الآخر، فلهذا كانت أغلب الكتب المصنفة في الأذكار تشتمل على الأدعية وبالعكس، ومن هنا جاءت تسمية المؤلفين الكتب المصنفة في الأذكار والأدعية تترجم عن هذا المعنى وتعبر عنه بعناوينها البارزة والمتعددة والحاوية لهذا المعنى، فمن تلك المؤلفات كتب سميت بعنوان كتاب الذكر أو الأذكار، وأخرى سميت باسم الدعاء أو الأدعية، وأخرى بالجمع بين الاسمين كتاب الذكر والدعاء، أو الأذكار والأدعية، أو الدعوات والأذكار، إلى غير ذلك وكلها مضمونها واحد وتهدف إلى هدف واحد.
الكلمة الثالثة من القسم الأول: الصلاة:
الصلاة معناها في اللغة: الدعاء (١)، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد قالت عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. أنزل ذلك في الدعاء (٢) فيكون معنى بصلاتك: بدعائك.
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ أي دعواته (٣)، وقال ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم" (٤) أي فليدع لهم بالبركة والخير، وكل داع فهو مصل ومنه قول الأعشى (٥):
стр. 72
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … وإن ذبحت صلى عليها وزمزما (١)
يعني بذلك دعا لها. وقال الأعشى أيضًا:
تقول بنتي وقد قَرُبْتُ مُرْتَحِلًا … يا رب جَنّب أبي الأوصَابَ والوَجَعَا
عليك مثلُ الذي صليتِ فاغْتَمِضِي … نومًا فإِنَّ لجنبِ المرءِ مضطجَعَا (٢)
يقول: عليكِ من الدعاء مثل الذي دعيته لي.
وقال أيضًا:
وَقَابَلَهَا الرِّيحُ في دَنّها … وصلى على دَنّها وارتسم (٣)
أي دعا لها: ألا تَحْمَضَ ولا تَفْسُد (٤). وجاءت تسمية الصلاة الشرعية مأخوذة من هذا الأصل اللغوي، قال ابن جرير الطبري ﵀: "وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة، لأن المصلي متعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته - تعرضَ الداعي بدعائه ربه - استنجاح حاجاته وسؤله" (٥). وقال شيخ الإسلام ﵀:
"إن الصلاة الشرعية هي دعاء كلها فإن الدعاء هو قصد المدعو تارة لذاته وتارة لمسألته أمرًا منه وهذا كالشخص يدعو غيره ويطلبه ويقصده
стр. 73
تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه، والصلاة تتضمن هذين النوعين: عبادة الله والثناء عليه والسؤال له" (١).
وبهذا تقرر أن الصلاة الشرعية معناها الدعاء كما أن الصلاة في اللغة هي الدعاء.
وقد اختلف في الصلاة الشرعية، هل هي باقية على معناها اللغوي الذي هو الدعاء أم لا؟. ومثل الصلاة غيرها من الأسماء الشرعية كالإيمان والإسلام والزكاة.
أ - فقالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء:
إنها اسم شرعي منقول عن معناه اللغوي فهو اسم مخترع، لم يلاحظ فيه معناه الأصلي.
فعلى هذا القول لا علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
ب - وقال الجمهور: إنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة ثم اختلف هؤلاء:
١ - فمنهم من قال: إن الشارع زاد في أحكامها وضم إليها شروطًا وقيودًا ولم يزد في معنى الاسم.
فالصلاة معناها الدعاء، واشترط للاعتداد بها الركوع والسجود .. إلخ.
٢ - ومنهم من قال: إن الشارع تصرف فيها - تصرف أهل العرف -، فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة، فعلى هذا فالشارع زاد في معنى الاسم، حيث كانت الصلاة لا تطلق في اللغة إلا على الدعاء فزاد في معناها الركوع والسجود .. إلخ. فالشارع زاد في معنى الاسم والحكم. وهذا شبيه بتصرف أهل العرف في الكلمة فقد
стр. 74
يخصون مدلول الكلمة اللغوي ببعض الأفراد أو يجعلونه أعم، فنحو كلمة الدابة تطلق في اللغة على كل ما يَدِبُّ على الأرض فخصت في عرف الناس بالفرس، وفي عرف بعضهم بالحمار، ومثلها الرقبة: تطلق على العضو المخصوص، ثم استعملت في العرف في جميع البدن.
٣ - ومنهم من قال: إن الشارع لم ينقلها، ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة (١).
فالصلاة لم تنقل عن معناها اللغوي الذي هو الدعاء، ولكنها استعملت في دعاء مخصوص، كما أن أهل اللغة يستعملون الكلمة مطلقة في معناها العام، ثم يستعملونها خاصة ومقيدة بالإضافة أو لام التعريف. فتعتبر الكلمة في مثل هذا من اسم الجنس لا يدل على شخص معين إلا بالقيد (٢)، فالشارع استعمل لفظ الصلاة على وجه يختص بمراده ولم يستعمله مطلقًا وهو إنما قال: "أقيموا الصلاة" بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها فكان التعريف منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، لم ينزل لفظ الصلاة، وهم لا يعرفون معناه (٣). وهذا المسلك الذي سلكه الشارع موجود في أساليب العرب يأتي أحدهم إلى الكلمة فيقيدها أو يخصها بشيء، فالشارع أتى إلى بعض الكلمات فاستعملها مقيدة، ومختصة، إما بالإضافة أو اللام.
وهذه الأقوال المتقدمة أرجحها القول الأخير وذلك للأمور التالية:
стр. 75
١ - أن الأقوال الأخرى لم تسلم من الاعتراض والاستشكال.
٢ - ولأن الأصل بقاء الكلمة على معناها، وعدم الزيادة، ولم يأت من ادعى عكس ذلك ببرهان قاطع.
٣ - ولأن مثلَ هذا الاستعمال من تقييد المراد بالكلمة، أو تخصيصها معروفٌ في أساليب اللغة.
وقد رجح هذا المذهب الأخير شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، قال ابن تيمية: "والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة" (١) هذا ما ذكره في اسم الإيمان.
ومما ذكره ابن تيمية فيما يختص بموضوع الصلاة الذي نحن بصدده ما معناه:
إن الصلاة بالمعنى العام تتضمن كل ما كان ذكرًا لله أو دعاء له، وهذا المعنى - وهو دعاء الله - أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع، هو حقيقة الصلاة الموجودة في جميع موارد اسم الصلاة كصلاة القائم والقاعد والقارئ والناطق والأخرس وإن تنوعت حركاتها وألفاظها فإن إطلاق لفظ الصلاة على مواردها هو بالتواطئ المنافي للاشتراك، والمجاز، وذلك لأن اسم الجنس العام المتواطئ المطلق إذا دل على نوع أو عين يكون قد دل على شيئين: على المعنى المشترك الموجود في جميع الموارد، وعلى ما يختص به هذا النوع أو العين، فاللفظ المشترك الموجود في جميع التصاريف يدل على القدر المشترك، وما قرن باللفظ من لام التعريف مثلًا يدل على الخصوص والتعيين، فاسم الصلاة مثلًا فيه عموم وإطلاق، ولا يستعمل إلا مقرونًا بقيد يخصه ببعض موارده كصلواتنا، وصلاة الملائكة، والصلاة من الله سبحانه (٢).
стр. 76
وقال ابن القيم بعد أن ذكر أن الدعاء يعم النوعين وأنه لفظ متواطئ:
"وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء، وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية أو مجازًا شرعيًا، فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة، وهو الدعاء، والدعاء دعاء عبادة ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا مجازًا ولا منقولة.
لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها، كالدابة والرأس ونحوهما.
فهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، ولهذا لا يوجب نقلًا ولا خروجًا عن موضوعه الأصلي والله أعلم" (١). وإنما هو مجرد تصرف في استعمالات اللفظ ولا مانع من ذلك إطلاقا لا في اللغة ولا في اصطلاح الشرع إذ من المعلوم "أن الشارع يتصرف في اللغة تصرف أهل العرف، يستعمل اللفظ تارة فيما هو أعم من معناه في اللغة، وتارة فيما هو أخص" (٢).
النسبة بين الدعاء والصلاة:
إن النسبة بين الدعاء والصلاة تارة تكون العموم والخصوص المطلق، وتارة الترادف، فإذا أريد منها الصلاة على النبي ﷺ تكون النسبة من باب العموم والخصوص المطلق فإن الدعاء عام والصلاة خاصة، فإنها أحد نوعي دعاء المسألة.
стр. 77
قال ابن القيم ﵀: "ودعاء العبد وسؤاله من ربه نوعان:
أحدهما: سؤاله حوائجه ومهماته وما ينوبه في الليل والنهار فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.
والثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه ويزيد في تشريفه …
ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحبه، فالمصلي عليه ﷺ قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محاب الله ورسوله وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابه هو" (١). فدل هذا الكلام على أن الصلاة على النبي ﷺ أحد نوعي دعاء المسألة فتكون النسبة بينهما من باب العموم والخصوص المطلق، ولكن ابن القيم نفسه أبدى إشكالًا في كون الصلاة بمعنى الدعاء وذكر من وجوه الإشكال أن الدعاء يكون بالخير والشر والصلاة لا تكون إلا في الخير وأن الدعاء يتعدى باللام والصلاة لا تتعدى إلا بعلى، والدعاء إذا تعدى بعلى يختلف عن معنى الصلاة لأنه حينئذ في الشر، وأن فعل الدعاء يقتضي مدعوًا ومدعوًا له نحو دعوت الله لك بخير والصلاة لا تقتضي ذلك لا تقول: صليت الله عليك ولا لك، فدل هذا على أنهما ليسا بمعنى واحد (٢).
ويمكن أن يجاب عن هذه الإشكالات بأنه لا يلزم من كون أحدهما بمعنى الآخر لغة، أن يتحدا في جميع الاستعمالات من التعدي واللزوم وغيرهما ولكن المقصود أنهما مشتركان في القدر المشترك الذي يصدق عليهما ويوجد في جميع موارد استعمالهما.
وأما إذا أريد من الصلاة - الصلاة المفروضة فتكون النسبة بينهما من باب العموم والخصوص المطلق أيضًا لأن الصلاة المفروضة هي نوع خاص مقيد خص بالتعريف بأل بهذه الصلاة ذات الأركان. وأما إذا أريد
стр. 78
من الصلاة القدر المشترك الذي هو قصد الله والتوجه إليه وذكره بخشوع وخضوع، فالنسبة بينها وبين الدعاء في هذه الحالة - الترادف والاتحاد في المفهوم.
الكلمة الرابعة من القسم الأول: الاستعانة:
هي مصدر استعان يقال: استعنت بفلان فأعانني وعاونني، وتقول: أعنته إعانة واستعنته، واستعنت به وعاونته، وقد تعاونّا: أي أعان بعضنا بعضًا.
وقال الخليل (١): "كل شيء استعنت به أو أعانك، فهو عونك. والصوم عون على العبادة … وأعنته إعانة وتعاونوا أي أعان بعضهم بعضًا" (٢).
وفي الشرع: هي "طلب ما يتمكن به العبد من الفعل، ويوجب اليسر عليه" (٣). أو يقال: هي الاعتماد على الله تعالى مع الثقة به (٤).
وهذا التعريف الأخير يشتمل على أمرين أساسيين للاستعانة الشرعية وهما ركنا التعريف لأن الاستعانة الشرعية تتضمن أصلين كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره - مع ثقته به - لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه - مع عدم ثقته به - لحاجته إليه ولعدم من يقوم
стр. 79
مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به" (١).
النسبة بين الدعاء والاستعانة:
قد اتضح من التعريف الشرعي أن الاستعانة ودعاء المسألة، مترادفان فلهذا كثيرًا ما يعبر عن دعاء المسألة بالاستعانة، وإذا نظرنا إلى الدعاء بنوعيه: المسألة والعبادة تكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق لأن الدعاء أعم مطلقًا، لكن ذكر ابن تيمية ﵀ في الفرق بين التوكل والاستعانة أن التوكل "يتناول التوكل عليه ليعينه على فعل ما أمر، والتوكل عليه ليعطيه ما لا يقدر العبد عليه، فالاستعانة تكون على الأعمال، وأما التوكل فأعم من ذلك، ويكون التوكل عليه لجلب المنفعة ودفع المضرة" (٢) فعلى هذا فدعاء المسألة أعم لأنه مثل التوكل تمامًا والله أعلم.
المطلب الثاني: في القسم الثاني: وهو ما كان خاصًا بنوع معين من أنواع الدعاء:
وهو يتنوع إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول من القسم الثاني:
يشتمل على الكلمات التالية: الاستعاذة، والاستغاثة والاستجارة، واللياذة، والاستغفار، والشفاعة، وهذه ست كلمات.
أ - الاستعاذة:
يقال: عاذ فلان بربه يعوذ عوذًا وعياذًا ومعاذًا، لاذ به ولجأ إليه واعتصم، عذت بفلان واستعذت به أي لجأت إليه، وهو عياذي أي
стр. 80
ملجأي، وعاذ وتعوذ، واستعاذ بمعنى واحد (١).
وهذه المادة في تصرفاتها تدل على التحرز والتحصن، وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذًا، كما يسمى: ملجأ وَوَزَرًا .. (٢).
وقال الرازي ما معناه: إن الاستعاذة مشتقة من العوذ، وله معنيان:
أحدهما: الالتجاء والاستجارة، والثاني: الالتصاق، يقال: أطيب اللحم عُوَّذُه وهو ما التصق بالعظم (٣).
وذكر ابن القيم ﵀: أن في أصله قولين:
أحدهما أنه مأخوذ من الستر، تقول العرب للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها "عُوَّذ"، وكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجَنَّ به منه.
وثانيهما: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة، تقول العرب للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه: عوذ، لأنه اعتصم به واستمسك به، فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه. وقال ﵀: "والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معًا، فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، مستمسك به معتصم به، قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفًا وقصده به فهرب منه، فعرض له أبوه في طريق هربه، فإنه يلقي نفسه عليه ويستمسك به أعظم استمساك، فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، والتجأ إليه" (٤).
стр. 81
وما ذكره الرازي وابن القيم رحمهما الله تعالى متقاربان لأن الالتجاء إلى الشيء فيه معنى الاستتار به والاحتماء به وهذا بالنسبة إلى المعنيين الأولين، وأما بالنسبة إلى المعنيين الأخيرين وهما: الالتصاق عند الرازي ولزوم المجاورة عند ابن القيم فهما متلازمان لأنه يلزم من الالتصاق بالشيء مجاورته.
هذا هو معنى الاستعاذة في اللغة.
وأما الاستعاذة في الشرع: فهي "الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجانبه من شر كل ذي شر" (١)، وقد تقدم في كلام ابن القيم الإشارة إلى المناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي.
النسبة بين الدعاء والاستعاذة:
قد تحصل مما سبق أن الاستعاذة خاصة بما إذا كان المطلوب منع الشدة، أو رفعها وذلك أن المستعاذ منه إذا كان يخاف وقوعه في المستقبل فإنه يطلب منعه، نحو أعوذ بالله من عذاب جهنم أو عذاب القبر، وإن كان حاضرًا فإنه يطلب رفعه، نحو ما ورد في الحديث: "أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (٢) فمن هنا يعلم أن الاستعاذة خاصة بدفع الضرر الحاصل أو المتوقع، وأما الدعاء فإنه يعم ما كان لمنع الشدة ورفعها، كما أنه يعم ما كان لحصول منفعة وطلب خير (٣).
فتبين بهذا أن بينهما العموم والخصوص المطلق، فالدعاء أعم مطلقًا، فالاستعاذة نوع من أنواع الدعاء، وقسم من أقسامه.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فالاستعاذة والاستجارة، والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب وقول القائل: لا يستعاذ به، ولا يستجار به
стр. 82
ولا يستغاث به، ألفاظ متقاربة" (١). والحاصل أن الاستعاذة والاستجارة والاستغاثة واللياذة على قول، والاستغفار، هذه الألفاظ خاصة بدفع المضار والمكاره.
ب - الاستغاثة:
الاستغاثة مصدر استغاث، والاسم الغوث، والغُواث، والغَواث، يقال: أجاب الله دعاءه، وغُواثه، وغَواثه، ولا يوجد في اللغة العربية فعال بالفتح في الأصوات إلَّا غَواث والباقي بالضم أو الكسر، ويقول الواقع في بلية: أغثني أي فرّج عني، وغَوَّثَ الرجل واستغاث صاح، وقال: واغوثاه، وضُرب فلان فَغَوَّث تغويثًا أي قال: واغوثاه. وهذا المعنى هو أصله ثم استعمل بمعنى صاح ونادى طلبًا للغوث، ويقال: استغاثني فلان فأغثته إغاثة، ومغوثة، ويقال أيضًا: أغاثه الله إغاثة وغياثًا وغوثًا (٢). يقال ذلك إذا استجاب له، فالإغاثة هي الاستجابة "إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر" (٣).
وقد فسر ابن الأثير ﵀ في النهاية الإغاثة بالإعانة (٤).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ تعقيبًا على تفسير ابن الأثير السابق: "فعلى هذا تكون الاستغاثة هي الاستعانة، ولا ريب أن من استغاثك فأغثته فقد أعنته، إلا أن لفظ الاستغاثة مخصوص بطلب العون في حال الشدة بخلاف الاستعانة" (٥).
стр. 83
والسين والتاء في الاستغاثة للطلب فمعنى الاستغاثة: "طلب الغوث كالاستعانة طلب العون والاستنصار طلب النصر" (١) فمن هنا قال بعضهم في بيان معناها:
"الاستغاثة طلب الغوث (٢) وهو التخليص من الشدة والنقمة، والعون على الفكاك من الشدائد" (٣).
النسبة بين الاستغاثة والدعاء:
فقد تحصل مما سبق أن الاستغاثة خاصة بما إذا كان المطلوب رفع الشدة الواقعة، وأما الدعاء فيشمل ما إذا كان المطلوب حصول منفعة أو دفع شدة، كما أنه يشمل طلب منع الشدة التي لم تقع ويشمل أوقات الشدة والرخاء فهو أعم، فعلى هذا "فبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة، وينفرد الدعاء في مادة، فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء استغاثة" (٤).
وقد حكى شيخ الإسلام ﵀ أنهم قالوا في الفرق بين المستغيث والداعي: "أن المستغيث ينادي بالغوث، والداعي ينادي بالمدعو" (٥) وهذا القول مبني على الأصل حيث إن معنى غَوَّثَ الرجل قال: واغوثاه ولكن هذا المعنى غير مراد الآن، قال الزبيدي (٦) بعد ذكر هذا المعنى نقلًا عن شيخه: "وقد صرح أئمة النحو بأن هذا أصله ثم
стр. 84
استعملوه بمعنى صاح ونادى طلبًا للغوث" (١).
فعلى هذا فالفرق المذكور لا يتمشى مع المستعمل الآن إلا إذا نظر إلى الأصل فقط وبهذا يتضح أن الصحيح في الفرق بين الدعاء والاستغاثة هو ما تقدم من أن بينهما العموم والخصوص المطلق. والله أعلم.
جـ - الاستجارة:
يقال: جار واستجار طلب أن يجار أي سأله أن يجيره، أما في استجار فظاهر لأن السين والتاء يدلان على الطلب.
وأما جار فهو مخرج على الجار بمعنى المستجير لكون المجاورة تستدعي الاستجارة، وأجاره الله من العذاب أنقذه، وأجاره أعاذه، ومن عاذ بالله أي استجار به أجاره الله، ومن أجاره الله لم يُوْصَل إليه، وهو يجير ولا يجار عليه أي يعيذ، وقال لنبيه: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ [الجن: ٢٢] أي لن يمنعني والجار والمجير هو الذي يمنعك ويجيرك (٢).
النسبة بين الدعاء والاستجارة:
يظهر مما ذكره علماء اللغة من استعمالات كلمة الاستجارة أنها خاصة بطلب دفع المضار والمكاره.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن المناسبة بينها وبين الدعاء العموم والخصوص المطلق فكل استجارة دعاء وليس كل دعاء استجارة، لأن الدعاء يشمل ما كان لدفع المضار أو جلب المنافع والاستجارة خاصة بدفع المضار وقد تقدم في الاستعاذة قول شيخ الإسلام أن الاستجارة والاستعاذة والاستغاثة قرائب في المعنى وأنها نوع من أنواع الدعاء والطلب.
стр. 85
د - اللياذة:
يقال: لاذ به يلوذ لوذًا ولواذًا ولياذًا إذا لجأ إليه، وعاذ به واستتر به واحتصن به واستغاث به (١)، هذا كلام علماء اللغة وهو يدل على أن مفهوم اللياذ ومفهوم الاستعاذة شيء واحد، لكن ذهب ابن كثير إلى تغايرهما وقَوَّى ذلك بشاهد من شعر المتنبي، قال ابن كثير (٢): "العياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي:
يا من ألوذ به فيما أومله … ومن أعوذ به ممن أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره" (٣)
فيدل هذا البيت الأول على أن العياذة في جانب دفع المضار، واللياذ في جانب جلب المسار، لكن المتنبي ليس حجة لكونه في العصر العباسي الثاني إذ ولادته في عام ٣٠٣ هـ وتوفي سنة ٣٥٤ هـ.
وممن صرح باتحاد مفهوم اللياذة والعياذة العز بن عبد السلام فإنه قال: "الإعادة واللياذة بمعنى واحد وهو الاستجارة بذي سلطان من مكروه" (٤).
فجعل اللياذة لدفع الشر كالعياذة ويؤيده تفسير اللغويين لليّاذة بالاستعاذة كما تقدم، ويمكن أن يقال: إن التفريق بينهما إنما يكون عند
стр. 86
الاجتماع لا عند الافتراق.
هذا ومما ينبغي أن يعلم أن قائل هذين البيتين قد ارتكب خطأً فاحشًا لأنه صرف لب التجائه واعتصامه لغير الله تعالى.
وقد أنكر العلماء هذين البيتين، وشنعوا على قائلهما وبينوا أنهما لا يليقان إلا بجناب الله تعالى حتى إن بعضهم كان يقول عن نفسه: "ربما قلت هذين البيتين في السجود، أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع" (١).
النسبة بين الدعاء واللياذ:
إن الدعاء أعم مطلقًا لأنه يعم ما كان لدفع المضار وما كان لجلب المسار، واللياذ خاص بجلب المسار على ما قاله ابن كثير أو خاص بدفع الشر على ما قاله العز بن عبد السلام ويدل عليه كلام أهل اللغة وهو الظاهر والله أعلم.
وإن اللياذ والاستعاذة مترادفان على هذا القول، وعلى الأول متباينان.
كما أن اللياذ يكون من النوع الثاني وهو الخاص بجلب المسار على ما يدل عليه بيت المتنبي، وذهب إليه ابن كثير.
هـ - الاستغفار:
مصدر استغفر يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى، فغفر له ذنبه غفرًا وغفرانًا ومغفرة. وأصل الغفر التغطية والستر، وكل شيء سترته فقد غفرته، ومنه قيل للذي يكون تحت بيضة الحديد على الرأس: مِغْفَر،
стр. 87
ومنه غفر الله ذنوبه، أي سترها، والغفر، والمغفرة، التغطية على الذنوب والعفو عنها (١).
المناسبة بين الاستغفار والدعاء:
الدعاء يعم ما كان طلبًا للخير أو طلبًا لدفع الشر، والاستغفار خاص بطلب دفع الشر، فكل استغفار دعاء، وليس كل دعاء استغفارًا.
قال شيخ الإسلام ﵀ في شرح حديث النزول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (٢): "فذكر أولًا لفظ الدعاء، ثم ذكر السؤال، والاستغفار، والمستغفر سائل، كما أن السائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل الطالب للخير، وذكرهما جميعًا بعد ذكر الداعي الذي يتناولهما وغيرهما، فهو من باب عطف الخاص على العام" (٣) ومثله قول الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح الحديث: "والفرق بين الثلاثة: أن المطلوب إما لدفع المضار أو جلب المسار، وذلك إما ديني وإما دنيوي، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث" (٤).
ثم إنه قد ورد التفريق بينهما في الأثر على وجه آخر لا يتعلق بالنظر إلى صيغتهما بل إلى وصفهما وهو ما روي عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا: "المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعًا، وفي لفظ: "هكذا الإخلاص يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه وهذا الابتهال فرفع يديه مدًا … " (٥). وهذا الحديث تفسير
стр. 88
بالوصف المقارن لهذه الأمور، وفيه الإشارة إلى أن الابتهال أشد مبالغة في الطلب ويليه المسألة أو الدعاء ثم الاستغفار أو الإخلاص والله أعلم.
و- الشفاعة:
يقال: شفع لي شفاعة، وتشفع، طلب، واستشفعه طلب منه الشفاعة أي قال له كن لي شفيعًا، فالشفاعة على هذا بمعنى الطلب للغير.
وروي عن المبرد (١) وثعلب (٢) أنهما قالا في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ قالا: "الشفاعة الدعاء هنا".
والشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره والشفع خلاف الوتر تقول: كان وترًا فشفعته شفعًا، والشافع: الطالب لغيره ويقال له أيضًا: شفيع، والمشفّع الذي يقبل الشفاعة والمشفَّع الذي تقبل شفاعته (٣).
стр. 89
وأصل هذه المادة تدور على الدلالة على مقارنة الشيئين، من ذلك الشفع خلاف الوتر والشفعة في الدار لأنه يشفع بها ماله، والشاة الشافع التي معها ولدها وشفع فلان لفلان إذا جاء ثانيه ملتمسًا مطلبه ومعينًا له (١).
وفي الاصطلاح: السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم (٢).
النسبة بينها وبين الدعاء:
فقد تقدم تفسير المبرد وثعلب للشفاعة بالدعاء في آية الكرسي، فالشفاعة دعاء مخصوص بطلب التجاوز عن الجرائم فالنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق فكل شفاعة دعاء وليس كل دعاء شفاعة، لأنها خاصة بطلب التجاوز عن الجرائم والدعاء عام.
وقد فرق أبو عبد الله الحليمي بين دعاء الرجل لغيره بالخير وبين الشفاعة له بأن الشفاعة تكون بعد ظهور سوء حال المشفوع له، وأما الدعاء له فيكون قبل ظهور حال المدعو له (٣)، فعلى كلام الحليمي النسبة بينهما التباين، والأول هو الصحيح كما هو واضح.
ويمكن على بعد أن الحليمي يريد بأن الشفاعة خاصة بما بعد ظهور حال المشفوع له وأما الدعاء فيعم الحالين فعلى هذا التأويل فكلامه راجع إلى ما تقدم من أن بينهما العموم والخصوص المطلق والله أعلم.
النوع الثاني: وهو ما كان خاصًا بجلب المسار وهو كلمة السؤال، وكلمة اللياذ على قول:
السؤال:
يقال: سأل يسأل سؤالًا، ومسألة ومساءلة والجمع مسائل إذا طلب،
стр. 90
ويقال أيضًا: سألت وسَلْتُ أَسَل، والرجلان يتساءلان، ويتسايلان.
والسُّوْلُ: ما يسأله الإنسان، وهو طلبته وأمنيته التي يسألها من إطلاق الفُعْل على المفعول كالخبز على المخبوز والأُكل على المأكول. قال تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، أي أمنيتك التي سألتها وطِلْبَتك الّتي طلبتها (١).
ومن استعمال السؤال بمعنى الدعاء: قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ بمعنى دعا داع كما قاله مجاهد (٢).
وقوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٦]، أي كان وعدًا مسؤولًا إنجازُه تسأله الملائكة بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨] أو أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] (٣).
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
النسبة بين الدعاء والسؤال:
فالنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق لأن الدعاء يعم ما كان لجلب المسار ودفع المضار، والسؤال خاص بجلب المسار، وقد تقدم نقل كلام ابن تيمية وابن حجر في ذلك في الاستغفار وهذا هو الذي يظهر من تتبع استعمالات المادتين، ولكن القاضي عياضًا حكى أن بعض
стр. 91
المشايخ فرق بين الدعاء والسؤال بقوله: "الداعي: المضطر، والسائل المختار، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ فللسائل المثوبة وللداعي الإجابة" (١).
ويدل على ضعف هذا الفرق ما ورد في الحديث من استعمال الدعاء في الاختيار وهو قوله ﷺ : "من أراد أن يستجيب الله له في الشدة فليكثر الدعاء في الرخاء" (٢)، وذكر الكرماني شارح البخاري فرقًا آخر فقال: ويحتمل أن يقال: الدعاء ما لا طلب فيه نحو يا الله، والسؤال الطلب، أو أن يقال: المقصود واحد وإن اختلف اللفظان (٣) ولا يخفى ضعف الاحتمال الأول مما سبق نقله عن علماء اللغة من إطلاق الدعاء على الطلب فتحصل مما سبق أن الراجح أن يقال في النسبة بينهما أن الدعاء أعم مطلقًا فكل سؤال دعاء، وليس كل دعاء سؤالًا.
ومثل كلمة السؤال كلمة اللياذة على ما يشهد له بيت المتنبي وقد ذهب إلى ذلك ابن كثير (٤).
وأما على القول الآخر وهو الذي تشهد له أقوال علماء اللغة وعباراتهم فليس من هذا النوع الذي نحن بصدده.
النوع الثالث: الكلمات المختصة بصفة من صفات الدعاء: النداء والجؤار والابتهال:
١ - النداء:
يقال: ناداه، ونادى به، نداء، ومناداة، صاح به.
стр. 92
والنداء بالكسر ممدودًا، الصوت، وقد يضم مثل الدعاء، والرغاء.
أو النداء: الدعاء بأرفع الصوت (١)، وهذا المعنى للنداء مجمع عليه بين أهل اللغة (٢)، قال ابن القيم في النونية:
أم أجمع العلماء والعقلاء من … أهل اللسان وأهل كل لسان
أن النداء الصوت الرفيع وضده … فهو النجاء كلاهما صوتان (٣)
وقد ورد استعماله بمعنى الدعاء في القرآن الكريم في عدة آيات، منها ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٢، ٣].
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥].
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨].
стр. 93
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ﴾ ويدل على أن النداء في هذه الآية هو الدعاء - كون "ما فعلوه هو عين ما أمروا به" (١).
النسبة بين النداء والدعاء:
إن النداء في الأصل خاص بالدعاء بأرفع الصوت فلا يشمل الدعاء بالسر والنجوى، وأما الدعاء فعام فيكون النداء من جنس الدعاء وأنواعه "وليس قسيمًا للدعاء" (٢) فعلى هذا فكل نداء دعاء، وليس كل دعاء نداء فبينهما العموم والخصوص المطلق، وقيل: إن الدعاء للقريب والنداء للبعيد (٣). فهذا الفرق بالنظر إلى أصل النداء لكنه لا يتمشى مع الاستعمال القرآني المتقدم والذي يظهر من سياق الآيات أن المراد من النداء فيها مطلق الدعاء، ومما يدل على أن النداء والدعاء معناهما واحد قول الحليمي ﵀ بعد أن عرف الدعاء: "وهو أيضًا نداء قال الله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ١ - ٣]، وقال: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٨٩]، وقال في آية أخرى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ﴾ [آل عمران: ٣٨]، ومعنى رب: يا رب فثبت أن النداء دعاء" (٤).
ومما يدل على اتحاد مفهومهما أيضًا أن الله عطف أحدهما على الآخر عطف تفسير فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، وذكر الراغب الأصبهاني: أنه يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، ومثل لذلك بالآية السابقة (٥).
стр. 94
ويظهر من هذا أن النداء قد يستعمل بمعنى الدعاء فيتحد مفهومه مع مفهوم الدعاء، وقد يختلف بأن يراد من النداء ما يختص برفع الصوت والدعاء أعم.
وهناك فرق آخر بينهما في الاستعمال اللفظي بأن النداء قد يقال: بيا أو بأيا أو نحو ذلك من غير أن يُضَمَّ إليه الاسم والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو يا فلان (١).
٢ - الجؤار:
يقال: جأر إلى الله تعالى يجأر جأرًا وجؤارًا، رفع صوته مع تضرع واستغاثة.
والجؤار: رفع الصوت، والاستغاثة، وأصله الصوت الشديد (٢).
ومن استعماله بمعنى الدعاء قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
قال مجاهد: تضرعون دعاءً (٣).
وقال السدي (٤): تضجون بالدعاء (٥).
وقال ثعلب: هو رفع الصوت إليه بالدعاء.
стр. 95
ومنه (١) قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]، قال ابن عباس: يستغيثون (٢).
النسبة بين الدعاء والجؤار:
يظهر من إطلاقات كلمة الجؤار أنها خاصة في الأصل بالدعاء الذي يصحبه رفع الصوت ولا يطلق على الدعاء الخفي، فعلى هذا فهو خاص بنوع خاص من الدعاء.
٣ - الابتهال:
يقال: ابتهل في الدعاء إذا اجتهد، قال ابن دريد: "ويقال: ابتهلوا إلى الله إذا أخلصوا له الدعاء".
والابتهال: الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه لله .
وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. أي يُخلصُ ويجتهد كلٌّ مِنَّا في الدعاء واللعن على الكاذب منا.
والمبتهل الداعي، وأصله: التضرع والمبالغة في السؤال (٣).
وقال الزجاج: ومعنى الابتهال في اللغة: المبالغة في الدعاء وأصله الالتعان، يقال: بهله الله أي لعنه الله ومعنى لعنه الله باعده الله من رحمته (٤).
المقارنة بين الابتهال والدعاء:
روي عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هذا
стр. 96
الإخلاص يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مدًا" (١).
ويظهر من تتبع إطلاقات الابتهال أنه خاص بالدعاء المبالغ فيه والذي اجتهد الداعي فيه وبالغ كما يستفاد ذلك من عبارات اللغويين التي تقدمت.
ومن صور المبالغة والاجتهاد وآدابه مد اليدين جميعًا. فيكون الابتهال خاصًا بصفة معينة من صفات الدعاء.
стр. 97
الفصل الثاني في أنواع الدعاء وأقسامه
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في أقسام الدعاء باعتبار معناه.
المبحث الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه ومتعلقه.
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه.
المطلب الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار متعلقه.
стр. 98
المبحث الأول في أقسام الدعاء باعتبار معناه
اتجه العلماء في تقسيم الدعاء باعتبار معناه إلى أربع اتجاهات حسب ما أمكن الاطلاع عليه:
أ - الاتجاه الأول: أن الدعاء ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
١ - دعاء توحيد وثناء.
٢ - دعاء أمر أخروي.
٣ - دعاء حظ دنيوي.
ب - الاتجاه الثاني: أن الدعاء ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أنواع:
١ - دعاء مسألة.
٢ - دعاء ثناء.
٣ - دعاء تعبد.
جـ - الاتجاه الثالث: أن الدعاء ينقسم إلى نوعين:
١ - دعاء عبادة.
٢ - دعاء عادة.
د - الاتجاه الرابع: أن الدعاء يتنوع إلى نوعين:
١ - دعاء مسألة.
стр. 99
٢ - دعاء عبادة.
فهذه الاتجاهات الأربع تكون القسمة فيها باعتبار الاتجاهين الأولين ثلاثية، وباعتبار الاتجاهين الأخيرين ثنائية.
ثم هذه الاتجاهات الأربع ليس بينها كبير اختلاف وتباين، لكن بعضها أدق من بعض في الشمول والاستيعاب، فبعضها أدق من بعض وأحكم وأشمل وأعم.
وسنذكر ما في كل اتجاه من عدم الشمول والدقة ثم نبيّن الاتجاه الدقيق وبالله التوفيق وعليه التكلان ..
أ - الاتجاه الأول: أن الدعاء ثلاثة أنواع:
١ - النوع الأول: دعاء توحيد وثناء.
٢ - النوع الثاني: دعاء أمر أخروي.
٣ - النوع الثالث: دعاء أمر دنيوي.
فأول من وقفت على كلامه ممن ذهب إلى هذا الاتجاه هو أبو إسحاق الزجاج (١) فإنه قال: "معنى دعاء الله على ثلاثة أضرب، فضرب منها توحيده والثناء عليه، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وكقولك: ربنا لك الحمد، [إذا قلته] فقد دعوته بقولك: ربنا ثم أتيت بالثناء والتوحيد. ومثله قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] فهذا ضرب من الدعاء.
وضرب ثان: هو مسألة الله العفوَ والرحمةَ وما يقرب منه كقولك: اللهم اغفر لنا.
стр. 100
وضرب ثالث: هو مسألته [الحظ] من الدنيا كقولك: اللهم ارزقني مالًا وولدًا وما أشبه ذلك. وإنما سمي هذا أجمعُ دعاءً، لأن الإنسان يصدر في هذه الأشياء بقوله: يا الله، يا رب ويا حي فلذلك سُمي دعاءً" (١).
وهذا التقسيم الذي ذكره الزجاج يرجع في الحقيقة إلى نوعين فقط وذلك لأن الضرب الثاني والثالث كلاهما سؤال الله تعالى والطلب منه إلا أن أحدهما يتعلق بحظ من حظوظ الدنيا والآخر يتعلق بالآخرة، وهذا التعلق لا يخرجهما عن كونهما نوعًا واحدًا، ويدل على هذا أن ابن سيده ذكر أن الدعاء على وجهين: الأول طلب في مخرج اللفظ، والمعنى على التعظيم والمدح، والثاني الطلب لأجل الغفران أو عاجل الإنعام (٢).
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن تقسيم الدعاء إلى نوعين فقط - وهو الذي سيأتي بعد هذا - أدقُّ وأوجزُ وأخصرُ، وإن هذا التقسيم ليس دقيقًا، ثم إن قول الزجاج: فضرب منها توحيده والثناء عليه وتمثيله له بما يشتمل على الذكر والتهليل والتحميد لا يشمل أنواع العبادات الأخرى مع أنه يطلق على جميع أنواع العبادات.
ويؤكد تعليله تسميتها دعاء بأن في أولها الدعاء الذي هو النداء بقوله: يا الله يا رحمن أنه يريد حصر إطلاق الدعاء على نوع خاص من العبادة وهو ما كان من باب الثناء والذكر وهذا دليل آخر على عدم دقة هذا التقسيم وأبو إسحاق الزجاج نفسه ذكر في موضع آخر (٣) أن الدعاء معناه العبادة ولم يقيده بالثناء والذكر.
стр. 101
ب - الاتجاه الثاني: أن الدعاء على ثلاثة أنواع أيضًا:
١ - النوع الأول: دعاء مسألة.
٢ - النوع الثاني: دعاء ثناء.
٣ - النوع الثالث: دعاء تعبد.
فأول من وقفت على كلامه ممن ذهب إلى هذا الاتجاه هو ابن القيم ﵀ فإنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قال ﵀: "الدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد" (١).
فالمراد بدعاء المسألة هو "طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه" (٢).
والمراد بدعاء الثناء هو ذكر أسماء الرب ﵎ وصفاته، والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه إما إنشاء وإما إخبارًا (٣).
والمراد بدعاء التعبد هو سائر أنواع العبادات القلبية والبدنية والمالية فإن فيها نوعًا من الطلب والسؤال كما سيأتي.
فهذا التقسيم هو مثل التقسيم الأول يرجع في الحقيقة إلى نوعين فقط. فدعاء الثناء، ودعاء التعبد، يعدان قسمًا واحدًا وليسا قسمين ويدل لذلك أن ابن القيم نفسه ذكر في الآية السابقة في موضع آخر (٤) أن الدعاء فيها مرتبتان، دعاء ثناء وعبادة، ودعاء طلب ومسألة فجعل دعاء الثناء والعبادة نوعًا واحدًا كما أنه ذكر في موضع آخر أن الدعاء نوعان دعاء ثناء ودعاء مسألة (٥).
стр. 102
ويمكن أن يقال: إنما ذكر دعاء الثناء مفردًا عن دعاء التعبد لأن الثناء على المدعو يدل على الطلب والمسألة أكثر من دلالة أنواع العبادات الأخرى، لأن الداعي ربما يتعرض لحوائجه بالمدح والثناء لمن يريد منه النوال والعطاء، فالعبادات الأخرى وإن كانت تستلزم الطلب والسؤال إلا أن دلالتها أقل من دلالة الثناء على الطلب. وتقدم (١) ما يزيد هذا وضوحًا في كلام سفيان بن عيينة ﵀.
جـ - الاتجاه الثالث: أن الدعاء على نوعين:
١ - النوع الأول: دعاء عبادة.
٢ - النوع الثاني: دعاء عادة.
فأول من وقفت على كلامه في ذلك هو الشيخ محمد رشيد رضا (٢)، ثم الشيخ أبو السمح محمد عبد الظاهر (٣) رحمهما الله تعالى.
قال الشيخ محمد رشيد: "إن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء العادة، فالثاني ما يطلبه الناس بعضهم من بعض مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم، ودعاء العبادة: هو طلب ما وراء الأسباب مما لا يقدر عليه إلا رب العباد" (٤) وذكر نحوه الشيخ أبو السمح (٥).
ويلاحظ على هذا التقسيم أنه غير شامل إذ لا يشمل دعاء التعبد والثناء فدعاء العبادة على هذا التفسير راجع إلى دعاء المسألة إلَّا أنه خاص
стр. 103
بسؤال الله تعالى فهو تقسيم لدعاء المسألة إلى كونه عبادة إذا كان فيما وراء الأسباب وكونه عادة إذا كان في الأمور العادية التي هي مرتبطة بالأسباب، وقد ذكر العلماء ما يشبه هذا في الاستغاثة الجائزة وغير الجائزة كما سيأتي (١) إن شاء الله تعالى.
د - الاتجاه الرابع: أن الدعاء على نوعين:
١ - النوع الأول: دعاء مسألة.
٢ - النوع الثاني: دعاء عبادة.
فأول من رأيت قد صرح بهذا الاتجاه هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه ابن القيم وغيره.
وأما شيخ الإسلام فقد ذكر هذا التقسيم في عدة مواضع من كتبه، فمن ذلك قوله: "لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين دعاء العبادة ودعاء المسألة … " (٢) ويسميه في مواضع دعاء العبادة، ودعاء المسألة والاستعانة (٣).
وأما ابن القيم فإنه ذكر هذا التقسيم في عدة مواضع من كتبه أيضًا منها قوله في جلاء الأفهام: "والدعاء نوعان دعاء عبادة ودعاء مسألة، والعابد داع، كما أن السائل داع" (٤)، وقوله في بدائع الفوائد في تفسير آية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً .. ﴾ [الأعراف: ٥٥]: "هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء، دعاء العبادة ودعاء المسألة فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما" (٥).
стр. 104
وقال في البدائع في موضع آخر: "فالتشهد يجمع نوعي الدعاء دعاء الثناء والخير، ودعاء الطلب والمسألة" (١).
وإنما قيدنا في بداية الكلام بأن هؤلاء هم أول من صرح بهذا التقسيم لأن هذا التقسيم موجود قبل هؤلاء في ضمن كلام من سبقهم من السلف وذلك لدلالة القرآن والسنة عليه، فالسلف فهموا هذا التقسيم من الكتاب والسنة، فمن العلماء الذين أشاروا إلى ذلك بدون تصريح للتقسيم:
١ - سفيان بن عيينة عندما سئل عن معنى دعاء يوم عرفة كما مر (٢).
٢ - ابن جرير فإنه ذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وجهين أحدهما: مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته، ومعنى الإجابة الوفاء بما وعدهم على العمل من الأجر واستدل على ذلك بحديث: "الدعاء هو العبادة" ثم قال: "فأخبر ﷺ أن دعاء الله إنما هو عبادته ومسألته بالعمل له والطاعة، ثم نقل عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، اعملوا وأبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله" (٣).
وقال أيضًا: "والدعاء لله يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولًا وعملًا، وقد يكون بالعمل له بالجوارح" (٤).
٣ - البغوي فإنه قال: "قيل: معنى الدعاء هاهنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب" (٥).
стр. 105
وهذا التقسيم الرابع هو التقسيم الأحسن والأدق، لأنه أشمل وأعم، كما أنه أوجز وأخصر، فلهذا فهو أدق وأحكم، أما كونه أشمل وأعم، فلأنه يدخل فيه جميع أنواع الدعاء، فلم يخرج عنه شيء لم يشمله، وأما كونه أوجز وأخصر فواضح لكون القسمة فيه ثنائية، وأما كونه أدق وأحكم فلسلامته من الاعتراضات التي في التقسيمات الأخرى.
وجه انقسام الدعاء إلى نوعين:
قد ذكرنا في تعريف الدعاء أن معناه هو الرغبة والقصد والتوجه إلى المدعو وهذا القصد والتوجه إلى المدعو يكون "تارة لذاته، وتارة لمسألته أمرًا منه، وهذا كالشخص يدعو غيره، ويطلبه، ويقصده، تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه" (١).
فالقصد إلى المدعو لذاته هو المسمى بدعاء العبادة والثناء، والقصد إلى المدعو لمسألته هو المسمى بدعاء المسألة، وهذا هو وجه انحصار وانقسام الدعاء إلى نوعين فقط.
ثم إن كلا النوعين من دعاء الثناء والذكر والعبادة ودعاء المسألة والطلب فيه خاصية وفائدة لا تكون في النوع الآخر ففي الثناء والعبادة تمتلئ القلوب بعظمة الله وجلاله وفي السؤال والطلب تمتلئ بالرغبة والانطراح بين يدي الله تعالى.
قال الإمام الدهلوي ﵀: واعلم أن الدعوات التي أمرنا بها النبي ﷺ على قسمين:
أحدهما: ما يكون المقصود منه أن تملأ القوى الفكرية بملاحظة جلال الله وعظمته، أو يحصل حالة الخضوع والإخبات، فإن لتعبير اللسان عما يناسب هذه الحالة أثرًا عظيمًا في تنبه النفس لها وإقبالها عليها.
والثاني: ما يكون فيه الرغبة في خير الدنيا والآخرة والتعوذ من
стр. 106
شرهما لأن همة النفس وتأكد عزيمتها في طلب شيء يقرع باب الجود بمنزلة إعداد مقدمات الدليل لفيضان النتيجة، وأيضًا فإن الحاجة اللذاعة لقلبه، توجهه إلى المناجاة، وتجعل جلال الله حاضرًا بين عينيه، وتصرف همته إليه، فتلك الحالة غنيمة المحسن" (١).
ثم إنَّ كلا النوعين من خصائص الله تعالى فلا يليقان بأن يصرفا لأحد كائنًا من كان سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا فالله هو المدعو دعاء المسألة للنفع والضر كما أنه هو المدعو المعبود للرجاء والخوف (٢).
فهذان النوعان مختصان به ﵎ ولا يصلحان أن يصرفا لغيره.
قال شيخ الإسلام ﵀: وكلا نوعي الدعاء مختصان بالله تعالى حقان له لا يصلحان لغيره بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك وذلك من معنى أنه الأحد الصمد فإن كونه أحدًا يوجب أن لا يشرك به في العبادة ولا الاستغاثة فلا يدعى غيره.
والاسم الصمد جاء معرفًا يبين أنه هو الصمد الذي يستحق أن يصمد إليه بكلا نوعي الصمد، وهذان الاسمان الأحد والصمد لم يذكرا في القرآن إلا في هذه السورة - يعني سورة الإخلاص -. والله هو المقصود لذاته ولما يطلب منه فهو مقصود مدعو لنفسه كما أنه مقصود مدعو لما يسأل عنه ويطلب منه وهو الصمد في الأمرين لا يصلح لغيره أن يكون هو المعبود ولا أن يكون هو المتوكل عليه المستعان به المسؤول منه (٣).
تلازم نوعي الدعاء:
قد ذكرنا أن الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وهذا
стр. 107
التقسيم معناه أن الدعاء يراد به تارة دعاء المسألة، وتارة دعاء العبادة، وليس معنى هذا أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام (١) أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي يكون فيه أظهر بدلالة المطابقة.
فإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن (٢) لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة ومخها وروحها وحقيقتها. فالآيات التي ورد فيها الدعاء مرادًا به دعاء المسألة - تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة -.
وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام (٣) وذلك لأن العابد لله تعالى كالذي يذكر الله مثلًا فهو في الحقيقة سائل وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال (٤).
فالعابد لله سبحانه سائل لله تعالى، يسأله الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فإنه يعبد الله خوفًا من عقابه، وطمعًا في رحمته، ولا يخلو العابد في قرارة نفسه من الخوف والرجاء، لا كما يزعمه بعض المتصوفة "إنه
стр. 108
يعبد الله لا خوفًا من النار ولا طمعًا في الجنة وإن هذا المقام نقص، وإنما الكمال في عبادة الله لذاته" (١) وهذا باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة ولواقع عباد الله الصالحين من الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة.
ولهذا فالعبادة تستلزم السؤال والطلب، فإذا أريد من الدعاء دعاء العبادة فإنه يدل على دعاء المسألة استلزامًا.
فالعابد لا بد أن يطلب غرضًا ما عاجلًا أو آجلاً، فلا يخلو في قرارة نفسه من رغبة أو رهبة.
وبما تقدم تبين أن نوعي الدعاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث ذكر أحدهما دخل معه الآخر إما تضمنًا وإما التزامًا، وبهذا التقرير يندفع ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله - المراد بها العبادة فقط وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم والهتاف باسمهم من مسافات بعيدة، هكذا زعموا وأولوا كل الآيات التي فيها التحذير من دعاء غير الله تعالى - بالعبادة. ولم يقتصروا على هذا فقط، بل ضيقوا معنى العبادة حيث إن مفهومها عندهم لا يشمل إلا السجود والركوع ونحو ذلك، وأما الدعاء والاستغاثة، والنذر، والذبح، وما إلى ذلك فليست داخلة في العبادة، هكذا زعموا وهذا الزعم الذي زعموه ستأتي مناقشته (٢) إن شاء الله تعالى.
ضوابط معرفة نوعي الدعاء:
قد ورد إطلاق الدعاء في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه:
١ - أن يراد منه دعاء المسألة.
стр. 109
٢ - أن يراد منه دعاء العبادة.
٣ - أن يراد منه مجموعهما.
فهذه الأوجه الثلاثة هي التي تدور عليها إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم إما أن يراد منه أحدهما أو يراد منه ما يشمل النوعين (١).
وهذه الاستعمالات الثلاث كثيرة في القرآن الكريم قد ورد بكل منها عدة آيات، وفيما يلي بيان لتلك الاستعمالات مع المحاولة لجعل ضوابط تعرف بها تلك الآيات مع أن هذه الضوابط ليست ضوابط بالمعنى الصحيح الذي لا يمكن تخلفه أو انفكاكه بل هو تقريبي وذلك لأن الأمر يتطلب استقراءً تامًا في كتاب الله تعالى ودراسة كل آية دراسة وافية، وما قال فيها علماء التفسير.
بعض الآيات التي تكون دلالتها على دعاء المسألة أقوى:
ويمكن تقسيم تلك الآيات إلى أربع مجموعات:
١ - المجموعة الأولى: الآيات التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في وقت الشدائد والمصائب والاضطرار، وعن كشف الله تعالى لتلك الشدائد.
٢ - المجموعة الثانية: الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم من الأنبياء التوسل لهم إلى الله بالدعاء.
٣ - المجموعة الثالثة: الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وابتهالاتهم.
٤ - المجموعة الرابعة: الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله لدعاء من دعاهم.
ففي هذه المجموعات تكون دلالة الآيات على دعاء المسألة أظهر،
стр. 110
وقد تكون الدلالة على المسألة واضحة صريحة حتى تعد نصًا فيها كما في المجموعة الثانية والثالثة، ومع هذا فهي دالة على دعاء العبادة بطريق التضمن فهي تدل على دعاء المسألة مطابقة، وعلى دعاء العبادة تضمنًا.
ومن هنا نجد من العلماء من يحمل تلك الآيات على دعاء العبادة مع ظهورها في المسألة وذلك لتداخل النوعين من حيث التلازم وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر.
أمثلة المجموعة الأولى:
وهي التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في الشدائد، وكشف الله لها: منها قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]، فهذه الآية أظهر في دعاء المسألة لأن المضطر يحتاج إلى نيل مطلوبه العاجل أكثر من احتياجه إلى الأجر والثواب في الآخرة فإن الإجابة تكون على دعاء المسألة بنيل المطلوب، وفي دعاء العبادة بالأجر والثواب، ومما يؤيد كونها في دعاء المسألة قوله: "ويكشف السوء" فكشف السوء هو مطلوب السائل المضطر فهو به أنسب وأليق. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
قال الدهلوي ﵀: "وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين بل هو الاستعانة، لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ﴾ " (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة" (٢). ومن ذلك قوله تعالى: