← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

توسل إلى المدعو بصفات كماله وإحسانه، وفضله، وعَرَّض بل صرح بشدة حاجته وضرورته، وفقره ومسكنته، فهذا المقتضى منه، وأوصاف المسؤول مقتضى من الله، فاجتمع المقتضى من السائل، والمقتضى من المسؤول في الدعاء، وكان أبلغ وألطف موقعًا، وأتم معرفة وعبودية، وأنت ترى في الشاهد -والله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسل إلى من يريد معروفه بكرمه وجوده، وبره، وذكر حاجته هو، وفقره، ومسكنته، كان أعطف لقلب المسؤول، وأقرب لقضاء حاجته، فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا تنكر ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغًا لا صبر معه ونحو ذلك كان أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء: أعطني كذا وكذا" (١). وهكذا كانت عامة أدعية النبي ﷺ فهي في الغالب تجمع هذه الأنواع كلها فلهذا ينبغي للعاقل أن لا يعدل عنها إلى غيرها، وذلك لأنه ﷺ أعطي جوامع الكلم فلا يمكن لغيره أن يأتي بمثل أدعيته ﷺ . مثال ذلك: قوله ﷺ لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما قال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٢) فقد جمع ﷺ في هذا الدعاء هذه الصيغ كلها من وصف حال السائل بالظلم، ووصف الله بالتفرد بالمغفرة ثم الطلب للمغفرة والرحمة. قال شيخ الإسلام ﵀: فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان

стр. 142

المقتضي للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب" (١). المطلب الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار متعلقاته: ينقسم الدعاء باعتبار متعلقاته إلى ثلاثة أقسام: ١ - أقسام الدعاء باعتبار الداعي. ٢ - أقسام الدعاء باعتبار المدعو المطلوب منه. ٣ - أقسام الدعاء باعتبار الشيء المطلوب. وجه الحصر في هذه الأقسام الثلاثة: وجه الحصر في هذه الأقسام هو أن متعلق الدعاء ثلاثة: ١ - الداعي الطالب للحاجة. ٢ - المدعو المطلوب منه. ٣ - المدعو به المطلوب. وكل هذه الأقسام الثلاثة تنقسم إلى أربعة أقسام، وإليك تفصيل هذه الأقسام: أقسام الدعاء باعتبار الداعي: قد سبق أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء استعانة، فالداعي إما أن يتصف بهما معًا أو يتصف بأحدهما دون الآخر، أو يتركهما جميعًا، فهذه أربعة أقسام وهي القسمة الممكنة في العقل. وقد جمع الله بين هذين الأصلين العبادة والاستعانة اللذين أحدهما غاية العبد التي خلق من أجلها والآخر وسيلة إليها في مواضع (٢) من

стр. 143

كتابه، منها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى حكاية عن العبد الصالح شعيب ﵇ قوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، وقول إبراهيم والذين معه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقوله سبحانه إذ أمر رسوله ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، كما أمره بهما في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. ومع كون هذين الأصلين يوجدان في البشر إلا أن الأصل الذي هو الاستعانه هو الأكثر فيهم لأن علم النفوس البشرية بحاجتها وفقرها إلى الرب قبل علمها بحاجتها وفقرها إلى الإله المعبود، كما أن قصدها لدفع حاجاتها العاجلة قبل الآجلة، ولهذا كان إقرارهم بالربوبية أسبق من الألوهية كما هو معروف من دعوة الرسل ومن الإخلاص في وقت الشدائد (١). وهذان الأصلان كلاهما ملازمان للإنسان، وذلك لأن الإنسان حساس متحرك بالإرادة فهو همام حارث بل كل حي له إحساس وعمل بإرادة ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله. فلهذا فلا بد لكل إنسان من إرادة ولا بد لكل مريد من مستعان به مدعو ومسؤول يستعان به على تحصيل المراد المطلوب.

стр. 144

وهذا المستعان به إذا كان مستعانًا به لذاته فلا بد أن يذل له الطالب السائل ويحبه، ويعتمد عليه ويرجوه ويخافه وينقاد له، فيكون هو الغاية المطلوبة لهذا الإنسان، فيكون هو معبوده ومقصوده والمستعان به (١). فتبين بهذا العلاقة التي بين العبادة والاستعانة، وأنه لا بد لكل إنسان في كل وقت وحال من منتهى يطلبه وهو إلهه ولا بد له أيضًا من منتهى يطلب منه ويستعين به وذلك صمده الذي يصمد إليه في سؤاله واستعانته (٢). ومن هنا يظهر لنا تلازم العبادة والاستعانة للإنسان وأن أحدهما وسيلة والآخر غاية، ثم الإنسان في هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة الممكنة، إما أن يأتي بهما جميعًا وإما أن يأتي بالعبادة فقط وإما أن يأتي بالاستعانة فقط وإما أن يتركهما جميعًا (٣). فهذه الأحوال الأربعة هي القسمة الممكنة في الإنسان، وهي أيضًا متفاوتة: القسم الأول: وهو أجلّها وأفضلها وهم أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادةُ الله غايةُ مرادهم، وطلبهم أن منه يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها نهاية مقصودهم، ولهذا كان من أفضل ما يُسأل الربُّ ﵎ الإعانةُ على مرضاته، وهو الذي علمه النبي ﷺ لحبه معاذ بن جبل ﵁ فقال: "يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنسَ أن تقول دبر كل صلاة اللهم

стр. 145

أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١) فأنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله وتيسير أسبابه (٢). القسم الثاني: وهو شر الأقسام: وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة، ولا استعانة، فلا هو مع الشريعة الأمرية، ولا مع القدر الكوني (٣). وهؤلاء "فريقان: أهل دنيا، وأهل دين، فأهل الدين منهم هم أهل الدين الفاسد الذين يعبدون غير الله، ويستعينون غير الله بظنهم وهواهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. وأهل الدنيا منهم الذين يطلبون ما يشتهونه من العاجلة بما يعتقدونه من الأسباب" (٤). فهؤلاء أهل الدنيا يظنون أن الأسباب هي القادرة وحدها على تحصيل مسبباتها فلهذا فلا يطلبون العون من خالق الأسباب لهذا الظن الفاسد.

стр. 146

القسم الثالث: له من نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان: (١) أحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق وإرسال الرسل وتمكينه من الفعل فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة ولكنهم لا يطلبون من الله الإعانة عليها، ولا يطلبون منه صلاح قلوبهم ولا هدايتها، فلهذا هم موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة. النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، فلم تنفذ قوى بصائرهم من السبب إلى المسبب، فضعفت عزائمهم، وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من الاستعانة. ومشكلة أهل هذا القسم أنهم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة شاهدين لإلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه، ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر، والتوكل والاستعانة. وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة، فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره، يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان، لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوي العبد وتيسر عليه الأمور ولهذا قال بعض السلف: "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله (٢) " (٣).

стр. 147

القسم الرابع: من لا يعبد الله تعالى، ولكنه يستعين به على أهوائه وحظوظ نفسه وشهواته، وأغراضه، ويطلبها منه، وينزلها، به فتقضى له، ويسعف بها، سواء كانت أموالًا أو رياسة أو جاهًا عند الخلق أو أحوالًا من كشف، وقوة، وتمكين، ولكن لا عاقبة له (١) وهؤلاء يشهدون ربوبية الله للخلق وافتقارهم إليه ويستعينون به غير ناظرين إلى الأمر والنهي ومرضاة الله ومحبته وغضبه، وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة. وليس الكلام في الكفار والظلمة المعرضين عن الله فإن هؤلاء دخلوا في القسم الثاني الذين لا عبادة لهم ولا استعانة، ولكن الكلام في قوم عندهم توجه إلى الله وتأله ونوع من الخشية والذكر والزهد، ولكن يغلب عليهم التوجه بإرادة أحدهم وذوقه ووجده، لا بالأمر الشرعي وهم أصناف: منهم المعرض عن التزام العبادات مع ما يحصل له من الشياطين من كشف له أو تأثير، وهؤلاء كثيرًا ما يسلبون أحوالهم، وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق، بل كثير منهم يرتد عن الإسلام لأن العاقبة للتقوى، وهم لا تقوى لهم (٢). ومنهم من يقوم بالعبادات الشرعية الظاهرة كالصلاة والصيام والحج، وترك المحرمات، لكن في أعمال القلوب لا يلتزم الأمر الشرعي، بل يسعى لما يحبه ويريده والله تعالى قال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠].

стр. 148

وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته، كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونًا على طاعته، كان مبعدًا له عن مرضاته، قاطعًا له عنه، وذلك أن الله سبحانه يعطي السلطان والمال للبر والفاجر، فقد يعطي أحد هؤلاء تصرفًا إما بقهر عدوه، وإما بنصر وليه كما تعطي الملوك وقد يعطي نوعًا من له، المكاشفة إما بإخبار الجن له، وقد يعرف أنه من الجن وقد لا يعرف، وإما بغير ذلك (١). أنواع الدعاء باعتبار متعلقه الذي هو المدعو: فالدعاء باعتبار تعلقه بالمدعو يتنوع إلى أربعة أنواع أيضًا وذلك لأن المدعو بدعاء المسألة يكون تارة هو المدعو بدعاء العبادة، فيكون هو المسؤول وهو المعبود معًا وهذا المدعو المسؤول إما هو الله أو غيره أو يختلفان، فهذه أربعة (٢) أنواع وإليك تفصيلها: ١ - أن يعبد غير الله ويستعين به ويدعوه من دون الله تعالى، وهذا أشر الأقسام. وذلك كالذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك ويطلبون منهم الحاجات ويفزعون إليهم في النوائب. ٢ - أن يعبد الله ولكنه يستعين بغيره مثل كثير من أهل الدين يقصدون طاعة الله ورسوله، ولكن تخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ورزقهم من الملوك والأغنياء والمشايخ، فيصرفون استعانتهم لهؤلاء ويرجونها منهم. ٣ ـ أن يستعين بالله ويدعوه ويخلص له في الدعاء والاستعانة ولكنه

стр. 149

يعبد غيره كالذين يستعينون بالله ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجأون إليه ولكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته. وهذا كما يحصل من المشركين الأوائل عند الشدائد حيث كانوا يدعون الله تعالى في الشدائد مع عبادتهم للأصنام في الرخاء. ٤ - أن لا يعبد إلا الله ولا يستعين إلا به ولا يدعو غيره وهم أهل التوحيد الخالص الذين أخلصوا دينهم الله. ويتنوع الدعاء باعتبار المدعو أيضًا إلى أربعة أنواع أخرى وهي: ١ - أن يسأل الله تعالى فقط. ٢ - أن يسأل المخلوق فقط. - أن يسألهما جميعًا. ٤ - أن يسأل سؤالًا مطلقًا ولا يعين فيه المسؤول. وسيأتي (١) ما يتعلق بهذه الأقسام من ناحية الحكم إن شاء الله تعالى. أنواع المدعو به: تدور مطالب جنس البشر وأمنياتهم وأدعيتهم وأسئلتهم على أربعة مطالب فهي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين: الأول: خير موجود بالفعل، فهذا يطلب دوامه وثباته، وأن لا يسلب ولا يزول. والثاني: خير، معدوم، فهذا يطلب وجوده، وحصوله ووقوعه. والثالث: شر موجود بالفعل، فهذا يطلب رفعه وإزالته، أو تخفيفه على الأقل.

стр. 150

والرابع شر معدوم يخاف من وقوعه فهذا يطلب بقاؤه على العدم وأن لا يوجد. وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾، فهذا الطلب لدفع الشر الموجود فإن الذنوب والسيئات شر، ثم قال: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم عليه فهذا قسمان. ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه، ثم قال: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم وهو خزي يوم القيامة. فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام، مرتبة أحسن ترتيب، قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة، ودوام الإسلام إلى الموت، ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة، وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله وأن لا يخزيهم يوم القيامة (١) فهذه هي مطالب الإنسان التي يريدها ويتمناها ويسألها من ربه ولا تخرج مطالبه في الجملة عن هذه الأنواع الأربعة. وقد تقدم لنا (٢) أن الدعاء يطلق على الأنواع الأربعة، وأن الاستعاذة والاستجارة والاستغفار لا تطلق إلّا على جانب الشر، أي النوع الثالث والرابع، وأن اللياذ لا يطلق إلا على جانب الخير أي الأول والثاني عند بعض العلماء وعند البعض يُطلق على جانب الشر، وأما السؤال فيطلق في جانب الخير فقط.

стр. 151

الفصل الثالث في آداب الدعاء والإجابة وأنواعها ويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث: - المبحث الأول: في آداب الدعاء العدمية التي يطلب انتفاؤها وعدمها. - المبحث الثاني: في آداب الدعاء الثبوتية التي يطلب ثبوتها ووجودها. - المبحث الثالث: في الإجابة وأنواعها.

стр. 152

التمهيد ويشتمل على تنبيهين: ١ - التنبيه الأول: في السبب المانع من التوسع في هذا الفصل: إن آداب الدعاء وما ينبغي أن يتصف به الداعي من الصفات والأحوال كثيرة جدًا وقد توسع العلماء في ذكر ذلك حيث ذكروا الآداب التي ينبغي للداعي أن يلتزم بها وبينوا ما في ذلك من الأسرار والحكم كما بيّنوا كل خصلة من خصال تلك الآداب، بيّنوا دليلها من الكتاب والسنة وآثار السلف، كما بيّنوا أوقات الدعاء التي ترجى فيها الإجابة والأماكن الفاضلة التي هي أرجى من غيرها، وبيّنوا الأحوال والأوصاف التي هي أرجى من غيرها، كما بيّنوا ألفاظ الأدعية الواردة المطلقة منها والمقيدة بزمان أو مكان أو حال وشرحوا معانيها وما تحمل من أسرار وحكم وابتهالات وعبر ودروس وتنزيه وتقديس الله تعالى، وكذلك بيّنوا ما يتعلق بالإجابة وما يلزم لها وموانعها. كل ذلك بأدلة ثابتة من الكتاب والسنّة وآثار السلف وأقوال العلماء. فمن العلماء من أفرد هذه الأمور بمؤلف مستقل، وهم كثيرون جدًا (١). ومنهم من ذكر هذه الأمور في ضمن كتابه المشتمل على موضوعات

стр. 153

شتى كأصحاب الكتب الستة وغيرها من السنن والمعاجم والمسانيد. فهذا هو أحد الأسباب التي منعتني من استقصاء ما في هذا الفصل من الكلام والسبب الثاني: أن المسائل المتعلقة بهذا الفصل هي من المسائل التي يتفق عليها كثير من علماء المسلمين، والاختلاف والمناقشة فيها قليلة إذا قارنا بما يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني والثالث والرابع. ومن هنا لم أتوسع في هذا الفصل ولكن مع هذا العذر فإني أرى لزامًا عليّ أن أبيّن بعض آداب الدعاء بالإيجاز والاختصار بدون استقصاء والله المستعان وعليه التكلان. التنبيه الثاني: في عبارات المؤلفين وتسمياتهم لهذه الآداب: إن العلماء الذين تكلموا عن هذه الآداب قد اختلفت عباراتهم وإطلاقاتهم، فمنهم من سمى هذه الآداب شروطًا (١)، ومنهم من سماها آدابًا (٢)، ومنهم من سمى بعضها أركانًا (٣)، ومنهم من سمى بعضها شروطًا

стр. 154

وبعضها سننًا (١)، ومنهم من سمى بعضها شروطًا وبعضها آدابًا (٢). هذا ومما ينبغي التفطن له أن هذه الآداب ليست على مرتبة واحدة بالنسبة لأهميتها للدعاء فبعضها أهم من بعض فهذا هو السبب لاختلاف عبارات المؤلفين فيها، ومما يدل على تفاوت مراتب تلك الآداب أن بعض ما ورد من الأحاديث ربما يدل بظاهره على أن بعض تلك الآداب شرط حقيقي مثل ما يأتي في التلبس بالحرام. وقد ذكر الزبيدي هذه المسألة عندما عنون الغزالي: "آداب الدعاء" قال الزبيدي: وقد ذكر فيها ما يصلح أن يكون شرطًا له، ولم يميز المصنف بين الأدب والشرط هنا كما فعل الحليمي في المنهاج وغيره ونحن نشير إلى ذلك (٣) ونقل عن ابن الجزري بعض الآداب ثم قال: "وبعض ذلك يعد شرطًا" (٤)، ثم عندما ذكر المصنف التوبة ذكر حديث الرجل يطيل السفر … فأنّى يستجاب له، قال: "ويؤخذ من هذا الحديث أن هذا شرط لا أدب. قال الطرطوشي: من آدابه أكل الحلال ولعله من شروطه" (٥).

стр. 155

وأما الحليمي فقد ذكر بعض هذه الآداب وسماها أركانًا، والركن ما لا يتم الشيء إلا به وهو أهم من الشرط لأن الشرط خارج الماهية، وأما الركن فداخل في الماهية لكن الذي في شرح الإحياء للزبيدي وفي الأزهية للزركشي (١) يفيد أن الحليمي عبر بالشروط لا بالأركان وهو الأقرب. وقد عد الحليمي أحد عشر شرطًا (٢) فالبعض من هذه الشروط التي ذكرها يمكن أن يعد من قبيل الشرط الحقيقي والبعض الآخر من قبيل الآداب، فالذي يعد من الشروط هو ألا يكون المسؤول بالدعاء ممتنعًا عقلًا ولا عادة كإحياء الموتى ورؤية الله في الدنيا وهذا يمكن عده شرطًا كما سيأتي في مبحث الاعتداء وأما غير ذلك مما سماه شرطًا أو ركنًا فكله من الآداب. والذي يظهر بعد تأمل ما ذكروه من الشروط أو الآداب أن الأولى تسميتها آدابًا، وأما تسميتها شروطًا فمن باب المسامحة في التعبير أو من باب التغليب لأن بعضها يمكن أن يعد شرطًا بالمعنى الاصطلاحي كبعض الأمثلة التي تذكر في الاعتداء، والذي يرجح تسميتها آدابًا عدة أمور: الأول: إن حد الشرط المصطلح عليه لا ينطبق عليها إذ معنى الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود (٣) كالوضوء للصلاة. ومن المعروف أن هذه الآداب لا يلزم من عدم بعضها عدم إجابة الدعاء ويوضح هذا الأمرُ التالي:

стр. 156

الثاني: إن إجابة الدعاء من مقتضى ربوبية الله تعالى لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فهو يربيهم بالنعم، ومنها إجابة دعائهم وقضاء حوائجهم. وهذا يقتضي أن الله يجيب دعاء الفاسق والعاصي والكافر فليس شرطًا أن يكون الداعي من المخلصين. فمن هنا نقول: إن الإخلاص لله تعالى في الدعاء من الآداب المهمة لرجاء قبول الدعاء ومع هذا فقد يجيب الله تعالى في النادر لمن دعا غيره أو دعا دعاء بدعيًا كمن يدعو عند الأضرحة بخشوع واضطرار، وذلك إما استدراجًا وابتلاء وإما لاضطراره أو خشوعه وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالي (١). ومن ذلك التوبة فهي من أهم الآداب التي تطلب للداعي ومع ذلك فقد يقبل الله دعاء العاصي والفاسق والكافر بل إبليس لما دعا الله تعالى أجابه الله، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨]. ومن آكد الآداب عدم التلبس بالحرام، لأن التلبس بالحرام من موانع الإجابة ولكن قد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه كما قاله ابن رجب ﵀ (٢)، ونحوه قول الشوكاني: "إن ملابسة المعصية مقتضية لعدم الإجابة إلا إذا تفضل الله على عبده، وهو ذو الفضل العظيم" (٣). الثالث: إن بعض العلماء أشاروا إلى عدم لزوم بعضها لإجابة الدعاء، وأن الدعاء جائز بدونها، وأنها آداب مكملة، وأنها أرجى للإجابة وهؤلاء إنما ذكروا ذلك في بعضها، وما لم يذكروا فيه فهو مثل الذي ذكروا، لأنها من باب واحد إلّا أن بعض ما ذكر فيما يتعلق بالشرط الذي

стр. 157

هو عدم الاعتداء قد يعد من الشرط الحقيقي وسيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى. ومن هؤلاء العلماء البخاري فيما يتعلق باستقبال القبلة، فإنه عقد أولًا باب الدعاء غير مستقبل القبلة فأورد ما يدل على ذلك وهو حديث أنس بن مالك في استسقاء النبي ﷺ في خطبة الجمعة، ثم عقد ثانيًا باب الدعاء مستقبل القبلة فذكر حديثًا يدل على ذلك (١). ومنهم أبو عبد الله الحليمي فإنه ذكر الآداب التي للدعاء والأحوال والمواطن ثم قال: "إنها أسباب تقوي الرجاء بالله جل ثناؤه وفي إجابة الدعاء، لا أن الدعاء لا يقبل إلَّا عندها فمن عرضت له حاجة في غيرها فلا ينبغي له أن يمتنع من الدعاء خيفة الرد، بل يدعو قوى الرجاء، حسن الظن بالله تعالى فإنه يستجيب دعاءه بجوده وكرمه" (٢). ومنهم القرطبي فإنه ذكر الاختلاف في رفع اليدين في الدعاء ثم قال: "قلت: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله ، والتذلل له والخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي ﷺ حسبما ورد في الأحاديث، وقد قال تعالى: ا ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، ولم يزد صفة من رفع يدين وغيرها وقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر، وقد دعا النبي ﷺ في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة" (٣). ونحو كلام القرطبي هذا ما ذكره المناوي من أن عدم رد الله تعالى

стр. 158

للدعاء لا يتوقف على الرفع إذا توافرت الشروط (١) ويريد بهذا أن الرجل لو لم يرفع يديه ولكنه خشع وأخلص .. إلخ، قد تجاب دعوته وأن الإجابة ليست متوقفة على الرفع وكأن المناوي يرى أن بعضها شرط حقيقي والله أعلم.

стр. 159

المبحث الأول في آداب الدعاء العدمية للدعاء آداب كثيرة تتنوع إلى عدة أنواع باعتبارات شتى ونظرات مختلفة، فيمكن تقسيمها باعتبار إلى ظاهرية وباطنية، وباعتبار إلى عدمية ووجودية، أو يقال إلى سلبية وإيجابية، وباعتبار آخر إلى آداب تتعلق بالداعي وأخرى بالدعاء وأخرى بالمدعو فيه، ولاختلاف هذه الاعتبارات اختلفت عبارات العلماء في تقسيمها. فقد قسمها القرطبي بالنظر إلى ما يطلب للداعي أو للدعاء أو المدعو به، فذكر مما يطلب للداعي: "أن يكون عالمًا بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره" (١). فهذا الشرط داخل في الإخلاص في التقسيم الذي ذكرناه فإن هذا العلم يقتضي أن يخلص الداعي في دعائه وأن لا يدعو إلا الله تعالى على وفق سنة نبيه ﷺ . ثم ذكر من الشروط في الداعي: - أن يدعو بنية صادقة وحضور قلب.

стр. 160

- وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام. - وأن لا يمل من الدعاء. وذكر من شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا بأن لا يكون فيه إثم أو قطيعة رحم. وذكر من شروط الدعاء أن يكون سليمًا من اللحن. وقد أشار الغزالي في الإحياء وتابعه شارحه الزبيدي إلى انقسامها إلى ظاهرية وباطنية حيث قال الغزالي عند ذكر التوبة: "وهو الأدب الباطن" (١)، وقال الزبيدي عند قول الغزالي وهي عشرة: "تسعة منها ظاهرة والعاشر أدب باطني" (٢). وأما الزركشي فقد قسمها أيضًا إلى ظاهرة وباطنة ثم ذكر من الباطنة التوبة وحضور القلب والثقة بالله، والخيفة، والتضرع، وقرع النفس بالتخويف والتفويض إلى الله، وقطع النظر عمن سواه، واجتناب المحرمات، والتعفف عن الشبهات، وتجنب اليأس من الإجابة. ثم ذكر الآداب الظاهرة فذكر الصدقة والصوم والطهارة والصلاة واستقبال القبلة والتطيب بالطيب وخفض الصوت ورفع الأيدي والتعميم وتقديم الثناء والصلاة على النبي ﷺ (٣). الآداب العدمية: وهذه التقسيمات السابقة متداخلة وليس بينها تناف وتضاد وإنما هي اصطلاحات فقط، فلهذا يمكن لنا تقسيمها إلى الآداب العدمية والآداب الثبوتية، ونبدأ بذكر آداب الدعاء العدمية قبل الثبوتية وذلك لأن التخلية

стр. 161

قبل التحلية، ولأن هذه الآداب العدمية أهم من أكثر الآداب الثبوتية لأن العدمية ورد فيها ما يدل على أنها سبب لمنع قبول الدعاء وأن الدعاء يرد بها، وأما الثبوتية فالوارد في أغلبها إنما هو الحث عليها والأمر بها. وقد علم أن باب المنهيات أشد من باب المأمورات كما يدل عليه حديث: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" (١). فالآداب العدمية خمسة: ١ - عدم الاعتداء. ٢ - عدم التلبس بالحرام. ٣ - عدم الاستعجال. ٤ - عدم التعليق. ٥ - عدم الغفلة. ثم إن هذه الآداب العدمية: الخصلة الواحدة منها لها اعتبارات عدة، فباعتبار هي سبب لمنع إجابة الدعاء حيث يعتبر وجودها سببًا لمنع إجابة الدعاء، وباعتبار آخر فهي سبب لإجابة الدعاء وذلك باعتبار عدمها. ولهذا عدها بعضهم في موانع الإجابة ولم يعدها في آداب الدعاء (٢)، والحاصل أن هذه اعتبارات واصطلاحات ولا مشاحة في الاصطلاح. وبعد هذا الإجمال إليك هذه الآداب مفصلة بإيجاز. من آداب الدعاء: عدم الاعتداء: تعريف الاعتداء: هذه المادة تدل على "تجاوز في الشيء وتقدم لما ينبغي أن يقتصر

стр. 162

عليه والتعدي: تجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه والاعتداء مشتق من العدوان" (١). وقد حذر الله تعالى من الاعتداء عمومًا في كل شيء، ونهى عن الاعتداء في الدعاء خصوصًا، فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. فالاعتداء في الآية وإن كان يشمل كل اعتداء إلا أنه لوروده بعد الأمر بالدعاء يدل بصفة خاصة على أهمية عدم الاعتداء في الدعاء، وأن الدعاء الذي يتضمن الاعتداء لا يحبه الله ولا يرضاه فهو إذن لا يستجيب له، هذا ويشمل الاعتداء في الدعاء أمورًا منها: أ - الشرك بالله تعالى في الدعاء فإن أعظم العدوان هو الشرك، وهو وضع العبادة في غير موضعها فهذا العدوان داخل دخولًا أوليًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢). فصرف الدعاء الذي هو من أهم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى إلى التقرب به لعبد فقير لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فهذا الصرف "من أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان" (٣). فمن اعتدى في الدعاء بدعائه لغير الله تعالى سواء دعاه مستقلًا أو دعاه ليكون واسطة فقد ارتكب إثمًا عظيمًا وأبعد نفسه عن رحمة الله تعالى بصرفه لخالص رجائه ورغباته وتوجهاته لغير الله تعالى، فالذين يدعون غير الله تعالى ويرجون قبول دعائهم فقد ضلوا الطريق الصحيح لقبول الدعاء، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].

стр. 163

ب - من الاعتداء الذي تشمله الآية الابتداع في الدعاء، فإن الدعاء عبادة وهي توقيفية، فمن ابتدع عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، فقد اعتدى طوره واعتدى على حق الله الذي هو التشريع. ثم إنه عَبَدَ الله بما لم يشرعه وتقرب إليه بما لم يأذن به وسأل الله تعالى بما لم يأذن له بسؤاله به (١). جـ - من الاعتداء في الدعاء: سؤال الله تعالى ما لا يجوز له سؤاله (٢)، وهذا يتصور في أشياء: ١ - سؤاله ما لا يليق به مثل منازل الأنبياء، وقد فسر بعض السلف الآية بذلك (٣). ويدل على ذلك ما ورد عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء" (٤). وإنما أنكر عبد الله بن مغفل على ابنه هذا الدعاء لأن ابنه طمع فيما لا يبلغه عمله حيث سأل منازل الأنبياء، وهذا اعتداء في الدعاء لما فيه من تجاوز الأدب ويحتمل أنه إنما نهاه لأنه سأل شيئًا معينًا (٥)، ويمكن أنه

стр. 164

نهاه لكونه من تكثير الكلام بدون فائدة (١). فإذا كان هذا الصحابي الجليل ينكر على من يسأل الله تعالى ويخلص له تعالى في سؤاله إلا أنه يسيء في طلب ما لا يليق به ويعد هذا اعتداء فكيف لو رأى من يدعو غير الله تعالى ويستغيث به ويجعل هجيراه ليل نهار نداء اسم الولي إن قام وإن قعد؟ فلا شك أن هذا اعتداء فوق ذلك بكثير، وأي اعتداء أكبر من صرف خالص حق الله تعالى لعبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره؟ ٢ - سؤال الله تعالى المعونة على الحرام (٢). فهذا من الاعتداء في الدعاء فالله لا يحب الحرام ولا الفحشاء فكيف يطلب معاونته على ذلك؟ وقد ورد ما يدل على أن الدعاء الذي يتضمن إثمًا أو قطيعة رحم مردود لا يقبل، قال النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم ما لم يستعجل … إلخ" (٣). فجميع أنواع الحرام داخلة في هذا الحديث: "فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم" (٤). فمن دعا بإثم أو قطيعة رحم فقد اعتدى على غيره وظلمه، فهذا داخل في الاعتداء المنهي عنه في الدعاء. ويدخل في هذا: "أن يسأل ما فيه ظلم لغيره" (٥).

стр. 165

ومن هذا الباب الدعاء على المؤمنين باللعنة والخزي ونحو ذلك، فقد قال بعض السلف في تفسير المعتدين: "هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل فيقولون: اللهم اخزهم .. اللهم العنهم" (١). وذكر ابن الصلاح ﵀ أن كون الدعاء على الشخص اعتداء مشروط بما "إذا كان قصده بالدعاء على فلان غير صحيح فإن كان صحيحًا بأن كان في قصر عمره مثلًا صلاح للمسلمين لظلمه أو نحو ذلك فليس اعتداء" (٢). ومن هذا الباب تحجير رحمة الله وتضييقها، وذلك بطلبها لنفسه خاصة ومنعها لغيره من المسلمين، ومن ذلك قول الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا"، فقال له النبي ﷺ : "لقد تحجرت واسعًا" (٣) يريد رحمة الله (٤). ومثل الدعاء على المؤمنين الدعاء على نفسه وأهله وعلى أمواله فقد نهينا عن ذلك، قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم" (٥). فالذي يدعو على نفسه أو أهله أو ماله فقد اعتدى على حق نفسه ثم إن نفسه ملك الله تعالى فلا يجوز له أن يتعدى فيها ما شرعه الله.

стр. 166

ويدخل في هذا أيضًا الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا فإن العبد عليه أن يطمع في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء وفي عفوه ومغفرته وجوده وفضله فيسأل العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من قول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (١). وقد وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يقولون ذلك عندما يفرغون من أعمال الحج وأن لهم نصيبًا في الدنيا والآخرة بسبب هذا القول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠١ - ٢٠٢]. ولهذا لما عاد النبي ﷺ مريضًا صار كالفرخ من الضعف فسأله: "هل كنت تدعو بشيء؟ " قال: نعم كنت أقول: "اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا" قال رسول الله ﷺ : "سبحان الله، لا تطيقه!! أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ " (٢). ويدخل في هذا الدعاء على النفس بالموت لضر نزل به فمن هنا نهي عن الدعاء بالموت وتمنيه فيما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا" (٣). ففي الدعاء على النفس بالموت اعتداء على النفس وهي ليست من حق الإنسان بل هي ملك الله تعالى كما أنه اعتداء على الدعاء المشروع الذي هو طلب العافية في الدنيا والآخرة إلى الدعاء غير المشروع.

стр. 167

٣ - سؤاله تعالى ما يناقض حكمته، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به (١). ويتصور هذا في عدة أمور قد أكثر بعضهم (٢) ضرب الأمثلة لهذه الأمور، ونوجزها فيما يلي: ١ - الدعاء بالمحال كالدعاء بدخول إبليس وأبي جهل وأضرابهما الجنة، والدعاء بمثل هذا يصل حكمه عند بعضهم إلى الكفر لما في ذلك من طلب إكذاب الله تعالى لنفسه (٣). ٢ - الدعاء بما لا مطمع فيه كمن يدعو بالخلود في الدنيا، وقد علم أن الله استأثر بالبقاء وكتب الفناء على خلقه (٤). ومن هذا الباب الدعاء برفع لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب أو يسأله أن يهب له ولدًا من غير زوجة (٥). ٣ - الدعاء بما يناقض ما علمه الله تعالى نحو السؤال بأن لا يقيم الساعة (٦).

стр. 168

فالحاصل أن الدعاء المشتمل على سؤال ما هو من خصائص الألوهية كطلب علم الغيب والبقاء في الدنيا أو طلب ما هو من خصائص النبوة كالوحي أو طلب ما يناقض علم الله وشرعه أو خبره يعد مثل هذا من الاعتداء ومن هذا ما يصل إلى الكفر والعياذ بالله، وتعد هذه الأمور من سؤال الرب ﵎ ما لم يكن يفعله (١). د - ومن جملة الاعتداء في الدعاء: سوء الأدب في خطاب الله ومناجاته، وذلك بأن يخاطب الداعي "ربه جل ثناؤه بما لو خاطب به كفؤه وقرينه ينسبه إلى قلة الحياء، وسوء الأدب أو ركاكة العقل" (٢). وهذا الأمر يتصور في أشياء منها: ١ - رفع الصوت بالدعاء رفعًا يخل بالأدب، قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، (ت ١٥٠ هـ): "من الاعتداء رفع الصوت، والنداء في الدعاء والصياح" (٣). وأما الرفع غير المخل بالأدب -إذا كان لقصد التعليم- فجائز كما نقل عن النبي ﷺ أنه جهر في أدعية وذلك لتعليم أصحابه فيكون له أجران أجر الدعاء وأجر التعليم (٤). ٢ - دعاء الله تعالى بدون تضرع في دعائه تعالى وخطابه، فإن دعاء غير المتضرع يشبه المستغني المدل على ربه، وهذا من أعظم الاعتداء، لمنافاته لدعاء الذليل فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد (٥).

стр. 169

ويدل على كون هذا من الاعتداء في الدعاء أن الله تعالى قال أولًا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ثم عقبه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فدل هذا على أن عدم التضرع اعتداء في الدعاء كما أن عدم الخفية يعد اعتداء. ٣ - تكثير الكلام الذي لا حاجة إليه، فقد جعله بعض الصحابة من الاعتداء في الدعاء، روى أبو داود وغيره عن ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعني أبي وأنا أقول: "اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وبهجتها، وكذا وكذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء"، فإياك أن تكون منهم، إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر" (١) (٢). وقد علل بعض العلماء نهي سعد لابنه عن هذا بكونه طلبًا لما لا يليق به من منازل الأنبياء ويمكن أن يكون النهي لعدة علل لأن العلل لا تتزاحم فالشيء الواحد قد تكون له عدة علل. وقد تقدم نقل ما يفيد ذلك في نهي عبد الله بن مغفل لابنه عن نحو ذلك. ٤ - تكلف (٣) السجع في الدعاء، وتكلف صنعة الكلام له، وفي البخاري عن ابن عباس في وصيته لمولاه عكرمة: "فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب" (٤).

стр. 170

والسجع المذموم في الدعاء هو المتكلف فإنه يذهب بالخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظاً فلا بأس به بل هو حسن (١). ويدل لذلك ما ورد من الأدعية مسجعاً نحو قوله ﷺ : "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع" (٢). ومن ذلك قوله ﷺ : "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب" (٣). وهذا الذي وقع في الأحاديث الصحيحة من السجع كان يصدر من غير قصد إليه. ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام (٤). وقد أنكر العلماء الأدعية المسجعة إنكاراً شديداً وبيّنوا كونها من موانع إجابة الدعاء، قال القرطبي بعد أن ذكر أنواع الاعتداء في الدعاء: "ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظاً مفقرة وكلمات مسجعة، قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسول الله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء" (٥). والقرطبي رحمه الله تعالى يشير بهذا إلى ما يصطنعه بعض الناس من الأدعية المبتدعة وتكون في الغالب أحزاباً مجزأة على عدد الأيام والشهور

стр. 171

أو على الحوادث والملمات كما أنها تكون بالسجع المتكلف، ويزداد الأمر سوءاً وخطراً إذا كانت مشتملة على الاعتداء في المعنى بالاستغاثة بغير الله تعالى ونحو ذلك. ثم إن الذين يدعون بتلك الأدعية يغنون ويطربون بها وربما تشبه أصواتهم أصوات المغنين، وقد أنكر العلماء هذه الفعلة في الأدعية أيضاً. قال الكمال ابن الهمام الحنفي (ت ٨٦١ هـ): ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتهار لتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس فكأنه قال: اعجبوا من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان (١). وممن أنكر ذلك أيضاً المفسر الألوسي فإنه ذكر كراهة رفع الصوت بالدعاء ثم قال: "وترى كثيراً من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء، خصوصاً في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستك المسامع وتستد، ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء، وكون ذلك في المسجد" (٢).

стр. 172

وممن أنكر ذلك قبل هؤلاء أبو بكر الطرطوشي فإنه ذكر أن ذلك ليس من كلام الماضين وأنَّه ينافي مقام الدعاء من التذلل والخشوع إذ السجع تكلف وتصنع واشتغال الخواطر بإقامة الأوزان (١). هذا وبعد أن استعرضنا ما ذكره العلماء من معاني الاعتداء ينبغي أن يعلم أنه ليس معنى الاعتداء الإكثار من الدعاء خلافاً لما يتبادر من لفظ الاعتداء لأننا أمرنا بالإكثار من الدعاء (٢). عدم التلبس بالحرام (٣): من أهم آداب الدعاء أن يكون الداعي مجتنباً للتلبس بالحرام أكلاً وشرباً ولبساً وتغذية فلهذا ينبغي له أن يتحرى ويجتهد إذا أراد أن يكون مجاب الدعوة، في أن يكون متلبساً بالحلال أكلاً وشرباً ولبساً وتغذية. فللحلال سر عجيب في قبول الأعمال عند الله تعالى .. كما أن للحرام منعاً وسداً وشؤماً على متناوله، ومن ذلك رد طاعته، وعدم قبول الأعمال، ومن الأعمال المهمة التي ترد بالتلبس بالحرام الدعاء، فقد جاء ذلك مصرحاً في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل

стр. 173

يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك" (١). وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله وذكر الدعاء كمثال على العمل الصالح الذي لا يقبل مع الحرام وإن أكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء (٢). وفي الحديث أيضاً الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بالحلال لمن أراد الدعاء أكثر من غيره (٣). وهذا الذي ذكر من أن التلبس بالحلال من أسباب الإجابة كما أن التلبس بالحرام يمنع من الإجابة، ليس معناه أن هذا لازم في كل دعاء وأنَّه لا يقبل أي دعاء إلا ممن يأكل الحلال، وإنما هذا إشارة إلى أن هذا هو الدعاء الأقرب إلى الإجابة وإلى هذا المعنى أشار في الحديث بقوله: "فأنى يستجاب له" أي "كيف يستجاب له فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس صريحاً في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه" (٤). عدم الاستعجال (٥): ومن أهم آداب الدعاء أن لا يستعجل الداعي في دعوته، فيستحسر

стр. 174

ويسأم ويترك الدعاء، واللائق بالعبد أن يلازم الطلب ولا ييأس ولا يستعجل، فإن العبد لا يعرف المصلحة هل هي في وقوع المطلوب بالسرعة أو في تأخيرها أو دفع بلاء آخر لا يدريه هو أو ادخار الأجر له في الآخرة؟ وليس ذلك من شأن العبد فعليه أن يكل الأمور إلى عالم الغيب والشهادة ويسأل الله تعالى، ثم إن الدعاء عبادة عظيمة، وليس لمجرد قضاء الحاجات السريعة فقط. وقد ورد النهي عن استعجال الدعاء وأن ذلك من موانع الإجابة فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" وفي لفظ لمسلم: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت فلم أرَ يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدَعُ الدعاء" (١). وقال بعضهم: "لا يكن تأخرُ أَمَدِ العطاء مع الإلحاح في الدعاء مُوجباً ليأسك فهو الذي ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد" (٢). ولعل الحكمة في المنع (٣) من ذلك: ١ - أن هذا القول يدل على تضجر قائله وملله وهذا يؤدي إلى انقطاعه عن الدعاء وتركه له، وفي ذلك ترك لأهم العبادات، وقد أشير إلى هذا في الحديث بقوله: "فيستحسر عند ذلك ويدَع الدعاء". ٢ - أن هذا القول فيه اتهام للرب ﵎ وتبخيل للكريم

стр. 175

الجواد الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء حيث يظن هذا الداعي أنه قد أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة ولكن الله تعالى لم يستجب له. ٣ - أن الاستعجال والتضجر من التأخر فعل من له حق عند آخر يقتضيه وليس لأحد من الله حق حاصل عنده متأخر عنه فيستعجل به ويتضجر من تأخره مع أن إجابة الدعاء فضل من الله تعالى على العبد الداعي يعطيه إذا شاء تفضلاً وتكرماً ولكنه يعطيه في الوقت المناسب على الوجه المناسب الذي يريده لا على ما يريده العبد. هذا ومما ينبغي التفطن له أنه ليس من معنى (١) الاستعجال: سؤال الداعي ربه أن يعجل له الإجابة. عدم التعليق (٢): من آداب الدعاء المهمة أن لا يعلق الدعاء ولا يتردد، بل عليه العزم والجد والاجتهاد في الطلب من غير ضعف ولا تردد، ولا تعليق على المشيئة، وذلك بأن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، أو أعطني إن شئت. وإنما لم يحتج إلى التعليق على المشيئة مع أنه مطلوب في كل شيء يقع في المستقبل؛ لأنَّه إنما يحتاج إلى ذلك إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه، ويُعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله سبحانه فإنه لا مكره له فلا فائدة في التعليق (٣). وقد أمر النبي ﷺ بالعزم في الطلب، ونهى عن التعليق بالمشيئة فقد روى أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم

стр. 176

فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له" (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له". وفي لفظ لمسلم: "وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه". وفي لفظ آخر له أيضاً: "فإن الله صانع ما شاء لا مكره له" (٢) ففي هذه الأحاديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريماً، وقد قال ابن عيينة: "لا يمنعن أحدًا من الدعاء ما يعلم في نفسه -يعني من التقصير- فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ (٣). وقد فسر بعضهم العزم الوارد في هذه الأحاديث بحسن الظن بالله تعالى في الإجابة (٤). وهو قريب من المعنى الأول، وحسن الظن مطلوب في الدعاء أيضاً لما ورد في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني" (٥). ومما ينبغي أن يعلم أن النهي عن التعليق خاص بما هو خير محض من المطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة والمطالب الدنيوية المعينة على الدين كالعافية والرزق، وأما الأمور التي لا يتحقق العبد مصلحتها وعواقبها فيعلقها على اختيار ربه له الأصلح كما في دعاء الاستخارة الوارد (٦).

стр. 177

والسر في النهي عن التعليق هو أن عدم العزم في السؤال لا يليق بالبائس الفقير ذي الحاجة الشديدة وإنما يليق بمن يمكن الاستغناء له، ولا أحد يستغني عن فضل الله وجوده وكرمه، وأما المضطر فإنه يجزم ويسأل سؤال الفقير المضطر إلى ما سأله (١). ثم إن الداعي إذا لم يكن جازماً لم يكن رجاؤه صادقاً قوياً لأن الباعث على الدعاء هو الرجاء فإذا كان الغالب على قلب الداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صادقاً، فلا يخلص الدعاء ولا يتحقق منه الإلحاح في الطلب لأنَّه لم يتحقق الباعث عليه، والداعي إنما يجاب تصديقاً لرجائه فإذا لم يصدق رجاؤه لم يستوجب أن يجاب (٢). وذلك لأن روح الدعاء وسره هو رغبة النفس في الشيء مع تطلعها إلى الملأ الأعلى والطلب بالشك يشتت العزيمة ويفتر الهمة (٣). ثم إن عدم الجزم فيه سوء ظن بالله تعالى لأن الداعي إذا لم يدع ربه على يقين أنه يجيبه فعدم إجابته إما لعجز المدعو، أو بخله، أو عدم علمه بالابتهال، وكل هذا محال على الله تعالى (٤). عدم الغفلة والتكاسل (٥): فالدعاء دواء نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب تبطل قوته، ومن المعلوم أن مقصود مقصود الدعاء هو حضور القلب ولكن الغفلة وضعف حضور القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، هذه الأمور

стр. 178

تضعف قوة الدعاء وتبطل تأثيره فيكون بمنزلة القوس الرخو جداً فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً (١). ولهذا حث الرسول ﷺ على حضور القلب وحذر من الغفلة وأخبر أنها مانعة من قبول الدعاء، فقال صلوات الله وسلامه عليه: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غَافِل لَاهٍ" (٢). هذا إذا كان يمكن للداعي إحضار قلبه فأما إذا كان لا يمكنه ذلك وليس في وسعه إلا الدعاء وهو ساه فالدعاء أفضل من تركه (٣).

стр. 179

المبحث الثاني في آداب الدعاء الثبوتية فالمراد من الثبوتية هي الآداب التي يطلب ثبوتها ووجودها، فلهذا يمكن تسميتها آداباً وجودية أو إيجابية، بمعنى الإيجاب ضد النفي والسلب، وهذه الآداب الثبوتية كثيرة نقتصر هنا على أهمها وأصحها دليلاً، وهي كالآتي: ١ - الإخلاص. ٢ - التوبة. ٣ - التضرع والخشوع. ٤ - الإلحاح والتكرار. ٥ - الإكثار من الدعاء في الرخاء. ٦ - خفض الصوت. ٧ - التوسل بأسماء الله الحسنى. ٨ - اختيار جوامع الكلم. ٩ - استقبال القبلة. ١٠ - الطهارة. ١١ - الافتتاح بالثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه محمد وعلى آله وصحبه ﷺ .

стр. 180

١٢ - رفع اليدين. ١٣ - تحري الأوقات الفاضلة. ١٤ - تحري الأماكن الفاضلة. ١٥ - تحري الأحوال الفاضلة. فهذه هي بعض الآداب الثبوتية إجمالاً وإليك تفصيلها بإيجاز: الإخلاص في الدعاء (١): وهو أهم هذه الآداب وأوكدها لأن عدم إخلاص الدعاء الله تعالى تارة يكون شركاً صريحاً مخرجاً عن الملة، وقد يكون شركاً أصغر فيكون الدعاء محبطاً لا يمكن قبوله واستجابته. وقد أمر الله تعالى بالإخلاص في الدعاء فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥]. وقال عز من قائل: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩]. وقال الحافظ ابن حجر ﵀، وقد دلت الآية يعني بها قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] أن الإجابة مشترطة بالإخلاص (٢). وقال ابن مسعود ﵁: "إن الله لا يقبل من مسمع، ولا
следующие страницы →