشتمل على حضور قلبي لا يوجد في غيره فهو يستدعي مزيد حضور في قلب الداعي" (٣). فالحصر على هذا الوجه حصر إضافي وليس حقيقيًا فكأن العبادات الأخرى ليست عبادة فهو لكماله المطلق، وكونه غاية في التذلل والخضوع، صار كأنه الوحيد في استحقاق هذا الاسم وأن غيره لا يطلق عليه هذا الاسم، فهو الفرد الكامل من أنواع العبادات ومن هنا استدل بهذا الحديث القائلون بأفضلية الدعاء المطلقة على سائر أنواع العبادات. الوجه الثاني: أن الغرض من العبادة طلب الثواب عليها، وهذا هو المطلوب (٤).

стр. 130

بالدعاء أيضًا فكل من العبادة والدعاء طلب، فالداعي دعاء المسألة يطلب جلب منفعة أو دفع مضرة، والعابد كذلك يطلب جلب الثواب ودفع العقاب فالغرض منهما شيء واحد، وقد تقدم بيان تضمن كل منهما للطلب. فعلى هذا فالحصر حقيقي فجميع أنواع العبادات هي دعاء الله تعالى وسؤال له لمرضاته وجناته وللنجاة من غضبه وعقابه. الوجه الثالث: أن العبادة في الحديث على معناها اللغوي الذي هو التذلل والخضوع فمعنى "الدعاء هو العبادة"، أن الدعاء الذي هو طلب قضاء حوائج من الله تعالى هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله تعالى والاستكانة له وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه (١). الوجه الرابع: أن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب، لأنه إظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته كريم لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخره لنفسه ويمنعه من عباده، وهذه الأشياء هي العبادة بل مخها (٢). الوجه الخامس: إن الدعاء امتثال أمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو مأمور به والمأمور به عبادة (٣). ويؤيد هذا الوجه قراءة النبي ﷺ للآية. والذي يظهر والله أعلم أنه لا حاجة إلى تأويل معنى الحديث

стр. 131

واستشكاله وذلك لما تقدم في مبحث التعريف أن الدعاء يطلق على العبادة لغة وشرعًا وأن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، والعبادة مستلزمة للسؤال والطلب. والشارع الحكيم قد بيّن البيان الشافي ولا حاجة بعد بيان الشارع إلى بيان آخر وقد ذكرنا إطلاق القرآن الدعاء على العبادة، والعبادة على الدعاء. والرسول ﷺ بين أن الدعاء هو العبادة، فهذا من البيان الذي أمر بتبيينه للناس. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. وقد ذكر ابن القيم (١) ﵀ بيان الرسول ﷺ للقرآن وذكر أنه على أوجه، ثم ذكر أن من تلك الأوجه: "بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك" وضرب أمثلة لذلك وذكر من تلك الأمثلة هذا الذي نحن فيه فقال: "وكما فسر الدعاء في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بأنه العبادة". والحاصل أن الحديث لا يدل صراحة للقائلين بأفضلية دعاء المسألة لاحتماله للأوجه المذكورة ولا يمكن الاستدلال به إلا على الوجه الأول فقط، وأما على الأوجه الأخرى الباقية فلا يصح الاستدلال به. ومن المعلوم أن الدليل إذا دخله الاحتمال سقط به الاستدلال ومن هنا تتلخص مناقشة أدلتهم في الآتي: ١ - أن الاستدلال بحديث "الدعاء هو العبادة" لا يتم لاحتماله للأوجه الأخرى المذكورة ففي بعض الأوجه أن الدعاء والعبادة سيان في المفهوم فلا يتم الاستدلال به. ٢ - ثم هو معارض بالأحاديث المصرحة بفضل الأذكار على غيره

стр. 132

نحو أفضل الكلام بعد القرآن أربع: سبحان الله والحمد لله .. ونحو قوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل قال: "ما اصطفى الله لملائكته"، مما اسْتَدَلَّ به مَنْ فَضَّلَ دعاء العبادة. وأما ما ادعى من المزايا الأخرى من مزيد الحضور القلبي والتذلل والخضوع فنقول: إن المزايا والفضائل والخصائص لا تقتضي الأفضلية المطلقة كما قال العلماء (١) وبيّنوا ذلك في الأحاديث التي تتعلق بمناقب الصحابة وفضائلهم في نحو قوله ﷺ : "أمين هذه الأمة أبو عبيدة" (٢) فتخصيصه بالأمانة لا يقتضي أفضليته على الخلفاء الأربعة، فكذلك ما نحن فيه. ٣ - وأما ما ادّعى من عدم انعكاس إطلاق الدعاء على العبادة فغير مسلم لما علم من تلازمهما وأن كل عابد داع وقد تقدم ذلك مفصلًا. ٤ - وأما قوله ﷺ : "ليس شيء أكرم على الله"، فعلى فرض صحة الحديث فهو أيضًا من باب الخصائص والمزايا فكونه أكرم لا يدل على الأفضلية المطلقة. وقد أجاب بعضهم (٣) بأن المراد أكرم على ما سواه من العبادات القولية لأن سوق كل شيء يعتبر في بابه فلا يرد أن الصلاة أفضل من العبادات البدنية. ويعترض عليه بأن الإشكال باق بنحو: "أفضل الأذكار قول لا إله إلا الله" وأحب الأذكار "سبحان الله".

стр. 133

وأجاب بعضهم بأن معنى أكرم أسرع قبولًا وأنفع تأثيرًا فيكون من باب الخصائص والمزايا وبأنه يمكن أن يكون معنى الدعاء هنا الدعوة إلى الله تعالى وهو معنى صحيح قد ورد للدعاء، كما تقدم في التعريف. وبهذا نقول: إن الاستدلال بالحديث على الأفضلية لا يتم لهذه الاحتمالات المذكورة، وهذا وقد بقي الجواب عن الأحاديث الثلاثة الأخيرة فهي نص في محل النزاع، ويمكن أن يقال في الجواب عنها أن المراد بالدعاء فيها هو العبادة بالمعنى الشامل كما هو لفظ الحديث الثالث فليست نصًا في محل النزاع. أو يقال: إن هذه الأفضلية المذكورة في هذه الأحاديث مقيدة ببعض الأحوال وليست أفضلية مطلقة في جميع الأحوال والأشخاص كما يتضح هذا مما سيأتي في القول الثالث والله أعلم. القول الثالث: وهو القول الراجح: إن الأفضل يتنوع باعتبارات ومع ذلك إذا نظر بدون اعتبار فدعاء العبادة أفضل، فجنس الدعاء الذي هو ثناء وعبادة أفضل من جنس الدعاء الذي هو سؤال وطلب وإن كان المفضول قد يفضل على الفاضل في موضعه الخاص بسبب وبأشياء أخرى، فالمفضول له أمكنة وأزمنة وأحوال يكون فيها أفضل من الفاضل (١). قال ابن القيم ﵀: جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا، وقراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، هذا من حيث النظر إلى الكل مجردًا، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى

стр. 134

الفاضل وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة، وكذلك التسبيح والتحميد والتشهد والذكر عقيب السلام من الصلاة، أفضل من القراءة. وهكذا الأذكار المقيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن مثاله أن يتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة واستغفارًا أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن فيعدل إلى الأذكار، والدعوات التي تحصنه وتحوطه. وكذلك أيضًا قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها بقراءة أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما، وإذا أقبل على سؤالها والدعاء لها اجتمع قلبه كله على الله تعالى، وأحدث له تضرعًا وخشوعًا وابتهالًا، فهذا قد يكون اشتغاله بالدعاء -والحالة هذه- أنفع، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجرًا (١). والحاصل أن "الأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه" (٢). وقد ذكر شيخ الإسلام ضابطًا لتفاضل العبادات وتنوع ذلك ثم ذكر الأفضل المطلق فقال ﵀: "إن الأفضل يتنوع: ١ - تارة بحسب أجناس العبادات كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء.

стр. 135

٢ - وتارة يختلف باختلاف الأوقات كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر والعصر هو المشروع دون الصلاة. ٣ - وتارة باختلاف عمل الإنسان الظاهر، كما أن الذكر والدعاء في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة، وكذلك الذكر والدعاء في الطواف مشروع، وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع معروف. ٤ - وتارة باختلاف الأمكنة: كما أن المشروع بعرفة ومزدلفة وعند الجمار وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة ونحوها، والطواف بالبيت للوارد أفضل من الصلاة، والصلاة للمقيمين بمكة أفضل. ٥ - وتارة باختلاف مرتبة جنس العبادة، فالجهاد للرجال أفضل من الحج وأما النساء فجهادهن الحج، والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضل من طاعتها لأبويها، بخلاف الأيمة فإنها مأمورة بطاعة أبويها. ٦ - وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه، فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه، وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل، وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من الناس ويتبعون أهواءهم فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبة له ولكونه أنفع لقلبه وأطوع لربه، يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس ويأمرهم بمثل ذلك، والله بعث محمدًا بالكتاب والحكمة وجعله رحمة للعباد وهديًا لهم يأمر كل إنسان بما هو أصلح له فعلى المسلم أن يكون ناصحًا للمسلمين يقصد لكل إنسان ما هو أصلح له. وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل، ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات البدنية -كالصلاة والصيام- أفضل له. والأفضل المطلق ما كان أشبه بحال النبي ﷺ باطنًا وظاهرًا فإن خير الكلام كلام، الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ (١).

стр. 136

والحاصل أن الأفضلية تتنوع وأن الشخص الواحد يكون هذا له تارة أفضل وتارة هذا أفضل، ومعرفة أن هذا أفضل له ومعرفة حال كل الأشخاص وبيان الأفضل لكل أحد لا يمكن استقصاؤه ولا ضبطه بل لا بد في ذلك من هداية يهدي الله بها عبده إلى ما هو أصلح له وما صدق الله عبده إلا صنع له (١). ثم إذا عرفنا هذا فلا بد من الإشارة إلى أن الأعمال المتحدة في الجنس تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، وتتفاضل أيضًا بتجريد المتابعة فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلًا لا يحصيه إلا الله (٢).

стр. 137

المبحث الثاني في أقسام الدعاء باعتبار صيغه ومتعلقاته ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه: ينقسم الدعاء باعتبار صيغه إلى نوعين: طلبية وخبرية: فالمراد بالصيغة الطلبية ما يراد منها إنشاء الدعاء وهو ما يقابل الإخبار، وقد سبق لنا بحمد الله في التعريف أن الدعاء طلب خاص وهو طلب الأدنى من الأعلى بلا غضاضة، وليس هو طلبًا مطلقًا، والطلبية تتنوع إلى نوعين (١) أيضًا: الأول: طلب حصول الفعل وذلك في الإيجاب، وتكون الصيغة في هذا بافعَل ونحوه مثاله: ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا الأبرار [آل عمران: ١٩٣]. الثاني: طلب عدم الوقوع، وذلك في النفي وتكون صيغته لا تفعل ونحوه مثاله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]. وقد يجتمع النوعان في مثال واحد نحو: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ

стр. 138

﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]. وبقي نوع آخر وهو أن تكون الجملة خبرية ولكنها متضمنة للإنشاء لقصد المتكلم منها الإنشاء وذلك نحو السلام عليكم، ففي هذه الحالة تكون الجملة الدعائية متضمنة للإنشاء والإخبار فجهة الخبرية فيها لا تناقض جهة الإنشائية وذلك لأن المعنى كان حاصلًا قبل الإنشاء من غير جهة المتكلم، وليس للمتكلم إلا دعاؤه بحصوله، ومحبته، ففي السلام عليكم السلامة المطلوبة لم تحصل بفعل المُسَلَّم وليس للمسلم إلا الدعاء بها ومحبتها، فإذا قال السلام عليكم تضمن الإخبار بحصول السلامة، والإنشاء للدعاء بها وإرادتها وتمنيها (١). ثم إن السبب في إطلاق الجملة الخبرية على الطلبية، تلازمهما لأنه إذا استعملت الخبرية في الطلب فإنها إنما استعملت في لازمها وجعل اللازم لقوة الطلب والإرادة له كأنه موجود محقق مخبر عنه فكان هذا طلبًا مؤكدًا ولهذا يكثر ذلك في الدعاء الذي يجتهد فيه الداعي (٢). والخبرية تتنوع إلى ثلاثة أنواع (٣): النوع الأول: ما كان الدعاء بجملة خبرية أو عدة جمل خبرية تصف حال الداعي وتصف فقره، وحاجته، وتضرعه وتذلله بين يدي الله تعالى نحو قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] فقد وصف نفسه بالفقر إلى ما أنزل الله إليه من الخير، وهو متضمن

стр. 139

لسؤال الله إنزال الخير إليه وهذا تعرض للسؤال والطلب بدون تصريح بذلك وهذا من حسن الأدب في الطلب. النوع الثاني: ما كان الدعاء بجملة خبرية أو جمل خبرية تصف حال المسؤول وتثني عليه بكرمه وجوده وتفضله وإنعامه وغوثه وإجابته للدعاء وغير ذلك. وقد تقدم بحمد الله وتوفيقه وجه كون ثناء المسؤول ومدحه ثناء وطلبًا وقول ابن عيينة وغيره في ذلك بما فيه الكفاية. النوع الثالث: ما كان الدعاء بجملة خبرية أو عدة جمل خبرية تصف حال المسؤول وحال السائل، فهذا النوع يجمع بين النوعين السابقين نحو دعوة ذي النون ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. أي هذه الصيغ أكمل؟: فهذه الأنواع لكل نوع منها خاصة (١) لا تكون للنوع الآخر ويكون كل نوع منها أنسب للسائل من النوع الآخر، وهذا النوع الآخر، يكون أنسب لسائل آخر وهكذا. وهذا يحتاج إلى فقه، وتمييز بين الحالات وتنزيل كل حال منزلته التي تليق به مثال ذلك دعوة ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، حيث كانت بصيغة الخبر بوصف حال المسؤول بالتفرد بالألوهية، ووصفه بالتنزيه والتعظيم، ووصف حال السائل بالاعتراف بالظلم وبأن ما أصابه كان بذنبه.

стр. 140

ولم تكن بصيغة الطلب الصريح لاستشعاره أنه مسيء ظالم وهو الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه (١) بدون أن يصرح بطلبه. فهذه الأنواع كل منها أبلغ من الآخر من جهة، ففي حال الخبر بوصف الحاجة والافتقار، يكون من السؤال بالحال، وهو أبلغ من جهة العلم والبيان، ومن جهة حسن الأدب في السؤال، فقول القائل لمن يعظمه ويرغب إليه أنا جائع، أنا مريض فيه حسن أدب في السؤال، وفيه إظهار حاله وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال. وأما قوله أطعمني وداوني ونحو ذلك مما هو بصيغة الطلب، طلب جازم من المسؤول، ففيه الرغبة التامة والسؤال المحض، بصيغة الطلب، وهذا أظهر من جهة القصد، والإرادة فلهذا كان غالب الأدعية من هذا النوع الذي هو الطلب الصريح، لأن السائل يتصور مقصوده ومراده فيطلبه، ويسأله، فهو سؤال بالمطابقة والقصد الأول، وتصريح به باللفظ، وإن لم يكن فيه وصف لحال السائل والمسؤول (٢). والأكمل المطلق ما كان جامعًا بين الأنواع كلها من وصف حال السائل ووصف حال المسؤول، ثم الطلب الصريح، فإنه يتضمن الخبر والعلم المقتضي للسؤال والإجابة، ويتضمن القصد والطلب الذي هو نفس السؤال، فيتضمن السؤال والمقتضي له والإجابة (٣). قال ابن القيم: "إن الدعاء الذي يتقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه، كان أبلغ في الإجابة وأفضل، فإنه يكون قد

стр. 141

توسل إلى المدعو بصفات كماله وإحسانه، وفضله، وعَرَّض بل صرح بشدة حاجته وضرورته، وفقره ومسكنته، فهذا المقتضى منه، وأوصاف المسؤول مقتضى من الله، فاجتمع المقتضى من السائل، والمقتضى من المسؤول في الدعاء، وكان أبلغ وألطف موقعًا، وأتم معرفة وعبودية، وأنت ترى في الشاهد -والله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسل إلى من يريد معروفه بكرمه وجوده، وبره، وذكر حاجته هو، وفقره، ومسكنته، كان أعطف لقلب المسؤول، وأقرب لقضاء حاجته، فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا تنكر ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغًا لا صبر معه ونحو ذلك كان أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء: أعطني كذا وكذا" (١). وهكذا كانت عامة أدعية النبي ﷺ فهي في الغالب تجمع هذه الأنواع كلها فلهذا ينبغي للعاقل أن لا يعدل عنها إلى غيرها، وذلك لأنه ﷺ أعطي جوامع الكلم فلا يمكن لغيره أن يأتي بمثل أدعيته ﷺ . مثال ذلك: قوله ﷺ لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما قال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٢) فقد جمع ﷺ في هذا الدعاء هذه الصيغ كلها من وصف حال السائل بالظلم، ووصف الله بالتفرد بالمغفرة ثم الطلب للمغفرة والرحمة. قال شيخ الإسلام ﵀: فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان

стр. 142

المقتضي للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب" (١). المطلب الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار متعلقاته: ينقسم الدعاء باعتبار متعلقاته إلى ثلاثة أقسام: ١ - أقسام الدعاء باعتبار الداعي. ٢ - أقسام الدعاء باعتبار المدعو المطلوب منه. ٣ - أقسام الدعاء باعتبار الشيء المطلوب. وجه الحصر في هذه الأقسام الثلاثة: وجه الحصر في هذه الأقسام هو أن متعلق الدعاء ثلاثة: ١ - الداعي الطالب للحاجة. ٢ - المدعو المطلوب منه. ٣ - المدعو به المطلوب. وكل هذه الأقسام الثلاثة تنقسم إلى أربعة أقسام، وإليك تفصيل هذه الأقسام: أقسام الدعاء باعتبار الداعي: قد سبق أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء استعانة، فالداعي إما أن يتصف بهما معًا أو يتصف بأحدهما دون الآخر، أو يتركهما جميعًا، فهذه أربعة أقسام وهي القسمة الممكنة في العقل. وقد جمع الله بين هذين الأصلين العبادة والاستعانة اللذين أحدهما غاية العبد التي خلق من أجلها والآخر وسيلة إليها في مواضع (٢) من

стр. 143

كتابه، منها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى حكاية عن العبد الصالح شعيب ﵇ قوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، وقول إبراهيم والذين معه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقوله سبحانه إذ أمر رسوله ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، كما أمره بهما في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. ومع كون هذين الأصلين يوجدان في البشر إلا أن الأصل الذي هو الاستعانه هو الأكثر فيهم لأن علم النفوس البشرية بحاجتها وفقرها إلى الرب قبل علمها بحاجتها وفقرها إلى الإله المعبود، كما أن قصدها لدفع حاجاتها العاجلة قبل الآجلة، ولهذا كان إقرارهم بالربوبية أسبق من الألوهية كما هو معروف من دعوة الرسل ومن الإخلاص في وقت الشدائد (١). وهذان الأصلان كلاهما ملازمان للإنسان، وذلك لأن الإنسان حساس متحرك بالإرادة فهو همام حارث بل كل حي له إحساس وعمل بإرادة ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله. فلهذا فلا بد لكل إنسان من إرادة ولا بد لكل مريد من مستعان به مدعو ومسؤول يستعان به على تحصيل المراد المطلوب.

стр. 144

وهذا المستعان به إذا كان مستعانًا به لذاته فلا بد أن يذل له الطالب السائل ويحبه، ويعتمد عليه ويرجوه ويخافه وينقاد له، فيكون هو الغاية المطلوبة لهذا الإنسان، فيكون هو معبوده ومقصوده والمستعان به (١). فتبين بهذا العلاقة التي بين العبادة والاستعانة، وأنه لا بد لكل إنسان في كل وقت وحال من منتهى يطلبه وهو إلهه ولا بد له أيضًا من منتهى يطلب منه ويستعين به وذلك صمده الذي يصمد إليه في سؤاله واستعانته (٢). ومن هنا يظهر لنا تلازم العبادة والاستعانة للإنسان وأن أحدهما وسيلة والآخر غاية، ثم الإنسان في هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة الممكنة، إما أن يأتي بهما جميعًا وإما أن يأتي بالعبادة فقط وإما أن يأتي بالاستعانة فقط وإما أن يتركهما جميعًا (٣). فهذه الأحوال الأربعة هي القسمة الممكنة في الإنسان، وهي أيضًا متفاوتة: القسم الأول: وهو أجلّها وأفضلها وهم أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادةُ الله غايةُ مرادهم، وطلبهم أن منه يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها نهاية مقصودهم، ولهذا كان من أفضل ما يُسأل الربُّ ﵎ الإعانةُ على مرضاته، وهو الذي علمه النبي ﷺ لحبه معاذ بن جبل ﵁ فقال: "يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنسَ أن تقول دبر كل صلاة اللهم

стр. 145

أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١) فأنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله وتيسير أسبابه (٢). القسم الثاني: وهو شر الأقسام: وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة، ولا استعانة، فلا هو مع الشريعة الأمرية، ولا مع القدر الكوني (٣). وهؤلاء "فريقان: أهل دنيا، وأهل دين، فأهل الدين منهم هم أهل الدين الفاسد الذين يعبدون غير الله، ويستعينون غير الله بظنهم وهواهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. وأهل الدنيا منهم الذين يطلبون ما يشتهونه من العاجلة بما يعتقدونه من الأسباب" (٤). فهؤلاء أهل الدنيا يظنون أن الأسباب هي القادرة وحدها على تحصيل مسبباتها فلهذا فلا يطلبون العون من خالق الأسباب لهذا الظن الفاسد.
следующие страницы →